أخبار عاجلة

عقلنة التاريخ العماني (الاجتماع السياسي)

– مقاربات مفاهيمية، أشكلة التاريخ؛
نحتاج بداية إلى فض الاشتباك المفاهيمي العالق منهجيا وموضوعيا في معظم الكتابات التاريخية لدى المؤلفين والباحثين العمانيين، بداية من مرحلة التدوين المبكر وانتهاء بالكتابات الحديثة التي تركز على تدوين ذاكرة عمان التاريخية، في محاولة لتأسيس وعي منهجي مختلف في كيفية قراءة صورة العقل العماني تاريخيا. سنحتاج إلى جهد أكبر لاحقا في تحليل دوائر الاشتغال المنهجي على الكتابة التاريخية، وربما رصد دوائر اشتغالات منهجية جديدة، نراها مهمة في محيط ذاكرة التاريخ العماني من أجل أعادة تفكيك الكتابة التاريخية وبنائها من جديد. إن أهم السؤالات المعرفية التي سنطرحها في هذه المقاربة التمهيدية تدور حول ماهية التاريخ؛ ما هو التاريخ؟ كيف تطورت الكتابة التاريخية؟ ما هي اشتغالات المؤرخين الجدد في المسألة التاريخية؟
سنعود قليلا إلى ذاكرة التراث العربي، حيث كسر ابن خلدون أصنام الطبري في الكتابة التاريخية، عندما أعلن عن ربط السرديات التاريخية بطبائع العمران، في محاولة عميقة لوضع السرديات التاريخية في سياق طبائع العمران والعصبية وتداول الأيام والدول. يعتبر ابن خلدون أول من أعلن عن ولادة علم الاجتماع التاريخي/طبائع العمران التاريخي، وذلك عبر إحالة علم التاريخ إلى طبائع الاجتماع الإنساني (1). هذه المصطلحات شكلت ثورة منهجية كبرى لاحقا في طريقة بناء الكتابة التاريخية، لكنها صادفت أزمة التراجع المعرفي في العقل الإسلامي، ولهذا لم يستطع المؤرخون العرب فهم النظرية الخلدونية واستيعابها لفترة طويلة، ربما امتدت إلى بدايات القرن العشرين أو أواخر القرن التاسع عشر. لقد ظلت الكتابات التاريخية بعد ابن خلدون تعتمد على السرديات بشكل كبير حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر، مرحلة مأسسة المعرفة في فرنسا وألمانيا بشكل خاص، وتم تأسيس المدرسة الوطنية للوثائق [التاريخية] في باريس عام 1821(L’Ecole nationale des chartes)، التي أسهمت بشكل كبير في ظهور البدايات الأولى لتشكل علم التاريخ في العصر الحديث، وقد نشأت عدة مدارس أخرى كالمدرسة التطبيقية للدراسات العلياء في جامعة السربون عام 1868 (L’Ecole pratique des hautes études)، التي عنيت بدراسة تاريخ شعوب الشرق في مراحله المبكرة، وغيرهما من المؤسسات العلمية العديدة التي نشأت لاحقا.
لقد أحدثت هذه المؤسسات نقلة نوعية في الكتابة التاريخية، وتوجت كلها بإعلان صدور المجلة التاريخية (la revue historique) عام 1876. وبالرغم من وجود هذه المؤسسات وبداية استمرار مأسسة المعرفة التاريخية، وتأثر العلوم الإنسانية بشكل عام بالمنهج الوضعي، وظهور المنهج الفلولوجي في ألمانيا الذي يعنى بدراسة نصوص الوثائق التاريخية، والأثر الكبير الذي تركته المادية التاريخية على الكتابات التاريخية، خاصة الماركسية منها، إضافة إلى الآثار التي تركتها مرحلة التنوير؛ فإن كل تلك الكتابات لم تتمكن من إعلان تحولات جذرية في حقل علم التاريخ حتى ظهور عالم الاجتماع الفرنسي eimDurk (1858/1917)، الذي أسس ما يسمى بعلم الاجتماع التاريخي، البحث عن العلل والأسباب الكامنة في تلك الفراغات المنسية التي لم تسجلها سرديات الحدث التاريخي، واعتبر أن هذه العلل أهم بكثير من الحدث التاريخي ذاته. لقد أعلن في كتابه شروط المنهج الاجتماعي (les règles de la méthode sociologique) وفي كتابه الآخر المعنون بتقسيم العمل الاجتماعي (De la division du travail social) عن مبادئ علم الاجتماع التاريخي الجديد، وهو بذلك يؤسس معرفيا لظهور أهم حقل في علم التاريخ وهو علم الاجتماع التاريخي، الذي يبحث في الشرط الاجتماعي لصيرورة المكون التاريخي. كما أسهم الفيلسوف الألماني Maximilian Carl Emil Weber (1864/1920) بشكل كبير في تأسيس علم الاجتماع التاريخي(2)، باحثا عن العلل الاقتصادية /المادية الكامنة خلف الحدث التاريخي. لقد اشتغل كلاهما بتاريخ الاجتماع الديني في فهم الظواهر التاريخية من خلال شروط ثلاثة، الاجتماع، الدين، الاقتصاد(3). هذه الشروط الثلاثة التي أعادت أشكلة قراءة السرديات التاريخية، والتي اعتبرت من أهم التحولات المعرفية في حقل علم التاريخ الإنساني. لقد أعلن eimDurk و Weber-Max عن موت السرديات في كتابة التاريخ، وولادة شروط أساسية ترتكز على فهم أسباب الصيرورة التاريخية، وهي شرط الاجتماع والاقتصاد والدين كعلل كامنة داخل الصورة التاريخية.
هذا التطور في الكتابة التاريخية لم ينته هنا، فقد حدث لاحقا – بعد هذين الفيلسوفين- تطور كبير في الدراسات المتعلقة بمنهج الكتابة التاريخية، وهو ظهور مدرسة الحوليات الفرنسية (Les Annales Historiques) (4)، لتعلن بداية موت علم التاريخ ذاته، « فالتاريخ السردي جثة يجب عدم النفخ فيها، وفي صورة إعادة الحياة لها يجب إعدامها مرة أخرى(5)»، إذ لا يوجد علم مستقل اسمه التاريخ، وإنما توجد «ظواهر تاريخية « تحرك فيها التاريخ الإنساني، تتشكل داخل مساحات كبرى من السياقات والمشروطيات والظرفيات. هذه الظاهرة التاريخية يجب أن تفكك عبر علوم عديدة كعلم الأنثروبولوجيا الثقافية والأنثروبولوجيا التاريخية والأركيولوجيا وعلم العِراقة (الاثنيات) وعلم النفس التاريخي (دراسة الذهنيات) والسوسيولوجيا الدينية والتاريخية والثقافية والألسنية الثقافية وغيرها من العلوم الإنسانية المتعددة، التي تهدف في مجموعها إلى دراسة عمق الظاهرة التاريخية وتحليلها. إن علم التاريخ التقليدي لم يعد له أهمية إلا بمقدار فهم زمنيات التاريخ وتسلسل الأحداث ونتائج الصراع، فالحدث التاريخي ولد في سياق ظاهرة تاريخية ولا يمثل إلا جزءا منها.
هكذا تقريبا تطور منهج الكتابة التاريخية، وتسلسل منهج الكتابة التاريخية، لكن دعونا نحاول الارتداد عكسيا باتجاه الظرفية والسياقات التي تطور من خلالها المنهج التاريخي كما فعلنا بداية هذا المقال، بمعنى لو افترضنا أننا نزحف باتجاه تفكيك السياقات التي تضمنها التطور المنهجي للكتابة التاريخية لوجدنا فراغات كبيرة جدا مفقودة في النص السابق، لم نتمكن من تسجيلها وتدوينها وتحليلها، وهذا ما يسميه المؤرخون الجدد بضرورة قراءة الظاهرة التاريخية. يمكننا أن نتساءل كيف حدث هذا التطور في الكتابة التاريخية؟ لماذا تسلسل بهذه الطريقة؟ هل يمكن أن نعتبر منهج الكتابة التاريخية ظاهرة معرفية؟ هذا موضوع طويل وليس أساسا موضوع هذه الدراسة، لكنني أود هنا أن أضع إشارات مهمة جدا وهي أن من أهم مثالب السرديات التاريخية أنها تقتل الحقيقة وتخفي أجزاء كبيرة من حقيقة الظاهرة التاريخية، فالطبري مثلا وهو يقدم سردياته عن المرحلة المبكرة من عمر الدولة الإسلامية فإنه يخفي تلقائيا وبالضرورة أجزاء كبيرة من تشكل تلك الظواهر التاريخية، بفعل الأدلجة تارة وبفعل التشكل الثقافي للمؤلف ذاته أحيانا أخرى، وبسبب ضعف الإشكال المنهجي المعتمد على كتابة صورة واحدة للحدث التاريخي.
لقد ولد وتطور منهج الكتابة التاريخية في بيئة ذات سياقات سياسية ودينية واجتماعية ومعرفية، حيث خاضت أوروبا صراعات الذات عبر منظومة كبرى من الفلسفات الإنسانية والمناهج المعرفية والثورة المفاهيمية والموضوعية، أدى إلى حدوث اختراقات كبيرة في الذات الكلاسيكية وتفككها وبناء ذات إنسانية جديدة؛ إنها ثورة عقلنة التاريخ على كافة الأصعدة. لقد ساهمت هذه الثورة في صناعة مساحة كبرى من دوائر الاشتغال المعرفي؛ بداية من مأسسة المعرفة والخروج على القروسطية الدينية والانتصار للحريات وبناء العقد السياسي وتفكك العقد الاجتماعي التقليدي وبناء آخر قائم على الفردانية، وتغير أنماط العيش ومرور العقل الأوروبي بعصر النهضة وعصر الأنوار والحداثة وما بعد الحداثة، وظهور الفلسفة الماركسية في تحليل دوائر صراع الاجتماع المادي، وما رافق ذلك من تغيير جذري في طرائق التفكير العقلاني. كل ذلك كان سياقا مليئا وكافيا لإفراز مناهج جديدة في محاولة جادة لفهم كيفية حدوث الظاهرة التاريخية، وأين تكمن الحقيقة، إنها محاولة أنسنة التاريخ، وجعل التاريخ صورة واقعية عن الإنسان بكافة نزعاته النفسية والثقافية والنفعية، وإخراج التاريخ من دائرة المقدس المتعالي برموزه وأفكاره إلى دائرة الإنسان. إضافة إلى ذلك، ونحن نقرأ، تطور منهج الكتابة التاريخية، فإنه لا يمكننا أن نغفل التراكمات الكبرى التي حدثت في هذا الحقل قبل ظهور مدرسة الحوليات، فقد ظهرت المؤسسات العلمية والدراسات التاريخية العديدة والمجلات المعنية بعلم التاريخ والعلوم المجاورة له، وظهور الفلاسفة والباحثين في الحقل التاريخي والحقول المتعلقة به…كل ذلك أسهم بشكل كبير في دفع منهج الكتابة التاريخية إلى هذا التشكل المعرفي الجديد، والإعلان عن وجود ظواهر تاريخية تشكل منها التاريخ القديم والحديث وليست أحداثا تاريخية، وأن هذه الظواهر تحتاج إلى تفكيكات بنيوية لإعادة رسم صورة التاريخ من جديد.
لقد ساهمت التفكيكية البنيوية بشكل كبير في تفكيك الظاهرة التاريخية (6)، وعملت على تقطيعها إلى (دوائر) متناثرة ومبعثرة تهدف إلى إعادة ترتيبها وفق علاقات الإنتاج والمعنى، واضعة كل دائرة في سياقاتها التي ولدت فيها، وما علينا سوى أن نحفر معرفيا لنكتشف تلك الشروط والسياقات والمعنى العلائقي الكامن في الظاهرة (التفكيكية)، ثم نعيد بناءها من جديد (البنيوية). فالظاهرة التاريخية إذن هي عبارة عن بنى متعددة (7)، ذات أنساق مقيدة بالشرط والظرف والسياق التاريخي، يسعى الباحث إلى كشفها وتحليلها وإعادة بنائها، ولا تتشكل الظاهرة إلا عبر تراكمات هذه الدوائر الصغرى. هكذا يمكننا بشكل كبير أن ندرك مقاربات المنهج التاريخي في الحوليات (تفكيك الظاهرة التاريخية بأسلحة العلوم الحديثة)، ومقاربات المنهج البنيوي، الذي ولد في عصر الحداثة (تفكيك الظاهرة الإنسانية إلى عدة قطع/دوائر(بنى)، والحفر في سياقات تشكل المعنى -قصير/متوسط/طويل-، ومن ثم إعادة بنائها من جديد). ومن هنا نقول دائما بأن التصوير السردي الذي يقدمه لنا المؤرخون لا يعكس حقيقة الظاهرة التاريخية، فهو جزء بسيط منها، وهذا يقودنا بالضرورة إلى إدراك نتيجة ابستمولوجية تؤكد أن المتخيل التاريخي الذي نملكه عن ظاهرة تاريخية معينة لا يعبر مطلقا عن الحقيقة التاريخية لها، ولا يقودونا إلى جوهر الظاهرة إلا بشكل جزئي، وهذه النتيجة ستؤدي بطبيعة الحال إلى تفكيك السياجات اللاهوتية المقدسة التي صنعها اللاهوت حول الحدث التاريخي؛ فالتاريخ ليس مقدسا، بل عبارة عن كائنات تشكلت في سياق الصراع، تداخلت وتشابكت مع بعضها بخيوط كبرى من الدوافع النفسية واللاهوتية والسياسية والبراجماتية والذاتية، ظهر بعض ذلك المعنى بواسطة الحفر المعرفي وأعلن الآخر عن عجز المناهج الإنسانية عن بلوغ الحقيقة التاريخية. إن التاريخ يعاني من وهم المقدس، الذي يجب إزاحته بواسطة المناهج الحديثة.
وبالرغم من أن الحداثة بتحديدها الزماني، بدأت مع نهاية عصر التنوير، تقريبا في نهاية القرن التاسع عشر، فإنها موضوعيا لم تنته بعد حتى مع ظهور مرحلة ما بعد الحداثة (نقد الحداثة التفكيكية والانطولوجية)، لأن الحداثة في مقارباتها الموضوعية هي عبارة عن ذلك التشكل التفكيكي لحركة العقل الإنساني، وهذا هو جوهر موضوع المعرفة الذي شملته مرحلة الحداثة منذ بداية القرن العشرين وإلى منتصف العقد السابع منه تقريبا؛ بما فيها الفلسفة الوجودية والظاهراتية والتفكيكية البنيوية، كما أنتجت الحداثة شبكات كبرى من المفاهيم والفلسفات والمناهج ودخلت عصر تفكيك البنى التقليدية كاملا، حداثة فكرية مقابل لاهوتية قروسطية، حداثة تفكير فرداني مقابل تفكير جماعاتي، حداثة معرفية مقابل مسلمات ميتافيزيقية، حداثة أنماط الإنتاج مقابل بنى تقليدية، حداثة في طريقة الاجتماع مقابل هياكل اجتماعية تقليدية، حداثة في علاقات القوى مقابل بنى إنتاجية تقليدية، وهذا المتعدد البنيوي هو الذي يمثل شكل الظاهرة التاريخية الذي تدعونا الحداثة إلى تفكيكها. إن الحداثة الموضوعية أحدثت إذن ثورة كبرى في طريقة العيش واكتساب المعرفة وبناء الحضارات الحديثة، وأصبحت المدنية بهياكلها الجديدة تزحف نحو إبادة منطق التفكير الإنساني القديم وقبره في مدينته القديمة التقليدية؛ ليحل محله منطق جديد للتفكير، يقوم على عبادة الديناميكية المتجددة (الصورة، المخيال الذهني، الفردانية، التقانة، العولمة، القانون، النظام… الخ). ولم تعد مجالات القوى المؤثرة في بناء الأفكار عبارة عن صورتين من البنى الفوقية والتحتية كما كان يتحدث عنها الماركسيون؛ بل أصبحت معادلات من الدوائر المتداخلة بعضها ببعض، وفي كل دائرة اشتغال توجد قطع فكرية صغرى متناثرة يكاد لا يلحظها المؤرخون؛ لكنها تؤرخ لمسألة تطور الكائنات الإنسانية الحديثة. لقد أثر كل ذلك في تقسيم مراحل التاريخي الأوروبي الحديث، وأصبح ينطلق من الموضوع الفلسفي والفكري الذي مر به العقل الأوروبي الحديث والمعاصر(8)، وليس الزماني كما كان عليه التاريخ الأوروبي القديم (العصر الحجري، الوسيط، الحديث، المعاصر)، فأصبح التاريخ الحديث والمعاصر ينقسم إلى مراحل النهضة والتنوير والحداثة وما بعد الحداثة، وهو اشتباك مفاهيمي وموضوعي في آن واحد، حدث بفعل التحولات الفلسفية التي اجتاحت أوروبا في تاريخها الحديث والمعاصر. وهكذا، تفككت معظم التصورات الذهنية التقليدية، خاصة تلك المرتبطة بالمقدس الكهنوتي الذي أنتجه خطاب الكنيسة خلال ألفي عام تقريبا، وتفككت بني العيش التقليدية كلها.
– تاريخية الاجتماع السياسي فـي عمان؛
سنعترف أن لا مقاربات بين تطور المعرفة في قراءة الظاهرة التاريخية في الغرب وبين الاشتغالات المعرفية عند الباحثين العرب فضلا عن العمانيين، لكن المعرفة تظل إنسانية الانتماء، ولذلك نحاول من خلال هذه الكتابات فتح نوافذ جديدة في حقل الدراسات التاريخية العمانية بشكل خاص، يمكن أن تساهم في تنوير العقل المعرفي قليلا، لأن مثل هذه الدراسات تحتاج إلى تظافر في الجهود البحثية والمعرفية. سنتحدث بداية عن مشكل التحقيب في التاريخ العماني، وهو إشكال لم تتطرق إليه الدراسات العمانية إلى الان بشكل عميق، ويعود ذلك غالبا إلى مشكل الحداثة المعرفية أولا وإلى مشكل التاريخ ذاته كذلك، فهو تاريخ لم يشهد تحولات فكرية جذرية حتى في تاريخه المعاصر في كل ما يتعلق بموضوع الحداثة. لقد ظلت حركة الفكر تقليدية باهتة بالرغم من دخول العقل العماني دوائر المعرفة الحديثة، التي أدت إلى مأسسة التعليم في العقود الأخيرة، لكننا نتحدث هنا عن تاريخ عريق يمتد إلى فترة ما قبل الإسلام، أو حتى تلك الفترة الممتدة من بداية تاريخ الإسلام عند العُمانيين وحتى النهضة المعاصرة. هذه المرحلة بالذات تبدو متناسقة إلى حد كبير، بحيث يجد الباحث صعوبة كبرى في تحديد التحولات الكبرى التي حدثت في تاريخ العقل العماني. هناك تحولات سياسية حدثت لكنها ظلت تتحرك في ذات الهياكل التقليدية القديمة، سواء الهياكل السياسية (الإمامة/ الملكية) أو الهياكل الاجتماعية (الأسرة، القبيلة، القرية) وهي كلها سياجات مغلقة لا تسمح بالتفكير خارج منظومة الأفكار التي ولدت في أحضان الهياكل التقليدية، وكذلك في المجال الاقتصادي (القوى المنتجة وعلاقات الانتاج) والمجال اللاهوتي الذي يعتبر من المجالات الأكثر دوجماتية؛ كونه مغلقا بسياجات مقدسة في التاريخ العماني. هذه البنى أو الهياكل التقليدية، والتي تشكل الإطار البنيوي الذي ولد فيها العقل العماني وتطور تاريخيا لم يحدث فيها تحولات جذرية طوال التاريخ، أعني تلك التحولات المتعلقة بمجال المعرفة وطرق التفكير وطرائق العيش، وظلت تمارس تلك الهياكل التقليدية سلطتها المركزية على طريقة التفكير، وربما نستطيع وضعها في سياق «المدى» كقياس مفاهيمي بروديلي(9).
علاقة جدا معقدة تحدث بين هياكل الاجتماع السياسي والاجتماع الديني التي يعيش ويتحرك فيها الإنسان وبين طريقة تفكيره، فالهياكل الشكلانية في الاجتماع والدين والاقتصاد والسياسة تضع حركة الفكر في دائرة مغلقة على أفكارها الكلاسيكية، ومن الصعوبة أن تحدث تفكيكات بنيوية في طريقة التفكير ما لم تتغير هذه البنى ذاتها، بحيث تصبح بنى مختلفة عن شكلها التقليدي؛ أي تحدث إزاحة بسيطة لطريقة العيش تؤثر في طريقة التفكير الجمعي، لكن كل ذلك لم يحدث وإن كانت معادلات التحول والتغير بدأت تتشكل الآن مع العولمة الثقافية والفكرية بيد أنها تظل بسيطة. من هنا يكتسب مفهوم التحقيب التاريخي للعقل العماني جدلية مفاهيمية وموضوعية، لأن التحقيب التاريخي سيدفعنا إلى الارتكاز على الموضوع السياسي باعتباره الأكثر حراكا وديناميكية عن غيره من موضوعات الاجتماع السياسي أو الموضوع الفلسفي عند العمانيين.
يمكننا تقسيم التاريخ العماني بعد الإسلام إلى ثلاث حلقات تاريخية شكلت وعي العقل الجمعي؛ تبدأ الأولى بدخول الإسلام أرض عمان إلى نهايات القرن الخامس الهجري، وتنتهي الثانية بانتهاء الدولة اليعربية (1153/1741)، وتبدأ الحلقة الثالثة ببداية دولة آل سعيد (النصف الثاني من القرن الثاني عشر) وحتى بداية النهضة الحديثة التي شكلت ولادة مرحلة جديدة في التاريخ العماني. لكن هذا التقسيم المرحلي سيكون تقسيما جدليا، أعني أن الموضوعات التي شكلت العقل العماني طوال هذه المراحل متشابكة إلى حد كبير بحيث يصعب الفصل بينها؛ لأن هذا التقسيم بذاته لا يخضع لمرتكزات سياسية واضحة كتلك المراحل السياسية المتصلة بأرخنة التاريخ الإسلامي (مرحلة الخلفاء، الدولة الأموية، الدولة العباسية، الدولة العثمانية، ما بعد العثمانيين)، كما أنه لا يشكل انتقالا معرفيا موضوعيا (النهضة، الإصلاح، التنوير، الحداثة، ما بعد الحداثة)، وهذا سيضعنا أمام محاكمات ابستمولوجية حول المرجعية المعرفية التي نستند إليها في هذا التحقيب التاريخي؛ لأن التاريخ الفكري والسياسي في عمان حتى عام ١٩٧٠م عبارة عن نسق بنيوي واحد، يخضع لذات المعايير السياسية والفكرية، حتى تلك البنى الذهنية أو الفلسفية آو السياسية أو المعرفية أو بنى التفكير الاجتماعي أو الديني؛ كلها لا يوجد فيها تحولات جذرية مر بها التاريخ العماني يمكن تقطيعها إلى حقب تاريخية متباينة موضوعيا، أو يمكنها أن تقدم لنا بنى خاصة بها (علاقات تحول المعنى في الضمير الجمعي). لكن؛ بالرغم من ذلك سنتجاوز هذا الإشكال المنهجي إلى دراسات أخرى أكثر عمقا في الطرح المنهجي، ونحاول هنا تفكيك هذه المراحل التاريخية الثلاثة؛ أعني معرفة الاشتغالات العامة التي اتسمت بها هذه المراحل، وهو عمل يحتاج إلى جهد لا تستوعبه هذه الدراسة القصيرة؛ لكننا نسعى فقط إلى فتح الأبواب المعرفية التي يمكن أن تمتد لاحقا إلى أعمال منهجية كبرى.
يمكننا تقسيم حلقات التاريخ العماني بطريقة مختلفة نوعا ما؛ بحيث نضع التاريخ العماني في سلسلة دوائر أربعة؛ وترتيبها بحسب مقارباتها الدينية والمدنية كالتالي: دائرة الإمامة واشتغالاتها، دائرة دولة اليعاربة، دائرة الدولة النبهانية، ودائرة دولة آل سعيد. إنه تقسيم ذو مرتكزات سياسية إلى حد كبير؛ لكن يبدو أن هذا التقسيم ضعيف جدا، لأن التاريخ العماني أوسع مساحة من هذه الدوائر السياسية الأربع، وقد مر أيضا بفترات زمنية مجردة من أي مشروع سياسي، وهي مناطق الاضطراب السياسي التي تخلو من مركزية سياسية للدولة، وهي مراحل طويلة في التاريخ العماني، تتعدد فيها المركزيات السياسية في عدة مناطق جغرافية، خاصة عصر الدولة النبهانية وبعض فترات الإمامة، لكن بالرغم من ذلك كله فإننا سنعتمد هنا التقسيم الأول لعدة اعتبارات:
1 – إن المرحلة الأولى وإن كانت بسيطة في آليات بناء مفهوم الدولة؛ لكن هذه الفترة مهمة جدا بالنظر إلى كونها المرحلة التأسيسية التي شكلت بناء العقل الجمعي باسم الدين في عمان، حيث تمت في هذه المرحلة الدقيقة بداية صياغة عقل جديد في رؤيته لذاته ورؤيته للعالم. هذه المرحلة هي المرحلة التأسيسية الأولى التي نقلت العقل العماني من مرحلة ما قبل الإسلام إلى مرحلة جديدة في بناء المنظومة القيمية والمفاهيمية والمبادئ السياسية التي تقوم عليها الدولة وطريقة التفكير الجمعي.
2 – إن الثقافة الدينية في المرحلة الأولى كانت إباضية إلى حد كبير في بناء منظومة الفكر الديني في عمان، بالرغم من وجود مدارس مذهبية أخرى كالمرجئة والمعتزلة والشيعة؛ لكنها لم تكن مؤثرة في صياغة العقل الجمعي العماني، كما أن حضورها في ممارسات الاجتماع السياسي ضعيفة إلى حد كبير.
3 – هذه المرحلة أيضا تقدم لنا منطقة مضطربة جدا في تأسيس الاجتماع السياسي والاجتماع الديني، فقد حكم عمان في هذه الفترة دولة الإمامة الإباضية والدولة الأموية والدولة العباسية والبويهيون والقرامطة وآل مكرم ودخلت الصفرية وعادت الملكية من جديد في هذه الفترة وهي تمثل امتدادا للنظام الملكي الذي كان موجودا في عمان قبل الإسلام، كما وجد في هذه المرحلة التاريخية العرب والهنود والعجم والموالي والعبيد والفرس وأهل شيراز وأهل كرمان، ووجد أيضا اليهود والنصارى والهندوس والمسلمون. لقد كانت مرحلة مضطربة من حيث هيمنة الأفكار على صياغة العقل الجمعي، لكنها في المقابل غنية بالتعددية الدينية والاثنية، وغنية في تجربتها السياسية، الأمر الذي أكسب العمانيين قدرة كبيرة على التعامل مع الآخر.
4 – تأسست في المرحلة الثانية دولة بني نبهان، وهي دولة اشتغلت على طبائع الاجتماع السياسي، بعكس دولة الإمامة التي اشتغلت في صياغتها للعقل الاجتماعي على مكونات الاجتماع الديني، ونشوء دولة بني نبهان يعتبر تحولا مفصليا في السياق السياسي والديني في عمان، وربما يمكننا القول إنها تمثل امتدادا للمنظومة الملكية في عمان قبل مجيء الإسلام، كما تشكل امتدادا للتوظيف السياسي للقبيلة، الذي يحرك طريقة تفكير الاجتماع السياسي لدى العمانيين.
5 – المرحلة الثانية بالذات تعتبر من المراحل الغنية في تجربة الحكم في عمان؛ فقد تضمنت ثلاثة أنواع من الحكم، الإمامة، اليعاربة، النباهنة. هذه المكونات المختلفة نوعا ما كان لها تأثير كبير في تشكل طريقة التفكير لدى العمانيين، حيث ظهرت السلطة والقبيلة والدين كمكونات مؤثرة جدا، غيرت بناء الأفكار التقليدية التي تميزت بها المرحلة الأولى. في هذه المرحلة تقريبا ظهر الإشكال القبلي في عمان بصورة معقدة، وتحول التفكير التقليدي في إدارة الدولة من نظام ديني إلى نظام سياسي ارتبط بالقوى السياسية الخارجية كما حدث مع النباهنة في ارتباطهم بالبويهيين الشيرازيين.
6 – تعتبر هذه المرحلة بالذات هي المرحلة التي بدأت فيها الهجرة من عمان الى شرق أفريقيا بصورة كبيرة، وذلك بعد طرد البرتغاليين، كما أنها بدأت تتشكل رؤية جديدة في العلاقة مع الغرب من خلال البرتغاليين، وهي دائرة اشتغال سياسي أتت من خارج المحيط الهندي، خارج المنطقة التقليدية التي كان يتحرك فيها العمانيون سياسيا.
7 – المرحلة الأخيرة؛ هي مرحلة العودة إلى مراحل الدولة المبكرة عبر مرجعيات دينية كانت مسكونة بفكرة الدولة الإباضية من جهة، كما أنها تأثرت في بنائها الفكري بالمرجعيات الدينية في العالم الإسلامي، كونها المرحلة الأكثر تواصلا مع العالم الخارجي.
8 – هذه المرحلة الأخيرة أيضا حدث فيها تضخم ديموغرافي كبير دينيا ولغويا ومذهبيا واثنيا في عمان كقوى مؤثرة إلى حد كبير، وبدت هذه المرحلة أكثر حضورا كمتعدد ثقافي تميز بولادة نفوذ سياسي جديد على ساحل الشمال الشرقي من عمان. لقد ساهمت دولة آل سعيد بشكل مباشر أو غير مباشر في تضخم هذه التعددية الثقافية في عمان، وهذا بدوره أدى إلى تصدع مركزية التفكير السياسي التقليدي، وتحول المركزية السياسية جغرافيا من المناطق التي تقع تحت سفح الجيل الأخضر إلي ساحل الشمال الشرقي من عمان كما سنرى.
من جانب آخر، نحن إزاء مشكلين في الدراسات التاريخية العمانية:
9 – تظل معظم الدراسات التاريخية المعاصرة عن التاريخ العماني دراسات سردية في غالبها، ولم تتحرك إلا قليلا تجاه السببية التاريخية، في حين تبقى كل الفروع الأخرى المرتبطة بحقل الدراسات التاريخية ضعيفة جدا، حتى المؤسسات العلمية والمجلات التاريخية – إن وجدت- لم تساهم بشكل كبير في تطوير حقل الدراسات التاريخية. إن هذه الدراسات وإن ساهمت في توثيق سرديات التاريخ العماني، لكنها أوجدت فراغات كبيرة في كشف السياقات التي شكلت حركة التاريخ العماني وشكلت معه طريقة التفكير لدى العمانيين.
10 – إن التاريخ العماني لم يدون قديما بصورة صحيحة، فقد كان المؤرخون العمانيون يوثقون في القرون العشرة الأولى من التاريخ العماني تاريخ الإباضية وقليلا جدا من تاريخ العلائق السياسية المرتبطة بالإباضية، وأهملوا جزءا كبيرا من التاريخ العماني. لقد كتبوا عن الإباضية ولم يكتبوا عن العقل العماني، لقد كتبوا عن المرجعيات الفاعلة في المشهدين الديني والسياسي وتجاهلوا الدوائر الأخرى التي شكلت التاريخ العماني، كما أهملوا صورا تاريخية عديدة من تاريخ الجمال والجنس والفنون والثقافة الشعبية وتاريخ الزراعة والصيد وتاريخ الحياة العامة وتاريخ اللغات والتاريخ الاثني والمذهبي وتاريخ الآلام من الفقر والجوع وعذابات الناس من الأمراض وتاريخ الجنون الاجتماعي والتطرف الديني وتاريخ الترف السياسي وغيرها من الصور التي شكلت ملامح كلية عن التاريخ العماني؛ بل لا نجد حتى كتابات تاريخية عن الدولة النبهانية، وهي التي أرست سفنها السياسية في قلب التاريخ العماني، وربما يعود السبب إلى كونها ليست دولة دينية، أو كما يحب أن يصفها المؤرخون العمانيون بدولة « الجبابرة»، وهو تعبير يعكس أدلجة التاريخ، الذي تجاوزته المناهج التاريخية الحديثة، كما يخفي صورة كبيرة من الرؤية السياسية للدولة النبهانية. هذا الإشكال يسهم بلا شك في صعوبة عقلنة التاريخي العماني، كما أنه سيحتاج إلى جهود مضاعفة في إعادة أشكلة التاريخ العماني وتقديم صورة أخرى عن المهمشين والمنسيين تختلف عن تلك الصورة الكلاسيكية التي وثقها المؤرخون العمانيون قديما وحديثا.
إننا أيضا إزاء إشكالين مهمين في هذا السياق:
11 – إننا لا نقوم هنا، ونحن نتحدث عن التحقيب التاريخي بتحديدات زمنية دقيقة للأحداث؛ لأن هذا ليس هو المعنى المعرفي لمصطلح التحقيب التاريخي. هذا الأخير لا يهتم بشكل دقيق بتأريخ الحدث؛ وإنما يشتغل على رسم صورة شبه واضحة عن النسق البنيوي الذي تحرك فيه الإنسان في تلك المرحلة التاريخية؛ ما هي اشتغالاته الكبرى؟ كيف يفكر؟ ما هي أدواته؟ ما هي منظومته الفكرية التي يفكر من خلالها؟ كيف كان يعيش؟ ما هي الثقافة الجديدة التي دخلت عليه؟ نحن نحاول أن نقوم بعقلنة التاريخ وتقطيعه إلى دوائر متباينة نوعا ما.
12 – إن الانتقال من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى لا يعني انتقالا زمنيا (محدد زماني)؛ وإنما هو انتقال بنيوي؛ أي أننا نقوم بمحاولة الاشتغال على دائرتين يفترض أن قطيعة معرفية بينهما أو هما مختلفتان قليلا في الاشتغالات على أقل تقدير، وقد ذكرنا سابقا بأن هذا يصعب على الباحث؛ بسبب صعوبة تحديد الفواصل الموضوعية بين مرحلة تاريخية وأخرى.
13 – ضرورة ربط الجغرافيا السياسية بالاجتماع السياسي في كل مرحلة تاريخية؛ حيث السياقات تختلف والهيمنة تختلف والظرفية التاريخية متحولة ومتبدلة ومتغيرة، كما أن مناطق الجغرافيا السياسية في عمان تطورت كثيرا عبر المراحل التاريخية. ونحن لا نتمكن هنا من رصد كامل لهذه التحولات أو ربط الجغرافيا السياسية بتحولات الاجتماع السياسي؛ لكننا نشير إليها هنا كإشكال معرفي مهم في الدراسات المستقبلية للاجتماع السياسي في عمان. إضافة إلى ذلك فإن أسماء المدن والقرى العمانية خضعت هي الأخرى لتحولات في مرجعيتها السياسية والمعرفية، تبعا للواء السياسي الذي ارتبطت به (إمامة/ملكية). كما أن بعضها لم يكن أساسا يحمل أسماء عربية بسبب غلبة الثقافة الفارسية عليه، « فأول موضع من عمان نزله عمرو بن العاص يقال له دمستجرد، وهي مدينة بصحار بنتها العجم…، (10) «؛
14 – إنه من الصعوبة جدا أن نعيد رسم ملامح صورة المهمشين في التاريخ العماني أو ما يمكن تسميته بالتاريخ المنسي؛ لأن مثل هذا العمل يحتاج إلى وقت وجهد لا أجده حاضرا في هذا الدراسة القصيرة لارتباطي بزمن محدد؛ وإنما سأكتفي بإعادة أشكلة الاجتماع السياسي في عمان؛ لأن معظم الكتابات التاريخية قدمت لنا عمان كدائرة اجتماع سياسي ذو مرجعية إباضية إمامية فقط؛ في حين أن هذه الصورة لم تكن سوى جزء واحد فقط من وجه التاريخ العماني، ونحن نعترف بأن الإمامة الإباضية كان لها حضور كبير في رسم معالم تلك المرحلة التاريخية، لكنها لم تكن سوى جزء من الصورة.
المرحلة الأولى: من بداية دخول الإسلام إلى نهايات القرن الخامس الهجري؛
الاجتماع السياسي يحكي تلك العلاقة الجدلية أو ذلك الاشتباك البراجماتي بين العقلين السياسي والاجتماعي بمفاهيمه وتصوراته في تلك المرحلة التاريخية. هذه العلاقة يفترض نظريا أنها متأسسة على صيغة تعاقدية معينة ولو لم تكن توافقية، أو أنها قامت بالقوة؛ لكنها في النهاية تعبر عن مركزية سياسية تتحكم في المجالين الاجتماعي والسياسي داخل حدود جغرافية، كدولة الإمامة أو الملكية أو المدنية الحديثة؛ أما إذا لم تصادف أحد هذه الصيغ التقليدية فإنها ستكون حينئذ عبارة عن عصبية اثنية أو قبلية ذات نظام فئوي، مجردة من المركزية السياسية، وتظل تعيش في منطقة فراغ سياسي لمفهوم الدولة (انعدام المركزية السياسية). هكذا وجد الإسلام المبكر نفسه جغرافيا (مكة والمدينة ونجد والحجاز) وزمانيا (عصر الرسالة) داخل منطقة فراغ سياسي، تخلو من أي دولة مركزية. ومن هذا المنطلق، فإن انعدام المركزية السياسية -حيث ظهور الإسلام- ترك أثرا كبيرا في ضبط المحددات اللاهوتية لنظام السلطة ومفهوم الدولة، ويبدو أن الإسلام لم يعلن من البداية وجوده داخل حيز جغرافي معين كشرط أساسي لوجود الدولة؛ وإنما ارتكز في هيمنته السياسية على قوة الفكرة ذاتها (الإسلام)؛ كون الإسلام عالمي الرسالة، ومركزية الدولة حيثما يمتد الإسلام، ثم استقر الأمر مع الدولة الأموية في منطقة جغرافية عرفت سابقا معنى المركزية السياسية (الدولة البيزنطية)… ولهذا وجد المسلمون أنفسهم في صراع كبير على تمثيل «المركزية السياسية» بعد وفاة الرسول، ونتج عن ذلك إشكالات كبرى ما تزال نتائجها حاضرة إلى يومنا هذا في طريقة تفكير العقل السياسي الإسلامي. في المقابل؛ فإن عمان؛ باعتبارها تمثل امتدادا فكريا لهذا الدين الجديد، لم تكن تعيش فراغا في مفهوم الدولة التقليدية كما كان يحدث في الجزيرة العربية (وإن حدث ذلك بصورة تقليدية بدائية)؛ لكنها كانت تملك تجربة إنسانية ذاتية في طريقة الحكم تعتمد على النظام الملكي، وربما تعود مرجعيته التاريخية إلى تجربة الأنظمة الملكية في اليمن أو بلاد فارس (بدأ بالتحول من مفهوم العصبية القبلية إلى مفهوم المركزية السياسية ثم تطور).
هذا الإشكال مهم جدا، وهو ما يمكن طرحه بقوة في كافة الدراسات المتعلقة بجدلية الاجتماع السياسي في عمان، وهذا يمثل أحد الفروقات الجوهرية بين عمان وشبه الجزيرة العربية في فترة الإسلام المبكر. فالجزيرة العربية – حيث مهد الإسلام الأول- كانت تعيش فراغا في مفهوم الدولة السياسية، كانت أشبه بنظام قبلي يرتكز على العصبية القبلية لحماية مصالحه الفئوية ثم تحول إلى عصبية دينية، ولم يرتكز علي تجربة إنسانية في الحكم وممارسة السلطة السياسية بشكل مركزي، وحتى في فترة الرسالة فإن الدولة كمرتكز سياسي بمفاهيمها وتصوراتها لم تكن موجودة أيضا، فالمسلمون كانوا تحت طاعة الوحي، عبر نبي رفض الملك، وكان ينادي بطرق الخلاص؛ في حين كانت عمان مختلفة نهائيا؛ كانت تعيش تجربة كبيرة في ممارسة السياسة والصراع مع الفرس ومنطقة المحيط الهندي كدولة لها مركزيتها السياسية، بداية من مالك بن فهم وأولاده الذين بسطوا سيطرتهم على جزء كبير من عمان ثم دولة بني معولة بن شمس حتى دخول الإسلام أرض عمان. عندما أعلن عن الإسلام كولادة فكرية جديدة لم يطلب هذا الدين الجديد تنظيما سياسيا معينا لشكل الدولة الجديدة أو تغيير قوالبها الشكلانية التقليدية؛ وإنما ارتأى تركها كما كانت سابقا؛ ذلك أن مفهوم المركزية السياسية كان غائبا أساسا عن مساحات الاشتغال الإسلامي في تلك المرحلة التاريخية، وما يهم هو انتشار الفكرة ذاتها؛ فكرة الدين الجديد.
بعد إشكالية الفتنة، المعروفة في التاريخ الإسلامي بالفتنة الكبرى، وجد العمانيون أنفسهم وهم يعتنقون المدرسة الإباضية منهجا وموضوعا، إنهم في إشكال كبير يتعلق بتحديد هوية المركزية السياسية (الملك/ الإمام)، فقد استعملت مرجعيتهم الدينية (المحكمة) في البصرة مصطلح « الإمام» عندما تم تنصيب الإمام عبدالله بن وهب الراسبي خليفة لهم، وبذلك حدثت هجرة مفاهيمية لهذا المصطلح من البصرة إلى عمان، ليتم الإعلان عنه في عمان لأول مرة عام ١٣٢ للهجرة، بداية تأسيس دولة الإمامة الإباضية، وهذا بدوره أدى إلى بداية تفكك منظومة التفكير السياسي التقليدي عند العمانيين. إن هذه الهجرة المفاهيمية شكلت ملامح سياسية جديدة تنضوي تحت هذا المفهوم، خاصة وأنه بدأ يؤسس لنفسه مجالا جديدا في المخيال السياسي العماني داخل الدولة (هل مفهوم الإمام ينسجم مع مفهوم الدولة، أم أنه يعود إلى دائرة الفكرة وليس الجغرافيا وبذلك يسقط مفهوم الدولة بوجود هذا المصطلح؟!). يمكننا إذن أن نتساءل عن حقيقة التأثر الذي تركته هذه الهجرة المفاهيمية في دائرة الاجتماع السياسي في عمان؟ يبدو أن ذلك الانسجام بين الديني والسياسي كان ضعيفا؛ لأن هذا النظام الجديد لم يتمكن من الثبات فترة طويلة حتى سقط بعد عامين فقط من عمر الدولة الجديدة (فترة حكم الجلندى بن مسعود(11)) كمولود لم يألف الحياة الجديدة التي ولد فيها، ثم عادت الملكية من جديد تحكم باسم الإسلام! جزء من الصورة هنا يبدو غائبا إلى الآن، لأن عوامل السقوط لم تكن في ولادة منظومة سياسية جديدة؛ وإلا فكيف نفسر دوافع العمانيين إلى رفض هذه الصيغة الجديدة في طريقة ممارسة الحكم؛ في حين أنهم قبلوا بالإسلام كمنظومة تفكير جديدة بلا شرط؟ (12)!
إن سقوط هذا النظام السياسي الجديد كان بسبب عوامل عديدة، ولم يكن رفض العمانيين (صيغة الجمع جدلية وإلا فإن الحضور السياسي كان نخبويا فقط) لهذه الصيغة في حد ذاتها سببا وحيدا لذلك؛ وإنما ظل هناك حنين من قبل أحفاد الجلندى (ملوك عمان السابقين) نحو الصيغة السياسية القديمة، مدفوعا بالعصبية القبلية. يظهر أن الإمامة أدركت ذلك عندما تم تعيين الجلندى بن مسعود أول إمام في عمان، أو أن القبلية هي الأخرى كانت – منذ تلك اللحظة باسم الدين- محركا جوهريا من محركات النظام السياسي الجديد؛ ولهذا أصبح جل الأئمة إن لم يكن كلهم من قبيلة اليحمد في الفترة الثانية من قيام الإمامة الإباضية في هذه المرحلة التاريخية، ولهذا كان الصراع في حقيقته بين اليحمد/الإمامة(13) وآل الجلندى(14) المنتمين إلى النظام الملكي القديم. لم تستطع الإمامة التخلص من هذا الإشكال، كما أن النظام الملكي لم يختف من عمان طوال التاريخ، وبهذا تحولت الإمامة من لاهوت ديني إلى لاهوت قبلي. لقد حاولت الإمامة أن تضع سياجات لاهوتية على هذا النظام السياسي الجديد بحيث لا يمكن اختراقه، وذلك بربطه بمسألة الولاء والبراء، فالخروج على الإمام يؤدي إلى الخروج عن رابطة المنتمين إلى الدين الجديد، ويجب على المسلمين محاربتهم؛ لكن هذا المبدأ بالرغم من قوته اللاهوتية لم يتمكن من ضبط المجال السياسي، وتم استخدامه مرات عديدة بدوافع غير إيمانية، وربما كان بدوافع من اللاهوت القبلي (تعبير جدلي مجازي يوحي بتحول القبيلة إلى أيقونة مثالية، تقوم بذات الدور الذي يقوم به الدين في التأثير على الضمير الجمعي)، ولهذا نلاحظ في هذه المرحلة التاريخية بالذات صدامات كبرى حدثت بين المرجعيات الدينية ذاتها، أدى ذلك إلى صناعة العنف باسم الدين والإمامة، ويذكر الأزكوي أنه « لم تزل الفتن بين أهل عمان وتزيد بينهم الإحن وصار أمر الإمام لعبا ولهوا وبغيا وهوى، لم يقتفوا كتاب الله …حتى أنهم عقدوا في عام واحد ست عشرة بيعة(15)»، وهذا يؤكد أن هذه الولادة الجديدة لمفهوم الإمام لم تتمكن من النمو بشكل طبيعي في الأرض العمانية ذات الأنظمة الملكية التقليدية.
إن الإمامة بفكرها وتصوراتها حاولت أن تضع سياجات مفاهيمية على النظام الملكي، واصفة إياه بأنه يمثل دولة الجبابرة، والظلم، وكان المؤرخون العمانيون – معظمهم- ذوو انتماءات أيديولوجية لاهوتية لا يصفون في كتاباتهم الدولة الملكية إلا بصفة الجبابرة وأهل الشر والفتنة. هذه المفاهيم – بعيدا عن واقعيتها من عدمه – هي المقابل الأيديولوجي لمفهوم الإمامة، هذا المفهوم الذي يرمز إلى أيقونة التقوى والخلاص والعدالة بحسب المنظرين والمؤرخين له. لكن هذه التوصيفات لا تعني بالضرورة أنها صحيحة في الواقعية السياسية، لعدة أسباب، منها أن هذه المقابلات المفاهيمية هي أيديولوجية ولا تخضع لمقاييس متفق عليها، كما أن التاريخ العماني صيغ بخيوط ذات طابع لاهوتي آحادي، ومعظم المؤرخين إن لم يكن كلهم كانت انتماءاتهم تتجه نحو الإمامة بسبب الانتماء المذهبي، فالإمامة تمثل المدرسة الإباضية في حين أن الملكية لها اشتغالات أخرى ولا تميل إلى التمثيل المذهبي ولو كان رموزها إباضية، وهذا يقودنا إلى ضرورة محاكمة المفاهيم والتصورات الذهنية التي استعملها المؤرخون العمانيون في كتاباتهم عند الحديث عن الدول ذات النظام الملكي في عمان. إن كل تلك التصورات التي كتبها المؤرخون العمانيون عن الأنظمة الملكية في عمان بحاجة إلى محاكمتها من زوايا متعددة؛ أولا الظرفية التاريخية التي نمت فيها تلك الأنظمة، وثانيا المقاييس المدنية والتصورات السياسية المدنية التي تومن بها الأنظمة الملكية، والفارق بينها وبين التصورات اللاهوتية، كما يمكن محاكمة تلك الكتابات من حيث الدوافع الأيديولوجية لها، وانتزاع الإضاءات المشرقة التي يتميز بها هذا النوع من الأنظمة. هذا لا يعني طبعا أن هذه الأنظمة متشابهة خاصة في مسألة العدالة أو الظلم مثلا، لأن هذه الأحكام غالبا ما تكون نسبية ومتغايرة من مرحلة إلى أخرى، وهذا يحدث حتى في نظام الإمامة، وفتنة الصلت بن مالك ما تزال حاضرة بكل علائقها ونتائجها وتأثيراتها على العمانيين في تلك المرحلة التاريخية.
لا يمكن أن يخفى أن الإمامة كانت تملك القدرة على تجييش المجال الاجتماعي أكثر لمواجهة الأطماع الخارجية، خاصة وأن المرجعيات الدينية تمثل رأس الدولة السياسي في تصريف الأمور، كما أن الارتباط بين الاجتماعي/القبلي والسياسي كان ارتباطا براجماتيا يهدف إلى تحقيق غايات مشتركة. بيد أن كل ذلك لم يكن كافيا لضبط المحددات اللاهوتية للمجال السياسي(16)، وظلت المركزية السياسية مفككة طوال هذه المرحلة وغير مستقرة إلا في فترات بسيطة، فقد حكم عمان في هذه المرحلة النظام الملكي ونظام الإمامة والبويهيون والقرامطة وآل مكرم (17)وولاة الدولتين الأموية والعباسية، كما أنها تحولت في بعض الفترات التاريخية في هذه المرحلة بالذات إلى عدة كيانات سياسية وكيانات إمامية متعددة تتحكم في حيز جغرافي دون آخر(18). وبالرغم من هذه الاشتباكات التي حدثت في المجال السياسي، والحنين إلى النظام الملكي؛ لكن هذه التجربة في حد ذاتها استطاعت أن تضفي للعمانيين حنكة سياسية وتجربة إنسانية في مجال الحكم والسياسة، وقدمت لهم عمقا فكريا لما يمكن أن تكون عليه الدولة في المرحلة القادمة.
هناك صورة أخرى يمكن الاشتغال عليها في مجال الاجتماع السياسي، والمرتبطة بالنظامين الملكي والإمامي في عمان، فإضافة إلى تلك القدرة الكبيرة التي يتميز بها اللاهوت الديني في تجييش الاجتماعي باسم الدين، واشتغاله على منع الطبقية المادية من الظهور، بحيث يصبح الإمام كواحد من الرعية إلى حد كبير؛ فإنه في المقابل سعى إلى غلق منافذ عديدة في المجال الإنساني العام، وهو ما يتميز به النظام الملكي؛ كونه أكثر قدرة على الانفتاح نحو التجربة الإنسانية في مجال العلم الدنيوي والفنون الشعبية والعمارة، ويمنح مساحة أفضل للحرية في مجال الإشباع العاطفي، والتحرك في فضاءات الحرية الفردانية واختراق التابوهات (الجنس بأنواعه، الخمرة، الإماء، شعر الغزل) (19)، كما يكون أكثر اهتماما بالأدب وانسجاما مع الشعر المرتبط بالرمز السياسي والمديح والفخر، وأكثر صناعة لطبقيات الاجتماع القبلي. وهكذا يصبح مجال الاجتماع السياسي في النظام الملكي دنيوي النزعة والتفكير إلى حد كبير. وفي المقابل؛ يكون النظام الديني أكثر جدية في الإصلاح الاجتماعي ومكافحة الفقر وإضعاف الطبقية الاجتماعية وتطبيق المحددات اللاهوتية ومكافحة العصبية القبلية (إلى حد ما)، كل ذلك يتم بحسب التصورات اللاهوتية. وقد برز هذا بصورة واضحة في الفترات التاريخية التي حكم فيها الأئمة وتلك الفترات التي كان يسيطر على مركزيتها السياسية الخاضعون لتصورات النظام الملكي القديم في عمان. هذه الملامح وإن كانت غير ظاهرة بشكل كبير في هذه المرحلة التاريخية الأولى؛ لكنها تكفي إلى حد ما لسد تلك الفراغات التي أحدثها المؤرخون وهم يرسمون تاريخ تلك المرحلة. لقد شكلت هذه الملامح العامة البذور التأسيسية للمرحلة الثانية التي بدت أكثر وضوحا مع ظهور الدولة النبهانية بشكل خاص.
الاجتماع السياسي في عمان في صورته الملكية في المرحلة التأسيسية الأولى كان أكثر قدرة على استيعاب المتعدد الاثني والديني والمذهبي، أو يمكننا أن نقول إنه – على الأقل- لم يكن يهتم كثيرا بهذا المتعدد الثقافي، وترك له الحرية في التعبير عن ذاته، كما أن هذا المجتمع المتعدد يكون أكثر حراكا في النظام الملكي في عمان؛ لأن هذا النوع من الأنظمة يعتمد التجربة الإنسانية أكثر في إدارة الدولة، كما يكون قادرا على احتضان المتعدد والمختلف إلى حد كبير؛ بعكس الأنظمة اللاهوتية التي تعتمد على سياجات دوجماتية محددة بتنظير لاهوتي، وأحيانا بمذهب فئوي أو تأويلات مرجعية آحادية، كما أنها تكون غالبا تحت هيمنة المرجعيات الدينية في تحديد طرق الخلاص، وقد قدم لنا الأزكوي نصوصا تأسيسية عديدة توضح رؤية العالم في النظام اللاهوتي، حيث يحكي بأن : « رسالة هاشم بن غيلان الى الإمام عبدالملك بن حميد كانت تحذر من ظهور القدرية والمرجئة في صحار، بسبب كثرة المستجيبين لهم، ثم صاروا بتوام وغيرها من عمان….وطلبوا من الإمام أن يبين لهم الحق وإلا يحبسهم ويعاقبهم(20)»، وفي نص آخر» وكان أبو مروان عاملا للإمام المهنا على صحار، وكان يشدد على المخالفين أن يظهروا بدعتهم كالقنوت، وتقديم تكبيرة الإحرام على التوجيه، ورفع الأيدي في الصلاة… (21)».
هذه كلها نصوص تكشف إلى حد كبير العلاقة بين الذات والآخر في التصورات اللاهوتية، وهي تنبئ عن أدلجة جديدة في طريقة التفكير السياسي العماني؛ لكن هذه الرؤية لم تستمر كثيرا في عمان، وطغت مسألة التعايش الثقافي على طريقة العيش، لعدة أسباب؛ منها أن المرحلة التي تلت هذه المرحلة كانت الغلبة فيها للدولة النبهانية نوعا ما، وهي خلاف دولة الإمامة، وكانت تشتغل على ثقافتها التقليدية القديمة مع المتعدد الثقافي والاثني، إضافة إلى أن المكون الاجتماعي العماني قبل دخول الإسلام كان مكونا ثقافيا متعددا عرقيا (الفرس، العرب، الهنود، العبيد)، وبعد دخول الإسلام كان أكثر تنوعا (مسلمون، يهود، نصارى، مرجئة، معتزلة، صفرية، شيعة، زنوج، عرب، عجم، تعدد لغوي). شكل ذلك تجربة كبيرة للعمانيين في مسألة العيش المشترك، ومنح النظام الملكي التقليدي والعمانيين بشكل عام قدرة على الانسجام والتعايش مع المختلف، كما شكل لاحقا كل ذلك قيمة أخلاقية في عقل الاجتماع السياسي العماني تعتمد على التعايش من أجل السلام. ومن هنا نخلص إلى أن قيمة التعايش/العيش المشترك مع المختلف الثقافي والاثني ولدت في ظل نظام ملكي متعدد الثقافات والاثنيات خلال القرون الخمسة الأولى من عمر الدولة العمانية بعد الدخول في الإسلام، ومثل ذلك امتدادا لما كانت عليه عمان من تعددية نسبية قبل دخول الإسلام، واستمرت هذه القيمة الأخلاقية لاحقا ترعاها الأنظمة ذات المقاربات السياسية المشتركة مع النظام الملكي كدولة اليعاربة ودولة آل سعيد.

المرحلة الثانية: القرن السادس إلى نهاية دولة اليعاربة (١١٥٤هـ).
يمكننا تقسيم هذه المرحلة زمانيا إلى قسمين؛ قسم كان مضطربا جدا، يبدأ منذ القرن السادس وحتى بداية ولادة دولة اليعاربة، حيث افتقدت الدولة مركزيتها السياسية في معظم فتراتها، وكانت – في هذه الفترة- متعددة الأقطاب سياسيا ومجردة من مركزية سياسية واحدة، لوجود عدد من الأئمة وملوك بني نبهان في آن معا. كما كانت الدولة في بدايات هذه المرحلة تعيش اضطرابا سياسيا، بحيث غدت عدة مقاطعات بنظم سياسية مختلفة. يذكر الأزكوي أنه بين إمامة محمد بن خنبش عام (510/) وإمامة مالك بن الحواري (809/) لم يجد تاريخا عن حكام عمان في هذه الفترة الزمنية، ويذكر عن نفسه بأن بحث كثيرا عن الأحداث التي وقعت في هذا الزمان، وسأل كثيرا من العلماء ولم يجبه أحد، ثم يقول بأنها ربما كانت هي أيام ملك بني نبهان(22).
هذا النص يقدم لنا دلالات عديدة جدا عن التوثيق التاريخي، الذي أهمله المؤرخون عن دولة بني نبهان، لأسباب عديدة، كما يؤكد هذا النص ما طرحناه سابقا بأن معظم المؤرخين العمانيين اهتموا بتدوين تاريخ الأئمة الإباضية في القرون العشرة الأولى، وربما يحكي النص ربطا غير مباشر بين حكاية التاريخ وتأثير المعصية على من يمجد الجبابرة ويمدحهم، فلا يمكن أن تشيد بتاريخ دولة الجبابرة، « وإنما أهمل الإباضية ذكر الجبابرة، لأنهم عندهم أحقر من ذلك وأهون عليهم من أن يعتنوا بذكرهم في الكتب» (23). هذا المخيال الديني تكرس في ذهنية المؤرخين، ومعظمهم أساسا من فئة العلماء؛ لأنه لا يمكن تفسير كتابة المؤرخين لسير الإباضية في جميع المراحل التاريخية، وتجاهل مرحلة طويلة من عمر الدولة النبهانية امتدت لخمسة أو ستة قرون تقريبا! الأمر الذي يؤكد وجود قطيعة أيديولوجية بين العلماء الإباضية وملوك بني نبهان، وربما لأن عمان كانت قبل ذلك مكبلة سياسيا بغزو البويهيين والقرامطة وبنو مكرم والشيرازيين وغيرهم، فقد كانت مرحلة اضطراب سياسي غير مستقرة، وظهر فيها الشعراء أكثر من العلماء، لارتباط الشعراء بالدول الملكية أكثر من الدولة الدينية لما يجدوه منها من منافع مادية كبيرة لا تشرعها الإمامة، ولذلك ظهر شعراء كبار في عصر الدولة النبهانية بقي ذكرهم إلى اليوم كالستالي والحبسي والكيذاوي، وهم من كبار الشعراء الذين أنجبهم التاريخ العماني. لقد استأنف المؤرخون كتابة التاريخ العماني بداية من عهد عمر بن الخطاب الخروصي اليحمدي عام (885)، وهي الفترة التي تم القضاء فيها على الدولة النبهانية تقريبا، وصودرت أموالهم، الأمر الذي يعني أن تاريخ بني نبهان لم يدون بسبب الأيديولوجيا اللاهوتية، كما يظهر أيضا أن اليحمد عادت مرة أخرى إلى الحكم والسلطة في مواجهة العتيك/النباهنة، وذلك بتنظيم إباضي خالص (الشراة)، وهو ما يعكس حالة التوتر بين القبيلة والدين وبين الإمامة والملكية في التاريخ السياسي العماني.

يصف الأزكوي طبائع العمران لدى العمانيين خلال الفترة التي حكم فيها النباهنة أرض عمان في نص أشبه بالنصوص الخلدونية؛ كونه من النصوص النادرة التي تحاول وصف الإنسان العماني وحركة الاجتماع السياسي. هذا النص وإن كان مرتبطا بظرفيته التاريخية وسياقاته وموقف المؤرخين من الدولة النبهانية؛ لكنه نص استطاع أن يغوص في العمق السيكولوجي للعمانيين في السياسة والاجتماع، ولا يهمنا هنا صحة ما يورده الأزكوي أو موقفه الأيديولوجي من الأنظمة الملكية بقدر ما يهمنا تحليل دائرة الاجتماع السياسي العماني في تلك الفترة التاريخية، حيث يقول الأزكوي:» وأكثر ملوك عمان [النباهنة] أهل جور وفساد وظلم وعناد، وعضدهم على ذلك رؤساء القبائل من البدو والأراذل، وساموا أهل عمان سوء العذاب، وساسوهم شر مصاب، وعموا بالظلم الكهول والشباب، وأكثروا فيهم القتل والضرب والاغتصاب، والإذلال والأسر والانتهاب، ثم أوقع الله بينهم العداوة والبغضاء. وهكذا طبع أهل عمان؛ لهم الهمم العالية، والنفوس الأبية، لا ينقادون لملك[ملوك الظلم وليس ملوك العدل] ولا يقرون على هوان، ولا يستسلمون إلا لغالب، ولا يتركون المطالب، همة الضعيف منهم كهمة الأمير من غيرهم (24) «.
يقدم لنا النص تحليلا عميقا للاجتماع السياسي في عمان، ويمكننا أن نستنتج عدة أشياء:
1 – الظرفية التاريخية للنص تتحدث عن المثلث الذي كان يتحكم في أهل عمان في تلك الفترة؛ القوى الخارجية (الفرس) والنباهنة والبدو الذين كانوا يسكنون مناطق الحدان؛هذا الثالوث ارتبط بمنافع براجماتية أدت إلى الهيمنة والسيطرة على العمانيين بالقوة في تلك المرحلة التاريخية؛
2- إن القبيلة تلعب دورا كبيرا في مناصرة السلطة في التاريخ العماني، وهي براجماتية بطبيعتها، فهي لا تقدم شيئا إلا بقدر ما تأخذ، أو بقدر ما تشعر أنها تستفيد من السلطة.
3- إن النظام الملكي لدولة بني نبهان لم يكترث بالعدل كقيمة إنسانية وشرعية في إقامة الدولة، وإنما اكتفى بالقوة العسكرية في سبيل إرساء الملك واستقرار السلطة.
4- يتحدث النص عن مظاهر النظام الملكي القائم على الظلم والفساد والجور والقتل والاغتصاب، وهو شبيه بالأنظمة الملكية المستبدة في العصور الوسيطة، وأن هذا لم يكن ليتم لولا مناصرة زعماء القبائل لهذا النوع من الحكم (براجماتية نفعية).
5- إن العمانيين هم أصحاب منهج ثوري (يتحدث هنا عن القاعدة الشعبية)، وهذا يفسر كثرة الثورات التاريخية في عمان.
6- لا يستسلمون إلا لغالب؛ ولهذا كان الاجتماع السياسي في معظم فترات التاريخ العماني مضطربا إلى حد كبير؛ بسبب الفكر الثوري لدى العمانيين، واختلال التوازنات القبلية، حيث لا يوجد في عمان قبائل كبرى قادرة بنفسها على حسم الصراع على السلطة، فمعظم القبائل العمانية الفاعلة في المشهد السياسي العماني متقاربة في الكثافة السكانية والسلاح، إلا في ظل تحالفات قبلية لدعم النفوذ السياسي.
7- هناك غياب واضح للطائفية المذهبية في التاريخ السياسي العماني، حيث لم تشر النصوص التاريخية إلى مسألة الحضور الطائفي في الصراع السياسي، وهذا في حد ذاته يعود إلى المُرَكّب البنيوي للاجتماع السياسي في عمان أولا، وإلى اختلال التوازنات السياسية بين القوى الدينية في تلك الفترة التاريخية؛ فالشريط المناطقي والقبلي الأكثر حضورا في المشهد السياسي العماني خلال القرون العشرة الأولى هو ذلك الشريط الممتد من عبري، بهلاء، نزوى، إزكي، سمائل، الرستاق، إضافة إلى صحار في الشمال الغربي من عمان. هذا الشريط هو الأقوى نفوذا خلال أكثر من عشرة قرون، وهو الأقرب إلى صناعة تاريخ الاجتماع السياسي في عمان طوال القرون العشرة الأولى، لأسباب استراتيجية وأخرى تتعلق بالبدايات الأولى لهجرة الأزد إلى عمان، وهو الذي ركز عليه المؤرخون العمانيون كثيرا، ويعتبر تاريخ المناطق الأخرى (شريط الساحل من الشرق إلى الشمال) من التاريخ المهمش والمنسي في الكتابات التاريخية العمانية باستثناء قلهات في فترة وجيزة من عمر التاريخ العماني؛ بسبب ضعف المركزية السياسية في الشريط الساحلي، ولأن الجبهة الداخلية كثر فيها أتباع المدرسة الإباضية، وبالتالي فهي الأكثر حضورا في التاريخ السياسي العماني. لذلك؛ يجب على الباحثين الجدد التنقيب في دوائر تاريخ المهمشين، الذي يتميز بحياة مختلفة في منطقة الاجتماع السياسي، وهذا يحتاج إلى جهد و وقت طويل؛ لأن هذا الشريط الساحلي تضخم سكانيا وثقافيا في القرون الخمسة الأخيرة (المرحلة الثالثة) بالتدريج لأسباب عديدة جدا، وأدى ذلك إلى تحولات ديموغرافية في السكان (كثافة سكانية اثنية متعددة) والدين (التعددية المذهبية) وتغير في موازين القوى السياسية في الشريط المناطقي (مسقط – صحار)؛ الأمر الذي أدى إلى ولادة قوة ناشئة ساهمت كثيرا في استقرار دولة آل سعيد، بحيث أصبح هذا الشريط الساحلي هو المعادل السياسي للشريط الداخلي الذي ارتبط به الحضور السياسي التقليدي لدى العمانيين في القرون العشرة الأولى.
8- تحدث هذه الاضطرابات في الاجتماع السياسي غالبا بسبب اختلال لعبة التوازنات السياسية (الدين، القبيلة، القوى الأخرى).

لقد تغير تاريخ الاجتماع السياسي كثيرا في النصف الثاني من هذه المرحلة التاريخية، فقد أعلنت دولة اليعاربة عن البدايات الأولى للتحولات الديموغرافية في عمان، بسبب الهجرات الداخلية العديدة للقبائل العمانية من الداخل إلى الساحل أو إلى مناطق أخرى في عمان، إضافة إلى هجرات للعمانيين إلى شرق أفريقيا وهجرات معاكسة من سواحل المحيط الهندي وسواحل شرق بحر عمان والخليج العربي إلى الساحل العماني؛ لأسباب عديدة يتعلق بعضها بالاستقرار السياسي ويتعلق الآخر بالصراع الذي حدث في بدايات الدولة اليعربية وفي نهاياتها، ويتعلق بعضها بالبحث عن الاستقرار الاقتصادي، وبعضها بالهجرة إلى الشرق الأفريقي، وبعضها اتصل بظرفية ولادة القبيلة السياسية ونشوء تحالفات قبلية جديدة (الهناوية/ الغافرية)، والنصوص التي تؤكد هذا التحول الديموغرافي الاجتماعي في تلك المرحلة التاريخية كثيرة جدا؛ لكن كل ذلك لا ينفي أن هذه الهجرة الديموغرافية توسعت لاحقا في المرحلة الثالثة من عمر الدولة العمانية (دولة آل سعيد).

لقد أحدثت هذه المرحلة تحولات كبرى في مفهوم القبيلة ذاتها؛ فقد ولدت لأول مرة في تاريخ عمان « القبيلة السياسية « وهي شكل ثالث من أشكال القبيلة في عمان (القبيلة الجينالوجية، القبيلة الدينية [الرستاقية والنزوانية(25)]، والقبيلة السياسية [الهناوية والغافرية])؛ وهذه الأخيرة هي القبيلة التي تتشكل من مجموعة تحالفات لا يجمعها النسب بقدر ما تجمعها المصلحة السياسية، وحدث ذلك في أواخر الدولة اليعربية بعد صراع لاهوتي اجتماعي على مسألة الإمامة، نتج عنه ولادة كتلتين قبليتين هما الهناوية والغافرية ليشكلا ما يمكن تسميته بالقبيلة السياسية في التاريخ العماني. لقد كسرت القبيلة السياسية الجديدة ظرفية التاريخي الكلاسيكي القائمة على النسب في مسألة الصراع على السلطة (اليحمد/الإمامة- العتيك (النباهنة واليعاربة) /الملكية)، في حين أن القبيلة الجديدة (الهناوية/ الغافرية) أحدثت تطورا توظيفيا في مفهوم القبيلة التقليدية لصالح البرجماتية السياسية. لقد تمكن هذا المفهوم الجديد من تفكيك البنى الكلاسيكية لمفهوم القبيلة في تاريخ الاجتماع السياسي في عمان، وقلب كثيرا من التصورات الذهنية التي سيطرت علي العقل القبلي سابقا، ووسع من دائرة الصراع السياسي لتشمل جميع العمانيين بعد أن كان التوظيف القبلي مقتصرا على دوائر ضيقة إلى حد كبير.

لقد شهدت هذه المرحلة التاريخية أيضا تجربة كبيرة على المستوى السياسي، تمثل ذلك في الصراع بين العمانيين والغرب، وكان ذلك الصراع سببا مباشرا في إعادة ترتيب الاجتماع السياسي في عمان، وهو أول صراع يحدث في منطقة الخليج العربي مع الغرب. وبصرف النظر عن نتائج الصراع ذاته؛ لكن العمانيين اكتسبوا تجربة جديدة في التعامل مع ثقافة جديدة مختلفة في طريقة تفكيرها وأدواتها وخطابها السياسي والاجتماعي، وسمحت لهم هذه التجربة أن يتواصلوا بشكل أعمق مع شرق أفريقيا. كل ذلك كان له أثر كبير في الاستقرار والرخاء الاجتماعي، حيث تعتبر هذه المرحلة من المراحل التاريخية النادرة التي يشعر فيها العمانيون بالرخاء الاقتصادي والاستقرار السياسي والاجتماعي، وأدى ذلك إلى بناء القلاع والحصون وشق الأفلاج وبدأت الزراعة تنمو بشكل كبير، كما أنهم اختلطوا بالثقافات الأخرى في بلاد الهند وفارس وشرق أفريقيا بشكل عميق، وساهم ذلك في تطور تجربة العمانيين مع الثقافات الأخرى. لقد اتجه العمانيون إلى ثقافات المحيط الهندي بسبب الشلل الذي أصاب مفهوم الهجرة إلى العمق العربي بناء على المواقف الأيديولوجية من الدولة الإسلامية بداية من القرن الثاني للهجرة مباشرة، وأيضا بسبب الجغرافيا السياسية التي تتميز بها عمان، التي لعبت دورا كبيرا في صناعة التفكير السياسي والاجتماعي العماني، واتجهت به إلى ثقافة المحيط الهندي والساحل الشرقي للخليج العربي (بلاد الهند، فارس، كرمان، الشرق الأفريقي)، ولذلك قلت سابقا أن هذه المرحلة تعبر عن البدايات الأولى لتحولات البنى الديموغرافية وطرق العيش، وربما كان لها تأثير كبير في اللباس والأكل والزراعة وغيرها من أشكال الحياة اليومية في عمان.

المرحلة الثالثة: قيام دولة آل سعيد وحتى بداية النهضة العمانية الحديثة في تاريخها المعاصر (١٩٧٠).

تمثل دولة آل سعيد امتدادا قبليا للأنظمة الملكية في عمان (النباهنة/ اليعاربة – آل سعيد/العتيك) (26) في صراعها مع قبيلة اليحمد؛ المدافع التاريخي عن فكرة الإمامة الإباضية والحارس لها. سأثير هنا إشكالين في الاجتماع السياسي العماني وسأترك تفكيك هذه الإشكالات للباحثين في هذا المجال أو لدراسات مستقبلية؛ يتعلق الأول بدولة اليعاربة، التي تبدو أنها تمتلك كاريزما الأنظمة الملكية من حيث مظاهر القوة والرخاء والتوسع الجغرافي والهيمنة وتوارث الحكم وبناء القصور والدور واستيعاب الاثنيات المتعددة والمذاهب المختلفة والتواصل مع العوالم الجغرافية الأخرى وزيادة نسبة الرقيق وطريقة عيش ملوكها/أئمتها خاصة بعد الإمام ناصر بن مرشد؛ هناك نَفَسٌ من شكل الأنظمة الملكية؛ لكنها في المقابل التزمت فكريا بخط الإمامة، وساندتها قبيلة اليحمد منذ البداية، فقد أعلنت عن نفسها أنها امتداد للإمامة (مصطلح الإمام) كما التزمت بالخط الفكري الإباضي، الذي يتسم بتعيين العلماء للإمام ولو كان من نفس العائلة؛ حضور المرجعية الدينية أثناء تنصيب الأئمة، وهذه التقاليد هي من أكثر الطقوس الإجرائية التي تميز الإمامة في عمان. هذا التزاوج الذي قام به اليعاربة بين العتيك/النظام الملكي القديم، واليحمد/نظام الإمامة يعتبر جوهر القوة الذي تمتعت بها دولة اليعاربة؛ فهي من العتيك؛ القبيلة التي حكمت باسم النظام الملكي في عمان طوال ستة قرون (النباهنة) والعدو القبلي لقبيلة اليحمد تاريخيا، وفي ذات الوقت أعلنت عن استيعابها للخط الفكري الإباضي الذي تنادي به الإمامة/اليحمد.

في المقابل يتعلق الإشكال الثاني بدولة آل سعيد؛ حيث تشكل هي الأخرى امتدادا لهذا الخط العتيك (النباهنة، اليعاربة) قبليا وسياسيا؛ لكنها اصطدمت مباشرة بعد الإمام أحمد بن سعيد بالجبهة التقليدية المتمثلة في الإمامة (تخلت آل سعيد عن مصطلح الإمامة بعد وفاة الإمام أحمد بن سعيد)، وشكلت المنظومة التقليدية للإمامة قطيعة أيديولوجية مع هذه الدولة الفتية؛ ولهذا عاد من جديد المنهج الثوري الإباضي مع الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي اليحمدي، ثم مع الإمام سالم بن راشد الخروصي اليحمدي.

هذا القطيعة الأيديولوجية اضطرت دولة آل سعيد إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية في عمان بشكل جذري مع العوالم السياسية القديمة من خلال عنصرين مهمين جدا:
1- حدث – لأول مرة في التاريخ العماني – انتقال جذري لمنطقة الصراع السياسي في عمان؛ من الشريط الداخلي (المناطق الواقعة تحت سفح جبل اليحمد/الأكبر/الأخضر كنزوى والرستاق وبهلا) إلى الشريط المقابل له؛ ليتم الإعلان عن بناء عاصمة سياسية جديدة هي مسقط. هذا التحول في الجغرافيا السياسية أدى إلى تشكيل شريط ديموغرافي جديد في عمان قادر على مواجهة ذلك الشريط التقليدي الداخلي. هي إذن قامت بتغييرات جذرية في قواعد اللعبة ذاتها، ونقلت المعركة من دائرة القبلية (مفهوم اجتماعي) إلى دائرة الجغرافيا (مفهوم استراتيجي).
2- توسع هذا التحول الجغرافي لاحقا؛ ليصبح الشريط الساحلي الجديد هو الموازن الاستراتيجي بين شعوب الساحل الشرقي لبحر عمان والخليج العربي والمحيط الهندي وبين القبائل التقليدية في عمان الداخل، وأدى ذلك إلى اندماج سياسي واستراتيجي بين دولة آل سعيد (الشريط الديموغرافي والسياسي الجديد) وعالم ما وراء البحار، وساهم ذلك بشكل كبير في استقرار دولة آل سعيد.
3- تضخم هذا الحضور السياسي والديموغرافي الجديد في عهد السلطان سعيد بن سلطان (دخول اثنيات عديدة إلى عمان في هذه المرحلة بسبب توسع الإمبراطورية العمانية)، وأحدث ذلك تغييرا شاملا في قواعد اللعبة السياسية الجديدة، وساهم في ولادة بُنى ذهنية لدوائر سياسية واجتماعية جديدة في عمان، على المستوى الجغرافي والقبلي والمذهبي والسكاني، وهذا هو الذي يفسر استمرار دولة آل سعيد فترة تاريخية طويلة؛ لأن هذه القوة الجديدة ساهمت بطريقة مباشرة وغير مباشرة في توازن القوى الداخلية في عمان بين الخط الاجتماعي التقليدي (الديموغرافيا القديمة) والشريط الديموغرافي الجديد؛ الممتد من جعلان والساحل الشرقي إلى الساحل الغربي حتى صحار، حيث ولادة دولة آل سعيد…. هذا الخط الساحلي الجديد الذي استقر فيه الهرمزيون أكثر من قرنين والبرتغاليون حوالي قرنا ونصف يصبح في هذه الفترة بالذات بداية ولادة قوة ديموغرافية ناشئة وحضور إثنولوجي جديد في مقابل خط داخلي بدأ يتفتت.

هذا الحضور الديموغرافي الكبير استحضر معه أشكالا ثقافية جديدة لم تكن حاضرة في التاريخ العماني، خاصة ما يتعلق بالفنون الشعبية والطرائق الصوفية للسكان القادمين بكثافة من وراء البحار، وانخفضت إلى حد كبير دائرة السياجات اللاهوتية والقبلية، وأصبحت الحياة في هذا الشريط بالذات أكثر مرونة وانفتاحا في طريقة العيش مع الأشكال الثقافية الجديدة، وساعد على ذلك تغير أنماط المعمار، إذ لم تعد تتوفر في هذا الشريط الساحلي تلك المدن المغلقة معماريا والتي نجدها بصورة كبيرة في الشريط الجغرافي الداخلي (بهلا، نزوى، إزكي، منح، الرستاق، نخل)، والمعمار المغلق بالأسوار والمحصن بالبيوت المتجاورة بشكل حلزوني أو دائري كان له دور كبير في تشكل الذهنية العمانية، خاصة إذا انسجم مع أطروحات لاهوتية ساعدته في ذلك وأسهم هذا المعمار في دوجماتيتها، ولهذا نجد البدو في مثلا أكثر انفتاحا لعدم توفر هذا النوع من التحصينات المعمارية المغلقة في البادية. كذلك يبدو أن البدو هم الأكثر هجرة إلى الشريط الساحلي الجديد؛ لأسباب اقتصادية وأخرى متعلقة بمسألة الاستقرار؛ لكنهم شكلوا مع الاثنيات الجديدة مجتمعا مرنا ومنفتحا في طريقة العيش وأسلوب الحياة.

وفي المقابل؛ فإن هذا الشريط الساحلي الجديد غابت عنه تلك التجمعات القبلية ذات النفوذ السياسي التاريخي إلا في الفترات المتأخرة، وربما حدث ذلك في السنوات المائة الأخيرة فقط؛ أعني طبعا كتمركز ذي حضور سياسي وليس كوجود ديموغرافي فقط. واستطاع هذا الشريط الساحلي بمكوناته الديموغرافية الجديدة ذات الحضور السياسي الجديد أن ينسجم أكثر مع ثقافات المحيط الهندي ويشكل حضورا سياسيا قويا، ساعده على ذلك تلك المعاهدات والاتفاقيات التي قامت بها دولة آل سعيد مع دول النفوذ السياسي في المحيط الهندي بما فيه النفوذ البريطاني المسيطر على المحيط الهندي؛ بمعنى أن هذا التحول الديموغرافي في البنى الداخلية للشريط الساحلي امتد إلى التأثير على دائرة النفوذ السياسي (البنى الفوقية بالتعبير الماركسي)، وجعلها أكثر قدرة على الاستقرار من جهة وعلى مواجهة الخط التقليدي من جهة أخرى وكرس صورة استيعاب المتعدد الثقافي والسياسي والاثني في عمان والتي كانت موجودة أصلا في عمق التاريخ العماني كما أشرنا لاحقا.

إن عمان في اجتماعيتها السياسية -التي نشاهدها اليوم- هي صورة من تلك التحولات التاريخية؛ السياسية والديموغرافية والقبلية واللاهوتية، اكتسبت تجربة إنسانية داخلية خاصة بها في طريقة العيش، وأحدثت صراعاتها البينية -لاهوتيا وقبليا وديموغرافيا- توازنات الصراع والاستقرار في الاجتماع السياسي، كما لعبت الجغرافيا السياسية دورا كبيرا في صياغة العقل الاجتماعي، وفي طريقة تفكير العقل السياسي، وفي التعايش الذي فرض ذاته على العمانيين كجزء من الواقعية التاريخية بين مختلف الأديان والثقافات والاثنيات. إن هذه التوازنات السياسية التي أفرزتها الجغرافيا السياسية وشروط الصراع استطاعت – في تاريخها المعاصر- تجاوز تلك البنى القديمة؛ اللاهوتية والقبلية إلى غير رجعة وصناعة بنى ديموغرافية جديدة؛ لكن في المقابل فإن هذه القراءة في تاريخية الاجتماع السياسي تؤكد لنا أن الجغرافيا السياسية التي تعيش فيها عمان يمكنها أن تعلن عن ولادات جديدة في الاجتماع السياسي العماني في أي لحظة تاريخية؛ أعني ولادة تحولات جديدة في التوازنات الداخلية؛ لأن تاريخ الاستقرار في عمان أقل بكثير من تاريخ الصراع.
1 – هناك العشرات من الدراسات التي تعرضت لتحليل فكر ابن خلدون، سواء الكتابات العربية أو الأجنبية، ولهذا لسنا بحاجة هنا إلى إعادة ما كتب سابقا حول هذه الشخصية بالذات.
2 – انظر: المؤلفات السابقة لهما، وكذلك: وجيه كوثراني، تاريخ التأريخ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط١، ٢٠١٢، بيروت، ص٢٠٠-٢٠٢.
3-اشتغل دوركهايم في حقل الاجتماع الديني من خلال كتابه الأشكال الأولية للحياة الدينية (Formes élémentaires de la vie religieuse)، كما اشتغل ماكس فيبر في هذا الحقل من خلال كتابه علم اجتماع الأديان (Sociology of Religions).
4- « انطلقت مجلة الحوليات عام 1988-1989 في مسار جديد مختلف جذريا عما كان عليه الأمر في الفترة السابقة، حيث يعتمد « التأويلية» في قراءة التاريخ، وهو أول تحول حاسم في التاريخ الجديد. حيث كانت الفترة السابقة محكومة بالتفوق الحصري لظواهر الأمد الطويل عند بروديل وبالتاريخ الجامد عند لوروا لادوري (Le Roy la Durie). أثر هذا التحول في الاتجاه في جزء كبير من العلوم الإنسانية التي كانت مندرجة في مسار الأنسنة، وعلى المستوى المؤسسي فقد ضمت هيئة إدارة الحوليات عام 1994 عالمي الاقتصاد لوران تيفينو (Laurent Thévenot) وأندريه أورليان(André Orléan). انظر: فرنسوا دوس، التاريخ المفتت، من الحوليات إلى التاريخ الجديد، تر:محمد الطاهر المنصوري، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2009، بيروت، ١٨-١٩.
5- جاك لوغوف (Jacques Le Goff)، كتاب التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، نسخة الكترونية، ط1،2007، بيروت، ص٤٦.

6- لمزيد عن البنيوية وتأثيراتها: كريزيستوف بوميان، تاريخ البنى، مقال ضمن كتاب: جاك لوجوف، التاريخ الجديد، تر: محمد المنصوري، المنظمة العربية للترجمة، ط١، ٢٠٠٧، بيروت، ص١٩٣.
7- « يقصد الباحثون في المجال الاجتماعي بعبارة « بنية» تنظيما واتساقا للعلاقات الأكثر ثباتا بين الواقع والجموع الاجتماعية. أما بالنسبة إلينا – نحن معشر المؤرخين- فالبنية تعتبر تركيبا وهندسة، بل أكثر من ذلك، هي واقع يؤثر فيه الزمن بصعوبة، وعندئذ تصبح بعض البنى التي تعمر طويلا أسسا ثابتة لأجيال متعاقبة بلا حصر، تملأ التاريخ وتعطل مسيرته، إذن فهي تتحكم فيه، في حين تبدو بعض البنى الأخرى مهيأة أكثر من غيرها للتفتت. ولكنها جميعا دعامة لحركة التاريخ ومعوق لها. إنها معوق لأنها تثبت (كأنها مجموعات بالمعنى الرياضي)، ولا يمكن للإنسان بتجاربه أن يتحرر منها أبدا. لنتصور الصعوبات التي تعوق تحطيم بعض الأطر الجغرافية أو بعض الأوضاع البيولوجية أو محدودية الانتاجية أو غيرها من الضغوطات الروحية: إن الأطر الروحية هي أيضا سجون لمدى طويل.»: كريزيستوف بوميان، تاريخ البنى، (م. س)، ص١٩٣.
8- في هذا المعنى: محمد أركون، الإسلام، أوروبا، الغرب، رهانات المهنى وإرادات الهيمنة، تر:هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، ط١، ١٩٩٥، ص٥٣-٥٤.

9- نسبة إلى المؤرخ الفرنسي Fernand Braudel (١٩٠٢-١٩٨٥)، والذي يعتبر من كبار المؤرخين الجدد في حقل التاريخ، بل يعد من أبرز فلاسفة التاريخ الجديد من خلال كتابه عن البحر الأبيض المتوسط والعامل المتوسطي، والذي قسم فيه التاريخ إلى المدى الطويل والقصير والمتوسط.

10 – الأزكوي؛ سرحان بن سعيد (ت: ق١٢/١٨)، كشف الغمة، تح: حسن النابودة، دار البارودي، ج١، ط١، ٢٠٠٦، ص٨٤٥.
11 – يبدو أن تعيين الإمام الجلندى بن مسعود إماما على عمان كان في حقيقته ذكاء سياسيا، أو أن هناك تقديرا كبيرا لملوك عمان السابقين، لأن الجلندى بن مسعود ينتمي إلى معولة بن شمس، وهو حفيد ملوك عمان من بني معولة بن شمس الذين حكموا عمان بعد انتهاء ملك مالك بن فهم وأبنائه حتى دخول الإسلام أرض عمان. وقد حدث هذا النوع من الذكاء السياسي مرات عديدة في عمان، ومنها تعيين اليحمد للإمام ناصر بن مرشد وهو ينتمي إلى العتيك/ ملوك بني نبهان، وتعيين الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي اليحمدي الإمام عزان بن قيس آل سعيد إماما على عمان، وهو أيضا ينتمي إلى العتيك. يؤكد ذلك أن الإشكال السياسي يتمثل في منظومة التفكير السياسي ذاتها (الدين، القبيلة، السياسة).
12 – مسألة دخول العمانيين إلى الإسلام تحتاج إلى قراءة مختلفة عن الروايات التاريخية؛ أعني قراءة في الدوافع والأسباب والسياقات التي جعلتهم يدخلون الإسلام؛ هل كان هناك ما يشبه الحلف السياسي بين العمانيين العرب وعرب الشمال ضد المد الفارسي، حيث كان العمانيون يعانون من وجود الفرس في السواحل العمانية، وحتى عندما دخلوا الإسلام فإن الفرس كان لهم وجود هناك، واتجه العمانيون إلى قتالهم بعد دخولهم الإسلام، كما يؤكد النص الذي ساقه الأزكوي عن اجتماع ملكي عمان عبد وجيفر بالأزد وإجماعهم على قتال الفرس لرفضهم الدخول في الدين الجديد، « ثم بعث جيفر إلى المهرة والشحر ونواحيها فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، وبعث إلى دبا وما يليها إلى آخر عمان، فما ورد رسوله على أحد إلا أسلم، وأجاب دعوته، إلا الفرس الذين كانوا بعمان، فحين رفضوا أجمع الأزد على إخراجهم من أرض عمان، فقاتلوهم قتالا شديدا». الأزكوي، كشف الغمة، (م.س) ج٢، ص٨٤٦، لكن لا تؤكد الشواهد تاريخية هذا التحالف؛ خاصة وأن عرب الشمال والجزيرة لم يساعدوا العمانيين في قتال الفرس، لا في تلك المرحلة ولا في المراحل التاريخية اللاحقة، وهذا لا ينفي وجود عصبية قبلية ساعدت على قبول الإسلام وانتشاره في أرض الأزد، كما أن هذا النص مؤشر على البدايات الأولى لصناعة العنف مع الآخر المختلف لكونه رفض الدين الجديد.
13 – أئمة عمان في هذه المرحلة الأولى جلهم من اليحمد؛ محمد بن أبي عفان اليحمدي، الوارث بن كعب اليحمدي، غسان بن عبدالله اليحمدي، عبدالملك بن حميد من بني سودة بن علي بن عامر ماء السماء الأزدي، المهنا بن جيفر اليحمدي، الصلت بن مالك اليحمدي، راشد بن النظر، عزان بن تميم الخروصي…..، فترة فراغ في مركزية الدولة….، راشد بن الوليد اليحمدي….، فترة انقطاع حتى إمامة الإمام الخليل بن شاذان اليحمدي في بداية القرن الخامس الهجري. يظهر أن الإشكال القبلي تطور في عمان بعد دخولهم الإسلام وأصبح يوظف في المجال السياسي بقوة؛ بداية بين اليحمد وآل الجلندى، ثم تمدد ليكون بين قبائل حمير وقبائل نزار، ثم بين القحطانيين والعدنانيين، ثم بين الهناوية والغافرية…وهكذا المجال السياسي يوظف القبيلة لأغراض سياسية ضيقة.
14 – نصوص تدلل على أن المواجهة كانت قبلية؛ أحدها باسم الدين والآخر باسم الملكية: « لكن بعد موت الجلندى بن مسعود استولت الجبابرة على عمان مرة أخرى» الأزكوي، (م. س)، ج١، ص ٩٣. ويظهر أن مصطلح الجبابرة يطلق عند المؤرخين العمانيين على أنصار النظام الملكي من آل الجلندى، وكذلك الدولة النبهانية فإنها تنتمي قبليا إلى آل الجلندى. وكان أبو مروان واليا للإمام عبد الملك بن حميد على صحار، فسار مرة لحرب المغيرة الجلنداني وهو رأس الشر والفتنة، وسار مع والي الإمام المطار الهندي ومن معه من الهند، وعمد المطار ومن معه من سفهاء الجيش إلى منازل بني الجلندى فأحرقوها بالنيران…. وقد أنكر ذلك الإمام « الأزكوي، (م. س)، ج١، ص١٥٤.
15 – الأزكوي، كشف الغمة، (م. س)، ج١، ص٨٧٠.
16 – يظهر أيضا أن هذا الإشكال لم يتمدد إلى مجالات أخرى كمجال الاجتماع الديني، أو بالأحرى كانت الرموز الدينية حذرة في التعامل مع اللاهوت القبلي في مجال المعرفة والعلم، ولهذا نلاحظ أن معظم العلماء العمانيين الذين عاشوا بين القرن الثاني والخامس تقريبا ظهرت أسماؤهم مجردة من القبيلة إلا نادرا، وسنتحدث عن ذلك في دراسات لاحقة عن موضوع الاجتماع الديني وصياغة العقل الجمعي في عمان.
17 – السالمي؛ عبدالله بن حميد (ت: ١٣٣٢)، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، الناشر: زاهر وزهير، (بدون تاريخ)، ج١، ص ٢٨٨.
18 – يحكي الأزكوي قائلا: «وفيما أظن أن هؤلاء الأئمة من بعد الصلت بن مالك (ت:٢٧٣) لم تدن لهم جميع عمان، ولم يجز سلطانهم فيها، وإنما كانوا في بعض من البلدان دون بعض، وعلى أحد من القبائل دون أحد». الأزكوي، (م. س)، ج١، ص٨٧٨.
19 – « ومن أحكام الإمام غسان أنه كانت هناك دار لبني الجلندى بسمد نزوى في مال يسمى العقودية، وكانت بها غرف يقعد فيها العشاق وأهل الريبة، وكانت هذه العقود مظلمة فأمر الإمام غسان بهدمها أو إضاءتها بالليل حتى يعرف الناس من فيها من أهل الريبة» بتصرف ص ٨٦١.
20 – الأزكوي، كشف الغمة، (م. س)، ص١٤٠.
21 – (ن. م)، ص١٥٤.
22 – الأزكوي، كشف الغمة، (م. س)، ج٢، ص٩١٣.
23 – السالمي، تحفة الأعيان، (م. س) ج١، ص٢٩٤.
24 – الأزكوي، كشف الغمة، (م. س)، ج٢، ص٩٤٦.
25 – تم في القرن الثالث والرابع للهجرة ولادة « القبيلة الدينية» وهي الفرقة النزوانية والرستاقية وسنحدث عن ذلك في دراسة أخرى عن الاجتماع الديني في عمان، وفي هذه الدراسة سنتحدث عن تأثير الخطاب الديني في خارطة التفكير الاجتماعي.
26 – آل سعيد؛ حمد بن سيف، الموجز المفيد من تاريخ آلبوسعيد، ط٢،١٩٩٥، ص١٩؛ السيابي؛ سالم بن حمود (ت: ١٩٩٣)، العنوان عن تاريخ عمان، ط٢،٢٠١٥، الضامري، مسقط، ص٢٦٨.


أحمد الاسماعيلي