صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

عن الهنود الحمر، عار المجزرة ويوميات أخرى

منذ وصولي بدأت موجة الأحلام الليلية تغزو من جديد.. بألطافها العابرة، وعنفها، عنف الذكرى، وقد تعتّقت زمناً في مجرّة الباطن لتنجلي في هذا الليل الغابيّ الساجي. تعود موجة الأحلام بعد أن تقلصت، ذلك النزوع الغريزي لطبيعة متوتّرة، من غير أن تختفي أو تجف ، حضورات شبحية لمدُن ووجوه تقاطرت ساطعةً بجمالها الذي كان، أو مسحوقة الملامح والسحنات تبعث الهلع وتستوطن الأضغاث والكوابيس… المدينة إياها تتوافد منها الوجوه والشوارع، المقاهي والأحياء حشد بشر تعرفتُ على بعض وجوهه التي عايشتها منذ فترة مبكرة من العمر، بعضها رحل، وبعضها ما زال حيا يكتب ويسافر ويضحك عاليا مما آلت إليه أحلام اليقظة والواقع التي طغت على مسار الأحداث الجارف نحو الجحيم ..
البارحة غزتني موجة غريبة بعض الشيء، فلم أحلم فيما أتذكر بوجودي في الهند رغم قربها والصلات الكثيرة التي تربطنا على أكثر من صعيد، بهذه القارة السحريّة الممتدة بالطقوس والديانات واللغات. رغم انه لم يبق فرد من العائلة إلا وزار بلاد غاندي والأباطرة المغول والبوذا، وإن كان في التقسيم الجغرافي والسياسي الجديد صارت أرضه الولاديّة في (النيبال) وحديقة الوعول، حيث كان يعظ ويحلم بإصلاح البشر وتنقيتهم من الخطايا والشرور، ورغم صِلاتي مع أدباء يهتمون بالشأن العُماني والعربي، لم أر الهند. ربما هذا الحلم تذكير بزيارة مُستحقة تأخرت كثيراً .. رأيتني ماضياً في الموكب الطقوسي، على نهر الغانج المقدّس ممتطياً ظهر بقرة مزركشة أنيقة بخلاخيلها وذهبها ، لا يلبث أن يفضي الحلم بالموكب الإلهي في المدينة، إلى ضواح ومفازات، رأيتني فيها وحيداً على ظهر البقرة المشعّة بالجمال، وثمة فريق فني للتصوير والتوثيق حتى النهاية.. بقرة اللاوعي الهنديّة ربما اختزنتُ صورتها من أزقة (البانيان).. أولئك التجار الهنود في بندر (مطرح) بعُمان، حين كنا أطفالا نرى الأبقار المزركشة الملونة في الأزقة الضيقة، وأحيانا نرى القوم خُشعاً وسجوداً أمام أبقارهم الرصينة الوقورة.
ها هي واحدة منهنّ، تسير بي عبر الزمان المحتشد والمسافة، إلى موطنها الأصلي، لسان حالها يلهج بالغياب على هذا الخطأ الذي لا بد من تداركه ، قبل أن ينفرط عقد العمر النافل والحياة!
في هذه اللحظة، في غابة الجامعة أيام العطلة، هنود مع أولادهم يتنزهون أفراداً وجماعات، انهم ينتشرون في الأحلام الليلية كما في الحياة متجاوزين الشروط الفيزيائيّة للزمان والمكان.

* * *
أقف في طابور الكافتيريا، لطلب القهوة والماء، أمامي ينفتح أفق البحيرة المُحاطة بأشجار الغاب، العملاقة، والبط والطيور الأخرى، تسرح في هذا السديم المائي والآلهة. أسرح في منحدرات الغيوم المتدافعة، ينبهني من يقف ورائي لأخذ الطلب. أتذكر (مارتشيلوماسترياني) في فيلم (ثمانية ونصف) حين كان واقفاً في طابور بروما، سارحاً في حلمه السينمائي العصي على التحقق والإنجاز.. كان يعتمر قبّعة، وكذلك كنت في هذه اللحظة… كنت في الزمن الماضي شديد الولع بتقليد الشخصيّات السينمائية والأدبيّة. شديد الولع بتمثيل أحاسيسهم، توترهم وغرابتهم ، مع تقدم العمر مع الأسف، لم أعد كذلك «سيأتي حين من الدهر لا يقلد المرء فيه إلا نفسه» ربما هذا ليس بذلك النضج الموصوف لدى البعض، لكنه الزمن والصيرورة!.. يهجرنا الولع والشغف المندفع من غير حسابات ويهجرنا من نحب ، تهجرنا الأحلام والغيوم المنتشية، تهجرنا الصحراء العاصفة..

* * *
من خلف الزجاج المبلّل بخيوط المطر المنسابة من الأعلى حتى الجدول الذي يشق طريقه مع جداول الدغل والغابة، ثمة مشرد يبول واقفاً غير عابئ بالذاهبين مشياً وركضا وغير عابئ بالكاميرات المنتشرة عيونُها في الزوايا والظلال، وهو يغني بنشوة والسجائر المحرّمة في معظم الأماكن، تتدلى من شفتيه، انه أكثر وفاء وتواصلاً مع جذوره البدائية بأغوارها وعريها، من البشر «الأسوياء» الذين يتجلى حنينهم وبدائيتهم في تشييد المتاحف ، وفي ذلك العنف المدلهم ، الذي يخجل منه على نحو أكيد، بشر الغاب والفؤوس، كما تخجل منه الحيوانات والجوارح المتصوّفة الزاهدة في صوامع الطبيعة وليلها الوحشيّ الحنون..

* * *
في باريس أتذكر ، رشيد صباغي، وعلي بن عاشور، وصموئيل شمعون ، الأكثر رأفةً في التعاطي مع أولئك الذين انكسر بهم قارب الأمل في أول الطريق أو منتصفه، فقطعوا بما يشبه الطلاق الباتَّ مع مجتمعات النفاق والاستهلاك . حتى ان صموئيل، حين سمع بموت (جان كلود) وهو رسام متشرد في الحي اللاتيني من أب ضابط فرنسي وأم فيتنامية حتى ان شكله ينتمي كليا إلى الهند الصينيّة. جاء من محل اقامته في لندن وذهب إلى قبره واضعاً باقة زهور عليه ، بامتنان..
أما رشيد، فكان يقول أن المجتمع الغربي يشمئز من المهمشين والمشردين والخارجين على قواعده الصارمة، لأنه يرى في مرآتهم مستقبله المخيف وجرائمه التي يبثها كمنظومات وتشريعات لا يطالها الشك والريب.

* * *
الطائر يرفّ على وجه الغَمْر ، أكبر حجما من الغراب! انه الغداف، يقرأ سورة الطوفان القادم.
* * *
أصغي إلى حديث أطفال يحدّقون في شاشة التلفزيون ، يقول أحدهم للآخر (تتذكر) متى رأينا هذا الفيلم ، فيلم السلحفاة التي تعود إلى درع صَدَفتها القويّة لحماية نفسها من الوحوش… كان ذلك في البيت القديم؟! أطفال لا تتجاوز أعمارهم السابعة أو الثامنة. يأتون بفعل التذكر، الذي يفيد الإحالة إلى الماضي بمحطّات وعلامات يحفرها الزمن والأحداث في سيرورتهما الموضوعيّة التي لا رادّ لها..
ترى لو وصل هؤلاء الأطفال إلى عمر الستين وما بعدها، أي تعبير سيستخدمون أمام هذه الهاوية التي لا قاع لأغوارها السحيقة.
(فلاش باك) حسب تعبير أهل السينما، يستطيع عجْن الأزمنة والأمكنة في سياق ذاكرة أرهقها الترحل بين دورات العَدم ونزُهات المارة..
بجانبي رجال ونساء، بلغوا طور العمر الصعب، أرذله، وان ما زال الجسد محمولاً على قدمين منهكتين بمساعدة عكاز أو عربة ، أو بدونهما لمَن لم يبدد مخزون صحته في مهبّ المدن والأيام.
يضحكون، يتبادلون الأحاديث والنكت، والمشروبات، على إيقاع شعاع الشمس المطلّ من بين غيوم تتدافع وتتكاثف باتجاه بحر الشمال القريب، يبددون لحظة الحقيقة الجاثمة، يوسّعون المدى المحدود، قبل الوصول الحتمي إلى محطة النهايات.
سرب أوزّ يسبح في البحيرة بتشكيلات جمالية متعددة، يؤلف موكب المياه الملكي. قسم آخر منفصل عن الموكب، يتمدد ناعساً على حواف البحيرة، قريبا من طريق المارة في الضفّة الأخرى والمقهى.. وثمة أوزة أكبر حجماً من هذه الطيور المقيمة والمهاجرة، غارقة في نوم عميق لا يمكن سبر مياه غوره ومسافاته الحلميّة مثنية عنقها الطويل إلى الخلف غارسة رأسها تحت ريش الجناح الكثيف القوي لدرجة احتماله الطيران لآلاف الكيلومترات بين المدن والصحارى في البرد القارس أو الحر اللاهب، يخالها الناظر اليها للوهلة الأولى. قد نفقت من فرط الهدوء والسكينة التي تميز الذين رحلوا إلى عالم الأموات للتوّ، لكن حين ترى الرأس مغروساً تحت الجناح، تحدّس بالنبض والارادة وقد أخفاهما ذلك الاسترخاء الباذخ الأنيق.
ويمكن تخيّل سكان الغيب والوعد إلالهي على هذا النحو من الدعة والعيش في رحاب الأبديّة..

* * *
جميل أن تخرج من البيت ، في الصباح المضمّخ بالغيوم ورائحة الأشجار ، تدلف إلى الحديقة، وفي الممرّ الشجري المبلل بمطر الورد، ترفع رأسك نحو امرأة تبادرك بكلمة (صباح الخير) امرأة في منتصف العمر. ما زالت على جاذبيّة ورشاقة (صباح الخير) في مستهل الصباح تلئم جروحاً مجهولة المنابع والمصبّات..
… صباح الخير ، تقول المرأة المجهولة للرجل الغريب ، تبعث في روحه ذلك النور الخفي لعذوبة قادمة..

* * *
أقرأ لديستوفسكي، عن ذلك الرجل المضطرب، الذي لا يعرف مكانه في هذا العالم الموغل في انحطاطه القيمي والاخلاقي، الرجل المدفوع بتدفق المواقف والأحداث إلى جهة السّب والارتباك، وهو يمر أمام محل يلحظ من نافذته مجموعة رجال أنيقين يلعبون البلياردو، ما يلبث أن ينشب بينهم عراك بعصيّ البلياردو، ويرى أحدهم مقذوفاً من النافذة يسقط جثة على إسفلت الشارع الموحش، على غير عادته يدخل الرجل الحائر المرتبك ذلك الوكر المشتعل بالغضب والسكر والعراك، هو الضئيل الضعيف أمام نفر يتميزون بالقوة وطول القامة. يقف في مكان ليس للوقوف بل هو ممر للحركة داخل المكان. وثمة ضابط فارع القامة متين البنيان يمشي في الممر الذي يقف في وسطه الرجل الذي لا مكان له في هذا العالم . فما كان من الضابط إلا أن يزيحه عن طريقه كما يزيح شيئا غُفلاً أو حشرة، بصمت من غير إيماءة ولا حركة… من هذه النقطة، الحدث القاصم للكرامة والظهر، تبدأ مأساة الرجل تأخذ أبعاداً أكثر حدة وخطورة، لماذا لم يكلمه كي يفسح الطريق، لماذا لم ينبهه بإشارة حتى… هذا التجاهل المخيف ، هو الذي دمره وتركه في ثورة الهواجس والانحدارات المتتالية. فحتى لو لكزه، أو ضربه كفاً على وجهه بدلاً من هذا التجاهل وكأنه لا وجود له… لو خبطه بعصا البلياردو، بما ان زمن المبارزة النبيل قد رحل وصار العراك والنزال بعصيّ البلياردو؟! لو قذفه من النافذة، مثل ذلك الذي رآه من الخارج يسقط على اسفلت الشارع العاري. التجاهل أكثر قتلاً وجراحاً وإهانة لكرامة الإنسان..
تذكرت صديقة قضت انتحاراً، قالت لي مرة: انني أعرف كيف أتعامل مع كل هؤلاء المنقوعين في سمّ الكراهية والنميمة والانحطاط، بالتجاهل . التجاهل واللامبالاة يشفياني وينصفاني من أولاد الحرام الموغلين في هذه الحفلة التنكريّة، من التدليس والنفاق. فلا أتيح لهم أي فرصة كي يدفعونني، إلى الهرب من حضورهم المستمر ووجوههم الشنيعة القبيحة، سواء بالانفصال النهائي عن هذا المكان، أو بإنهاء حياتي جنونا وموتاً… إلا اذا قررت لاحقاً، بمحظ إرادتي واختياري إنهاء هذه الحياة وإطفاءها.. وليس بسببٍ من هؤلاء الساقطين في الدرك الأسفل للقذارة والنتانة، انهم لا يستحقون مثل هذا الشرف والامتياز..
هذا ما فعلته تلك الشاعرة المنفيّة التي كانت محل حسد وحقد الكثيرين في هذه المدينة التي تسوق أطفالها وبشرها كل صباح إلى المذبحة والعار..
* * *
الشجرة تتقمّص روح الطائر المرفرف على غدورها، وتسافر إلى أصقاع آسيوية بعيدة، حيث البوذيون القدامى يتقمصون روح الغابة والطيور والفراشات، وهناك في المرتفعات المتاخمة لجبال الهملايا، المحلقة كالكوابيس الليلية في أخيلة وأحلام المغامرين متسلقي هواجس الوجود والجبال الثلجيّة.
اليوم عيد، ولا إحساس ، إلا التماهي مع أمواج المجازر والمهجّرين على الأرض السوريّة وأخواتها في اللغة والدم. إحساس العار الذي تنتفض لهوله كل مقابر التاريخ في كل القارات، ولا ينتفض العرب والبشر الأحياء.. الطفل يقول لأبيه، انه لا يحب الأعياد.
الطفل لا يعرف شيئا عن عار المجزرة والإبادة، لكن ثمة إحساس غامض يدفعه إلى كراهية الأعياد والمناسبات في مثل هذه الأجواء الحالكة، تأخذني الحيرة أكثر من أي وقت مضى، أراني غارقاً وسط أمواجها المدلهمة (الى أين أذهب…؟) لا أعرف ، ادحرج جثة السنوات في اللامكان واللاطريق، حيث تقاطعت واحتشدت كل طرق العالم وحطامه في أعماقي.. أرى نفسي أقطف الكرز في حقول بلودان والزبداني، وأشارك أصدقائي اليمنيين في جني مواسم العنب في الجبال المتاخمة لصنعاء، أو أمشي في شارع الرشيد أتأمل واجهات المكتبات والحانات..
أجد نفسي في الشارع الصغير الذي لا تغشاه العربات والسيارات في (بيستن) مركز القرية الهادئة التي أغلب سكانها من العجائز والمتقاعدين. مجموعة من الهنود الحُمر، يعرضون تحفاً وهدايا، من ماضي تاريخهم المُباد بقوة الحضارة واستبدادها ، بحيث لم يتبقّ من شعوب الآلهة الأسطوريّة وحيويّة جمالها وروحها وأضحياتها المقدسة، إلا هذه العلامات البائسة وذلك الريش الذي يزنر جسد المغني الحزين. بعدما كان أزراداً للمحاربين الأشداء والفرسان في تلك السهوب الشاسعة..
تغزوني ذكرى من الزمن الماضي، بمثابة رسم كاريكاتوري للراحل صلاح جاهين في جريدة «الأهرام» في سبعينيات القرن الماضي، كان قد رسم مجموعة هنود حُمر بريشهم وخلاخيلهم وثمة رمز للسلطة الامريكية لسان حاله يقول للفلسطينيين والعرب: قريباً سأحل قضيتكم على طريقة حل قضية الهنود الحُمر هؤلاء.
نبوءة الرائي انجلى غبارها، عن وقائع وأحوال اللحظة الراهن..
امرأة تداعب كلبها مبتسمة، تغض نظرتها الحنونة إلى وجهي الذي يتهلل مبتسماً على ايقاع عدوى المرأة في النظرة والابتسام..
أركب الحافلة، ذاهباً إلى مدينة (نوتنجهام) لندن المصغرة، أمضي في الشوارع والساحات التي تسّاقط في صحنها المياه والطيور ملطّفة صباحات البشر المُقفرة..
بعد أن هدّني التعب دخلت على غير هدى إلى محل، روّاده متساوون على الأغلب في الأعمار والمزاج، سائقو شاحنات متقاعدون نساء ورجالاً، قريبا من محطة الحافلات الرئيسية في مركز مدينة روبن هود..
زنجي بقامته الصلبة يدخل ويقف على خشبة الكونتوار، يمسح المكان بنظرة خاطفة، مظهرهُ القوي على رغم تقدمه في السن، يفصح انه ملاكم قديم أو مصارع.. أربع نساء يجلسن على طاولة واحدة لا تلبث إحداهن أن تقف شاتمة، بصوت عالٍ وقبضتها إلى أعلى. المرح تلاحظه أكثر وسط هؤلاء المتقاعدين الذين اختبروا محناً كثيرة، كأنما وهم في هذه العطالة المريحة بعيداً عن أجواء العمل التي تستنزف طاقاتهم طوال اليوم ، يريدون التعويض عما فات وإنقضى. الشباب يفكرون بالمستقبل والقادم، هؤلاء تركوا ذلك الوهم خلفهم لا يعنيهم سوى هذه اللحظة، يمسكون بتلابيبها ومتعها البسيطة قبل أن تخونهم وترحل من غير أمل في عودة..
حتى مراحيض المكان وردهاتِه، توحي بانتمائها إلى بلدة عالم ثالثية من أثر الفوضى والروائح ، التي لا يعيرها الرواد أي انتباه غارقين في نشوة هذه العطالة التي لا يجود الزمان الأوروبي والقانون بمثلها إلا في مثل هذا العمر..
في هذه اللحظة اتصل بي صديق طالما عرف أماكن ومطاعم من هذا النوع.. أصف له تفاصيل المكان وشخوصه وأجواءه التي حركت في أعماقه ذكريات نائمة، أجاب، انه سيقطع تذكرة ويأتي لمشاهدة المكان، مصطحباً معه (بوكوفيسكي) أو محمد شكري كي تكتمل الصورة الهامشيّة، سيجتمع صعاليك الأدب ومتشردوه لزيارة هذا المحل الذي سيتناسل إلى أماكن وحانات لا تحدها حدود الدول والجغرافيات، سنشهد مجد الخروج على النسق، عبر هذه العوالم السفليّة من جديد.
* * *
مرّت اللغة الايطاليّة بجمال جرسها وبناتها المراهقات، كما مرّ الطاؤوس الفاتن محلقاً في المناخ الثلجي لأحلام (فلليني) الطفوليّة بقرية (ريميني) البحريّة حيث الموج يخبط المنارات والسفن والظِلال، في فيلم (أماركورد).
مرّ الحفيف الأنثويّ ، كما تمر الأحلام والضَبابُ في رأس نائم على السفح الأخضر، ينهبه النسيم والشَبق الفائض على غمْر المياه.
* * *
في هذه الفترة يحتدم نقاش على الشاشات والصحف، حول مسؤولية بريطانيا في غزو وتدمير العراق ، بقيادة توني بلير، ما يذكر بديمقراطيّة الغرب ، كونه لا شيء يمر مواقف وأحداثاً، من غير مساءلة وحساب على عكس الدول التي ما زالت سلطتها السياسية والدينية في مرتبة المقدّس الذي لا يطاله الشك والمساءلة في شيء.. لكن في جهة الواقع والتاريخ والنتائج الكارثيّة للبلاد التي دُمرت ومُزقت شرّ تمزيق وخراب. ماذا تعيد لها المساءلة والنقاش البريطانييّن. ماذا يعيد، من ضوءِ حياةٍ لملايين الضحايا الذين تلاشوا في جحيم العنف والدمار الكلي؟ ربما نوع من ترف يمارسه الأقوياء إزاء فداحة الحدث ومأساويته..
جدل آخر يطل برأسه بين الفترة والأخرى في أجهزة الاعلام الأوروبيّة، حول مذبحة الأرمن، على يد الامبراطوريّة العثمانية الآفلة منذ ما يزيد على القرن من الزمان ، بعدما أنهت واحدة من أكبر الدورات الحضاريّة في التاريخ.. المفارق في هذا الحدث، أن الدول الأوروبيّة تحمّل الدولة التركية الراهنة التي قامت على أنقاض تلك الامبراطوريّة محاولةً القطعَ معها على طريقة قتل الأب أو ما يشبه ذلك.
حيث إن كمال أتاتورك والنخب التركية الطالعة من أنقاض الهزيمة الكبرى هجرت المكوّنات أو معظمها، والقيم والعناصر التي قامت على أركانها الامبراطوريّة. حتى الحرف استُبدل بالحرف اللاتيني، حرف المنتصر. والعاصمة رمز الامبراطوريّة نُقلت من اسطنبول إلى أنقرة… الخ.
وتبنّت الدولة الجديدة الخيار الأوروبي للتطوّر والتحديث «حداثة» أعداء الأمس، كما اليابان، مع الفوارق بالطبع، وبهذه الرؤية العميقة، لم يحافظوا على رقعة الدولة التركيّة الحالية جغرافياً وبشرياً، فحسب، وإنما هذا الخيار، قادهم إلى بناء دولة مرموقة على نحو من نديّة حقيقيّة وتنافس مع دول المركز الأوروبي العتيد..
مع ذلك الغرب يحمّلهم مسؤولية أفعال أسلافهم الذين مضوا وانقضوا وأخذ التاريخ انعطافته الجذريّة الجديدة؟!
والسؤال البديهي الذي يوجه نفسه، إلى دول الغرب وأمريكا، كم من إبادة ومجزرة واستئصال شعوب، وحضارات وثقافات مُحقت وسُحقت، منذ طلائع الغزو الأسباني، البرتغالي إلى القارة اللاتينية مروراً بالانجليزي والفرنسي… وحتى غزو العراق؟!! مَن يحاسب مَن في هذا السياق المدلهم؟!
أخرج من ذلك المكان الذي تؤلف الحميميّة والزمن نَسيجه المفتَقد في معظم أماكن الحضارة، وتلك التي أرخى عليها التخلف والظلام أثقاله ونكباته. أمشي في أزقة وشوارع فرعية مُترفة أنيقة. ماركات وعلامات تجاريّة مشهورة، مطاعم فاخرة، ايطاليّة وفرنسيّة ، صينيّة وتركيّة مطاعم عِلية القوم .. لا أتوقف ، أفضل المشي والتسكع مستعيداً ماضياً شاسعاً في هذا المجال. حيث التسكع والمشي من غير هدف هو هاجس نهاراتنا ولياليها المتعاقبة. فجأة تلوح لافتة قلعة روبن هود. التي مشيت على هديها في العام المنصرم . لا أحس رغبة المضيّ إليها.. لدينا قلاع كثيرة في عُمان والعالم العربي. لست جامع تُحف ولا مهووسا بتراث وفلكلور.
يكفيني التنزه في هذا الطقس الغائم .. تجربة من لا يحس برقابة يلاحقه عسسُها اللامرئي في اليقظة والمنام . في كل الأماكن والمستنقعات والمراحيض..
* * *
اقرأ جبرا ابراهيم جبرا الذي يورد المقطع التالي لألفرد نورث وايتهد «… وما أخشاه إنْ فُرض على الناس نظام قاسٍ، فتتجمد فيهم تلك الصفة الرقيقة، مقدرتهم على ابتكار الآراء، والفِكر الجديدة، ويستمرون على ذلك الحال قرناً بعد قرن، إلى أن ينحدر الانسان ومجتمعه إلى مستوى الحشرات من الجمود».
ما القول إزاء تلك المجتمعات التي كرست جل إمكاناتها الماديّة والمعنويّة، ماضيها وحاضرها ، من أجل تحطيم إمكانات الفكر وحيويّة الإرادة والفطرة. وتعميق طبقات الظلام والجمود في كل الصُعد والمستويات.. أي فصيل لم تكتشفه العلوم البيولوجيّة من الزواحف والقمل، يكون مثالا واستعارة مطابقة لواقع الحال والمحال؟!
* * *
في المقهى الذي أرتاده.. وهي بالمناسبة ثلاثة مقاه في هذه القرية.. مقهى (نيرو) الذي يعلق موظفوه تيشيرتات نادي ميلان ، الذي يمتلكه الملياردير الفضائحي (بيرلوسكوني) ومقهى (بين) و(كوستا) كلها عن طريق الخدمة الذاتيّة.. أتناول القهوة من الجرسونة الحسناء المبتسمة من حظي.. إذ يمكن في هذه الفترة خاصة أن تكون مكشرة غاضبة كوني أجنبياً وربما ظنت أنني مهاجر جديد.
أخرج إلى فسحة خارجيّة (تيراس) الجو عدا بعض غيوم تجوب عرين سماء زرقاء، وسط هواء يتصاعد عصْفه، في الطاولة التي أمامي وُضعت أصصُ أشجار وزهور ، شممت رائحة الزعتر من بينها، ريّانة ممتلئة بحياتها العابرة. في عُمان يسمون الزعتر غالبا بالسعتر أو الصعتر. ووجدت سليم بركات يسميه كذلك.. ربما ذلك الذي ينبت في الجبال الكرديّة الخصيبة مقارنة بالجبال العُمانيّة… أتذكر تلك الشجيرات التي زرعناها أمام البيت في مسقط، وحين يحل الصيف بطلائعه الأولى، تبدأ تلك الشجيرات في المكابدة والمعاناة مع الرطوبة الحادة أو الرياح الساخنة حتى يزول الكثير منها ويتلاشى. تذكرني معاناتها مع ضراوة الطقس، وأنا أصب عليها الماء من خرطوم الهوز.. بأولئك البشر الذين حكمت عليهم الأقدار العاتية بالعيش وسط مسالخ الحروب وأهوالها..
تدخل التيراس عائلة تجلس بالقرب من طاولتي يتبيّن من لغة أفرادها، انها عائلة روسيّة.. الروس هنا كما بقية أهالي أوروبا الشرقية (الاشتراكية سابقا) يمارسون مهنا قاسية وينظر إليهم الأوروبيون الغربيون نظرة تعالٍٍ واحتقار رغم لونهم الأبيض والأشقر، مثل العرب والشعوب الأخرى.. قلت في نفسي، إذا كان (بوتين) وحكومته صادقين في قيصريتهم أو حنينهم السوفييتي المفقود.. لماذا لا يشرعون في صون كرامة شعوبهم من العوز وابتذال نظرة الآخر. بدل استعراض الطيران الحربي فوق الحطام السوري وأشلائه.. هذا لا يعطي شرعيّة الند الحقيقي لأمريكا والغرب ، فهو ليس إلا استعراض سطحي لقوة آفلة . وربما ليس إلا تلبية لإرادة الغرب الماكرة..
رفعت رأسي عن الورقة، فرأيت الجرسونة الشقراء، التي لا أعرف إن كانت إنجليرية أو من الشرق الأوروبي، تلم الأواني الفارغة، تطلعت إلى وجهها المشرق من بين الغيوم والرذاذ، فابتسمت ابتسامةً، نسيت على إثرها كل المسالخ والكراهيات.
العائلة الروسية تتحدث فيما بينها بنبرة العواطف الروسيّة، كأنما البوح والهذيان.
* * *
كتبتْ في دفتر يوميّاتها هذا الصباح : «ليت لي حظّ كلب بريطاني عجوز» حين شاهدتْ جارنا، كيف يدلل كلبه في الأكل والراحة بين المخدّات والمفارش الوثيرة…
تذكرتُ قصة الكلب الياباني، التي تحولت إلى فيلم، سينمائي باسمه (هاتش) كان الكلب الأخير في سلالته الحيوانيّة حين التقطه بروفيسور الموسيقى، وأتى به إلى منزله وعائلته ليكون واحداً من أفرادها بل أكثر قرباً وعاطفة متدفقة بين الآدمي والحيوان. حتى يقضي أستاذ الموسيقى بسكتة دماغية وهو يلقي محاضرته التي لا ينقصها جمال الحوار والمحبّة، بين طلابه في مدرج الكليّة. تنتقل عائلته هاربة من مرارة الذكرى إلى بلدة أخرى. يبقى الكلب في المنطقة نفسها، على وفائه وإخلاصه للفقيد وكأنما ما زال على قيد الحياة «أنت كالكلب في الوفاء….» يذهب الكلب كعادته إلى محطة القطار في الساعة والدقيقة ينتظر صديقه قادماً أو ذاهبا إلى عمله … هكذا ، حتى تتقادم عليه السنون والأحداث، ويصل إلى طور الشيخوخة الأخير …
ملحمة الحنان والوفاء بين الانسان والحيوان، في هذا العصر، عصر المنفى والاغتراب، عصر الحضارة والتقدم العلمي والتقني.
ذلك النمط من العاطفة والرفقة الأكثر رهافة وصدقاً، يجد جذوره ومنابته في أكثر من جهة جغرافيّة وروحيّة بين البشر والأقوام التي تُوصف بالبدائيّة والبدويّة، جهة العصر «الجاهلي» بين الجماعات العربيّة.. خطابها الشعري الذي يجسد شعرياً، وقائع حياتها في الصحراء والمفازات السحيقة. الشعراء الصعاليك، أكثر سطوعاً وتجلياً في هذا المقام. الأحيمر السعدي وقصيدته الفريدة..
«عوى الذئب فاستأنستُ بالذئب إذ عوى
وصوّت إنسان فكدتُ أطيرُ…»
علاقة الصداقة، التماهي والتوّحد الروحي مع الفَرسَ والذئب الذي يقتسم الفرزدق الزاد معه، والوعل والفرغل.. «فقلنا أذئب عسّ أم فرغلُ…؟»
(ولد الضبع)، وسائر حيوانات الوبَر والمدَر، تلك المخلوقات المتجلية لدى الشاعر والانسان بحيث تتحول إلى صدى وانعكاس لروحه وأعماقه التائهة النبيلة: وهل هناك نبل أكثر رفعةً من نبل وأخلاق ذلك الزمان؟!
ربما كاتبة اليوميات من بلاد العرب، ترمي في عبارتها الآنفة. إلى أبعاد أخرى تُشكل المسافة الحضاريّة الضوئيّة بين العرب والغرب وتتجّسد في تلك النقطة التي يا لها من نقطة كما عبر ذلك الشيخ الاصلاحي الأريب.
* * *
أقرأ لشاعر سوريالي «أنا مدفون هنا، وجالس قرب قبري»..
ولرينيه شار .. وأنا أحدق ذهاباً وإياباً، في أشجار الحديقة وغيومها المتدافعة:
«ليس ثمة مكان للجمال ، المكان كله للجمال».
* * *
أواصل قراءة ديستوفيسكي، يحتل (سيوران) صفحات الكتاب ملوحاً بيده الكئيبة الساخرة: البشريّة بالنسبة للكاتب الروسي الكبير، تتوزع بين قدّيس وجزّار… الخ.
* * *
يذكرني مشهد العجائز المتصابيات، لباسهنّ الولاّدي، المساحيق والألوان الكثيرة، النسوة المسنّات اللواتي يمتلئ بهن هذا المكان الريفي الهادئ الوديع، في الطرقات والمطاعم والمقاهي، يذكرني (بهاتشات) الأطفال وهم يلعبون على الشاشة بالزمن بمرح وبراءة واضعين الشوارب على وجوههم واللحى، النظارات الطبيّة.. وكل ما يكبّرهم ويدفع بهم إلى الشباب، حتى ماكياج الشيخوخة.. والعجائز يلعبن نفس اللعبة، لكن بتحسين شروط جمالهن إن وُجد، وإلا سيتم اختراعه عبر عمليات التجميل وأدواته.
الكل يلعب مع الزمن، وهو الوحيد الذي لا يلعب في سيرورته الساحقة مع أحد ، هناك مساحة للضحك والمرح البريء مع الأطفال، يشاركهم الأحلام المحلقة كالطيور البريّة.. لكن عينه تحدّق بشراسة في جميع المنحدرات والأبعاد.
* * *
سجينة أنتِ يا أيامي في ترابك الأول، حرّة فوق تراب الآخرين، لكنك ترتجفين خوفاً أمام تلال المغيب.
* * *
منتشيةً بمرح تكاد تنحني هامةُ السماء لقامتها الصغيرة، الصَبيّة بلباسها الأصفر، تركض بخفة طائر يخاتل غيمة، مع كلبها في صحن الحديقة، تصفّر وتنادي (استيفاني.. استيفاني…) طوافاً على العشب الندي بين أشجار الجوز والبلوط العالية، تنادي وتصخب، متوحدة مع صديقها الوفي، في العطلة المدرسيّة.. وثمة عجائز يطوفون مع كلابهم نافضين أثقال النوم.. أراقب حيوات الصباح في حركتها الأولى نحو النهار القادم، أطوف على مَقربة منهم محدقاً في المنزل بركن الحديقة، وقد عٍُلقت على سور بستانه لافتةً تفيد بعرضه للبيع (متى سأمتلك منزلاً أو غرفة في البلاد الغريبة؟) منذ ثلاثين عاماً وأنا أهذي بامتلاك ذلك المنزل المنذور للاستقرار العصيّ على المنال. كلما ذهبتُ إلى مدينة أو ضاحية مدينة، راودني منزل الحلم والهذيان..
مرة كنتُ بالدار البيضاء ، في الشرفة أحدق في المنازل والشقق التي تطرز عماراتها الشارع المغربي، قلت من الجيد أن يمتلك المرء منزلاً في هذا الحي حيث أجاب صديق على الفور (منذ عشرة أعوام سمعت منك مثل هذا الكلام!). ومرة دخلنا طور النقاش التفصيلي حول السعر والموقع وطبيعة الجوار، طوال الليل حتىظهور النهار ليتلاشى كلام الليل في سطوعه الشمسي.. في هذه اللحظة أحدّق في المنزل الحلمي بركن الحديقة الإنجليزيّة، سرعان ما ألح علي سؤال: ماذا أفعل وحيداً في الشتاءات الكاسرة في هذا القَفر الأخضر البعيد؟ لا صديق أبصق معه على جثَة هذا العالم المتحلِلة في رؤوسنا. ماذا أعمل في هذا المكان الذي ينضح نأياً ووحدةً؟ وتخيلتُ جثتي مقذوفة في الحديقة الصغيرة للمنزل بفعل نوبة حادة، استشعرتُ طلائعها، وركضتُ مستغيثاً في صمت الشتاء والعزلة لأقع من غير حِراك… أو بفعل قاتل مهووس- وهم كثر في هذه الأنحاء- ربما بسبب الوحدة يمارسون القتل والأذيّة..
أرفع رأسي من حلم المنزل الذي تحول إلى كابوس، لأجد الصَبيّة ما زالت تقفز بخفة ملائكيّة مع كلبها متوحدة مع حلمها الواقعي البهيج.
* * *
رغبة امتلاك وادٍ من الفضة كما في الحكاية، ستتناسل إلى أودية من الذهب والألماس، ومن ثمَ منازعة الخالق في خلقه ونفوذه الأزلي. رغبات تتلاطم أمواجُها مفضية إلى رغبات وأطماع لا يلجم اندفاعاتِ عنفها إلا شكيمةُ الموت والتراب.
* * *
انه يوم الخميس، أدلف إلى الحديقة وكأنني ما زلتُ مسكوناً بذلك الليل الصاخب الأضواء والمزاج. بعد أن عدت من لندن بلياليها الساهرة مع أصدقاء عشتُ معهم ولائم باذخة من الطعام والشراب والذكريات الذي بدأ بعضها بالتواري في طوايا الزمان، في ضوء الأحداث العربية الكثيفة المتقادمة دوماً.
ادخل الحديقة سريعاًِ، ألمح امرأة بيضاء محجّبة تعبر بخطوات حزينة. فكرتُ أنها من اللاجئين السوريين الهاربين من جحيم الموت والخراب. وقد بدأت أبواب العالم تنغلق أمامهم بالكامل حتى ذلك الحلم الذي يعبر أرخبيلات بحريّة ومحيطات هائجة عبر قوارب متعبة، لمع بعيداً قاتماً، عدا سطوع الموت في صخب المجازر الجماعيّة.. ذلك العار على الإنسانية جمعاء وتلك الفظاعات التي لا يمحوها تقادم الزمان.
وكنت في الصباح الأول من أيام عيد الفطر، ذهبتُ إلى الحديقة العامة، لأعطي أولادي وأبناء خالتهم عيدية العيد.. بضعة باوندات كما جرت العادة في ديارنا، فلاحظت ان بينهم ولداً غريباً لا يتجاوز عمره العاشرة، مددت يدي لأعطيه مثل بقية الأطفال لكنه رفض وأصر على الرفض بنفور واضح. فاستعنتُ بوالدته التي كانت تجلس مع زوجتي في الحديقة، ليتقبل العيديّة.. عرفت انها عائلة جاءت قريباً من سورية لاجئةً في بلاد الإنجليز، وعرفتُ أن معدن الشعوب العظيمة في التاريخ ، يتجلى في ضوء المحن الكبرى والملمات..
أمشي خطوات، أحاول تناسي الكوابيس العربيّة، ألمح صف نساء مسنّات لكن من غير حِيل على الزمن ولا ماكياج… هكذا، وجها لوجه أمامه، وهو عنوان فيلم لانغمار برغمان، السويدي المسكون بهواجس الوجود الحادة، والوحدة، الشيخوخة والموت… الحديقة تتموج بفضاءٍ صحو تعبره غيوم خفيفة. الجو المثالي للخواجات. وفتيات في طور المراهقة يضحكن عالياً. ضجيج أصواتهن يضمخ أشجار الجوز والورود بأنوثة وشبق. أتنحى جانبا أجلس على جذور الشجرة العملاقة، على كرسي الجذور الباذخ. غابات الأمازون وصيادون يرمون شباكهم في أنهارها الغزيرة الصافية.. أصوات الفتيات العالية دوماً وهن يجلسن على المصطبة. أو بالأحرى لسن بجالسات، إذ إنهن في حالة حركة دائبة عاصفة قياماً جلوساً طيراناً في سحر الهواء القادم من الفردوس الأعلى.. وبغنائهن العذب بين وصلة تمثيل وأخرى، جعلنني أفكر، إذ كنّ طالبات في معهد سينما أو مسرح، يقمن بما يشبه البروفات الأدائية، اللاتي تعودن عليها، أم إنها الحياة في جموحها الفتيّ النَظٍر، وقد تحّرِرن من إكراهات النظام وقواعده الصارمة؟

* * *
رأيتني أمشي في حديقة معلّقة بين النجوم، تمتلئ بأطفال مِرحين.. يلعبون، يضحكون عالياً، بعد أن نجت قواربهم من غضب المحيطات.. بين الفينة والأخرى يهِشّون قطيع بروق يلمع في ليل الرحلة كشُهبٍ في صحراء التتار.
رأيتني أعبر صحراءَ، مليئةً بالأشباح، أشباح بدوٍ ارتحلوا من غير عودة.
ورحَل معهم كل ميراث الحكايات التي حوّشتها السلالة من تاريخها اليمنيّ البعيد.. رحلت الأقمار والمفازات..
أنا الآن وحيداً بحقل ذرة تجلده بروق العاصفةِ من غير هوادة. أسمع نحيباً في الأكواخ والشطوط البعيدة، لعلها جزيرة في آسيا، حيث الفقراء يتكدسون عراةً على الأنهار التي تحملهم برأفةٍ إلى أعماق البحار..
في حقل ذرة لا يبتعد عن القيامة إلا خيط برق شفيف. أسرد حكايات للجرحى والمشرّدين، عن تجارب شاقة خضت غمارها في المخيّلة، ومجازر ارتكبها أصدقاء ميّتون، قبورهم في البيدر المجاور. تغطيه سماء يبحث فيها محققون في جرائم غامضة بدأت تجرف الممالك والحقول..
هذه الشجرة، علوّها قريباً من أحلامي. الشجرة تمتطي العاصفة في رحلتها الانتحاريّة الأخيرة.. لكن هناك بضعة كوابيس، عليّ اجتيازها في مملكة الشيطان باتجاه ممالك الآلهة. وبعدها سأركب الصاعقة مدمراً كل شيء في طريقي، إلى أن تحط رحالها وتتلاشى. الإله الاغريقي يتلاشى بصواعقه في المغيب.


سيف الرحبي