صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

«ظلال نائية» بوابة حزن ودروب كثيرة لسالم الهنداوي

تندرج قصة (ماسح الأحذية) ضمن مجموعة قصصية تتألف من خمس وخمسين قصة، اختلفت في أحجامها ومعانيها للكاتب الليبي (سالم الهنداوي).. عنوان المجموعة (ظلال نائية) التي صدرت في بيروت عن (المؤسسة العربية للدراسات والنشر) وهي مجموعة كُتبت على مدار أزمنة مختلفة، وفي أكثر من بلد، فوق أكثر من رصيف. قصص عاشرت أكثر من ماسح واستهلكت عدد غير قليل من الأحذية، وقديماً كان المشاءون.. أصحاب الحكمة. لذلك لا عجب أن يوسم الهنداوي قصته بعنوان (ماسح الأحذية).
بداية لابد من التعريف المخاتل بـ(سالم الهنداوي) قبل محاولة الإمساك بخيوط اللعبة السرية. الهنداوي كاتب قادم من بعيد، لم يكتمل من مقاعد الدراسة التي لم يطل المقام به عندها، والحروف القليلة التي رسمها بالطبشور على الألواح السوداء ستكمل الحياة بقيتها فيما بعد. إنه الكاتب الراحل بعيداً في فضاء القول والمكان، المعتمِد على نفسه، معرفياً وثقافياً، كما الكثير من الكبار. المؤسس لعبوره دون شهادات تمنحها المؤسسة. غير مسنود إلى حرف الألف، غير متكئ على حرف الدال. المراوغ أحياناً. لا يسبق اسمه غير ريح وكلمات.
يكفيه من كل هذه الزينة اسم (سالم الهنداوي) الكاتب الذي كتب الأسماء، يمر دون ضجيج، دون انتظارات ضبابية أو ترقب احتفاء. قد لا يأتي كاتب يكتب دون ربطة عنق. فقط.. هو يكتب إلى تلك (الظلال النائية) إلى تلك اللحظة البعيدة، فهو يقول في الإهداء:
( إلى تلك اللحظة بالذات)
هل هي اللحظة التي يعيشها بعمق؟
هل هي اللحظة التي يكتب فيها بعمق؟
أم أنها اللحظة التي يتذكر فيها بعمق؟
لم يخطئ (غابرييل غارسيا ماركيز) حين قال: (ليست الحياة كما يعيشها أحدنا وإنما ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه..).
السيرة..
سالم الهنداوي كاتب يأتي من ثقب في بوابة الحزن، قاصداً دروباً كثيرة.. لعل الأمل كان أحدها، الأمل المعلق دوماً في مرارة الانتظار، لكنه ينتصر للحياة أيضاً.. غير أنه انتصار بدموع..
بالرجوع إلى قصص المجموعة سوف نلاحظ أن (الهنداوي) لم يكتبها في أمكنة اعتيادية، وإنما كتبها بين القطارات ونوافذ الثلج البعيدة.. وما أكثر الدهشة في نص بيننا وبينه طائرة ومطارات..
مجموعة (ظلال نائية) تأتي بعد (الجدران) و(الأفواه) و(أصابع في النار).. وتعتبر الإضافة الأهم في حياة الكاتب الأدبية كما يقول الناشر، والإضافة الأهم لهذا الفن من التعبير في سياق التجربة الجديدة للقصة العربية. مجموعة استغرقت الكثير من الوقت ومن التيه، كُتبت على مدى أكثر من عشرة أعوام، في عشرية ناضجة استكملت شروط نضجها واغترابها في النص، هذا النص الذي جاءت ألوانه في حيادية بالمرة، مسافرة في اللون الحالك القديم، باللون الذي يختار أصحابه ويعرفهم أسماً.. أسماً.
كلمات مبتلة بعرق التجوال ببقايا دموع وذكرى ابتسامة غامضة تاهت في الظل البعيد، ولعل النص الذي أرم محاورته قليلاً يدعم هذا الطرح المزاجي غير البريء، بل إنه يلامس إقامة السارد في الأرض وفي نصه على حد سواء.
كيف يمكن لنا أن نقرأ (ماسح الأحذية) بشروط حيادية دون أن نتفاعل معه، دون أن نقيم له وليمة للدهشة وصاحب الأثر رجل يحب الحياة على قدر استطاعته ويكتب تفاصيل اللحظة البسيطة المفزعة التي يعيشها بعمق والتي فيها على حد تعبيره (مفاتيح الدخول إلى الحلم والفزع معاً، من لحظة الوعي بالأنوثة والجمال).. ولذلك فلا عجب حين ينقل هذه اللحظة ويضيف إليها من مخزونه المعرفي والإبداعي، أن يصبح القارئ أمام عالم فاته أن يفهمه أو حتى يتوقف عنده. سريعة هذه اللحظة الاستثنائية.. أسرع حتى مما يترقب القارئ، وأبعد عما يليق بانتظاراته العادية. إن النص (الهنداوي) يخاطب قارئاً متحفزاً يقظاً مستنفر الأحاسيس.
هذه القصة التي تحتل الصفحة التاسعة عشرة (19) من المجموعة جاءت لتضيء الذي تجهم على الرصيف، وتحاول أن تشعل الذي انطفأ. تود الانتصار للمهمَّش من الأشياء (المهمَّش) الذي بإمكانه أن يختزل حالة المثقف نفسها المتغرب فوق الإسفلت، التائه دوماً في رحلة المصافحة مع الرصيف.
اللحظة..
إن قصة (ماسح الأحذية) انطلقت من لحظة فالتة من اللاوعي، لتعبِّر عنها فيما بعد بوعي شاهق لحظة الحالة. القصة هذه ربما انطبق عليها قول (بلال فضل) في تقديمه لمجموعته (بني بجم) و»كل جرح بساعته.. وكل جرح بميعاد».. كتابة لاحقتها لعنة المدينة فركنت إلى المتاح من القول، ولم يكن القائل هنا محتاجاً سوى إلى الرجل المنسي صاحب الإقامة المعلومة ليؤثث من خلاله عراء تداعياته واغتراب حالته على امتداد الرصيف. فللعراء طقوسه أيضاً في خمسين لفظة مع حذف الواو غير المحايدة في خمسين إحالة، وعلى ارتفاع جرح واحد، يسافر بنا الكاتب بعيداً.
يقول الهنداوي: (عشاء ناشف بارد على الرصيف، وبعض القروح، ودنيا برد على المجروح).
تفاصيل شديدة الواقعية، تفاصيل يكتبها بإغراء واثق في سياق يليق بأهمية الشخصية الرئيسية الحاضرة الغائبة، فتصير واقعاً معاشاً منذ البداية ومع السطر الأول المشار إليه، هذا السطر المقتحم في طمأنينة المتيقن بأنه سيشد القارئ حتى ولو كان نافراً، إنه لمن النادر جداً في الكتابة القصصية أن نحفل بسطر أول يلخص تقريباً الزمان والمكان والحدث وحالة الطقس والشخصية موضع الحديث، بل إنه يزيد عن كل ذلك فيمنحها حالتها النفسية الدقيقة والوصف الرقيق الذي يستحقه، سطر ربما استوفى كل شروط التكثيف والاختزال عبر منطوق تفوح منه روائح حزن شفيف.
أصبح القارئ الآن معنياً تماماً بملاحقة النص، يواصل الهنداوي فيقول:
(دنيا لكل اثنين، في مقهى، في حانة، في سينما، في مبغي، على السرير. دنيا لكل اثنين، كأسين، وقبلتين، ومدفأة).
فعلاً هي دنيا، والدنيا لا تحيل إلاَّ على الدنيا، فهي كذلك منذ عهدناها إلى أن تتعهدنا بالغياب.
إن مجرد اختيار الألفاظ ليس أمراً هيناً، فكلها ألفاظ اختيرت بعناية، بألفة وحساسية مفرطة لكي تصب في نفس النسق الرقيق المنساب، وذلك خدمة للنص وإيغالاً في وصف الحالة أو الحالات. أسطر قليلة مكثفة ومركزة فتحت آفاقاً شاسعة على الشظى الدلالي وحقلاً إنسانياً زاخراً بالمعاني والأحاسيس، حتى أن الفضاء أصبح فضاءً نفسياً متخيلاً.
بعد كل هذا التقديم المشحون، يواصل الكاتب مشوار البحث والحفر، ليأذن أخيراً بتلمس الشخصية التي ستعلن إشراقها في المعنى، ذات ربيع غائم في (ليماسول) أواخر الثمانينات.
يقول: ..(وأنا في البرد على هذا الرصيف، أمام آخر حذائين باردين لآخر وحيد في المدينة، المتع في كسل وانطفأ..)
الشخصية/ الحالة هنا، هي بعيدة كل البعد عن ثنائية جميلة بالإمكان تحقيقها، فهي الوحيدة في العراء بلا صحبة/ بل رفيقة، بلا كأسين/ بلا سرير/ بلا قبلتين. بلا مدفأة/ بلا شريك/ بلا أنثى/ بلا أغنية.
رجل وحيد في البرد، مقيم على الرصيف، لا يسأل فيجيب، ولا يقول فيسمع.. كل ثنائية لا تحفل به، بل هي بعيدة عنه، لكنه لن تمنعه من تخيلها ما يصيبه من الخلاص إذاً؟!
على أي إطلالة يقف؟
أمن كل هذا المُتاح لا يجد غير حذائين باردين، أهذا كل ما يليق بضياعه؟ لا عنوان لديه في المتاهة سوى: مستأنس بوحدته.. مستوحش في الكلام.. غير أنه ومع كل الذي يمضي حوله، مع كل الذي يمضي في داخله يورد الكاتب لفظة (التمع) غير المتأنية برقية الإقامة ليرفقها فجأة بـ(انطفأ).. فالحالة هنا مزيج من ثنائية أخرى غير التي انتظر، تأتي من النقيض إلى النقيض. فكلمة (انطفأ) تحكي وضعية حالمة وقاتلة في نفس الوقت.
فالمسافة بين اللمعان في كسل، والانطفاء، لا تعدو أن تكون غير لحظة عابرة، ستترك أثرها فيما بعد وتنحت أسباب بقاءها.
«انطفأ» إذاً هي أخر لفظة تنتهي بها القصة، ومعها ينطفئ نصّ (ماسح الأحذية).
التفاصيل..
لقد كان (سالم الهنداوي) محقاً حين كتب اللحظة العابرة وتفاصيلها البسيطة بعمق ووعي تام، فهي تداعيات خزنها صاحبها، انطلاقاً من لحظة حقيقية وإشراقة كاتب حقيقي، لحظة يرسم فيها الكاتب تغريبته على الرصيف في شكل فني استوعب طروحات الكتابة الجديدة.
عمل فيه اقتصاد لغوي باذخ، بعيد كل البعد عن كل إسراف بلاغي مفرط، أو استعراض سردي مجانب.
يكتب انطلاقاً من: ولا أبسط ولا أعمق.
فهو لا يبحث هنا عن مشروع لغوي مطوَّل يقول فيه أكثر مما يجب أن يقول. فقط هو يبحث عن الذي يبقى بعد أن يُقال.. نصّ فيه الكثير من الشاعرية والشفافية العالية، حتى أن القارئ أحياناً كثيرة يخال نفسه يتعاطى مع قصيدة نثر/ مع قصيدة قصة/ مع قصة قصيدة تروم فتح آفاق جديدة في القول ومساحات أعلى في المعنى. كتابة مفتوحة على كل تأويل، وقاطعة مع ملٍّ سائد سري، وطالما أن المبدع هو الذي يشعر بتراجيديا من حوله، فـ(سالم الهنداوي) لا يحدث بغرائبي من الأحداث أو الوضعيات، كما أنه لا يحاول تهميش البسيط.. المهمَّش أصلاً. قصة (ماسح الأحذية) من الماسح وضعيته الغارقة في النسيان، لتحكي وضعها الأخطر والأعمق.
وضعية صاحبها وضعية المبدع والمثقف، هو عنوان بإمكانه أن يؤرخ أيضاً الرصيف الذي نعرفه الآن أو غداً، أو ربما في سنين قادمة، غير أنه قد يغيب ذات نسيان شاهق ولن يغنيه حينها طوفان الزمن القادم. لكن الأحذية الباردة ستطول إقامتها وستبقى طالما بقيت هناك خطى لابد وأن نمشيها.. مدرك تماماً في لحظة الانكسار والوحدة، تخذله الأرصفة وتشيح عنه أشجاره.
ماسح الأحذية عنوان المرحلة، إنه كلما طال الحزن قصر الكلام.


توفيق الثامري*

شاهد أيضاً

طفول زهران توقظ حزن الأمهات فـي  «نَبْعة»

«نَبْعة»، هي امرأة نعرفها جميعا بالتأكيد، وإن بدتْ أُمّا خاصة. فشعرها المموج يقسمُ الكون إلى …