أخبار عاجلة

عالية ممدوح: تضع يدها على عثرات الرجل وتنتهك خصوصياته في رواية (غرام برغماتي)

*  ليست لدينا رواية غرامية حقيقية، لأننا نكتب عن الالتياع ولا نعيشه
*  وصلت لسِّنْ لا أنتظر فيه  لومة لائم

منذ ان أخذت الروائية العراقية عالية ممدوح الشر على عاتقها، فهي لا تملك إلا وصية قلبها الوحيد، العمل، ومنجزها السردي يتصاعد، لأن الكتابة والكتاب عندها أرواح منيعة إذا كان جيدا، حسب تعبيرها، لذلك لا تجد في الحب حلاً، أو نوعاً من الحل على الأقل في روايتها الجديدة «غرام براغماتي» الصادرة مؤخرا عن دار الساقي، وهي السابعة في منجزها الروائي بعد «ليلى والذئب –1981» «الولع- 1995» «حبات النفتالين -2000» «الغلامة – 2000» «المحبوبات- 2003 نالت عليها جائزة نجيب محفوظ للرواية «التشهي- 2007».
تدور «غرام براغماتي» حول علاقة بين منشدة نصف عراقية «فرنسية» وفوتوغرافي نصف عراقي «بريطاني- ألماني»، يتفق الاثنان على التدوين، ولعل هذا جلّ ما ينجزه «بحر» و«راوية» وهما مغرمان، لنكتشف أن بمقدورنا إرسال مشاعرنا عبر صناديق البريد! لكن يا للخيبة، كيف سيكون شكلها عندما تصل؟
واذا كانت ممدوح المولودة في بغداد عام 1944 قد أفشت الاسرار في رواية «التشهي» ودخلت تحت جلد الرجال، فانها في روايتها الجديدة تقّلب الرجل بين الكلمات والذراعين، مع أنها تعترف بأن النساء لا يعرفن الرجل تماما «وهو أكثر منّا بعدم معرفته لنا»!
ومهما يكن من أمر فان حوار عالية ممدوح أشبه بمشروع «صحفي» بمواصفات «ثقافية»، وروايتها الجديدة تحمل من الاسئلة أكثر بكثير من الاجابات، وبعضها ما نطلقه الآن في هذا الحوار الذي توزع ما بين باريس حيث تقيم ولندن حيث يقيم المحاور.

*  دعينا نبدأ من تقنية الرواية، انك غادرت المواصفات التقليدية الشائعة أو المبتكرة للرواية من دون أن تضعي «تقنيتك الخاصة» في هذا العمل؟

-لدينا أوهام كثيرة مرتبطة بآليات كتابة الرواية، أو الكتابة ذاتها. هذه الحماسة للتقنية والتي تسميها بـ: الشائعة وحتى المبتكرة، لست شغوفة بها من الناحية التنظيرية، لم أتصورها فنا سيئا، شعبيا، وجماهيريا مثلا. أظن جميع التقنيات ممكنة بوصفها تيارات يتلاطم عبرها الكاتب، بالرسائل الصوتية أو الإلكترونية اليوم، باليوميات، بالتقطيع السينمائي، بالنبرة المسرحية في بعض الأحيان، وبالهدم الذي لا تستدعيه طوعا، لكنك تخوض به وإلى الركبْ، ولا تريد أن تلفت إليه الأنظار إلا بهدوء بارد، بجميع ما يخطر على البال من أنواع السخرية والتهكم، الباروديا Parody، ومراجعة  الزيف الحاصل في صناعة الكتابة التي علينا أن نراجعها سويا وأمام القارئ، علينا أن ندعه يعيش معنا حتى لو شعر بالاختناق واللااستقرار، فأنا لم أقترح يوما وفي جميع ما كتبت إلا الاستفزاز، وما علي إلا تزويده بهذا حتى لو صار ضدي، وعلى الخصوص ضدي. التقنية، أو أي نعت تشاء، ينتفي الحكم عليها إلا ضمن قانون المشروع الروائي الذي بين يديك، فهو لا يرتبط بما هو سائد أو زائف أو خادع أو مكرر. لا حجة لديّ أن هذه التقنية في غرام براغماتي مقنعة أو خلاف هذا. كان علي  التوصل لهذه التي تمت ونشرت، وهي تقنية استهوتني فانجذبت لها واعتمدتها، فصل  لـ «راوية» وفصل لـ «بحر»، وضمن الفصل الواحد فصول تشي بأوضاع وحيثيات عديدة كانت تجري على الذات والشقة سويا.

الغرام فعل سياسي

*  حسنا، إلا يبدو انك لم تخططي كثيرا لهذه الرواية وانقدت للسرد والاستذكار، «فكتبتك» أكثر مما «كتبتيها»؟

 ــ وضعت مخططي لهذه الرواية وأنا أكتب فصول «التشهي»، ولو كان بيدي وقتذاك لتركت تلك وباشرت بهذه. في وسعي القول، إن الكاتبة/ الكاتب حين يصل إلى سن الأفول مثلي يتداخل الشخصي دائما بالشخصي جدا، وأكثر مما في سن اليفاعة والنضوج حتى.
هذه رواية عن التصدع والفوات، عن تقنيات الأسى والنفي، عن التلاشي في بلدان بدأ يرقى إليها الشك بحداثتها وما بعدها، ومنذ وقت طويل وعلينا قوله بكل الطرق. هو كتاب عن التلف الروحي الذي قد لا يحتمله بعضنا، فتذهب «راوية» وإلى الأقصى، وهي تقوم بترتيب درجات التلاشي حتى وهي ترمم شقتها من أجل استقبال محبوبها. كان لديها بعض الوقت للتهكم والهزء من كل شيء: الحداثة، باريس الإبليسية، الجيران الملحاحين العجولين، وللغات الهجينة. التلف في الغرب يتوالى، وربما هو تلف أقسى مما يحصل في الشرق، عندنا. هنا يتوالى دون أن نرى صفوفا من الموتى، فأنا لم أشاهد يوما جنازة سائرة أمامي. إنني أرقب المدن وعلاقتها بموتاها، بمقابرها الغناء التي تشبه المنتزه، بأكاليل الزهور والأغصان الريانة التي تحيط بها، كنت أتوقف أمام الكنيسة المجاورة للحي الذي أعيش، وأنتظر كما العشرات لكي أرى بعض المؤشرات على تربية وهندسة الكبت، أنا من جهتي، ربما التي أشاهد مكبوتاتي وهي تُطلق نفسها حين أشاهد دموعي، وبدون تحريات عن الأسباب!!
غرام براغماتي، رواية سياسية أيضا، فالغرام فعل سياسي تخريبي جدا. فبدلا أن نفتح التلفزيون على صور جنائن وحدائق ومعارض ومسارح ومكتبات الخ نرى دعوات للموت التام، للنحيب واللطم وسلب الإرادات.

صفقات مع القراء

*  ألا تعتقدين أنك كنت شاعرة أكثر من روائية في «غرام براغماتي»، كنت تنحتين جملك بحس تعبيري بارع وحكيم، الأمر الذي أفقدك أدواتك الروائية؟

ـ أحد الأصحاب وهو كاتب وشاعر قال لي بعد قراءة الرواية   «عالية، لم أحب هذا الكتاب، هذه كتابة سهلة! وداخل العمل لم أعثر على أي مدلول براغماتي قط». ثم أضاف بلهجة لا تشوبها شائبة الشك مثلك قائلا «طوال قرائتي للرواية أتساءل لماذا كتبتِ هذا الكتاب؟».
بالتأكيد من حق المزاج والذائقة بكل صنوفها أن نرمي هذا الكتاب أو غيره بعيدا عنا، لكن الأمر الذي دعاني للسؤال حقا: كيف بمقدور أحدنا ومهما كانت صلته بالإبداع قريبة أو بعيدة، أن يقوم بالتشكيك التام والنهائي بجدوى هذا الكتاب أو غيره، هذا الكاتب، شعرت انه  يتمتع بصحة نفسية  فائقة، بعافية لا عناء فيها ولا مشقة، فالكتابة الصحيحة ومهما كانت الآراء بجدواها، هي حالة من الضعضعة  الوجودية المطلقة، هي ضد الصحة المتعارف عليها، وضد السهولة التي يبغضها هذا الكاتب وأنا أيضا، وها أنت أيضا تشير علي: إن الانصراف عن الشعر كان أجدى للعملية الإبداعية. لا مباراة بين الاثنين، ولا منافسة قط. على الكتابة أن لا تخضع لأية قواعد أو قوانين إلا قانونها هي، طقسها واستحقاقها أن تكون جيدة، ومن حقها استخدام المتاح، الطائش، اللعب الشاق، الغامض، غير المكتمل لأننا لا نعرف متى يكتمل. بعضنا يعمل صفقة مع القراء وهم الأغلبية، فأين ما تلتفت تراهم أمامك. كتبهم بالأكداس مصفوفة على المصاطب والطاولات وسوف تقع من بين الرفوف، هم الذين يبيعون وبأرقام لا أستطيع تعدادها، وبالطبع بلا توريات. نصادفهم  دوريا وشهريا، وأحيانا أسبوعيا على الشاشة، في معارض الكتب، في الدعوات المفتوحة والتي يعرفون خطوط سير جميع تلك المؤتمرات فلا يغيبون عنها، نساء ورجالا، ألم يشعروا بالوهن، بالتعب، بالسأم، بالقرف مثلا؟ حسنا،  شخصيا الكتابة بالنسبة لي حياة أو موت، أما باقي التفاصيل فلم تعنيني في أي يوم من الأيام.

*  لا أعني انصرافك عن الحسن الشعري في الروي، بقدر ما كنت تنحتين جملتك الروائية شعرياً، أتخيل أنك كنت تعيدين كتابة الجملة الواحدة أكثر من مرة لحساب شعريتها وليست روائيتها؟

– حسنا، فلنقل العناية، والشديدة باللغة. لا تستهويني عبارة النحت، أشعر بها إقحاما، نوعا من الجبرية أو شجارا غير لطيف مع المفردة ومدلولها، سياقها في السطر، وعلى الفقرة التالية وما يجاورها. في جميع ما دونت، حتى المقالات الصحافية أعتني باللغة، أتلذذ، وأتلمظ بكل كلمة. هي رحلة المفردات، الصياغات والأساليب ما بين السطور والصفحات، وألسنة الشخصيات. تسحرني لغة بعض الكاتبات الأجنبيات كمارغريت يورسنار بالذات. لا أحب فضلات اللغة، دعني اسميها هكذا، كما هي فضلة الملابس القديمة، والشغف البائت، أدع الكتاب جانبا إذا كانت لغته مهلهة، ركيكة، وباهتة وتسد النفس، هذا الأمر يوبخني كثيرا.
تقول تعيدين كتابة الجملة، ولماذا لا أفعل هذا؟ هي لحظات وساعات وأعوام اشتغلت بها حسب متطلبات أهمية، وسياق، ومنظومة شحنات وفولتية اللغة، ونظامها الغذائي. فاللغة لها احتفالات، وعلينا عمل الولائم الخصوصية لها، فهذا ما يعزي الروح مما يواجهنا من دمامة وقبح فيما حولنا وبجوارنا، فهل تريد أن تعمى أبصارنا أيضا ونحن نقرأ ؟

  الرجل وحيد جداً

*  لماذا كنت منحازة أكثر لبحر الخليل «البطل» ومتعالية على رواية «البطلة»، لقد عرفنا الكثير عنه والقليل عنها؟

-أول رأي إيجابي وصلني من الصديق الناقد العراقي الجميل الدكتور حاتم الصكر، الذي أكن له تقديرا واعتزازا وهو يكتب لي قائلا: أعجبه هذا التقصي للمشاعر والأحاسيس الجوانية لبحر بالذات الخ. شخصيا بدأت بهذا التقصي منذ رواية المحبوبات حين دّون الابن حياة والدته وهي تحتضر أمامه، فاستذكر تفاصيل غاية في الطرافة والعادية أيضا. ثم أخذ مسارا شبه تام في رواية التشهي، وها هو في غرام براغماتي تكرر لأنه غاص إلى الحد الذي يتضايق منه الرجل عندنا، وربما في الغرب أيضا. أتصور، من هنا جاء نفور ذلك الصديق الذي قال كيت وكذا عن الرواية! أنت تسميه انحيازا، وأنا اسميه جوعاً لصداقة الرجل، نحن النساء لا نعرف الرجل تماما وهو أكثر منّا  بعدم معرفته لنا. ومنذ روايتي الأولى- ليلى والذئب- وأنا أحاول أن أقلبّه بين الكلمات والذراعين. الرجل كائن وحيد جدا ومساحة التعقيد داخله شاسعة جدا، بسبب المسؤوليات الملقاة عليه، من النساء وبالدرجة الأولى. أظن، حتى لو كان محاطا بدزينة من العشيقات والمحبوبات، ليس لأنه في جوع وعطش وصيد دائم، وإنما لأنه مخلوق شديد الفزع. مشاكله مع ذاته وبالدرجة الأولى لم تحل أو تتصفى، فهذا يحتاج لبسالة منقطعة النظير، ولذلك فهو يتورط بالذهاب إلى أمام، كما نرى بعض قادة العالم من حولنا وكيف يتصرفون!.
بعض الكاتبات العربيات لديهن هذه الخصلة أيضا عندما أراهن وهن يصورن بطلات كتبهن بصورة تثير الاستغراب، امرأة  مكتملة الجمال في الشكل وسقوف المعارف، معشوقة من قبل جميع الرجال من حولها، ذكية مثل أنشتاين، وعالمة نفس كفرويد، أنيقة وترتدي أفخر الثياب وعلى الموضة، ثم أنها في العموم ثرية، والأهم مستحيلة، ولا يمكن بلوغها، ما هذا.. هل نحن البشر، نساء ورجالا هكذا، وهل هذا يحصل بالفعل في مجتمعاتنا العربية التي نعرفها ككف اليد! ولذلك عموم النساء والرجال يلتقون بسرعة ويختفون أسرع، يعملون الحب كشغل أضافي خيالي، أما الغرام والالتياع فنحن نكتب عنه أكثر مما نعيشه، ولذلك ليست لدينا رواية غرامية حقيقية، وهذا موضوع يسبب الغم والرثاء أيضا. ولذلك أحاول في كل عمل الاقتراب من الرجل، والتعرف عليه، وبدون منغصات كبيرة فقد وصلت لسنْ لا انتظر فيه  لومة لائم ومن أي فريق. أفضل صداقته ووجوده يدعني أشعر بالطمأنينة، وليس العكس، كما يتصور الرجل. في هذه الرواية وضعت يدي في عثراته الكثيرة، وانتهكت بعض خصوصياته، كلا، لم أبيت مكيدة، فأنا لا أتخيل الوجود بدونه، وهذا ما يضاعف إصراري على الاشتغال عليه، وعلينا سويا. سقراط تحدث عن منفعة العدالة، وراوية كتبت عن نفعية الغرام، هي كانت الأكثر براغماتية، ولكن بصورة جهيرة وعلانية، وهذا يتطلب شجاعة. فهنا العنوان فكاهي تراجيدي، وهو يلائم الحقبة التي نعيشها في جميع أرجاء المعمورة.

الحب حتى انقطاع الأنفاس

*  لم يكن الحب حلا في هذه الرواية فماذا كان إذن؟

-ومتى كان الحب حلا ياعزيزي، هو كالموت يحمل بذرتي الحل والمشكل معا. أظن علينا إكمال المهمة على الوجه الأكمل، علينا أن نغرم بصورة تامة وإلى انقطاع النفّس، ودون أن نضع الحب داخل فلتر أو حوض معقم، فالشوائب التي دخلت إليه، ودائما، وعبر التاريخ البشري لا تتصور، لكن البشر يقومون بتكرار التجربة وإلى ما لا نهاية، هذا قدر البشر والكائنات وبدون تفريق، فلا يجوز التفسير ولا الثرثرة حول الحب، لم تساورني الشكوك حول المحبوب ولا بنفسي، فالحب يتحمل كل شيء بدءا من التفاهة والابتذال وانتهاء بقتل الروح من أجل المحبوب.
عال، هو هكذا، وإذا لم يكن كذلك لما كان بمقدورنا الغرام والعيش والكتابة. حتى اللحظة لا أعرف من هو الأسعد حظا العاشق أو المعشوق، ومن هو الأكثر شقاء وتعاسة؟ حب مفقود ندون يومياته في رواية جيدة، أم غرام غير موجود في الأصل لكننا نحن، ومن جراء الغفلة والوهم ننوح ونعترض على غيابه، وهذا الحظ العاثر، وبالكتابة أيضا. هذه مناورات العشاق، ولا دخل للحب بها قط. وهو تواطؤ نشتغل عليه ونحن نقوم بتكريم بعض أجمل الخونة في حياتنا.

مديح الشك

*  لدي إحساس بـ«الشك» المشروع أو اللامشروع، أنك كتبت الرواية بغير التسلسل المنطقي، ربما كتبت مقاطعا في نهاية الرواية قبل بدايتها، أو منتصف الرواية ثم عدت للبداية، كيف تبددين شكي؟

– الشك فعل وجودي وفلسفي وفني جميل، فأنا مثلك أشك ولكن في مشروعي الروائي والحياتي كله، وبسبب هذا الشك أواصل الكتابة،  أشتغل لكي أتغير، أتعلم وأقوم بتدعيم نفسي وعصبي لذاتي وبالدرجة الأولى. إنني لا أحب الفشل والفاشلين، لكنني دائما  أشعر أنني «على وشك الفشل» هذا التعبير هو ذاته الذي جعلني أقف، وأنهض، أعاود وأستمر لليوم، ودائما كانت الأسباب روحية جوانية. ترى هل هناك تسلسل منطقي في هذا الوجود ذاته، أنا أشتغل كما يشتغل البستاني أحرث من هنا وأدع هناك، أشذب ذاك الطريق وأترك تلك البقعة، وهذا هو ذاته مخ البني آدم، يشتغل يتقافز وينعزل، يرتبك ويأفل الخ.
لدي فضول عارم للتعرف عما يفكر به فلان وعلان من المعارف والأصحاب، بالتأكيد لا أفضل التنظير لا عليّ ولا على غيري، لكني أحث نفسي على تجربة التقلبات السردية ضمن مستويات متعددة كما هو نسيج الدماغ البشري، أو طبقات الأرض، استطرادات، تكرارات، دمج، لصق، محو الخ . لم لا،  الشكوك خلاقة  فسؤال بلا  شك سؤال ساذج جدا.

*  هل هذا يعني أنك تؤكدين صدق شكي في طريقتك بكتابة هذه الرواية؟

ـ ياعزيزي، كانت فكرتي الفورية عمل روايتين، واحدة بصوت بحر والثانية بصوت راوية. بدأت بهذا فعلا، واشتغلت ما يقارب  ثلث الكتاب، لكني شعرت كما لو أن الطبخة في طريقها للحرقْ. كان الجوع يعظنّي حين أكون مع راوية في فقرة ما، فأريد الذهاب حالا لكي أغرف في مياه بحر. أنا لا أكتب كيف ما أتفق، علينا بتحضير المائدة، الشرشف النظيف والمكوي جيدا، الصحون  لماعة، الملاعق والشوك في أماكنها. واللسان ينتظر الوجبة الآتية، فالمواد التي سنصنع منها عينات من الطهي هي التي ستحدد المذاق الشهي، على أن يكون عن طريق خفي . فنحاول تذوق كل هذا وبشهية طيبة حين تبدأ الروائح بالفوحان، والضوع ينتقل من هذا الفم لذاك اللسان، ونحن نتفقد هذا الفصل، هل هو ملائم مع الذي سبقه، والذي يليه. تحليلك غير دقيق، فالذي حصل معي، أنني كنت أحتضر فعليا في الفصلين الأخيرين. هل سأدع راوية تلتقي ببحر أم لا؟ كيف جعلتهما على وشك الموت من حنظل الفراق، ولماذا أكون شريرة لهذا الحد ولا أدعهما يلتقيان مثلا؟.
كنت أحترق معهما، وهذا التفاوت في الاشتعال، ربما، هو الذي جعلك تشعر بما شعرتْ. حتى السطور الأخيرة وأنا أردد هل يجوز أو يحق أن  تٌغرم مؤلفة وكاتبة ببطلها الرجل، وهذا الرجل بالذات. هل لي الحق بهذا النوع من الغرام؟ وكيف سألتقي بهذا المحبوب الذي أعطيته لحما وثيابا أرستقراطية كما ذكر الناقد حاتم الصكر، إننا نمرض أحيانا، ونجن حين نجعل من الحب الدرجة الشاهقة من العافية، أما المرض، مرض الحب، فهو أيضا، وفي الغالب يدعنا ننتشي من أوجاعه.

لا تفاضل بين خراب المدن

*  يبدو المكان في هذه الرواية عائماً، ولم نشعر بتفاصيله، لم نتعرف على برايتون حيث يعيش البطل كما ينبغي، وحتى باريس مكان البطلة كانت أشبه بصورة سياحية مبسطة ليس أكثر، أما بغداد فكانت مجرد ذكرى لمكان، ألم يكن دورك أكبر من هذا؟

ـ تذكرت بعض الكتاب الأجانب والعرب الذين يشغفون بالتوثيق الذي يصل أحيانا ثلاثة أرباع الرواية! بيدهم خارطة أورشليم أو مصر القديمة ويتم التدوين، هذه طريقة واتجاه في الكتابة أقدره لكن أحيانا يفيض عن حاجة المتلقي، وفي مرات يبدو به اقحام  فيطلع عن سوية النسيج الروائي، على الخصوص إذا كانت تتصدره  الأيديولوجية الشاهقة النبرة. باريس وبرايتون وبازل وبغداد كلها تبدأ بحرف الباء، هو استيهام بتفتيت الأحرف، كما هي الذوات متناثرة ومتشظية بين العواصم والمدن. راوية نصف عراقية في باريس. جنان مثقفة عراقية تعمل في جنيف، ليل فنانة تشكيلية مهجرة في باريس، آنيتا مسؤولة مكتبات مصرية تقيم بين بازل وهوف في بريطانيا، السيد أحمد المصري، الصباغ المهاجر من السويس من أجل توفير مالا لأبنته القادمة الجديدة للدنيا، وبحر لا يدعي أي تفاضل بين هذه المدينة أو تلك، لا هذه الحقبة ولا حقبة والده. غريب أنك لاحظت هذا مثلا، ولم تلاحظ، وياللعجب تأريخ لنفي جيلين، ومنذ بدء الثورات في بلدنا العراق، أي منذ الخمسينيات. والد بحر أختار المنفى كمهندس معماري حاول استلهام الفنون التشكيلية في تصاميم العمارات والأحياء السكنية فأنتهى شبه مجنون في مصح نفسي في مدينة براتيون البريطانية. هذه الامبراطوية البريطانية الآفلة، عاد إليها الآفلون أيضا بعد هزيمة مشروعهم التحديثي قبل بدء الثورات في بلدانهم الأصلية. والدة راوية كادت أن تحرق البيت بعد أن جعلت راوية تفر إلى خارج العراق. لدينا قدرة على الفتك ببعضنا، ما بين الآباء والأبناء، أهلنا يقدرون على ذلك في العراق، فهو بلد صار ملجأ للأحقاد والبغض المنظم. هناك كراهية بالفم المليان لكل شيء جميل وبالمطلق، وماعدا الفلوس والسلطة، فكل شيء صالح للبشاعة. المكان المهم في الرواية هي الشقة التي تشتغل على ترميمها راوية، فهي المكان المثالي للتلف، للشح والنفور، وقد لا يكون لنا أي موقع في أي مكان في العالم، فكتبي شخصيا كلها ممنوعة في بلدي وفي بلدان عربية لا أقدر على تعدادها، وأنا شخصيا ممنوعة لزيارة بلدان عربية  لأنني لا أملك جواز سفر عراقي، فأنا مشكوك في عراقيتي، وهذا في رأيي هو الشك على أصوله  وقوانينه، ولذلك، تبقى الكتابة هي الوحيدة التي نقوم عبرها بالترميم والمواساة لنا ولبعضنا، فأبدو عراقية لأنني أمسك بقلبي خارطة العراق، ضدا لزمهرير الغير ـ الغرب ـ والشرق معا.

ثناء خجول

*  وصلت للصفحات الأخيرة من الرواية ولم أشعر سوى أنني في منتصفها، أو كأنني في بدايتها، إنها لم تنته بحل عقدة، أو نهاية مفتوحة، أو أفق للتساؤل، أو عودة للبداية، فكيف يمكن تجنيسها كنوع من الرواية ؟

ـ هذا ثناء خجول لهذا النوع من الكتابة التي تعتمد على التقصي  وعرامة المشاعر والرغبات، فالكتاب أحداثه تتم في الروح، وبين جدران شقة أو داخل القطارات، في تلك الأرواح التي اعتادت الشطط والتشوش. تتصور راوية في غرام براغماتي وهي تكتب وتقطع، ولا تجيب على اتصالات بحر الهاتفية، ان التتمة ستكون لدى المحبوب، تتمة الانخطاف الغرامي. ربما، هذا فعل الكتابة الكاوي للقلب دائما، دائما نعتقد أن القارئ السري يمتلك تتمة مغايرة ما. حسنا، هل في الوجود عمل ما  أنتهى تماما؟ نتوهم هذا لكي لا نجفل من الرعب الذي نؤجله في الفن. الفنون قاطبة على سبيل الحصر، ليست هناك بداية ما موجودة وجاهزة تحت أنظاري، وما أن أمد يدي حتى ألمسها وأستعين بها، ليست هناك خاتمة ستدع الفريسة على مقاس الفخ، نحن في جميع الأحوال فرائس وافخاخ. من جهتي أقر بهذا كله على أن أقوله بصوت خفيض وبدون تشاوف أو أدعاء.

جميع أعمالي ورائي

*  أين تضعين ـ غرام برغماتي ـ بين رواياتك الأخرى. لا أعول على النقد هنا، أو تحيلين الجواب إلى قارئك بقدر ما أطمح بإجابة منك ؟

ـ أضع غرام براغماتي ورائي اليوم. مر عام وبضعة أشهر حين أرسلتها لناشرتي دار الساقي، أي مضى وقت طويل، وأنا شخصيا لا أنتظر بركات إلا من ذاتي، فبدأت العمل حال الانتهاء منها بالتحضير لعمل روائي طويل وإشكالي، ويحتاج لجهد وسفر وتحضير طويل قد يستغرق سنوات، لم العجلة، إذا غادرت الدنيا  كان الغرام خاتمتي، وإذا في القوس منزع سأكمل روايتي التي بيدي. كما أشتغل على كتاب طريف وموجع آخر، عن أوراق المنفى والخوف والشقاء الذي يدعني أقوى على المواصلة. فأنا تنقلت بين قارات ودول وعواصم، وبسبب هذا فكل كتاب لي أراه أول كتاب، وبه أتعلم وأتلعثم أمامه، فأنا لا أعرف أي عمل آخر غير الكتابة، هذا إذا كنت عن جد كاتبة، فما زلت أستغرب للجدية القاتلة والعابسة مع النفس ومع النصوص للبعض من الكاتبات والكتاب فلا يعرفون الفكاهة في تناول الحياة والكتابة ذاتها. دائما  في حالة انتظار لكتاب قادم، ودائما هناك بعض الوقت لكي يكون هذا العمل أفضل مما هو عليه، وهذا أمر مفيد لكنه يثير السأم، ففي الختام علينا إرسال المخطوطة إلى الناشر حتى لو شعرت أن كتابي هذا خذل بعض الأصدقاء، فعافه البعض، واغرم به البعض الآخر. فلا النجاح  أفسدني وأخرجني عن طوري كما فعل مع غيري من الجنسين، ولا الفتور والجفاء الذي لاحقني أيضا أصابني بالاحباط  قط. لم أتنازل يوما أمام أي قارئ، والقراء أعزاء بالطبع، لكني في الأخير أشعر  أنني لم أخذل البعض الآخر. لا أفضل توقعات البعض من هذا الكتاب أو ذاك  بكيت وكيت، أحب حالة اللاتوقعات كثيرا في الكتابة والحياة، فأنتظر قارئا سريا لا أعرف ملامحه أبدا، لكنني أدري أنه موجود يلمس صفحات كتابي هذا أو غيره بحنو وصبر، كما أنا التي أتحلى بالصبر والجلد، وما أكثرهما لدي.
 

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …