ظلال لا تعني شيئا

ما الذي يشعل الصليل في بيت جارنا ، جارنا الذي ما أرانا النهار وجهه ولا أنبأت عن قدومه العصافير ، فيتقشر الظلام عن امرأة تنحني كأوزة ، تنخل تراب البيت وتنفض ، فتتعارك أشباح التراب وتتسلل من الباب الموارب ، حيث جزع النخلة قابع كعجوز أمام البيت ، تحاصره أسراب النمل وتنبت فوقه حكايا العابرين..
قالوا كانت فوقه نخلة مائلة ، تدلي جريدها المنفوش على بيت جارنا ، تصافح فضاءه وضوءه الشاحب وظلين لجارنا وزوجته ، وهما يتماوجان على وقع أكف ومواويل وعبق توابل ، يروحان ويجيئان ، هما الظلان « متباعدين.. متقاربين ، ومتقوسين.. منفردين..» هكذا على صفحة الجريد ، والنخلة تنحني كلما زاد التماوج ، فتتسع عيون تبص من تحت السطوح وقباب الأفران والبيوت المتلاصقة ، وتنسج الأفواه خيوط حكايات تنبدر عبر الدروب والموارد والأسواق والبلاد البعيدة ، تقابل جارنا أينما ذهب ، تتشابك المواويل والضحكات ورقصة الليل ، دائرة تلتف حول المرأة وتحاصرها ، تتبعها القهقهات والغمزات من خلف الأبواب المواربة وجذوع الأشجار ونقوش الظل ، فتنكفئ وتعتدل وتكبكب جرتها على صدرها اللاهث وأنينها المتقطع.
والنخلة تلملم ظلها وتعتدل في وجه النهار، وكأنها لم تراقب البيت وجريدها لم يرو الحكايا.
إجتثها جارنا ونحن في أحضان أمهاتنا لا نعلم شيئا ، فقط نسمع خبطات مناشير تنحر في لجج الظلام ، لهاث متتابع وأنفاس محاذرة ، أزيز يتنامى كالرعد يسحق الآذان المتنصتة ، والنخلة تطقطق ثم تميل شارخة رماد الظلام ، تخبط على تراب الشارع اللدن ، فتطير يمامة مختبئة ، وتختبئ حمامات أخرجت رؤوسها من البناني ، يلتئم الفراغ وتحتضر خيوط الضوء في بحر الظلام ، وفي الصباح ما رأينا جارنا ولا عشرات البلط ، ولا الدهشة على وجه المرأة وهي تحمل جرتها وتمضي صوب النهر ، ولا نخلة كانت هنا ، كان التراب مخربشا ، والشارع فارغاً إلا من زرازير تتخطف أشياء لا نراها ، وتنط محاذرة الأبواب المواربة.
جارنا يسوق حماره ويسرح بخرجيه في غبشة الفجر ، يغوص في اللزوجة والندى وانحناءات الطرق حيث البلاد البعيدة ، فلا نرى سوى مواضع حوافر حماره خارجة من البيت تلتحم وخربشات العصافير ، ونشم عبق التوابل.
وجارتنا التي ما عطست أبدا.. تسبح في نهر الشارع ، تجر طرحتها السوداء وتمضي ككتلة الظلام العجوز ، وعلى الشاطئ تنحني وتتنصت ، ثم تملأ على مهل ، فلا تسمع سوى قعقعة الماء المتدفق في بطن الجرّة ، تعود خفيفة كاليمامة ، تغلق الباب على لمبة تحتضر وحزم وأعشاب معلقة على الجدار ، وفرن مسود الحواف ، ودجاجات ينخلن البيت بعشرات المناقير ويلتقطن أشياء لا نراها ، وديك يتابع القفز فوق أجسامهم المستسلمة ، وباب يصطك في وجوهنا المتطفلة.
فرس الضوء الشقي يجوب الشوارع ، تتجلى بهجة الأشياء ، ونلتف بحكايتنا حول جذع النخلة ، ورائحة بخور ، وباب يغلق في وجوه أمهاتنا اللاتي افترشن ملاءة الشمس ورحن يقزقزن الحكايات عن نخلة كانت هنا ، تتماوج عليها ظلال مبهجة ، فتسهر البلدة حتى الصباح ، ترى وتشتهي وتنسج وتحكي عن جارنا الذي يسرح في غبشة الفجر ، يبيع بعيدا ويعود وحيدا متدثرا بالظلام ، يتحسس محفظته المنتفخة ، يفضحه نهيق حمار يجلجل في قرية نائمة ، ورائحة توابل تعبئ فراغات الشوارع ، يقتحم مستطيل الضوء ويصفع الباب في وجه الظلام ، بقشر الحرام عن وجهها الطفولي ، فتجلجل ضحكاتها ملء الحقول ، وكأنها ما كانت صامتة ولا وجهها متلفحا ، والذي كان يشق الظلام صامتاً كحجر، يتجرد الأن من صمته الأبدي ويغزل المواويل ، تلف عصاه العوجاء مخربشة وجه الفراغ ، وتدك قدمه تراب البيت ، فيتتطاير عبق التوابل وينتشر تحت سطوح البيوت ، تتعالى قهقهاتها وخشخشة كردانها والغوايش ، وجسدان يروحان ويحيئان في ساحة البيت ، وظلال شاحبة في بحر الظلام لا تعني شيئا .


محمد عبد الحكم حسن *

شاهد أيضاً

شظايا انفجار رواية

«ثمة مكان بالذكرة يسمى (بالمعلول) وهو الجزء المسؤول عن الاحداث الجسيمة التي تخزنها الذاكرة. لكن …