أخبار عاجلة

عازف العود نصير شمة: التجريد يمنحني احتمالات لا تنتهي المشكلة ليست في الآلة، بل في قدرتك على الابداع

يعتبر نصير شمة العود هوية الموسيقى العربية، مثلما يعد البيانو دستور الموسيقى الغربية، والشعر أحد أغنى روافده في التأليف الموسيقي ويرى أن ادخاله لموسيقى الصورة والحدث والفكرة من خلال العود، نمط جديد، لم يكن سائدا من قبل، وأن أهم أعماله كانت وراءها المرأة، لأنها (كما يقول) فابس يشغل الرجل في كل الأزمان، والمدن التي عاش فيها هي غرف في عقله، كل حجرة لها مدينة بطقوسها ورائحتها وذكرياتها.

نصير شمة (زرياب العراق ) عاشق العود وعازف من طراز رفيع، تفتحت مواهبه الموسيقية مبكرا، في الخامسة من عمره، عندما كان يحمل الراديو ويستمع ويبكي على أنغام رياض السنباطي، فأغنية (القلب يعشق كل جميل ) هي أول ما تعلمه وحفظه وعزفه، درس الموسيقى كبقية تلاميذ المرحلة الابتدائية، لكن شغفه الخاص بالنغم أهله فيما بعد، لدخول معهد الموسيقى العربية في بغداد، حيث درس لمدة ست سنوات، وتخصص في آلة العود.

ونصير شمة المولود عام 1963 في مدينة الكوت (جنوب شرق العراق ) تتلمذ على يد أساتذة كبار أبرزهم (علي الامام )، ثم غادر بغداد الى مدن عربية أخرى: تونس، بيروت، القاهرة، حيث أمس فيها (بيت العود العربي) وألف عددا لافتا من المقطوعات الموسيقية، مثل: غارسيا لوركا- حصار بغداد- قصة حب شرقية – حدث في العامرية – وغيرها، وفي الفترة الأخيرة انصبت جهوده على مزاوجة آلة العود مع الاوركسترا مستفيدا من تجارب معلم العود جميل بشير وتجاربه في الستينات، بطريقة مدروسة هارمونيا وذوقيا، معتمدا فيها على التراث كمادة أساسية لكل من يحلم باضافة جديدة.

ومن هنا شارك في القاهرة مع اوركسترا ( اخناتون ) وعزف منفردا على آلة العود في كونشرتو من تأليف المعلم العراقي الشريف محيى الدين حيدر، ويستعد حاليا لاقامة حفلات موسيقية في بريطانيا على خشبة (رويال البرت هول ) وعلى مسرح (كوين اليزابيت ) في (رويال فيستيفال هول ) كما يستعد لاصدار أسطوانة جديدة بعنوان (من أمسك بيد الحب ؟) في باريس، ويعمل على اسطوانته الرابعة (قبل أن أصلب ) التي ستصدر في امريكا وبريطانيا وهي من وحي الحلاج.

التقينا الفنان شمة في دمشق أثناء زيارته الأولى لها، احيا فيها أمسية موسيقية بعنوان (حصار بغداد) فيما يلي نص الحوار:

* تبدو أعمالك أقرب ما تكون الى ما هو بصري، أكثر مما هو مسموع، ما تأثير الصورة على مناخاتك التأليفية ؟

* إنني أشبه الميلودي الواضح بالمدرسة الانطباعية في التشكيل، فعندما يكون العمل فقيرا في دلالاته ورموزه، سرعان ما تمل الاستماع اليه، لأنه يمنحك انطباعا متكررا، على عكس التجريد الذي يمتلك عشرات الاحتمالات المتغيرة في كل مرة، كذلك الميلودي الواضح، فهو يقودك الى ما هو مريح ولكن ليس أبعد من ذلك، لافتقاده الجدل والتحريض والقراءة المشتركة بين الموسيقى والمتلقي.

واعتبر ادخالي موسيقى الصورة والحدث والفكرة من خلال العود، نمطا جديدا، لم يكن سائدا من قبل، كان ثمة مهارات وأشكال جمالية، لكنها ظلت عند حدود السطح، ولعل ما قادني الى ما هو بصري تعدد مصادري وروافدي الموسيقية المنفتحة على زوايا متعددة، ومحاولة تأسيس علاقة بالمتلقي واشتراكه في الهم والمتعة والنشوة.

* كيف؟

* لابد من بناء جسور جديدة مع المتلقي وأن نعيد العلاقة معه بقوة، فالموسيقي العربية ظلت محايدة وغير مؤثرة لقرون عدة، خاصة في الـ 1400 سنة الأخيرة، وهذا لا يعني أن نهبط في مستوى التذوق بحجة الاقتراب من ذوق المتلقي، لابد أيضا من احداث صدمات تصعق الآخر وتجعله يفكر، وشغلي في هذا الاتجاه عبر موسيقى الصورة، شكل من أشكال العلاقة التي من خلالها يمكن ايصال أكثر الأنغام رمزية وعمقا وأبعادا.

* هل تصب مساهمتك في ادخال العود مع الاوركسترا، في هذا الاتجاه ؟

* نعم، أحاول ادخال العود في مناطق موسيقية جديدة، لم يقربها من قبل، فأنا لا أؤمن بما يسمى موسيقى شرقية وموسيقى غربية، هناك لغة واحدة بلهجات متعددة، تفسح لمن يمتلك أدواته حرية التعبير، لأن المشكلة ليست في نوع الآلة التي تعزف عليها، بل في قدرتك على الابداع، وكيفية التواجد ضمن الآلات الأخرى، وفي تجاربي اشراك العود مع الأوركسترا، محاولة لجعل العود هو الأساس فيما تشكل الأوركسترا الاطارا لعام للفكرة، لكنني عموما، أحب أن أكون منفردا مع العود، فالنجاح يحققه شخص واحد يحكمه منطق التوحد، لأن الخطر محتمل من تعددية الآلات وغياب الانسجام بين العازفين.

* ولكن العود لا يمتلك هارموني مقارنة بالألات الأخرى، هل هو نوع من التحدي؟

* بخصوص عدم امتلاك آلة العود للهارموني، ليس صحيحا، كما أنني لا أتحدى أحدا، لأنني لا اعتبر نفسي في ساحة قتال، نحن نشتغل في محيط يحكمه الجمال والمنطق الروحاني، المشكلة ليست في العود، فهو يمتلك امكانية بلا حدود، لكنها في قصور البعض عن اكتشاف امكاناته، لقد حقق السنباطي بصمة وكذلك منير بشير، ولا تزال الامكانيات مفتوحة أمام العود، فهو يعزف جميع النوتات التي يعزفها البيانو، ويتفوق عليه في (ربع التون ) وهذا ما سأقدمه قريبا في حفلة اوركسترالية.

* تزاوج بين المخزون التراثي القديم وبين التراث المعاصر، ما هو الجسر الذي يربط بينهما في تجربتك الموسيقية ؟

* التراث مادة اساسية لكل من يحلم بإضافة جديدة، لأنني أعتقد أن أي عمل معاصر لن يكون له قيمة حقيقية اذا لم يؤسس على ارث حضاري عميق وثري، لقد غصت عميقا في محاولة فهم الموروث وقمت بتجارب عملية مختلفة، ومن ثم بدأت مشروعي الخاص.

– ولعل ما يفسر حالة الضياع التي تعيشها الأغنية العربية اليوم، هو الانطلاق من الفراغ، لأن صاحب العلم لا يمكن الا أن يبوح به، أما الجاهل فيحركه جهله.

* ما علاك بالنص الصوفي والشعر عموما، وما هي طبيعة العلاقة وانعكاساتها على رؤيتك الموسيقية ؟

* اعتبر أن الشعر أحد أغنى روافدي في التأليف الموسيقي، لذلك أتعامل معه بعين الفاحص ببواطن الجمال.. لا تغريني الجملة ذات الايقاع الرنان، بل الصورة والمرجعية التي تقف وراء أية جملة شعرية مهما كانت صغيرة، أحيانا تدفعني قصيدة ما الى قراءة أربعة كتب من أجل سبر أبعادها واستيعاب جمالياتها.

– اليوم أزعم انني على اطلاع كاف لكل حركة الشعر العربي من الجاهلية الى أدونيس، وبناء على هذه المعطيات، اشتغلت أولا على شعر السياب (رؤية موسيقية لغريب على الخليج وأنشودة المطر) وبعدها حققت تجارب عن أشعار أمل أنقل وبشارة الخوري، اضافة الى أمسية مشتركة مع محمود درويش في تونس وأخرى في برلين، حول ديوانه (لماذا تركت الحصان وحيدا؟) والآن أعمل على شعر أدونيس ضمن بعد آخر مختلف عن تجاربي السابقة، فهذا الشاعر يمنحني مناخات غير محدودة للكتابة الموسيقية.

– عموما، أعتقد أن أي شكل من أشكال الابداع، يعنيني، سواء في العشق الإلهي أو في المقاومة أو في الأرض، المهم قيمة الابداع وقدرته على الاستفزاز، والزاد المعرفي الذي تقدمه لي هذه القيمة، فأنا لا أجد نفسي الا في النصوص العميقة ذات الطبقات المتعددة

* كيف صفت رؤيتك الموسيقية حين كتبت معزوفة (لوركا)؟

* دعاني أدونيس الى مهرجان شعري أقيم في غرناطة لتقديم أمسية في هذه المدينة الأندلسية، وأثناء تواجدنا هناك، تجولنا في المكان الذي شهد مقتل لوركا وكان يقابله تماما جبل عاش فيه لوركا فترة شبابه، في هذه اللحظة وبعد يشبه حلم اليقظة وجدت نفسي أستعيد هذه المشهدية التراجيدية، منذ لحظة خروج الرصاص من البنادق الى ظهر لوركا، هذه اللحظة التي لا تتجاوز الثانية، تصورت انه رفع عينيه باتجاه ذلك الجبل حيث مسقط رأسه، كما تذكرت كيف يجتمع الفجر كل سنة، ليلة مقتل الشاعر في الساحة التي سميت باسمه، ويعزفون حتى الصباح على روح صديقهم، وعندما عدت من هذا المكان مساء، حيث سأقيم حفلة في الليلة ذاتها، لم تغادر مخيلتي هذه المشهدية، ووجدت نفسي في صراع داخلي للتعبير عن هذه الحالة، دون فلسفة، بل فكرت كيف سأعبر عن أمانة الفكرة وتقديمها بصدق، وهكذا ولدت هذه القطعة، وحين حاولت لاحقا، أن أعيد النظر فيها، لم أستطع أن أغير نوتة واحدة طبعا كان ثمة مرجعية معرفية عن هذا الشاعر، فقد قرأته جيدا، ولكن هذه المشهدية كانت المحرض المباشر لولادة مقطوعة (جارسيا لوركا).

* أهديت مقطوعتك (ارتجال ) التي قدمتها في أمسيتك الدمشقية الى روح السنباطي؟

*أعتبر السنباطي فلسفة الشرق في الموسيقى والفناء، لأنه الوحيد الذي يحكم عمله خيط ناظم من أوله الى آخره، لديه بصمة واضحة مثلها مثل السجاد الفارسي. وحين أهديته هذه المعزوفة فلأنني اختبر نفسي في الارتجال، طبعا كان لدي هاجس تقديم (نهاوند- ره ) وهي المنطقة التي يلعب فيها السنباطي، وهذه هي فلسفته في التقاسيم، فأحسست أنه أهدأني الفكرة وفعلا ارتجلتها كاملة نظرا لحبي له وفهمي لموسيقاه، فالسنباطي اشتغل على أصعب الأشكال الموسيقية وأعطاها أجمل الأشكال، وأقصد بها، القصيدة، كما اعتبره انضج مشروع ظهر في التلحين العربي.

* هل تعتبره انعطافة في الموسيقى العربية؟

* نعم، أعتبر أن مشروع السنباطي (في القصيدة المتكاملة الأركان، بأبعادها الموسيقية والجمالية والفلسفية ) انعطافة ناضجة على مستوى الغناء أما على مستوى الموسيقى، فالانعطافة حصلت في ظهور أشكال من التأليف الآلي لمؤلفين عرب، لكن المحاولات مازالت فردية ولم تؤثر بشكل واسع في الذائقة الشعبية، لأن المستمع العربي اعتاد لسنوات طويلة على الكلمة التي هي حامل الفكرة والمضمون، وربما نحتاج الى صبر وعمل دؤوب للوصول الى التأليف الموسيقي خاصة بظهور جيل مؤسس علميا من خلال المعاهد الموسيقية.

* هل هناك أصوات غنائية جديدة، لافتة، تحرضك على التعاون معها لحنيا؟

* لا أنظر الى الأصوات على أنها خامات فقط أو مساحة صوتية، لدي اعتقاد أن الحالة الفنية لا تتجزأ، ابتداء من السلوك الشخصي إلى النتاج، فالقناعات أصبحت تتحكم بها حالة من الدينونة، والمفني اليوم لا يمتلك مشروعا، صار يعرف بأغنية، وليس عبر حالة متكاملة، كأم كلثوم او ناظم الغزالي أو صباح فخري.

* في مقطوعتك (لو كان لي جناح ) قدمت محاكاة للشريف محيى الدين حيدر، كيف تتم المحاكاة موسيقيا؟

* المحاكاة تقوم بناء على جدليات وهذا ما يحصل في الشعر، لكن في الموسيقى يختلف الأمر، وقد بدأت مشوار المحاكاة مع (محيى الدين حيدر) أحد أهم عازفي العود خلال القرن العشرين، كنوع من التذكير به، وعندما كتب ( ليت لي جناح ) لم أبتعد عن المعنى، لكن التكنيك أصعب وأبعد مما توقف عند الشريف، على اية حال هو نوع من التواصل، ليس بمعنى تقديس الماضي ولكن بإضافة رؤية جديدة عليه.

* تحضر المرأة في عناوين مؤلفاتك بتنويعات مختلفة، ما تأثير المرأة على ابداعك الموسيقي؟

* أهم الأعمال كانت وراءها المرأة، فالمرأة هاجس يشغل الرجل في كل الأزمان، ولأن العمل الفني في صلب الجمال، والمرأة تمتلك روح الجمال، فإنني أحلق من خلالها، ففي عملي (رحيل القمر) الذي لم أعلن عنه من قبل، أحاول رصد فترة مهمة من حياتي، هي فترة الدراسة والتأسيس والحلم في أن تكون صاحب خط مغاير، كل هذه الهواجس، أردت اختزالها في هذا العمل، لأنه ارتبط أساسا برحيل امرأة، وقصة حب غير مؤطرة، حاولت أن أعبر عنها بكل الجمالية المتجذرة في داخلي، وبرمزية تتجسد في البناء التأليفي.

* من بغداد، مرورا بتونس، الى القاهرة، حيث تقيم الأن… ماذا تركت هذه المدن في وجدانك؟

* المدن هي غرف في عقلي، كل حجرة لها مدينة بطقوسها ورائحتها وذكرياتها، عشت خمس سنوات في تونس، كانت ثرية للغاية، لانها شكلت سنوات القطاف، بعد أن أسست مشروعي في بغداد، بغداد التي تعلمت فيها، وتربيت في حواريها، وحين أحسست أنها تعرضت للظلم والعدوان، خصصت كل ريع أمسياتي لشراء أدوية لاطفال العراق، وعبرت من خلال موسيقاي عن مدى الظلم الذي طال العراق، لكنني أيضا كتبت عن فلسطين والانتفاضة، لأن احساسي لا يتجزأ تجاه أي حدث يهز وجداي.

– عموما فان كل المدن التي عشت فيها، أثرت في تنوع مصادري، وتنوع مذاقي للأشياء، المهم كيف نصل الى جوهرها، وجودي في تونس، ساعدني على التواصل مع كافة أشكال الابداع، وتعلمت معنى الحرية المطلقة، ومعنى أن تقول رأيك بصراحة بصرف النظر عن الجغرافية… ففي حفلاتي، اعتدت على تقديم القطعة قبل عزفها ولم أعد أهتم بالخطاب الرمزي، طالما أنني معني بمصير شعب كامل، بعيدا عن أية ايديولوجية محددة.

– علمتني المدن أيضا أن أعيش كما أنا، أعبر عن عشقي وترحالي، وعن الشخصيات التي أحب: (جواد سليم او المتنبي أو لوركا أو السياب ) فكلما تراكمت تجربتي، زاد مخزوي المعرفي ونضجي الموسيقي، فأنا أحاول أن أكتب تاريخا ابداعيا لما يحصل في الواقع.

*ما هي المشاريع الجديدة التي تشتغل عليها الأن ؟

* لدي أعمال كثيرة، بعضها لا يزال في طور التحضير وبعضها انتهيت من كتابته وأبرزها العمل الذي أحاول فيه استعادة الطقوس الكربلائية بمشهدية كاملة، استعرض خلالها الماسي التي تسكنني من كربلاء الى اليوم، فأنا ابن هذه الهموم ولست بعيدا عنها، مثلما أنا ابن تلك الحضارة التي تمتد إلى سبعة آلاف سنة.

 
 
حوار: خليل صويلح – ندى أسعد

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …