أخبار عاجلة

«طيور» يحيى المنذري «الزجاجية» فـي مواجهة الجدران والمرايا

يقسم القاص العماني يحيى سلام المنذري مجموعته القصصية الصادرة عن دار نينوى والمعنونة بـ«الطيور الزجاجية» إلى ثلاثة أقسام طارحا فكرة أن المجموعة مكونة من ثلاث مجموعات لكل منها قصصها الخمس التي تدور في فلك ما، أراده الكاتب وفق رؤيته، لكن الشخصيات تتشابه، مروقا من فم المجتمع (الصغير) ببساطة اللغة التي تتشكل بالحوار حينا عامية محلية، وأحيانا بلغة عربية، فصحى ومرة يسقط في فخ الجمع بينهما ضمن نفس الحوار.
في الجزء الأول من الإصدار الذي يأتي في نحو مائة صفحة يندس العنوان الرئيسي الذي تتخذه المجموعة «الطيور الزجاجية» كثاني النصوص فيها، والبداية من طائرة تبدد لون السماء، وبعدها إنقاذ وليلة الخنجر وخوف العصافير الصغيرة، وفي الجزء الثاني لا يحيد عن مفردة الزجاجية مبتدئا بسر الورقة، ثم الباب الزجاجي والقطط الزجاجية عبورا بالساق والبيوت الحزينة.
والجزء الثالث يتضمن عناوين يوم واحد يتلألأ في عيني، من جدار أبيض إلى جدار أسود، جدران ومرايا، وكر الحلاقين، الممثل، في إشارات للحالة الزجاجية التي عليها الشخوص أو ما يواجههم لا تكاد تخلو منها قصة، مشتركة مع الجدران المتكدسة في غالبية نصوص المجموعة، ويرتب القاص أوراقه لتكون أشبه برسم لوحات كثيمة يعتمد عليها في سائر مجموعاته القصصية السابقة.
في قصة «الطيور الزجاجية» يعود المنذري إلى تقسيم النص أيضا، ووضعه كلوحة مكونة من ستة أجزاء، أو مشهد من ست لوحات يشكلها بصريا، نرى في أولها «نقطة سوداء صغيرة» ثم «كرات زجاجية» و«بنت بليس» وهي لفظة محلية دالة على الاحتلام في النوم كدلالة على سن البلوغ، لتأتي اللوحة الرابعة راسمة على مشهد ذبح جدي، ورغم أنها قصة منفصلة من حيث بنائها الفني وحالة التوتر النفسي للشخوص، البطل ومواجهته لسكين الرجل الذي استقدمه والده لذبح الجدي، وأسئلته المطروحة على علاقة السكين بضحاياها.
في المقطع الخامس المندرج تحت هذا العنوان تلوح قصة أخرى يختزلها المنذري فلا يترك لها الاستقلال عن نص «الطيور الزجاجية» فتتابع حكايات مازن سابرا عمقا آخر في المجتمع، وحالات انحراف تترصد المراهقين.
يمزج المنذري بين الواقع واللاواقع، كما يلاحظ في قصة الطيور الزجاجية، حيث البطل الذي «أصبح كائنا خرافيا بدائيا يخرج من البيت ليمضي في شارع أسود» والطيور الزجاجية المتراقصة حول رأسه «تنقر ذاكرته تاركة فيها ثقوبا تخر منها رعشات حزن»ص15، حيث الرجل ذي السن الذهبية يقدم عرضه لمازن، عشرة ريالات وزجاجة يريد منه ملئها بفائضه من الحيوانات المنوية، وهناك صاحبه الذي أعطاه صاحب السن الذهبية خمسين ريالا مقابل فانلته التي قضى الشرط بينهما أن يرتديها شهرا كاملا.
في قصة «يوم واحد يتلألأ في عيني» يجاهد البطل منع الطائر الأسطوري من الوصول إليه «لينقر الجزء الخاص بالتفكير» في رأسه «محاولا تفتيته قطعة قطعة ليصبح لاشيء»، مقاربا الحلمي بالواقعي، كأنه يريد تقديم الواقع عبر الحلم، الخيال الدافق الذي ينسحب لصالح حديث الكاتب/ ذاته، الذات التي يتقمصها لتمرير أفكاره عن الحياة والعائلة، والتقريرية المباشرة المؤثرة على حيوية النص رغم البدايات المحاولة للعبور نحو منطقة الحلم والمخيال البعيد، لكنه يعود للواقع حيث «الآن لا يجب الاعتماد على راتب الحكومة»، و«انني أنتمي لتلك الشريحة من الموظفين أصحاب النوايا الحسنة والمبادئ والمثابرة والطموح، ليس مكاننا هنا بين هذه الذئاب التي تعلن الحرب لأجل مصالحها، وأهدافها هي بطونها والصراع حول الكراسي»ص76، 77.
المنذري متمسك بأدواته التشكيلية، إذا لم يرسم المشهد فإنه يبرز فيه كرسام، حيث غواية القص، ففي نص «يوم واحد يتلألأ في عيني» يتساءل لماذا لم يرسم السدرة، مسترجعا لوحته التي لم تكتمل، متتبعا مشاهد الصور (الصور الملونة التي تجمع اخوته واخواته) ودخوله في «عالم سينمائي» يصبح ملاذا لتقديم المزيد من اللوحات الفنية، كأنه العالم الذي يبحث الكاتب عنه ليحلق فيه فيجد الطائر الذي نقر بقوة رأسه محدثا فيه فوهة كبيرة سقط منها كل شيء.
في قصصه تبدو الشخصيات صغيرة، أطفال أو فتيان يحلمون أن يكبروا، في خوف العصافير الصغيرة يخشى الأطفال معلمهم وجدول الضرب المقترن بالضرب، مازج المنذري بين رعب العصافير من الأفعى وخوف الطلبة من المعلم، لكنه طريق المعرفة، كما يحدد القاص وهو يجعله الدرب الموصل الذي يجعل العصافير تهنأ «براحة المعرفة»ص35.
أغلب شخصيات المنذري حالمة، لكنها سلبية إذ تعاني من الواقع حولها، تدور في حلقة الجدران والمرايا، تنظر للزجاج كحلم أو شظايا، في القصة الأولى حمود، الحالم بركوب أرجوحة في حديقة خضراء، الشخصية التي تعاني من فقد الأب الذي رحل ولم يعد، «ربما خطفته حورية جميلة وعاش معها على ضفاف الشواطئ الهندية»ص11، يبيع الشربت «الفيمتو» لمنتظري مرور الموكب.
ترتكز النصوص على قلق الأسئلة والمنولوج الداخلي للشخصيات، حمود يتساءل هل يعود الناس إلى بيوتهم سعداء بعد مشاهدتهم للموكب، حيث وقفوا ساعات رغم شدة الحر؟، وهناك مازن الذي يشهد عملية ذبح الجدي، وأسئلته أيضا عن حالة الضحية وهو يمد عينيه إلى السكين والجزار. 
والرجل «الذي بدون اسم».. الكائن البسيط يبحث عن «سر الورقة» حيث يشعر أنها طاقة القدر التي انفتحت له ساعة حظ، الإنسان المهزوم حين يرى في «الشيك» الممنوح له من الرجل الرأسمالي بوابة تحقيق الأحلام، «بالون ينفجر ويمطره بالنقود».. لكن البالون ممتلئ بالهواء، والنقود لا تغطي أجرة سيارة التاكسي المتنقل بين بنك وبنك بحثا عن أيها يدس القبعة السحرية المحققة للأحلام، ويبدو كأنه ذات الرجل (في النص التالي) وهو يسير إلى رأسمالي آخر، مكتبه وراء باب زجاجي، لكن المدير العام مشغول عن ذلك الكائن البائس، وسيدخل في اجتماع طويل كي لا يراه، مع ربط بين شدة عطشه والماء الذي «تشفطه» المنسقة أمامه، بين الحاجة والتشبع، رائحته المنفرة وملابسه البالية، ورائحتها كأنثى وأناقتها المتباينة مع ذلك الجالس على مقعد جلدي ينتظر دون أمل في انتهاء انتظاره .. أمام الأبواب الزجاجية.
ذات الرجل الذي لم يسمّه الكاتب يبدو في نسخة أخرى في قصة القطط الزجاجية، لكنه هذه المرة جامعي ممتلك لأوراق قد تفتح له الأبواب الزجاجية من أجل ولوج الحياة بطريقة مشرفة، لكن الطوابق كثيرة أمامه، وأوراقه منسية في بقعة ما، وعيون القطط تلاحقه، إنما «اكتشف أنه ضعيف .. ضعيف لدرجة أن الأشياء البغيضة تغلبه بسهولة».
ينوّع يحيى المنذري مرة أخرى في نص بعنوان الساق، فيضع ست لوحات أخرى بدون ترقيم هذه المرة، نص طويل آثر أن يقسمه إلى المشاهد الستة، منصور وهو يغالب ساقه اليمنى التي تعاني من لعنة يبحث عن سرها، «تنتصب إلى الأمام بدون إرادته ثم ترتد مرة أخرى فتصفع الأرض بقوة»، فيأمر زوجته أن تربطها إلى السرير، وفي نهاية المشهد يصل إلى قسم الأعصاب والجراحة بالمستشفى «يسقط نفسه في مشاعره المتناقضة المشدودة بسبب الألم ويتمتم أمنيته: ليت الصباح لا يأتي»ص62.
من عمق التصوير والبحث عن ما ورائيات المعاني يختم الجزء الثاني بالبيوت الحزينة، استعادة لفكرة الجدران الباكية من داخلها، يقدم مشاهد متتابعة لا تخلو من الضعف حيث حوادث السير تأخذ ضحاياها من بيننا، أقارب وأصدقاء، بما يؤثر على جمالية القصّ وخروجه إلى سرد حالات إنسانية ترحل عن دنيانا، تتابع أصوات الأخبار عن أموات يرحلون بسبب حوادث السير، تاركين البطل/ الشخصية المحورية «يشاهد بيوتا حزينة تعبر أمامه، وللبيوت أعين تنزف دموعا» محاولا إخراج الصور من مباشرتها إلى خاتمة شعرية تعيد إليها بعض ألقها «ثم تتحول البيوت إلى فقاعات وتتلاشى وتظل الشوارع تتلوى وحدها بدون أحد»ص67.
وفي قصة «من جدار أبيض إلى جدار أسود» يدس أفكاره الشخصية على لسان أبطاله، في المشهد رقم 3 يقول: «ألا يكفي المصر (وهو العمامة) طوال الصباح يمارس دولا الثعبان يلتف حول الرأس ويعصره كليمونة»، وفي المشهد رقم 5 يقول عن الصحف: «نوع من الجرائد التي تصدر يوما لتوسخ عقول قارئيها» ص86.
تسيطر فكرة الجدران على غالبية النصوص، بالتوازي حينا وبالتقاطع أحيانا مع المرايا والزجاج، يبدأ الجزء الأولى للمجموعة بالجدران الخشبية لبيت حمود، وتواصل في النص الرابع بالجدران الخشبية لبيت أيمن وهو يزيح الجدار الفاصل بينهم وبيت الرجل السكير لإنقاذ زوجته التي ضربها، وفي ليلة الخنجر يرى ناصر لوحة للخنجر معلقة على جدار بيت العريس. 
وعبر عنوان مباشر تأتي الجدران كفاعلة في نص «من جدار أبيض إلى جدار أسود» مستفيدة من تباين اللونين لرسم تقاطيع الحياة وتفاعلاتها في 17 مشهد بدت كنصوص قصصية قصيرة جدا، لتزداد كثافة في خمسة مشاهد قبل أخيرة (مشاهد من 12 -16) متحولة إلى سطرين فقط، وتعود في الأخير إلى ثلاثة أسطر في المشهد الأخير، مع اتكائه على غرائبية فنية، متكئا فيها على أفكار الرسام الأسباني سلفادور دالي والمخرج السينمائي الإيطالي فيدريكو فيلليني ذاكرا إياهما بالاسم.
فكرة الجدران والمرايا تطل بشكل مباشر في قصة تحمل المفردتين معا، لكن البناء الفني لم يكن سوى التقاطة مباشرة لجزء من يوميات رجل، يذهب إلى محل الحلاقة، ويفعل مثلما يفعل غيره، وكأن النص التالي تتمة تكمل ما فات القاص في السابق، فقصة «وكر الحلاقين»، وصولا إلى آخر قصص المجموعة «الممثل» التي تعرض يوميات أخرى مجتزئة من الواقع العادي واللامدهش، رجل يقرأ رواية ويشاهد التلفزيون حيث الممثل الذي كتب خمسين صفحة ولم يجد القصة بعد، ويبدو أن المنذري أضاع القصة في دهشتها، مكتفيا بدور التشكيلي الذي يرسم الواقع مثلما تفعل آلة التصوير، فتأتي الصورة من الواقع لكنها مفتقدة للدهشة اللاعبة على حبل الخيال.. والمشي فوق جسوره.
 

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …