أخبار عاجلة

عشر قصائد من سيلفيا بلاث

(مثل أيدي الخلد، لقد
أكلت طريقي. كل الأفواه
ولغت في الشجيرات وأوعية اللحم..).

ولدت سيلفيا بلاث في بوسطن في السابع والعشرين من تشرين الأول(أكتوبر) 1932 وكانت والدتها من أصول نمساوية، أما والدها فعالم في الحشرات متحدّر من عائلة ألمانية هاجرت إلى الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين. عانى والد سيلفيا مشكلات صحية خطيرة وتوفي ولم تكن بلغت بعد الثامنة من العمر، وطبعتها هذه الحادثة إلى حد بعيد، فكان لصراخ الوالد المريض وأنينه ونواحه حضور مكثف في قصائدها، علما بأنها عانت بدورها منذ نشأتها أزمات نفسية ونوبات عصبية، وحاولت الانتحار للمرة الأولى عندما كانت في العشرين. بدأت سيلفيا تنشر القصص والقصائد منذ سن المراهقة، ونالت في 1955 منحة دراسية في كامبردج. حيث التقت الشاعر البريطاني تد هيوز، فكانت بينهما قصة حب جارف سرعان ما تكللت بالزواج. وجسّد هذا الزواج حلم سيلفيا بتحقيق شراكة أدبية وعاطفية وشعرية حقيقية مع الرجل الذي تعشق. وبعد سلسلة من التنقلات والصعوبات المادية، استقر الزوجان أخيرا في الولايات المتحدة، حيث تعرّفت سيلفيا عام 1958 إلى الشاعرة آن سكستون فجمعتهما صداقة متينة ونقاط تشابه غريبة ومربكة في المصير، إلى حد انتحار الأخيرة بدورها عام.1974 وكانت الصديقتان تهويان اللقاء والحديث عن سيناريوهات انتحارهما المتخيّلة.

( 1 )

البيت المظلم

هذا بيت مظلم، كبير جدا.
صنعته بنفسي
خلية خلية، من زاوية هادئة،
ماضغة الورق الرمادي،
راشحة القطرات الزرقاء
مصفرة ومداعبة دموعي
ومفكرة في شيء آخر
له العديد العديد من الأقبية
كالثقوب الأفعوانية
مستديرة مثل بومة،
التي أراها بنوري الذاتي
ذات يوم ربما أرمي الجراء
أو الفرس الأم. بطني يتحرك
وعلي أن أصنع الكثير من الخرائط
هذه الأقبية النخاعية!
مثل أيدي الخلد، لقد أكلت طريقي.
كل الأفواه ولغت في الشجيرات
وأوعية اللحم
انه يعيش في بئر قديم،
عبارة عن حفرة حجرية.  وهو الذي يجب أن يلقى عليه اللوم.
انه من النوع السمين.
حصى ذو رائحة، مداخن ملتفة
خياشيم صغيرة تتنفس.
والقليل من الحب المتواضع!
تافهة وبلا عظم كالأنوف
ديدانه التي لا تقبلها سوى الآنية العفنة
هنا تعيش أمي الحبيبة.

( 2 )

أغنية حب لفتاة حمقاء

أغلق عيني فيسقط العالم كله ميتا
وافتح جفوني فيولد العالم كله مرة أخرى
( اعتقد أنني أكونك داخل رأسي )
النجوم تخرج لرقصة الفالس بالأزرق والأحمر
والظلمة المستبدة تجول داخلي
أغلق عيني فيسقط العالم كله ميتا.
حلمت انك حملتني مسحورة إلى الفراش
وغنيت لي أغنية القمر المضروب، وقبلتني كمجنون
( اعتقد إنني أكونك داخل رأسي )
تخيلت أنك ستعود بالطريقة التي قلت عنها
لكنني هرمت ونسيت اسمك.
( اعتقد أنني أكونك داخل رأسي ).
اعتقد أنني أحببت طائر رعد بدلا منك
فهو على الأقل، حين يأتي الربيع، يطلق زئيره مرة أخرى.
أغلق عيني فيسقط العالم كله ميتا.
( اعتقد أنني أكونك داخل رأسي ).

( 3 )

18 نيسان

بسمة كل الأيام الماضية
تتعفن في تجويف جمجمتي
وإذا كان على معدتي أن تتقلص وتنقبض
بسبب بعض الظواهر غير القابلة للتفسير
كالحمل أو الإمساك
فانه يجب علي إلا أتذكرك
بسبب النوم النادر
كقمر الجبنة الخضراء
وبسبب الطعام
الذي يغذينا كأوراق البنفسج
بسبب هذا كله
وعلى مساحة ياردات مصيرية قليلة من العشب
ومساحة قليلة من فضاء السماء وقمم الأشجار
أرى أن المستقبل قد فقد بالأمس
بسهولة وإلى غير رجعة
ككرة تنس في الشفق

( 4 )

امرأة بلا طفولة

الرحم
يخشخش بجرابه،
القمر
يطلق نفسه من قيد الأشجار دون أن يعرف أين يذهب.
منظري الطبيعي عبارة عن يد بلا خطوط،
الطرق تتزاحم إلى عقدة
والعقدة هي ذاتي
نفسي هي الزهرة التي امتلكت…
هذا الجسد
هذا العاج
فاجر مثل صرخة طفل
مثل عنكبوت، إنني أدير المرايا،
الوفية لصورتي
لا انفث سوى الدم..
أتذوقه، دم قاتم!
وغابتي
هي مأتمي
وهذا التل
وهذا البريق ما هو إلا أفواه الجثث

( 5 )

بالونات

منذ عيد الميلاد وهن يعشن معنا
صريحات وواضحات
حيوانات ذوات أرواح بيضاوية
تحتل النصف العلوي من المكان
تتحرك وتحتك على الحرير
تموجات الهواء اللامرئية
تحدث زعيقا وفرقعات
حين تهاجمهن، ثم تسرع إلى الراحة وهي  تكاد ترتجف
رأس قطة أصفر، سمكة زرقاء…
مثل هذا القمر العليل الذي نعيش معه
بدلا من الأثاث الذي لا حياة فيه!
وحصر القش، والجدران البيضاء
وهذه الكرات المرتحلة
من  الهواء الرقيق، حمراء وخضراء
تدخل البهجة
[على القلب مثل الأماني، أو
الطواويس الحرة  التي تبارك
أرض القديمة  بريشها
حين تضرب بأعواد القش.
أخوك الصغير
يجعل
بالونه يصر مثل قطة.
يبدو أنها رأت
عالما ورديا ممتعا عليها أن تتغذى على الجانب الآخر منه،
فتهاجمه
ثم تعود للجلوس
خلف كوز كبير
عالم صاف كالماء
وخرقة حمراء
على قبضتها الصغيرة

( 6 )

حافة

وصلت المرأة درجة الكمال.
جسدها الميت
يرتدي بسمة الانجاز،
وهم الضرورة الإغريقية
يتدفق في تلافيف سترتها،
قدماها العاريتان
يبدو أنهما تقولان:
لقد ذهبنا بعيدا. انتهى كل شيء
كل طفل ميت ملفوف، أفعى بيضاء
واحدة على كل جرة حليب
صغيرة، فارغة الآن.
لقد طوتها
داخل جسدها مثل بتلات
زهرة  تنكمش حين تجف الحديقة
وتنزف الروائح
من الأعماق الحلوة  لحناجر زهرة الليل.
لم يعد للقمر ما يحزن عليه.
محدقة من خلال عظمة رأسها
أصبحت متعودة على مثل هذا النوع من الأشياء
ماضيها الأسود يجر ويفرقع.

( 7 )

حدث

كيف تتماسك وتترسخ العناصر
ضوء القمر، ذلك الجرف الطباشيري
الذي نضطجع في صدعه.
عودة إلى الوراء، أسمع صرخة بومة
من أعماق جوفه النيلي البارد.
حروف علة لا تطاق تدخل قلبي
طفل في سرير ابيض يتقلب ويتنهد
يفتح فمه الآن مطالبا.
وجهه الصغير محفور في الخشب الأحمر المتألم.
ثم تكون هناك نجوم من الصعب استئصالها.
وبلمسة واحدة تشتعل  ويغشى عليها
لا استطيع أن أرى عينيك.
حيث يزهر التفاح جليد الليل
أسير في حلقة مفرغة
في قبر الأخطاء القديمة، العميق والمؤلم.
لا يستطيع الحب أن يأتي إلى هنا
فجة وسوداء تفصح عن نفسها
على الحافة المقابلة
روح صغيرة بيضاء  تلوح، نزوة صغيرة بيضاء.
أطرافي أيضا غادرتني.
فمن الذي قطع أوصالها؟
الظلمة تنصهر، ونحن نلمسها كالمشلولين.

( 8 )

سنوات

تدخل مثل حيوانات من الفضاء
الخارجي للقداسة حيث التموجات
ليست أفكارا يمكن فتحها، مثل يوغاني
لكن الخضرة والظلمة شديدة الصفاء والنقاء
إنها تجمد
يا الهي، أنا لست مثلك
في ظلمتك البلهاء
التي تعلق النجوم بأطرافها
مثل قصاصات براقة غبية
الخلود يزعجني
لا أريده أبدا.
ما أحبه هو
المكبس في حركته
روحي تموت أمامه
وحوافر الخيل
بحركتها العنيفة التي لا ترحم
وأنت، أيها الركود العقيم العظيم
ما العظمة في هذا!
أهو نمر هذا العام، أهذا زئيره على الباب؟
انه كريستوس
المرعب
فيه بعض من إله
أتمنى أن تطير وأن  تمتزج به؟
دم التوت جزء منه، كان ولا يزال
لن تطيح به الحوافر
ففي الزرقة البعيدة تهسهس المكابس.

( 9 )

طفل

عينك الصافية هي الشيء الوحيد الجميل بكل ما في الكلمة من معنى
أريد أن أملأها باللون والبط
حديقة كل ما هو جديد
أسماء كي أتأملها…
زهرة ثلج نيسان، مزمار هندي،
ساق صغيرة
دون تجعدات
بركة تصبح الصور
فيها كلاسيكية وعظيمة
وليس هذه الأيدي القلقة
المعذبة، وهذا السقف
المعتم بلا نجوم

( 10 )

فطر

ليلة وضحاها، شديدة
البياض، متكتمة،
وهادئة تماما.
أصابع أقدامنا، أنوفنا،
مثبتة على الطين،
للحصول على الهواء.
لا أحد يرانا،
يوقفنا، يضللنا،
الحبيبات الصغيرة تصنع غرفة.
القبضات الناعمة تصر على
سحب الإبر
من الفراش الورقي
حتى من الرصيف
مطارقنا، كباشنا،
بلا آذان أو عيون
وخرساء تماما
توسع الشقوق،
وتبحث في الثقوب.  نحن
نتغذى على الماء
على فتات الظلال،
وبلطف وتهذيب نسأل
القليل، أو لا شيء.
الكثير منا!
الكثير منا!
نحن على الرفوف، نحن
على الطاولات، نحن هادئون ومسالمون،
نحن صالحون للأكل،
مندفعون ومنطلقون
بغض النظر عن ذواتنا
فان جنسنا يتكاثر:
ومع الصباح
سوف نرث الأرض
خطانا على الأبواب.
 

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …