أخبار عاجلة

عبدالكريم كاصد: اغترابنا كالسائر في الهواء بين أقوام لا نعرفهم

وفي أجوبته عبر هذا الحوار لا يغالط عبدالكريم كاصد رؤيته الشعرية، ولا يفلسف بما يثقل كاهل الشعر، فهو متمسك بقناعة أن للشعر من يحميه ألا وهو الشعر نفسه، بهذا لم يمت المتنبي وأبونواس وامرؤ القيس، رغم اننا لا نملك نصوصا حوارية معهم حول ما قدموه من ابداع..

-1-

أركض يحني يجن الناس

محتشدين أمام الواجهة المفروشة بالقنفات

أمرح مسحورا بين السيارات

أحمل كرسيا

ومصابيح ملونة

لكنى أخشى لمس مخدات الأعراس

وأخاف النسوة

أسأل أحيانا

هل يتزوج هذي الأيام الناس؟

 

من قصيدة (أمام موبيليات العرائس)

* كيف ترى دخولك من وهم الطفولة الى حقيقتها؟ وأي الأشياء تفاعلت في الذاكرة جعلتك تعيد هذا العالم وتلك الخبرة في ضوء الحاضر؟

* كاصد: "من وهم الطفولة الى حقيقتها" هو تعبير الشاعر والناقد محمد الأسعد، اتخذه عنوانا لدراسة له، قيمة حقا، عن مجموعتي "النقر على أبواب الطفولة"، في كتابه "مقالة في اللغة الشعرية"، يقصد به الخروج من عالم الافتراض والايهام والدخول في عالم التجربة، حيث تلعب الفعالية الشعرية، على حد تعبيره، دورا محررا للوعي من رواسب الافتراضات والايهامات التي تنشئها الثقافة السائدة، وهذا يعني العودة مجددا الى الطفولة، والتوكيد على أن هذه العودة ليست حلما بل هي واقع حسي يتجه نحو احلامه.

كتبت المجموعة إثر مروري، ذات يوم، في ساعة متأخرة في الليل، في مناطق في البصرة القديمة، لم أطأها منذ زمن طويل، كانت مسرحا لطفولتي ولأحداثها الغابرة، فاستيقظت وكأنني اكتشفت شيئا غفلت عنه زمنا.

ومنذ ذلك الوقت وأنا لا شأن لي سوى التفكير بهذه المجموعة التي استحضرت أحياء وموتى وأحداثا غابرة مظلمة لا أدري من أضاءها: الشعر أم الذاكرة أم كلاهما؟

لم يعد الماضي غائبا بل حاضرا يسكنني ولم يحضر معه الطفل بل المدينة بأكملها: أسواقها المتنقلة مع الزوارق، نوتيوها المسنون الذين لم يهبطوا المدن، عشاقها الذين يقودون حبيباتهم الى الأنهار، عمالها الذين يقلبون صناديق التمر طبولا للسمر في الليل لين لينهضوا ديوكا صائحة في الفجر، أكواخها التي يختلط فيها الناس بالزنابير والدجاج والأسماك المنشورة على الحبال كالغسيل، الباحات الرطبة، الأبواب المفتوحة على السراديب. العميان الذين يرقصون حول النيران، المباغي المغلقة، العاهرات اللواتي يرحلن باكيات وسط سباب القوادين وضحك المارة، الأمهات اللواتي يندبن بناتهن القتيلات رغم الفضيحة، الأطفال الذين يموتون، القبور التي تضيء للموتى، البلهاء الذين اخضرت لحاهم ولم يهرموا، الرواة الذين يعبرون مقاصير "ألف ليلة وليلة" في الأحلام ليدخلوا المصحات في الواقع، جامعات الملح في الصحراء يقلن تحت العباءات المنصوبة بالعصي، الحمالون الذين كنا نكنس طريقهم من الحصى لئلا تنغرس أقدامهم الثقيلة تحت الأحمال، الأطفال الذين يحملون فوق رؤوس النسوة ملفوفين بالعباءات السوداء في المأتم أيام عاشورا، المقدسة، السجناء الذين يخرجون مصغري الوجوه من هواء السجون وهم يتحدثون عن أسماء وأحداث نجهلها نحن الأطفال.

دغل كثيف من الواقع

مأتم وأعراس وطفولة لم تستنفد بعد، رغم أني كتبت عنها ديوانا كاملا هو ديواني الثاني "النقر على أبواب الطفولة" فمازال في داخلي ذلك الطفل يرافقني ويقودني إلى ممالك أبعد.. ربما لم أرها بعد.. لدي ديران آخر عن الطفولة مهيأ للطبع بعنوان "فوانيس".

-2-

* البصرة مدينتك التي تصفها "ساعة لا تدق"، وجسور من خشب تصل الأعداء بالأعداء، وضريح لا يعرفه غيري "هذه المبصرة التي تحترق، بجسورها الخشب، وأنهارها المحفورة بالدمع، وخيولها المربوطة في المساجد، وسفائنها المطلية بالقار" ما الذي تستطيع اعادته في القصيدة؟ وكيف تصل الى عالم المبصرة القديم.. عالم الطفولة المسحور برقصات الزنوج، وغناء الصيادين والبحارة، ورائحة الخليج والغرباء، والنخيل، وعمق التراث العربي الإسلامي؟

كاصد: في قصيدة (كتاب المبصرة) تتأكد الوحدة الزمنية التي تحدث عنها الأسعد بجوانبها الأكثر اتساعا حيث الحاضر يدخل في نسيج الماضي، فلا تفصح القصيدة عن زمن محدد للمدينة، اذ يتجاور فيها الناس والأشياء والحوادث وتتداخل فيها الأزمنة، فلا حاضر ولا ماضي بل مدينة تتسع لكل أناسها وأحداثها وازمانها، وكأن المدينة، في تشابكاتها هذه، تنفي حربها الدائرة وموتها المعلن بل انها تكاد تنفي واقعها ذاته بكل ما فيه من حاضر وماض ومستقبل، لتحيله الى طقس أو أسطورة:

"…. حين تأتي الريح من جهة الصحاري، يخفضون رؤوسهم للرمل ينتظرون مثل لقالق ملوية الأعناق.. مر الرمل والأعناق مطرقة، وجاء الصحو والأعناق مطرقة..

ومر ومر..

أهل البصرة ارتدوا تماثيل"

وقد تختفي المبصرة في مدينة أخرى: "أم ترى ارتحلت بين لغط الأقوام في مدينة أخرى" أو تضيع: "أسواري الحجارة والسماء سفينة تمضي وبيتي النخل أهجره وأنتظر الطريق اليك" أو تعلن موتها وانبعاثها: "اي أعاجم مروا عليك؟ عساكر رفعت بيارقها وبضع دساكر محيت، وأهلي كيف قاموا من مجازرهم يسوون الثياب (تلطخت..) ويغافلون الجند؟ أهلي كيف جاءوا بي إلى نهر تيبس فانتهيت الى خرابك؟ أول الآتين كنت وآخر الآتين، تنقطع السلالة في، أبصر في غدي أمسي، فتجتمع القبائل فيك: هذي الرحبة الدهناء، تلك خريبة الأعراب، ذلك الجامع المفروش بالحصباء، أين أنا؟" غير أن المبصرة – الطفولة تظل حاضرة هناك وسط كل هذه التحولات:

…. هل تأتين بين سلالك الخضراء؟ بين (الببغاوات) الجميلة تنقر الأقفاص؟ في باص الجنوب وضجة العربات؟ هل تأتين؟ أخضر ماؤك النهري نستبقيه أياما ونرحل.. (كم وودت لو انني استبقيته في الحلم) ماذا لو قلبت الليل والساعات؟ ماذا لو شربت وصيتي بالماء؟ ماذا لو جلبت الساحر الهندي واستوقفتك الليلة؟…

ماذا حل بالبصرة؟

-3-

وقبل موته بلحظتين

أطل في الغرفة،

واستدار هادئا

يكتم في عينيه دمعتين

دعوته أن يستريح

ثم نهضت خلفه

– لأفتح الباب –

عثرت بالضريح

* مرثية "الشاهدة" عن أبيك، هل هي مرثية العراق – الخراب الذي امتد من البصرة ليشمل الأرض والانسان، أم مبعثها الطفل الذي يكتشف أو يحاول الاكتشاف من خلال الموت الأشياء من حوله ولكن بشكل ساخر وعابث بعالم الكبار؟

* كاصد: حين رثيت أبي رثيت فيه ما يواجه الخراب، رثيت فيه فضائل الانسان العراقي البسيط التي أعتقد أنها قوة هذا الإنسان في مواجهة الأحداث، وتقلباتها وشرك المفاهيم وغموضها. لقد فاجأني حقا مأتمه المحتشد بالمعز ين من معارفه وأصدقائه والناس البعيدين والقريبين ممن أعرفهم ولا أعرفهم وهو الرجل البسيط الأمي.

رثيت فيه طفولتي التي مضت والتي فقدت أعز شهودها، ويفاعتي أيضا اذ كان لي صديقا او ابنا- ان شئت – "وكنت لي الصغير تعاشر الجيران" رأيت من يدخل مجلس العزاء ويركع لينتحب أمام الناس، وهذا ما لم أره في أي مجلس عزاء آخر، والاغرب من ذلك أن هؤلاء الباكين، لم التق بهم من قبل.
ليقبل المرضى الى وليمتي

وحاملو الأطباق، والوحش الذي يلعق ركبتي، والمشيعون، والمجللات بالسواد، والنائحة الخرساء، والأجيرة المطلية اللسان، والعصا، وغاسلوه (حين مسحوا عن وجهه الماء بكى) وشجر الكافور والسدر، ودمع القارئ الأعمى، وماء الورد، والعمائم الخضراء، والأطفال، والمنتحب الراكع ذو العتال (لم ير الجسر الذي أوصله للبيت مغشيا عليه..)، والمعاول السوداء، والمواقد المنصوبة الأحجار، والنيران، والأحذية الرطبة، والماء الذي يقطر من سرادق العزاء،

والنائم في العراء

والدموع

ليقبل الجميع

فلن يجئ…

رأيت أناسا يتقدمون مني ليفضوا لي، شفاها او كتابة، ما صنعه أبي من جميل اليهم، أحدهم قال لي إنه كان موقوفا لم يكفله أحد حتى أخاه جاء أبي ليخرجه من السجن.

لقد كان أبي أرحب من ثقافتي، وأكثر صدقا من حمامتي، وأعمق دراية ومعرفة بالناس، وأهم من كل ذلك أكثر تسامحا واحساسا بالعدل:

(حين أبصرني مرة أبخس الكيل أمسكني ثم علمني أن أجوع)

كان موته قمة له وهاوية لي.

– 4-

اللغة والبناء:

* القصيدة كيف تولد عندك؟ هل هي حلم أم غناء صارخ في البرية؟

* كاصد: قد تكون القصيدة حلما، وقد تكون صرخة في البرية أو في غرفة مغلقة، انها قد تتسع لتشمل الحياة ذاتها وقد تضيق فتصبح كرأس دبوس، انها يمكن أن – تكون قصيدة ويتمان أو قصيدة هنري ميشو، قصيدة المتنبي أو قصيدة أبي تمام ولا غرابة في ذلك فليس ثمة ما هو أضر بالشعر هن تعريفه، الشعر هو ما يعرفني لا ما أعرفه، أما ولادته فهي لا تحدد بزمان أو مكان معينين، وان كان لكل قصيدة جيدة مكانها وزمانها الخاصان، ولعل من مساوي الشعر هو افتقاده هذين العنصرين: زمان القصيدة ومكانها، حين يصبح نظما لا معرفة، تجريدا لا تجربة محسوسة محددة، عندئذ تتشابه الأصوات والتعابير وبالتالي الأزمنة والأمكنة، ولعل ما يثير الاستغراب حقا أن البعض يرى في هذه الظاهرة تقليدا أو محاكاة للشعر الغربي، بينما يعرف أي مطلع على هذا الشعر، حتى من خلال الترجمة، ان لهذا الشعر أعلامه واتجاهاته العديدة ورؤاه الانسانية النازعة إلى كل ما هو أنسي حي، لا ما هو تجريدي خارج زمن الشاعر- ولا نقول زمن الناس – ومكانه.

-5-

تجسد قصائدك الحياة بتجلياتها المختلفة، ايقاعها اليومي ولقطاتها المألوفة والنادرة، ولكنك تحاول ببعض المقاطع من القصائد أن تأخذ منها شفافيتها أو مرحها، ان صح التعبير، في اختزالك الفلسفي لها، مثلا في قصيدتك "الحذاء والملك" يختزل هذا المرح والتهكم الساخر لحساب الفكرة، وفي قصيدتك الجميلة "عراقيون" نرى ارتفاع النشيج المر وتلك الأسئلة الموجعة، ثم يختفي صوت الشاعر كريم:

"عراقيون

يفترشون أضرحة الأئمة والأقارب ثم ينتشرون، ينسون البكاء، كأنما قدر العراقي المقابر والرحيل مجنح القدمين، يحمل سعفه ونذوره ويؤوب مخذولا يجر دموعه، ويحطم الألواح، يوقد في الهجيرة ناره، ويغيب في ليل من الأشباح".

كاصد: لا اعتراض لدي على ما ترده في شعري، وحين أجيب عن سؤالك فان اجابتي ليست ردا أو تفنيدا بقدر ما هي توضيح لقراءة أخرى خاصة بي، ربما لا تكون صحيحة.

لا أدري إن كان القارئ على معرفة بشعري كله او بعضه أم لا، لذلك أخشى أن يكون حديثي مجردا حتى وان اجهدت نفسي أن أكون فيه على النقيض مما أدعيه. قصيدة "الحذاء والملك" هي واحدة من مجموعة أعدها للنش بعنوان (قفا نبك)، تحتوي على قصائد هي حكايات بالفعل نشرت قسما منها في جريدة (الحياة) تحت عنوان (حكايات من الحمراء) و(شواهد) أما هذه القصيدة فقد نشرت في كراس احتوى على أسئلة وجهت لي.

تحتوي قصيدة (الحذاء والملك)، حقا، على فكرة مثلما احتوت على مرح وتهكم ساخر، أما الى أي حد اختزل المرح والتهكم الساخر لحساب الفكرة فهذا ما لا أستطيع أن أقرره ولكنها، كما أظن، تصب في هذا المنحى الذي وجد لدى شعراء آخرين، روادا وغير رواد، والذي اعتمد الحكاية أداة شعرية، وهذا المنحى يوجد في الشعر العالمي بأجمعه، كما أظن، أيضا، من خلال اطلاعي على ما تيسر لي من آداب هذه اللغات.

وما أراه ضارا هو ابتعاد شعرنا الحاضر عن هذا المنحى، ولا أعني بهذا النمط من الشعر الاقصوصة ذات البداية والنهاية والحبكة – ولا ضير أن تكون ذلك – وانما أعني به اعتماد هذا الشعر المادة الحياتية التي تقرب من القص والتي تختلف عنه باختزالاتها وايحاءاتها وتميزها عما سواها من أنماط نثرية أخرى. لذلك حين يرد تعبير "الحساب الفكرة" أفكر في النثر لا بالشعر، بالنثر المجرد، وهذا ما أظن أن قصيدتي سعت الى تجنبه غير أن النثر، كما أرى، ضروري أحيانا للشعر كعنصر من عناصره الكثيرة لكسر حدة البلاغة التي مازالت تزحف الى شعرنا المعاصر بأشكال شتى. الحقيقة أن القصيدة هي ثلاث حكايات لا حكاية واحدة، وأعتقد أن الحكاية الأولى هي الأساس وما الحكايتان الأخريان الا اضافتان يمكن حتى الاستغناء عنهما دون أن يضرا بهيكل القصيدة، لذا أجدني أمام اختيارين: الاحتفاظ بشكل القصيدة الحالي أو الابقاء على الحكاية الاولي فقط، وأنا أميل الى الاختيار الثاني، منعا للالتباس، وقد قرأت الحكاية الأولى وحدها في الأمسية التي أقيمت لي في برلين مؤخرا.

أما بالنسبة إلى (عراقيون) فان اختفاء صوتي في المقطع الذي ذكرته لا أراه يضر بقصيدتي فقد يكون صوت الجوقة صوت الشاعر نفسه حين يكون الشاعر واحدا من الناس، المقطع الذي ذكرته في سؤالك أرى فيه صورتي الشخصية مجسمة في المرآة.

إن الشاعر ليس صوته الخاص بل العام ايضا، ولا يعني العام دوما اختفاء صوت الشاعر أو ذاته بالعالم يفتني خاص الشاعر ويصل الى مساحات أرحب. والعام لا يعني ايضا أفكارا أو مواقف مسبقة، بل تجربة واختبار ومعرفة بالناس شعورية وغير شعورية وهذا ما يميزها عن شعر الأفكار. هذا لا يعني انكار ما للأفكار من قوة في الشعر وانما يعني انكارها مجردة في الشعر والا لكان شعر المواعظ والفلسفات الميتة شعرا.

من جهة أخرى فان الشعر الذي هو محض لعبة شكلية إنما هو شعر لا حياة فيه، وان بدا ان له تأثيرا خاصا في حاضر الشعر، ان كثيرا من الشعراء الشكلانيين لم يتبق منهم سوى أسمائهم حتى وان كانوا كبارا او ألفت الكتب العديدة عنهم، إنهم شعراء ذوو اهمية في تاريخ الأدب لا في الأدب نفسه.

المرأة والحب:

-6-

*  كثيرا ما يتحدث البعض عن تجاربه "العظيمة"، السجن والكتابة… الخ ولكنه يغفل او يتجنب الحديث عن هموم القلب ورغباته الدفينة، ويجعل من حديث الحب المحطة المهملة، فما الذي تحمله "نزهة آلامك" من هذه الهموم؟ ولماذا نرى في قصائدك نوعا من المازوشية في تذكر الحبيبة: ففي قسوتك "هل سأراك حقا؟" تقول:

لعينيك عشر غزالات

تبكي وشجيرة ورد يتساقط

وقبر صغير.. صغير لا يتسع لاثنين

لقدميك..

سأفرش أحزاني

وأقول: اتبعيني

تقولين سآتيك حافية يا حبيبي

بزهرتي ويدي الناحلتين

ولكن….

هل سأراك حقا؟

هل سأراك حقا؟

وفي قصيدة "غناء" تقول:

"وداعا"

ومرت خيول المساء الأخير

وأطفأت الريح قنديلها

الى أي ركن صغير أوت

إلى أي ركن صغير؟

سأمسح عن شعرك الثلج…

أدخل قبوا وأغلقه

لست ميتة

وأنا لست ميتا

وأنا قربى الشمعتين

لنصبح بيتا

فكيف تفسر ذلك؟

كاصد: لا أدري هل سيكون لتفسيري جدوى بعد أن قدمت تفسيرك ورأيت نوعا من المازوشية في تذكر الحبيبة ولا أدري أيضا هل تعبيرك هذا مجازي أم حقيقي؟ ولكنني سآخذ ما هو أيسر لأقدم اجابتي او تفسيري على حد رأيك.

أحقا أن هذه القصيدة مازوشية؟ الاجابة قد تكون بـ "ربما"، وربما بـ "لا" غير أن المازوشية في القصيدة تبدو بعيدة الاحتمال حين نعرف انها كتبت عندما ودعت زوجتي، أول مرة، قبل ما يقرب من عشرين سنة هاربا عبر الصحراء، على جمل وكانت مريضة وقد لحقتني فيما بعد، من هنا يأتي هذا التساؤل:

هل سأراك حقا؟

هل سأراك حقا؟

إن اشارتك لهاتين القصيدتين تسرني رغم اختلافنا في التفسير، فأنا يسعدني الإشارة الى قصائدي القصيرة لان من لا معرفة لهم بالشعر أو بقراءته، كثيرا ما يميلون الى الأسئلة العامة الضخمة والإشارة الى القصائد الطويلة فقط.

-7-

كان الشاعر العربي وما يزال يتمثل في الحب او الغزل صورة الحبيبة، ولكنك ترى الحبيبة من خلال نفسك، `فهي صورة لظلك، لقلقك الملازم لك:

أنت لم تلمحي قامتي تنتظر

في الضجيج المباغت هادئة

أنت لم تلمحي قامتي حين تمتد….

في غرفة الانتظار

أنت لم تعرفي غرف الانتظار

والهدوء المباغت وقت السفر

وضجيج السفر

أنت لا تعرفين السفر

كاصد: وهل تريدني أن أرى الحبيبة من خلال غيري؟

سامحك الله

نعم قد تكون صورة لظلي وقلقي وقد لا تكون، وفي هذه القصيدة (ثلاثية السفر) ليست الحبيبة صورة لظلي، لقد أردتها هكذا ولكنها كما يبدو من القصيدة – لا الواقعة التي هي خاصة بي- أبت أن تكون تلك الصورة صورة الظل.
السفر والاغتراب

-8-

(الحقائب)، (وردة البيكاجي)، (الشاهدة)، (نزهة الآلام)، هي شواهد وعوالم لرحلة العذاب، حيث يصبح الجمل الذي هربت عليه من العراق عبر الصحراء هو "القبر" وأنت "الشاهدة"، كيف تؤرخ، ان صح التعبير. تاريخ اغترابك: هل تؤرخه بالمنفى أم بما قبل النفي؟

كاصد: اغترابي قبل المنفى وبعده.. ولكن الاغتراب الأخير هو ما يعنيني فاغترابي الأول كان طبيعيا.. كان اغترابا هو وليد صراع حقيقي في أرض حقيقية وبين أناس اعرفهم ويعرفونني، اما الثاني فهو اغتراب السائر في الهواء بين أقوام لا تعرفهم، وأوطان لا تنتمي اليها، ووطن بعيد لا تعرف متى تعود اليه، ولقمة عيش لا تدري متى تفقدها، وأطفال افتقدوا لفتهم حتى وان تحدثوا بها وما اليها من تفريعات، لذلك يدهشني عندما اسمع من يتحدث عن محاسن المنفى إلا إذا كانوا يعنون مساوئه التي أصبحت حقا محاسن لدى نفر كبير من الساسة والأدباء في المنفى.

-9-

* ما الذي أعطاك المنفى وما الذي أخذه منك؟

* كاصد: مهما أعطاني المنفى فانه اخذ مني الكثير وهل هناك ما يؤخذ منك أكثر من الأرض والناس؟

إنني أعرف ما أخذ مني المنفى ولكن لا أعرف ما أعطاني حقا؟

نعم.. اعطاني الفقر والمرض والجوع والتنقل الدائم من وطن الى آخر، ولكنه اعطاني أيضا الارادة التي تصلبت، والمعرفة، ونار الشعر القاتلة.

(إنني لم أنشر إلا الجزء اليسير من شعري وتجاربي المختلفة).

الشعر العراقي اليوم:

-10-

* أين يتجه الشعر العراقي اليوم، مع تعدد الأصوات والمنافي؟

* كاصد: من الصعب تحديد مسار للشعر العراقي وللشعر بصورة عامة، ولكن يمكن القول إن الشعر العراقي موقعه المتميز في خارطة الشعر العربي، فلا يئال شعراء كسعدي يوسف والبريكان يواصلون عطاءهم، وكذلك شعراء الأجيال التي أعقبتهما، غير أن الشعر العراقي لم يحظ بالاهتمام من قبل النقاد، فالدراسات عن شعر الرواد وجيل الستينات تكاد تكون معدومة. ثمة شعراء مهمون أصدروا مجموعات شعرية عديدة لا تتم حتى الاشارة اليهم في المتابعات النقدية، كحسين عبداللطيف، وكاظم الحجاج، ومهدي محمد علي، على سبيل المثال، والأخير أصدر أكثر من خمس مجموعات شعرية حتى الآن، وكتب قصائد مهمة اعتبرها من النماذج الجيدة في شعرنا العراقي، كقصائد (البئر) و(تنويع على مشهد) ولم شيخوخة إ، وغيرها من القصائد المتناثرة في مجموعاته العديدة، كذلك ثمة شعراء مهمون أهملهم النقد ولم ينتبه الى انجازهم الشعري، أما الأجيال الشابة فثمة أسماء عديدة تواصل تجربة من سبقها وهي ليست بحاجة الى بركات الآخرين لتقديمها فهي أقدر على تقديم نفسها بنفسها من خلال مواصلتها الكتابة، أما استصغار الآخر باسم الأجيال والاقدمية فالشعر ليس وظيفة، ولعل مسؤولية النقد وانشغالاته بما هو يومي عارض تتضح اكثر في اهماله الاشارة الى أعمال شعراء توفوا منذ سنوات في المنفى وهم مصطفى عبدالله، ومحمد طالب محمد، وقاسم جبارة، والاول كتب قصيدة اعتبرها من بين أجمل قصائدنا التي كتبت عن المنفى الا وهي قصيدة (الأجني الجميل).

إن التعريف بشعر ائنا وأجيالنا الشعرية، ومعرفة مسار شعرنا لا يمكن انجازهما من خلال الاشارات والتلميحات التي لا تخلو من جانب شخصي، بما فيها اشارتي هذه، وانما من خلال الانطولوجيات والدراسات المتأنية واصدار المجلات المتخصصة حتى لا نكون تحت رحمة مسؤولي الصفحات والمجلات الثقافية الذين أثبتوا جدارة بكل ما ليس له علاقة بالشعر أو تحت رحمة الموظفين من الاكاديميين.

إن تأكيدي على الانطولوجيات للأجيال المختلفة ليس القصد منه التعريف بهؤلاء الشعراء، فأكثرهم ليسوا بحاجة الى مثل هذا التعريف، وانما تقديم ما هو جميل لقرائنا وللأجيال القادمة والتعريف بجمال لفتنا وحيوية شعرنا وقدرته على استيعاب ما يدور حولنا في حياتنا، أما ترك الفوضى القائمة على حالها، بفضل صحفيينا الاكاديميين، واكاديميينا الصحفيين، فلن يعود على شعرنا بأية منفعة سوى ترديد أسماء ليس لنا سوى ألفاظها على حد قول شاعرنا الرصافي رحمه الله، إنني أتساءل ما قيمة كل شعر الفرزدق والاخطل وأمثالهما من الفحول أمام شعر هؤلاء المجهولين الذين جمعهم أبو تمام في مختاراته "الحماسة"؟ ولولا الحماسة اما كان مصير هذا الشعر الضياع؟ أو لا نتشكك الآن في قيمة شعر شعراء قدمهم النقد لنا بصفتهم شعراء من الطبقة الأولى؟ حتى البحتري لم ينج من هذا التشكيك، يذكر صلاح عبدالصبور في سيرته الشعرية انه لم يجد بيتا واحدا جيدا في شعره، هذا ليس رأيي/ ولكني أورده هنا للتعبير عن نسبية ما يقال في الشعر؟ فلو تصفحت آراء النقاد القداس وقرأت ما أورد وه للبحتري من أبيات على انها النموذج الجيد للشعر مثل "آلام على هواك وليس عدلا" و "أجدك ما ينفك يسري لزينبا" و "أصفيك أقصى الود غير مقلل"… الخ، لاحترت في تقدير الأذواق ولبدا لك عبدالصبور محقا في رأيه الى حد ما وان أجحف في التعميم فلا شيء في هذه القصائد غير جرسها الحلو الممتع.

* الشعر الذي أصبح لك وطنا، مملكة للحرية على حد قولك، كيف ترى يتجسد في كتابتك؟

* كاصد: قلت من قبل في لقاء أجري معي وأعيد هنا ما قلت: إن الشعر بالنسبة الي مملكة للحرية، حتى لو انقطعت سنوات عن نشره لا عن كتابته، هوية حاضرة حتى في غيابها، فهو يبزغ فجأة في اية لحظة، في عينين عابرتين، في وجه مألوف أو غريب، في زاوية مهملة، في علاقة ما، وفي لحظة قد تكون الأبدية ذاتها. – انه حاضر في رؤية الشاعر للأشياء والعالم، وفي اختياراته في طريق المعرفة، لكن حضوره ليس معلنا بل خفي هادئ يكاد لا يرى، وحضوره العلني الوحيد هو القصيدة.

قد ينطرح سؤال آخر لا يتحدد فيه الشعر بعلاقته بالشاعر التي هي علاقة خاصة جدا، وانما يتحدد بغيره من وسائل العصر التي نشهدها وهي تتطور بشكل هائل: هل الشعر ضروري في هذا العصر؟ هل ثمة متسع للغناء؟ الجواب سيكون بالايجاب حتما، ولكنه ايجاب مفعم بالشك. هل سيعود الشاعر ثانية نبيا صارخا في البرية؟ أم أنه سيكون أكثر دهاء مثلما نرى الآن في محاولته التلاؤم مع ما يحيط به من مؤسسات واعلام يقول من خلالها كل شيء إلا الحقيقة.

هل الشعر غاية أم وسيلة؟ لعب قد يشير أو لا يشير الى حقيقة. لا أدري ولكنني سأظل أبدا وفي مخيلتي مثال الشاعر الغائب.

-12-

* كيف ترى مكانة الشاعر وكيف يتجسد دوره في الواقع؟ ودور قصيدته في التغيير؟

* كاصد: ليس لدي توهم ان الشاعر نبي أو قديس، ولكنني مازلت أرى أن للشاعر دورا إن لم يتجسد في الواقع، فعلى الأقل في لفته، وقد يكون لهذا الدور، فيما بعد، تأثير في الواقع نفسه (كما يطرح ذلك إليوت في مقالة له عن وظيفة الشعر الاجتماعية)، وحتى هذا الدور الذي يوعزه إليوت للشاعر لا يخلو من مبالغة في تقدير دور الشاعر، مهما كان عظيما، فقد تكون لغة الشاعر العظيم عائقا في تطور اللغة نفسها وفي تطور الشعر أيضا (كما يذكر إليوت في مقالة له عن ملتون)، وقد يكون الشاعر مهرجا حين يكون بوقا للسلطة ونجما في المهرجانات وهذا ما شهدناه ونشهده في المهرجانات والاحتفالات الرسمية، كما ان الأمثلة على الشعراء الساعين الى الشهرة بأي ثمن لا تحصى، وقد جر هذا المسعى الباطل الى احاطة الشاعر بالحواريين والمريدين من صحفيي الدرجة العاشرة وهواة الأدب ومقاوليه، لا بل ان الشاعر قد يكون مهرجا في اللغة نفسها.

لكنني من جهة أخرى- اذا صرفنا النظر عن التفصيلات اليومية والاجواء الأدبية ذات الطابع الخاص – استطيع أن أشبه مكانة القصيدة بالنسبة الى الشاعر بتلك المكانة التي كانت تتصف بها الاسطورة بالنسبة للانسان القديم في مواجهة عالمه الغامض، فالعالم المعاصر يشتد غموضا كلما اتجهنا صوب المستقبل، وهذا ما لم يكن في حسباننا من قبل، فهل سينقذنا الشعر كما انقذت الاسطورة انسانها القديم؟ أشك في ذلك، إنه مجرد تساؤل للاقتراب من حل يخص الشعراء أنفسهم، غير أن هذا الحل الذي يقترحه السؤال معرض لمخاطر شتى، فما أسهل أن تتحول الاسطورة الى شعوذة حواة.

-13-

* تقول انني أميل الى الشعر الذي يحدثني بلغة البشر لا بلغة الآلهة، الا ترى معي أن الخطابات التي تستهين بعقل المتلقي هي لغة الشعر العراقي والعربي السائدة مع بعض الاستثناءات؟ وعلى الصعيد نفسه تتسلق القصيدة ذات النبرة الخطابية والحماسية على حساب جمالية الشعر بسبب لجوء البعض الى الغموض والاثقال بالبلاغات التي لا معنى لها؟

* كاصد: الخطابات والنبرة الحماسية وغياب جمالية الشعر والغموض، كل ذلك يمكن أن يغتفر، فهو ليس بالضرورة مقصودا لذاته، وقد يكون تعبيرا عن قدرات محدودة لشعراء محدودين، ولكن ما لا يغتفر هو هذا النقد المجاني الذي يجعل من هذا النتاج العادي الشائع نموذجا يحتذى، أن يكتب الشاعر قصيدة رديئة، ليس ذلك بمسألة ذات شأن، ولكن ما يستوقف الانتباه حقا هو ان يكتب ناقد مقالة رديئة عن شاعر رديء، وقديما أشار القاضي الجرجاي في كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومة" إلى ان عيوب الشاعر لا تسقطه بل تسقط الناقد الذي يقتصر عليها في تقييمه. إن تشويه عاطفة القارئ لا تقل أذاة عن تشويه أفكاره، لا سيما إذا كان وراء أحكام النقد هذه دوافع مبعثها المنفعة، ولا أعتقد أن هذه الظاهرة ستختفي مادام النقد لم يعد حوارا مع النص الأدبي أو تساؤلا، بل أصبح تابعا لثقافة سائدة قائمة على القمع والأحكام المسبقة. إنني أتساءل: ماذا سنخلف للاجيال القادمة اذا استمر وضعنا على هذه الحال؟ أي ذوق سنخلف لهم وأي نماذج سنشير اليها قائلين: هذه عبقرية لغتنا. يمكنك ان تتصفح اية مجلة لترى أي نقد يمارس.

إنني أخشى ما أخشاه ان يصبح نقدنا بلا ذاكرة، منقشعا عما سبقه من اجيال نقدية وشعرية، إذ كيف نفسر غياب شعرائنا، قدامي ومحدثين، ابتداء من احمد شوقي وانتهاء بالسياب عن الدراسات الحديثة الا ما نراه من النزر اليسير من الاشارات والكتابات الصحفية المكتوبة عنهم. إن مشات بل آلاف الكتب تصدر سنويا في اللغات الاجنبية عن شعرائها، أين نحن من هذه الظاهرة؟
 
حوار: محمد جعفر

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …