أخبار عاجلة

عزف منفرد مونودراما

(المسرح فارغ من الديكور)
(رجل في منتصف الأربعين يجلس على كرسي بعجلات متحركة أمام جدار المسرح الخلفي، يتقدم بالكرسي للأمام، ثم يدور حول المسرح عدة دورات، ثم يتوقف في منتصف المسرح)

الرجل : أغنية العالم …
(يتراجع بالكرسي مسافة قصيرة للخلف، يتنحنح وهو يتقدم بالكرسي مسافة للأمام)
أغنية العالم نحن. (يرفع يده بحماس) نعم العالم نحن، أغنية تقدم خصيصاً لهذا العيد. عيد الأعياد. عيد ميلاده. أغنية تدوي كما ينبغي؛ أغنية تحكي له عنا نحن الذين أحببناه. تفتحت أعيننا عليه، وكبرنا مع صوته وصورته. عيده عيدنا. لذا اليوم نغني العالم نحن.
(يهز رأسه برضا، ويصفق بيديه)
عظيم. كلمات تقديم الأغنية اكتملت.
(يدور بالكرسي حول المسرح، يتوقف عن الدوران بالكرسي)
هذا جيد حتى الآن، ويلزم مزيداً من الجهد فالأغنية تحتاج الى مزيد من ال…
(يدور بالكرسي وهو يتكلم)
مزيد من … أفتقد الكلمة المناسبة. توجد كلمة تعبر عما أريد قوله… أنا أشعر بها، لكني لا أستطيع الامساك بها. أغنية العالم تعني العالم لذا يجب أن… أن…
(يهز رأسه)
لا أستطيع تحويل ذاك الشعور إلى كلمات. كأنني بحاجة إلى لغات أكثر للتعبير عما أشعر.
(يضع يده حول وجهه ويبدأ بالاهتزاز، يتوقف)
مازال هناك وقت من أجل حفلة عيد ميلاد. مزيد من أجل الكلمات المبهجة.
( يدفع الكرسي خطوة للأمام ثم يقف )
أنا بحاجة لتفقد العالم فربما ساعدني هذا.
(يدفع الكرسي إلى جدار المسرح الأيسر ، يحاول التقدم فيصطدم بالجدار) (يتلمس الجدار كأنه يبحث عن منفذ للعبور) (يضع أذنه على الجدار)
كثير من الاصوات، كثير من الروائح. هذا هو العالم في اتساقه الجميل، الأغنية هي إطار هذا الاتساق.
(يستدير بالكرسي، ويعود للمنتصف)
حان تقديم الأغنية.
(يدور بالكرسي حول المسرح، وهو ينشد)
زلزلة أقدام خافتة
في ليال صقيع باهتة
تنشد دروب أيام فائتة
وحدها يده في المدى واقدة
العالم نحن وبقية من سواه…
(يتوقف عن الحركة بالكرسي، ويرفع يده بحماس)
أحتاج للمزيد من روائح العالم لتزيين الأغنية. عندما يستيقظ ستكون الأغنية مكتملة كما ينبغي.
(يدور بالكرسي)
العالم نحن وبقية من سواه… العالم نحن وبقية من سواه. والمجد يتسربل في محرابه… العالم…
(يتوقف بالكرسي في منتصف المسرح)
الأغنية تحتاج إلى …
تحتاج إلى مزيد من الروائح…
إنها العالم. أحتاج إلى الاقتراب أكثر منه.
(يتجه بالكرسي إلى الجدار الخلفي للمسرح، يضع يده على الجدار)
هنا تتدفق أنفاسه، هنا يتمدد صامداً…
(يتراجع للخلف)
المكان يغني أُغنيته هنا. ويجب أن أكمل أنا أيضاً أُغنيته.
(يعود إلى منتصف المسرح)
في عيد ميلاده الجميع يغني. الأغاني تنبع من القلب.
(لحظات صمت)
أحتاج إلى مزيد من الطاقة لتخرج الأغنية مدوية كما ينبغي في أعياد ميلاده. لقد مضى وقت طويل على نومه لكننا نحتفل دوماً بذكرى عيد ميلاده.
(لحظات صمت)
العالم هو ونحن. الأغنية تتردد في المكان، هناك دوماً من يغني أو يسمع.
(يدور بالكرسي وهو يشير على كل الاتجاهات)
هنا وهنا وهنا.
(يتحرك بالكرسي إلى الجدار الأيمن للمسرح، يضع اذنه على الجدار، ثم يتراجع)
ماهذا؟ الأغنية هنا صاخبة!
(يضع رأسه على الجدار)
الصخب هنا أكثر من الأغنية… كلمات الأغنية غير مفهومة وسط كل ذاك الضجيج.
(يتراجع للخلف، ثم يعود لوضع اذنه على الجدار)
ماذا يحدث هنا؟!
(يضع اذنه على الجدار)
الإيقاع مختلف؟!
(يضع اذنه على الجدار)
الصوت… الصوت أعلى، والطرق على الجدار أشد، والأغنية أكثر خفوتاً، ماذا يحدث هنا؟! لماذا كل هذا الصخب هنا؟!
(يتراجع إلى منتصف المسرح) (يتجه إلى الجدار الخلفي للمسرح، يضع اذنه على الجدار)
الوضع كما هو هنا. لماذا في الجهة الأخرى كل ذاك الضجيج؟!
(يتجه إلى الجدار الأيسر، ويضع اذنه على الجدار)
هنا هدوء!
(يرفع رأسه ويحدق في الجدار الأيمن)
لماذا إذاً ذاك الصخب هناك؟! ربما لم…
(يتجه إلى الجدار الأيمن، يضع اذنه على الجدار)
الصخب موجود، أنا لم أتوهم هذا. صخب شديد هنا!
(يعود إلى منتصف المسرح، ويدور بالكرسي حول نفسه)
ما الذي يحدث هناك؟! ولماذا هناك فقط؟!
(يتجه إلى الجدار الأيمن ويضع اذنه على الجدار)
ماذا يحدث هنا، كثير من الأصوات، كثير من الروائح؟! الحركة أسرع. الأصوات صاخبة بدرجة غير مألوفة… الأصوات أكثر قوة، أكثر غضباً.
ماذا يحدث في الخارج ؟! حركتهم تزداد صخباً. ماذا يحدث هناك؟! الأغنية تكاد تتلاشى هنا.
(يعود إلى منتصف المسرح، ثم يتجه إلى الجدار الخلفي)
لا صوت، مازال نائماً. الوضع على ما هو عليه. يجب أن لا أقلق… يجب أن أعود إلى أغنيته.
(يعود إلى منتصف المسرح)
أغنية العالم نحن. ستغنى كما ينبغي في حفلة عيد ميلاه…
(يتوقف عن الكلام وهو يستدير باتجاه الجدار الأيمن للمسرح)
الضجيج يرتفع أكثر؟!
(يتجه إلى الجدار الأيمن ويضع اذنه على الجدار)
الأصوات عالية. يقتربون من الجدار ويبتعدون. ماذا يريدون؟ الأغنية توقفت تماماً. لماذا كل هذا الصخب؟!
(يضع مقدمة رأسه على الجدار كأنه ينظر عبر الجدار)
فقط الجدار من يمنعهم من العبور إلى هنا. يصطدمون بالجدار ويتراجعون ثم يعودون بقوة أكبر… هل لهذا علاقة بحفلة ميلاده؟! هل هم يرتبون بطريقتهم لحفل عيد ميلاده؟! ربما يكون الأمر هكذا.
(يعود إلى منتصف المسرح)
إذا كان الأمر هكذا عليّ بذل مزيد من الجهد. يجب أن تكون أغنية العالم كما ينبغي. نعم أغنية العالم نحن .
(يتنحنح، ثم يرفع يديه، يدور حول المسرح وهو ينشد)
وحدها يده في المدى ساطعة
العالم نحن وبقية من سواه…
في صدى الليل نمضي
والقدر قد تمنطق في غمده
عالياً كالوهج، كالوغى في أنفاسه…
(يصل إلى جوار الجدار الأيمن، فيتوقف عن الإنشاد)
الصوت أقوى الآن، أكاد أسمعه من هنا!
(يتراجع إلى منتصف المسرح) (يتأمل الجدار الأيمن قليلاً، ثم يدور بالكرسي)
قليل من الضجيج؛ ربما الأغنية بحاجة إلى قليل من الأصوات الجهورية… لكن… لكن هذا الضجيج يمنعني من الاسترسال… أحتاج إلى الكثير من الهدوء لإكمال الأغنية.
(يتجه إلى الجدار الأيسر، يضع اذنه على الجدار)
هنا الوضع هادئ. سأظل هنا حتى انتهاء إعداد أغنية العالم.
(لحظات صمت)
لقد مر زمن قبل أن يثير أحد مثل هذه الضجة؟!
أشعر أنني مشوش. الضجيج يمنعني من التركيز… لن تكتمل الأغنية هكذا.
عليّ استعادة هدوئي حتى أستطيع إكمال الأغنية.
(لحظات صمت)
ما الوقت الآن؛ هل هو الربيع أو الخريف؟! الجو ليس بارداً كشتاء أو حاراً كصيف!
(يغمض عينيه ويتنفس بعمق)
لا أستطيع تحديد الوقت، لكن لا يهم إن كان ربيعاً أو خريفاً. المهم أغنية العالم، أغنية عيد ميلاده.
(ينظر للجدار الأيمن للحظات)
هل هدأ الوضع هناك الآن؟! لا أستطيع التركيز هنا.
(يتجه إلى الجدار الأيمن، يتوقف قبل أن يصل للجدار)
ما هذا؟! الوضع أكثر سوءاً، اصوات إضافية. لم يعد إيقاع الصوت واحداً. هناك أكثر من ضجيج. ماذا يحدث في الخارج ؟!
(يدور حول نفسه بالكرسي)
أحتاج إلى من أتحدث اليه .
(يتلفت حوله، وتستقر نظراته على الجدار الخلفي للحظات) (يتجه إلى الجدار الخلفي، لكنه يتوقف قبل الوصول إليه)
لكنه أخبرني أنه لا يريد أي إزعاج حتى يستيقظ من نفسه. لماذا لا أنام قليلاً فربما ينتهي الضجيج بعد قليل؟!
(يعود إلى منتصف المسرح، يخفض رأسه وهو جالس على الكرسي كأنه نائم) (يرفع رأسه ويهزه بضيق)
كيف يمكنه النوم مع كل هذه الضوضاء ؟!
(يتجه إلى الجدار الأيمن ، يضع مقدمة رأسه على الجدار)
مازالوا في أماكنهم. لم يعودوا يقتربون كثيراً من الجدران ؟! يصرخون في أماكنهم. ماذا يريدون؟!
(يدور حول المسرح بالكرسي وهو يتكلم)
نعم ماذا يريدون، لم أسمع بهذا من قبل؟! إذا استيقظ الآن ماذا سأخبره؟! سيسألني عن هذا الضجيج، عندها بماذا سأجيبه؟! ماذا سأخبره؟! هل أقول له إنهم يستعدون لحفلة عيد ميلاده؟ أو أخبره إنهم يحيكون حكاية يبهرونه بها؟!
(لحظات صمت) (يتوقف عن الدوران بالكرسي)
ربما الحكاية أفضل.
(لحظات صمت) (يعود للدوران بالكرسي حول المسرح)
نعم الحكاية أفضل.
إذاً أنا بحاجة إلى حكاية عنهم، نعم ستكون الأغنية والحكاية هدايا مناسبة في عيد ميلاده. الأغنية ستبهره، والحكاية ستعجبه، لكن الحكاية تحتاج إلى خيال أكثر وحركة. الصراخ لا بأس به، لكن لابد من حركة ليكتمل المشهد. هو سيفضل الحركة أكثر.
(يتوقف في منتصف المسرح)
نعم أغنية وحكاية ستقدمان له عند استيقاظه. لكن الأغنية ستكون الأولى. أغنية العالم…
(يستدير ويتقدم قليلاً باتجاه الجدار الأيمن)
الضجيج يمنعني من التركيز على الأغنية، لو يتوقفون قليلاً لكان أفضل.
(يعود لمنتصف المسرح)
في هذا الضجيج يمكن صياغة حكاية.
(يتأمل الجدار الأيمن)
يبدو أن الحكاية ستكون أولاً، سأنسج حكايتهم أولاً.
(يدور حول المسرح وهو يتكلم بحماس)
الحكاية ستبدأ بالضجيج، سأخبره إن الضجيج وصل عنان السماء، وأن الجميع كان يصرخ، انهم اقتحموا الجدار، وأنهم تحلقوا حوله، لكنهم احترموا نومه ولم يحاولوا إيقاظه. سأخبره إنهم انتقلوا إلى الشاطئ الآخر. ثم عادوا إلى أماكنهم ؟
(يتوقف عن الدوران بالكرسي، ويتجه إلى منتصف المسرح)
تحتاج الحكاية الى الكثير من الاشياء المشوقة. لابد أن يكون عبورهم إلى الجانب الآخر ملحمياً. لكن ليس بطريقة الملاحم الدموية القديمة. بل ملحمة مستقبلية تمتلئ بالزهور والورود. أوه .
(يدور بالكرسي في مكانه)
إنه يحب الورود. باقة ورد هائلة ستزين قاعة حفلة عيد ميلاده. لذا سيهز رأسه برضا عندما يسمع أنهم التفوا حوله وهم يحملون الورود. وسيقول إن رائحتها اخترقت أحلامه. سيبتسم وهو يرى باقات أزهار معلقة على الجدران. سيغمغم برضا عندما أُخبره أنهم عادوا بها من الجهة الأخرى ولم يجدوا سواه ليعطوه إياها. أوه… ربما ضحك بسرور … وربما رفع صوته بإحدى أغانيه التي يحبها. عندها سيحكي هو عن الورود التي كانت تحمل رائحة فيما مضى. سيقول إن الزهور ستفقد رائحتها إذا استمر العالم … لن يكمل جملته … هو لا يريد أن يتحدث عنهم بسوء.
(يدور بالكرسي وهو ينشد)
في المدى، في وهج البهاء. العالم منك. وأنت عداه. العالم أنت وهو…
(يتوقف في منتصف المسرح)
تحتاج الأغنية إلى إيقاع … إيقاع أكثر بطئاً… نعم أكثر بطئاً. عندما يستيقظ سأخبره عن هذا. عن أغنيته التي اكتملت في رحم حكايتهم. لكن يجب أولاً معرفة رأيه. في الأخير هي حفلة عيد ميلاده.
(يتجه إلى الجدار الخلفي للمسرح، يضع اذنه على الجدار)
مازال نائماً، كل هذا الضجيج وهو لا يزال نائماً. مرت سنوات وهو في هذا السبات!
(يتجه إلى الجدار الأيسر ويضع اذنه على الجدار)
ما هذا.. الآن الضجيج يرتفع هنا أيضاً؟! ماذا يحدث هنا؟!
(يتراجع بالكرسي للخلف، ثم يعود ويضع اذنه على الجدار الأيسر)
الضجيج هنا فعلاً. يشبه الضجيج في الجهة الأخرى، لكنه هنا أكثر دوياً. ماذا يحدث هنا؟! العالم لم يعد هو… ماذا أعمل؟!
(يستدير باتجاه الجدار الخلفي)
وهو مازال نائماً؟! لماذا لا يستيقظ؟!
(يدور حول المسرح بالكرسي)
هل يجب أن أضرب الجدار أنا أيضاً ليستيقظ؟! أصبح الأمر مقلقاً.
(ينشد)
زلزلة أقدام خافتة
تنشد دروب أيام فائتة
في ليال صقيع باهتة
العالم أنت، وأنا بقية من …
(لحظات صمت) (يتوقف عن الدوران ويضع يده على رأسه)
هذا لا يجدي. فقدت الإيقاع بشكل كامل. العالم الذي أكتب له أغنيته لم يعد هو ؟! الروائح لم تعد نفسها… ماذا أعمل، لا أشعر بالتناغم مع العالم! هل أصرخ وأضرب الجدران أنا أيضاً؟! أم أنتظر استيقاظه؟!
(يتجه إلى الجدار الأيمن ، يضع اذنه على الجدار)
مازالوا هناك… الصوت يخبر عن الحركة.. هو من قال هذا. أصواتهم مرتفعة صاخبة مهددة!
(يتراجع حتى منتصف المسرح، يتلفت حوله، ثم ينظر للأمام كأنه يفكر)
لا أستطيع التركيز. أغنية العالم تتسرب من رأسي!
(ينهض عن الكرسي ، ويتقدم بضع خطوات، ثم يستدير وهو يوجه حديثه للكرسي)
سمعتهم مثلي أليس كذلك؟! سمعتهم؟!
(يشير إلى الجدار الخلفي)
وهو نائم ولا يريد الاستيقاظ. ماذا يجب علينا أن نعمل؟! الضجيج في الخارج يقودني بعيداً عن الإحساس بالأغنية. وذكرى عيد ميلاده اقتربت. ماذا نفعل؟!
(يتأمل الجدار قليلاً، ثم يجلس على الكرسي)
لماذا هذا القلق؟! الحركة تعلن عن الحياة ، هذه هي القاعدة الأساسية . والصوت يخبر عن الحركة. ميزة الصوت الأساسية الإعلان عن الحركة. الحركة تعني الحياة. إذاً في الخارج يعلنون الحياة. بصراخهم يعلنون حياتهم. لكن هذا الضجيج مرعب! أحتاج إلى من يشاركني التفكير. أحتاج إلى تبديد قلقي بالحديث إلى أحد ما. لكنه (يشير إلى الجدار الخلفي) نائم، وهم (يشير إلى الجدار الأيمن) صاخبون!
(يدور بالكرسي، ثم يتوقف، ثم ينهض، يتأمل الكرسي وهو يتحدث إليه)
هل تعبت من الجمود؟! أنا تعبتُ أيضاً. العالم كما هو لم يتغير، ربما شيء هنا وشيء هناك، لكن لا يتحرك ولا يتغير شيء. هل تريد أن ترى بنفسك؟!
(يدفع الكرسي أمامه باتجاه الجدار الخلفي، يضع إذنه على الجدار)
مازال نائماً. أرأيت، مازال نائماً؟!
(يدفع الكرسي إلى الجدار الأيمن)
وهم هنا مازالوا يصرخون!
(يدفع الكرسي باتجاه الجدار الأيسر، لكنه يتوقف على بعد خطوات من الجدار)
وهنا صراخ وعويل.
(يدفع الكرسي باتجاه منتصف المسرح)
أرأيت؟ هل سيبقى الأمر هكذا حتى حفلة ذكرى ميلاده؟!
(يجلس على الكرسي)
العالم أنت كثيراً من سواه…
(ينهض ويدور حول الكرسي وهو يتكلم)
الأغنية تتراجع بعيداً. هل ستستمر بالابتعاد حتى تضيع قبل إنشادها في عيد مولده؟! بالمقابل حكايتهم تشتعل. (يمد يده للإمام) هاهم يخترقون الجدار، لم يخافوا، لم يرتبكوا ، باغتوا الجدار ووضعوه تحت أقدمهم وعبروا إلى الجهة الأخرى… رغم سقوط بعضهم استمروا في وسم الشمس بالنور، هاهم يزينون المكان بورد أحمر طري… هاهم يصلون لل… رأيتهم بيضاً وحمراً؛ واكتحال الآمال في ذرى أعينهم… سألوا عنك، وعندما رأوك في الجوار باغتوك بورود و… كنتُ أنا في الزاوية أشاهدهم وهم يتعلقون بأطرافك ويصعدون للأعلى… كانوا هناك من أجل غد آخر…
(يترك الكرسي ويتجه إلى الجدار الخلفي)
هل سمعتهم، هل رأيتهم؟ كانوا هنا من أجل غدهم الذي تأخر طويلاً.
(لحظات صمت) (يتراجع إلى منتصف المسرح)
مازال نائماً. رغم كل شيء ما زال نائماً!
(يجلس على الكرسي، ويدور به حول المسرح وهو يتكلم)
حكايتهم صاخبة مثلهم. في منتصف الحكاية لا بد من تلطيف الأجواء. هو يحب الأغاني، الأغنية تدخلك عالم الجمال الأغنية هي العالم، والعالم أنت… هو يقول هذا .. يقول إن الأغنية حلم … والأحلام الجيدة مبهجة لذا يجب أن تكون الأغنية مبهجة هي الأخرى . منذ زمن طويل لم أسمعه يتحدث! لكنه سيتحدث في حفلة ذكرى عيد ميلاده. نعم سيتحدث كما ينبغي.
(يقف ويتأمل الجدار الخلفي)
لكن لو استيقظ الآن ماذا سيقول لهم؟ هل سيطلب منهم الصمت، أم سيهز يديه لهم كما يفعل دوماً، أم سيقول إن صخبهم أيقظه من نومه؟! أم إنه سيهز رأسه ويعود للنوم لألف سنة جديدة؟
(يجلس على الكرسي ويدور به وهو ينشد)
العالم أنت وهم سواك…
(ينهض ويترك الكرسي في منتصف المسرح، ويتجه إلى الجدار الخلفي، ثم يستند على الجدار)
كان يقول الكثير في مامضى. خطبه لم تنقطع حتى مع هطول المطر، في الحر وفي أيام البرد… صوته كان يقاسمناً الحياة. وصورته تتوسط أرغفة الخبز.
(يعود إلى الكرسي ويدفعه أمامه)
حكايتهم تتوسطها صورة أخرى؛ صورة ليل، لكنهم يخاطبونه و يريدون …
(يتوقف عن دفع الكرسي ويواجه الكرسي من الأمام)
ماذا يريدون؟! نعم ماذا يريدون؟! صخبهم عالٍ لكنه في الأخير صخب. لابد من شيء يريدونه! حكايتهم تستمر في الجريان، لكن …
(يجلس على الكرسي، ويدور به حول المسرح)
الأغنية أو الحكاية؟ أم كلاهما معاً؟ أو لا أحد منهما… عندما تفهم تنسال الأمور بيسر. وأنا تائه بينهما. الأغنية تحتاج إلى صراع لتتوهج، الإيقاع الهادئ يستلزم ارتفاعات تكسر الإيقاع . والحكاية بحاجة لبداية ونهاية.
(ينشد) زلزلة أقدام خافتة
تنشد دروب أيام فائتة
في ليالي صقيع باهتة
أصواتهم في الفضاء عالية
(ينهض ويواجهه الكرسي)
هذا لا ينفع. مزج الحكاية داخل الأغنية يجعلها غير صالحة لعيد ميلاده. علينا كسر الإيقاع.
هو من قال إن الأمور تنسال بيسر، تنسال الأشياء غير عابئة بقدرتنا على الصراع من عدمه، تنزلق فقط ، سواء أكنا نحارب أو نتفرج ، لكنها عندما ينكسر التوافق ينتهي كل شيء ويبدأ الصراع . هو من قال هذا.
(يدفع الكرسي أمامه)
العالم أنت وأنت سواه .
العالم قسمان أحدهما أنت والآخر كل الآخرين. لكن من يحدد الأقسام؟! سأسأله عندما يستيقظ. نعم عندما يستيقظ سيتحدث حتماً.
(يقف أمام الجدار الخلفي)
كل هذه الضجة لم توقظه؟! لم يعد كالسابق، كان ينتفض عند أي حركة غريبة! لكنه عندما ينهض سيتحدث. قال الكثير طوال سنوات، لم يترك شيئا دون الحديث عنه. ربما سيقول الكثير عن هذا الضجيج . سيعرف لماذا هذا الصخب، وسيعرف متى ينتهي. سأسأله عن هذا، الأغنية أولاً، ثم الحكاية، ثم يكون وقت توزيع الورود، ثم لحظة الصمت التي يبدأ بها حديثه، ثم سأسأله عن هذا الضجيج.
لكن الآن عليّ التعامل مع هذا الضجيج، وإبقاء الجدران في أماكنها.
(يدفع الكرسي امامه ويتجه إلى الجدار الأيمن ، يضع إذنه على الجدار)
هدأت أصواتهم قليلاً.
هذا جيد، قليل من الهدوء يساعد في استكمال الأغنية.
(يدفع بالكرسي إلى منتصف المسرح، ويجلس على الكرسي)
العالم أنت. العالم أنت وبقية من سواك… ثم ماذا؟!
(لحظات صمت)
لم تنتظم الأغنية بعد!
(لحظات صمت)
ربما استطيع إكمال حكايتهم. سأخبره عنهم، وأنهم بعد وضع الزهور حوله، نعم بعد وضع الزهور… هو يحب الزهور أكثر لأن رائحتها أقوى من رائحة الورد… حكايتهم رائحتها قوية أيضاً… اجتازوا الجدار وحركوا الهواء، ثم وقفوا أمامه. بعضهم كان ما زال صاخباً، والبعض اكتفى بصخبه في الخارج. لقد وقفوا أمامه، أحدهم أشار إليه، وآخر كان يعبث بمفتاح بين أصابعه، وآخر كان يعمل شيئاً آخراً. لم يكونوا شيئاً واحداً وهم يتحلقون أمامه… ثم قال أحدهم شيئاً، البعض هلل موافقاً. وهو كان يستمع بصمت ويتنشق عبير الزهور من حوله… كان ربيعاً ذاك الوقت… الزهور تنفث أجمل ريحانها والورد أبهى صورتها… و … و
(ينهض عن الكرسي ويقف بجواره)
لا أجد الكلمات المناسبة.. لكنها تعبر عن … عن شيء جيد. نعم، سيقومون بعمل جيد. هو يفرح بالأعمال الجيدة. حتى مع هذا الصراخ…
منذ زمن وهو حزين. لم يعد يتحدث إلى أحد… ذكرى عيد ميلاده تمر وهو نائم، كم من أعياد ميلاد وهو نائم… وربما هذه المرة …
لم يعد كالسابق، يترنح عندما يمشي، وينام طوال الوقت.
(ينشد)
العالم أنت ونحن سواك.
(يجلس على الكرسي، يغمض عينيه، يفتح عينيه بدهشة)
أسمع صوت! هل هو صوته.
(ينهض عن الكرسي، ويتجه إلى الجدار الخلفي للمسرح، ويضع اذنه على الجدار)
لا شيء. لكن أنا متأكد أنني سمعتُ صوت!
(يعود إلى الكرسي ويدفعه أمامه)
هل كان صوته فعلاً؟!
(يقف أمام الكرسي)
هل كان صوته أم أن الضجيج في الخارج ..؟!
(يجلس على الكرسي، ويدور به حول المسرح وهو ينشد)
ذُرى أياديك نحو الشهب سلما
والمجد أن سمحت له تكلما
وتراب السؤدد بك قد نما
العالم أنت ونحن لك اسهما
ال…
(لحظات صمت)
هذه ليست أغنية عيد ميلاده… هل أنا بدأتُ…؟!
(ينهض عن الكرسي، ويقف أمامه)
ما يحدث لي، هل بدأتُ أفقد اتزاني وذاكرتي…؟!
(لحظات صمت)
أنا متوتر… ربما الحكاية أفضل… لقد توقفوا أمامه، سأخبره إنهم توقفوا أمامه وحاولوا إيقاظه، لكنه أخبرهم ان عليهم الانتظار قليلاً، فذكرى عيد ميلاده تبقى لها القليل… لكن تصرفهم هذا…
(ترتسم على وجهه ملامح الغضب، ينظر ملياً إلى الجدار الأيمن، ثم يجلس على الكرسي)
الأغاني أجمل في أعياد الميلاد، الأغاني تثير البهجة، الحكايات تثير الغضب، هل فعلاً في حكايتهم إنهم اقتحموا الجدار وتحلقوا أمامه، سيغضب حتماً، عندما يجدهم أمامه. لكن الحكايات هكذا، الحكايات تحتاج إلى صراع، دون صراع الحكايات ميتة ولا يهتم بها أحد. لن يعجبه أن أحكي له حكاية ميتة، سيغضب في عيد ميلاده… ماذا أفعل الآن، إذا بدأتُ في الحكاية فيجب إنهاؤها، وإذا كانت حكاية ميتة فسيغضب. وإذا أكملتها كما يجب…
(يتجه بالكرسي إلى الجدار الأيمن)
صخبهم أقل، لكن أنينهم ازداد.
(يتجه بالكرسي إلى الجدار الأيسر)
هنا الوضع بلا ملامح، فقط بكاء وعويل.
(يعود إلى منتصف المسرح)
الحكاية منهم ومنك، الحكاية …
(ينهض عن الكرسي، ويتجه إلى الجدار الخلفي، يضع يده على الجدار)
هل سمعتهم؟! أيديهم التي مدوها نحوك؟! الصخب؟! هل سمعتهم ورأيتهم… كانوا شاحبين، خائفين، ثملين، منتشين بعبور الجدار، تأملوك كما لا ينبغي، أحدهم حاول الاقتراب إلى مدى جسدك المسجى، وآخر أمسك بالكرسي، لكنهم كلهم انتظروا قربك غير مصدقين. أشرت لهم بالخروج، لكنهم وقفوا صامتين.
(يعود إلى منتصف المسرح ويجلس على الكرسي،ويدور حول المسرح وهو ينشد)
كانوا شمساً مشرقين
وغروب البواسق يبين
كانوا حلماُ متهافتين
لدرب آخر متلاحمين
(يقف في منتصف المسرح، ينهض عن الكرسي، يتجه إلى الجدار الخلفي ويقف كأنه ينظر لما وراء الجدار)
حكايتهم توقفت هنا بانتظار الليل الجديد. وأنت أمسكت بإحدى الورود، و أرخيت الستائر. وأغاني ذكرى عيد ميلادك تتعالى في المكان.
(لحظات صمت)
في المدى، في وهج البهاء. العالم منك. وأنت عداه. العالم نحن وبقيه من سواه. العالم أنت وأنت سواه .
(يجلس على الكرسي)
الحكاية توقفت هنا، الحكاية تجمدت، حكايتهم لم تستطع الوصول للنهاية. حكايتهم في بدايتها كانت مثيرة، صرخوا ثم اقتحموا الجدار، لكنهم وجدوا جداراً وراءه جدار. لم يجدوا أحداً بانتظارهم، لم يجدوا من يفتح لهم الباب. وقفوا؛ لم يتمكنوا من الاستمرار ولم يستطيعوا العودة. الصخب هو كل ما يستطعون عمله، الآن أصواتهم فقط ما يزاحم صخبهم، أصواتهم تردد بأسى هل هذا كل شيء؟ هل هذا كل ما بإمكاننا عمله؟
(ينهض ويقف وراء الكرسي)
وهو مازال نائماً. كأنه يجب عليهم الانتظار ألف عام أخرى.
(يدفع الكرسي أمامه ويدور حول المسرح)
الحكاية انتهت والأغنية لم تنتظم. ماذا أعمل الآن؟! هل أواصل انتظار ما سيحدث، ما سيقولون له، وما سيقول لهم؟!
سيقولون الكثير، لكن مرارة الوصول ستلتهم معظم حروفهم، ولن نفهم منها شيئاً. وهو سيردد الكثير مما نحفظه من كلماته. ثم يعودون للصمت أو إثارة الضجيج مرة أخرى. وهو للنوم؟!
(يتوقف في منتصف المسرح ويجلس على الكرسي، وينكس رأسه)
الحكايات دوماً هكذا مربكة. حكايتهم منذ زمن مربكة. لا تستطيع فهمها ولا تستطيع التخلي عنها. حتى هو لا يرغب بسماعها، ربما نومه الطويل بسبب حكايتهم. فما الذي يدفعه لمتابعة حكايتهم التي تتجمد دوماً قبل انتهائها؟! ما الذي يدفعه لاتقاء صخبهم وهو يتكسر بعد الجدار الأول؟!
(لحظات صمت) (يدور بالكرسي ببطء حول المسرح، ثم يتوقف في منتصف المسرح) (يرفع رأسه)
لم يتبق سوى الأغنية، سأنتظر عاما آخر لأغنيها في ذكرى عيد ميلاده القادم. وحدها الأغاني مبهجة، تحتاج فقط إلى الكثير من روائح العالم. وأغنية ذكرى عيد ميلاده أكثر الأغاني بهجة. ستكون أغنية العام للعالم. ستغنى كما ينبغي في حفلة عيد ميلاده. ستكون الأغنية له ولنا وللآخرين، ستكون بمثابة أغنية للعالم. نعم أغنية العالم نحن.
(يستدير بالكرسي في مكانه وويواجه الجدار الخلفي، وينشد)
زلزلة أقدام خافتة
تنشد دروب أيام فائتة
في ليالي صقيع باهتة
وحدها يده في المدى ساطعة
العالم نحن وبقية من سواه…

ستار


سمير عبد الفتاح

شاهد أيضاً

يوسف العاني حياة في المسرح .. كاتبا وممثلا لم يدفعه المنفى إلى التغريب في نصوصه

ليس للدم صوت. طاف الدم بالعراق على مدى عقود طويلة. لا يزال المسرحي العراقي ، …