أخبار عاجلة

عتمة من المعارف تضيئها.. الأخطاء

اليد تكتشف

شعر

عبد الزهرة زكي

كتاب أسفار – 2 – بغداد 1994

يبقى الشعر العراقي – بمختلف المعايير – موارا بإرهاصات واحتمالات ممكنة لانعطافات تترك في مجرى الشعر العربي خطوطا عميقة وواضحة.

ولعل إحدى ميزات (وقائع النص) أو التجربة المرافقة لانتاج النص في الشعر العراقي، علك القسوة في العلاقات بين اللاحق والسابق من الأجيال الشعرية، علاقات تكاد تكون منقسمة أكثر من كونها متصلة، هذا إذا لم تكن علاقة الغائية متبادلة، فالسابق يعرض عن الحوار وينكر أبوته لشعر اللاحق، واللاحق، بدوره، ينطلق من عقدة (أوديبية) شاملة، لتبرير نصه وسلوكه وممارساته الثقافية. ومشكلة الأجيال التي تحتد في الوسط الثقافي، هي الصورة الوحيدة للصراع هناك! في ظل فراغ سياسي زادت مدته على العقد ونصفه فالرواد، والستينيون، والسبعينيون والثمانينيون والتسعينيون المحتملون، يتصندقون في هذه التسميات ولا ينفتحون على حوار يلغي الفجوات والفواصل الناشئة عن عقدة اتهام الآخر، ولهذا فإن مفهوم الجيل الشعري ارتبط، زمنيا، بكل عقد، وحتم تجربة ونصا خاصين ولعل تجربة الجيلين الآخيرين (الواضحين) (السبعينات) و(الثمانينات) هي أكثر التجارب إثارة، لا بفعل اختلاف نصها فحسب، بل وفي استدارة ثقافتها خارج التلقين والتنميط وانفتاحها على التجربة المحايثة للثقافة.

على أن من مآخذ الثمانينيين على السبعينيين، ولابد من مآخذ للمتأخرين على المتقدمين – أتصاف ثقافتهم – السبعينيين – بالتذهينية، في حين تعطلت الحواس وأرجئت فماليتها الى إشعار لم يحن – حسب الثمانينيين – إلا عندما تعمق الاحساس بالأشياء بقوة الموت، ابان الحرب العراقية الايرانية وتاليا في حرب الخليج الثانية.

أسوق هذه المقدمة للدخول الى قراءة مجموعة عبدالزهرة زكي (اليد تكتشف) ذلك إن أية قراءة لمجموعة شعرية صادرة حديثا في العراق، لابد أن تتقنون وتصنف في سياق الصراع "الجيلي" هناك أولا، وفي ثنائية الداخل، الخارج ثانيا.

فعبد الزهرة زكي يتوسط مرحلتين، أو جيلين شعريين، فتجربته تنتمي زمنيا – وان هامشيا ! لجيل السبعينات، وتحديدا الى النصف الثاني من العقد السبعيني، لكن نصه تجوهر واتضحت ملامحه في انعطافة القصيدة الجديدة في العراق عند النصف الثاني من الثمانينات، بعد حمى التجريب التي استغرقت النصف الأول منها والتي تتصف بها بدايات كل جيل وميله الى الانفلات خارج المتحقق الشعري المهيمن.

ومن ذلك فإن قصيدة عبدا لزهرة زكي قد استفادت في تطورها من كلا الجيلين وتجربتيهما، فقصائد (اليد تكتشف) مكتوبة جميعها بين عامي 1990 – 1993 وهي المجموعة الثالثة التي طبعت أولا من بين ثلاث مخطوطات.

واذ يتخلص الشاعر هنا من (المطولات) و(السرديات) التي انسحبت عدواها على مشهد شعري كامل في بداية الثمانينات فإنه ينجح، كذلك في خلق مناخ شعري واحد للمجموعة يبتعد عن رطانة البدايات لكنه لا يعطي صورة عن النوح أو التحول في كتابة القصيدة لديه.

في اختزالاته يذهب زكي الى (فكرنة) التجربة واضعا أمامنا ثنائية التجربة – التأليف موضع إشكالية ومساءلة.فكأنه يخفي انحيازه الى احداهما، يحايث بينهما بما يجعل الصورة متماهية في الفكرة، الحواس مفتوحة على العقل، والأفكار- من حيث هي نتاج – تعيد اختبار أخطائها إزاء الحياة، حتى كان الاكتشاف خطأ، يفض الى تشكيل ذاكرة معتمة من المعارف، ذاكرة لا يضيئها الا خطأ آخر لنكتشفها، وهكذا:

(اليد تكتشف والجسد يتحرر) ص 66

ثمة أيضا ثنائية أخرى تتضح بشكل لافت في المجموعة، هي ثنائية الذاكرة /الرؤية من حيث كون الأولى مرجعية المعرفة والتالية راهنية الاكتشاف.

(أتذكر الشجرة المكسوة بالثلج. تلك التي لم أرها) ص 9

أيضا يشتغل على المعنى كثيرا، يدوره وأحيانا يكرره، يحركه كثيرا، حد الانهاك، قبل أن تترشح عنه الجملة وهو بهذا (ينحو)… إنه أولي القصد، دون أن يحدد المقصود! لهذا يتشكل المعنى لديه مرتين أولاهما في الذهن، وثانيتهما في العبارة… العبارة التي ترنم المعنى ليتحول الى غير ما في الذهن ! وفي كل هذا يصور لنا مشهدا أليما آخر:

(الذين لا يصلون،

أشقائي

يربي صرخاتهم اليأس) ص 15

أو (والآن في أثرة

صداقة صانعي الأجراس

فإنني أتحدث عن الأمكنة

وأتذكر الأقفاص) ص 62

وفي تجربة القول، يصطدم في القول نفسه، وهنا يلتفت الى الذاكرة للتعليل والتدليل كذلك، وبين أن يعي (ما يقول) ويعنيه، لا يختار (كيف يقول ؟) بل يذهب الى (المال الى تعميقها، وكذلك الى موضعتها، لتدور حولها الأشكال، وتصبح (الكيف) بعضا من هذه (الما) واذ يبني جملته ويقيم عباراته ويسوغ تركيباته على وفق ما تقترحه هذه)الما) فإنه لا يبتعد كثيرا عن (الكيف) بل نجد وحدة صياغية تحكم الديران برمته الى درجة تمكننا من القول أن الديران، تجربة منحطة للشكر، تجربة تقوم على الاختزال والاقتصاد بما يؤدي الى القصد، تتخذ من المقاطع الصغيرة المنفصلة بعلامات أو المعلمة بالبياض أحيانا، تجسدا متشابها، يطوي العبارة ويلفها دون أن يسمح لها بالاستدارة مع المعنى الذي يدور خارج العبارة:

(اليد التي تقبض على كل شيء

تبتلع الأنفاق أعطياتها

حتى أن الصحراء بلا تاريخ) ص 34

أو (أتذكر كل ما لم أره بعد) ص 11

أو (لم أكن بعيدا بما يكفي

لأعرف

إنني أتذكر الآن فقط) ص 19

وعدا ما تنزع اليه المقاطع من فرار خارج الزمن ! فإنها تشير الى التباس مر بين ما هو معيوش وما هو مرغوب، أو مفكر به، وتلك إحدى صور (الأنا) المأزومة في لجة فوارة من الحصارات والثنائيات هنا لا تصطدم من موقعين بل تتداخل وتلتبس دون أن تتاح اعادة الثنائية الى انفصامها إلا عبر المستوى الخارجي للفة (المفردة) أما دلالاتها الخارجية فتتقارب وتلتصق ببعضها.

في جملة مكثفة ومنحوتة (حد الخدش أحيانا) يلم عبد الزهرة زكي كل ما (لا) يود قوله لكنه يعنيه، ويحاصره بين الكلمات، كأنما يخشى من الكلام أن يهرب ليدلي بتصريحه خارج ارادته هو، ولهذا جاءت جملته مكثفة في تعريفات أسمية بلغة محمولية تلجأ الى المحو من حيث تبدي الاثبات:

(الرغبات أم مؤجلة)

أم

(الجنون… أو العائلة)

أو

(الفتاة المموهة تولد في الظلام)

والتعريفات أعلاه ليست مجتزأة من مقطع بل أن كلا منهما يشكل مقطعا كاملا في قصيدة واحدة (النواقص والأخلاق ص 12) ويمكن هنا ملاحظة المدخل المتاح في تركيب الجملة، وهو على العموم مدخل مشترك ومشتبك في الآن ذاته، لكنه يندرج في هجر السياق نحو تثبيت سياق آخر، ربما أكثر احتشادا!

(ينسج الدخان عربة

وتهبها الحرب للأطفال)

(اليد تكتشف) المكتوبة في وقت بين حصارين، ليست شاهدة لجثة مجهولة إنها فضيحة معنونة بكتمانها !.

إنها تدخل الحلبة وتروض المأساة وتتروض معها في الآن ذاته ! تقدم صياغات مشتبهة وملتبسة مع صياغات المأساة نفسها، ولنن كانت المأساة من أفعالنا -وربما ارتكاباتنا – فلماذا لا نألفها ونحيد امتدادها، ما دام هناك (أدلاء لا يصلون)؟

صفير، صفير الهاوية، أتمنى قليلا من الخوف.

صفير، صفير الرجاء وهو يدخل مسام جلدي الجديد، أتشهى قبسة وجد… رنة هدب.. رجفة… لا شيء إلا وجيب قلب بدأ ينبض الآن، النبض يطو صوته، الصوت طبل يصم الآذان في هذا القفر الموحش، الصوت يرشح من مسام جلدي فيستحيل الى صدى هاديء أستشعر نسغ الرجاء في داخلي، وأدرك معنى أن أكون وحيدا… أرتجف وتظل عيناي مفتوحتين على اتساعهما مشدودتين الى نقطة برق توشك أن تتفجر في أعماق هذا الليل… بينما تصاعد من أعماقي صوت خافت سمعته بوضوح كأنما صوتها:

[فأمر كان: محبتي لك

وأمر يكون: تواني وتذوب في.

وأمر لا يكون: لا تعرفني معرفة أبدا…]

ذلك كله تجمع الآن في دافع البحث عن نصف الدائرة الأزلية ليكتمل التكوين… هيهات، ذلك كله تجمع الآن في وجدا، ربما لأني لم أنسج للحب صمتا يليق به، وجثت لأرمي أغنية في الهواء فكانت صرخة وكيف لا تكون أغنية الولادة صرخة… من أين ستجيء الأغنية وأنتم ستقطعون هذا الحبل المدلى الآن من سرتي.. يا للوحشة، لا مشاعر ولا أشعار، لا قدرة ولا إرادة!

آه، كم أحن الى بدايتي، ولهفة الشوق في أول مسعاي، وقدرة الإرادة في مستهل خطاي!
 
 
محمد مظلوم (كاتب من سوريا)  

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …