عن «هسهسات الوحشة» لـ عبدالله خليفة عبدالله

«هسهسات الوحشة» أصوات خفيّة غامضة قادمة من أماكن مقفرة تسير في ليل الحكاية، « هسهسات الوحشة» لعبدالله خليفة عبدالله مجموعة قصصية صدرت عن دار الانتشار العربي 2014م تشتمل على ثماني قصص تتفاوت في حجمها؛ ففي حين تبلغ صفحاتُ قصة (الصفقة الأخيرة) ثلاثاً وعشرين صفحة؛ نَعُد ثلاث صفحات فقط في قصة ( المنحني )؛ ورغم التفاوت البيّن بين النصوص من حيث طولها وقصرها يُحكم عبدالله خليفة عبدالله نصوصه فلا تلمسُ زوائد في الطويلة ولا تحسُ بتراً في القصيرة؛ إنّ عباراته السرديةَ مشحونة ومشحوذة جيدا ص 10: «طلائع الجنود الذين وصلوا إلى سفح الجبل يمشون وهم يطعنون الأرض بأطراف بنادقهم ويلكزون أحجار الجبل بحذر» (إن تصوير حركة الجنود وحذرهم واستخدام فعلي الطعن واللكز مرتبط بالجو العامّ للنص، جوّ المعركة ).«هسهسات الوحشة» أصوات خفيّة غامضة قادمة من أماكن مقفرة تسير في ليل الحكاية، « هسهسات الوحشة» لعبدالله خليفة عبدالله مجموعة قصصية صدرت عن دار الانتشار العربي 2014م تشتمل على ثماني قصص تتفاوت في حجمها؛ ففي حين تبلغ صفحاتُ قصة (الصفقة الأخيرة) ثلاثاً وعشرين صفحة؛ نَعُد ثلاث صفحات فقط في قصة ( المنحني )؛ ورغم التفاوت البيّن بين النصوص من حيث طولها وقصرها يُحكم عبدالله خليفة عبدالله نصوصه فلا تلمسُ زوائد في الطويلة ولا تحسُ بتراً في القصيرة؛ إنّ عباراته السرديةَ مشحونة ومشحوذة جيدا ص 10: «طلائع الجنود الذين وصلوا إلى سفح الجبل يمشون وهم يطعنون الأرض بأطراف بنادقهم ويلكزون أحجار الجبل بحذر» (إن تصوير حركة الجنود وحذرهم واستخدام فعلي الطعن واللكز مرتبط بالجو العامّ للنص، جوّ المعركة ). تتميز كذلك لغة عبدالله خليفة عبدالله بقدرتها على إبراز التفاصيل الدقيقة للأشياء والأفعال والأشخاص، يبرع في النظر بمجهر الوصف بعين مخرج سينمائي منتبه ص 41: “ تلك الشعيرات الخارجة من جسم الفوطة يمكن أن تتخلل بينها عوالق متنوّعة «، ص25 «والبرق يضيء نهايات شعره المتبلل والمتطاير». ( يمتلك عبدالله خليفة عبدالله في عينيه عدسات إضافية تمكنه من تكبير جميع المشاهد لمراقبة أدق التفاصيل ). ويستلهم عبدالله موضوعاته من التاريخ ومن الحاضر من المشهور ومن المغمور (لذلك ستتنوع مناخات قصصه وشخصياته )، يظهر من خلال قصصه – التي سنتعرض لها -سعة أفقه واطلاعه ومقدرته على التعبير عن هواجس الشخصيات (وإن كان بلغته هو) كما تتضح عبقريته في وصف الأفعال المخصوصة للشخصيات (حين يتحدث بلسان زارع الألغام، أو بلسان صاحب شركة، أو يصف ثياب عامل أو سلوك مريض بالوسواس القهري تكاد تجزم أن المتحدث خبير في مجاله ص11: “ حين تبدأ بدفن المعدن المستدير بعد أن وضعته في مستقرّه الواطئ. تبدأ من الحواف وتنتهي بطمر الجزء الذي في مركز الدائرة المعدنية. ذلك الجزء الذي توجد فيه الإبرة القاتلة مفجّرة الفتيل. عليك أن تطمرها بحذر»)1 . من وحي حرب الجبل الأخضر يبني الكاتب قصة “ في عين الكهف “ راصداً فيها بعدسة مكبرة  مأساة الحرب  وضحاياها من الجنود ومن الثوّار ص13: «يركز الشيخ نظره على جنوده الذين في القمّة حيث انتشرت جثث مشوهة يختلط فيها اللحم بالتراب. قطع الجثث التي فجرتها قذائف القصف الجوّي تتناثر بعشوائية بين أحجار الجبل وأشجاره الصغيرة». تقوم القصة على حوار فكري نفسي بين جندي وقائد، جندي يشعر بالحزن والخوف والحيرة بسبب زرعه لألغام لا يعرف من سيطأها، وقائد ميكافيلي واثق من فكرة النصر : “ نحن لسنا مبتورين من الماضي أو المستقبل، نحن الفكرة التي لا تموت وإن تغيرت الأحوال». يقع الحوار في كهف جبلي بينما يراقب الشيخ/ القائد مجريات هجوم قطع عسكرية على جنوده، يتابع من عين الكهف أثر القذائف التي تتساقط بكثافة من الطائرات قبل أن تنغلق عين الكهف بقذيفة. يبدأ الحوار بسؤال يثيره الجندي/المزارع، بيدار الموت والحياة: « هل تعرف يا شيخي ما الفرق بين أن تزرع فسيلة نخيل وأن تزرع لغماً أرضيا؟ «  من خلال الحوار سيسرب لنا الكاتب الهواجس النفسية للبيدار والموقف الفكري للشيخ، سيرسم الكاتب بواسطة الحوار صورتين متقابلتين: صورة المزارع الجندي الأعور الحائر: “لم أعد أعرف ما تركناه لهم بالضبط «المزارع التابع: “ نعرف الأرض والتراب وننفذ أوامرك»  وهي صورة مهتزة بسبب تذبذبها بين زراعة الموت وزراعة الحياة؛ يقابلها صورة ثابتة لشخصية الشيخ القائد الأب ذو المنظار  الميكافيلي المؤمن بقضيته:ص8 “ إنما الأعمال بالنيات. لا تقلق من آثار هذا الفعل اللحظية، فالخير قد يكون في الشيء القاتل أحيانا. المبدأ يرسم لك طريقاً قد يمرّ بالشوك أحياناً ولكن اسأل نفسك أين سيصل بك في الخاتمة».يستثمر عبدالله أيضا الثنائية الضدية في سبر مشاعر الجندي المزارع وأفكاره المرتبكة مقارناً بين اطمئنانه في زراعة الفسيلة وخوفه من زراعة اللغم ص8: “ إن الفرق قاتل. إنه الفرق بين أن تمسك قطعة من المعدن المصقول والملائم لإمساكه باليد ولكنك تظلّ خائفا وحذرا منه، وبين أن تمسك بكتلة حيّة مليئة بالأشواك والشظايا ولكنك تطمئن إليها « المزارع يثق ويطمئن للفسيلة الواضحة التي ستذهب عاليا نحو الشمس وتنتج ثماراً تعيش عليها الأجيال والجندي يخشى من ذلك اللغم العين المختبئ الذي يتربص حتى بواضعه، ولا يعرف من سيكون ضحيته ص9: « لكنّ الفرق كبير بين أن تفكّر في الجزء العلوي من فسيلتك الذي ستدعه يعيش في الشمس وفي الهواء، وأن تفكر هل خبأت هذه القطعة المعدنية المستديرة جيدا».قبل أن ينطفئ الحوار بين الشيخ/ القائد والبيدار/الجندي وقبل أن تنغلق عين الكهف بالقذائف يقرر البيدار ببطولية جليّة أنه يكره الموت المخبوء  وأن الشرف في قتل العدو وجها لوجه، حيث تتكافأ فرص الحياة والموت بين المتقاتلين ص13: “ لا أريد أن أقتل شخصاً لا أراه، كرهت نصب كمائن للقتل بالمصادفة « لكنّ المفارقة أنّ العدو أيضا يفعل القتل الجبان بقاذفات قنابله العشوائية التي تصيب عين الكهف.2. إن كان عبدالله خليفة عبدالله يستلهم هسهسته الأولى من وحي الماضي عن كفاح مسلح، فهو يستلهم في “ أصوات كثيرة “ أحداثاً عايشناها عن كفاح سلمي في 2011م أحداث الربيع العماني. صحار هي المكان الحاضن لأحداث قصة “ أصوات كثيرة “ تحديداً غرفة انتظار سيارات الأجرة عند دوار الكرة الأرضية. (باستثناء قصف عين الكهف غاب في النص الأول وصف أصوات القذائف والقصف على عكس ما سنجد في النص الثاني الضاج بمستويات صوتية. ورغم الدخان الذي يتصاعد من النص الأول إلا أن المشهد فيه واضح نهاري جاف عكس نص “ أصوات كثيرة” مشهد ليلي ممطر لذلك ستنعكس في لغة النص غموض الرؤية :ص 15 “ الشارع كان يمتلئ شيئا فشيئا وتمحي علاماتُه وآثاره» «ولا يُرى منه إلا كتلةٌ كبيرةٌ من السيل» «لم يمكن بالإمكان رؤية حدود الشارع تقريباً، ولا يمكن رؤية خطوطه»)يبدأ الكاتب وصف الشارع وصفاً صوتياً وبصرياً ممهدا بإشارات تنسجم مع مضمون القصة وأحداثها: “ كانت أصوات كثيرة تزمجر في وجه الليل «آلاف الأصوات المتنوعة ستجعل الشارع الخالي صاخباً تلك الليلة وتبشر بسيل سيمحو الخطوط والعلامات والإشارات الرسمية، يرصد الكاتب الشارع الممطر بعين الخبير بمسالك الماء حتى يوصلنا إلى بقعة الماء الكبيرة التي تشكلت على دوار الكرة الأرضية. في تلك اللحظة ستظهر الشخصية المحورية في القصة؛ العامل الأعرج الذي يحاصره البلل والانتظار في الغرفة المثقوبة « ذلك المكعب الإسمنتي ذو الجدران المصنوعة من طابوق مثقب « ما أسهل دخولَ إبر المطر من تلك الفتحات!، سيتقصى الكاتب عبر سرده الشيق ووصفه الدقيق بؤسَ العامل الذي يصرّ على الخروج – رغم خطورة الطقس وعدم توفر السيارات – يصرّ على الوصول إلى عمله في مسقط حتى لا يُخصم من راتبه الضئيل يومٌ آخر، حتى لو اضطر إلى الجري بعرْجته من صحار إلى مسقط…«أصوات كثيرة» نص ضاج بالأصوات: أصوات غليظة أصوات حادة أصوات متقطعة أصوات الرعد والصواعق أصوات في الحلم: أصوات ارتطام أشياء ببعضها وأصوات احتكاك أبواب قديمة، في سِنة النوم ينتقل المشهد من غرفة انتظار سيارات الأجرة إلى غرفة عمال الشركة عبر الصوت والبلل والرائحة ص 18: « الأصوات تطعن سمعه باستمرار والعرق يرشح منه أكثر ويغمره ويسد أنفه ويكاد يخنقه. ويحاول أن يطلق زفيراً قويا ويتملص من مصيدة الأصوات والروائح الخانقة “ هنالك أيضا الأصوات المتخيّلة التي تمتد من ما يسمعه من أصوات الطبيعة حوله ص 19: «أصوات خدش قطرات المطر لأطراف أوراق الشجر تشبه صراخا بشريّا غاضبا «تدخله تلك الأصوات في الوهم» آلاف البشر يقتربون منه، الحشود تزداد وكلهم يهتفون من أجله. ليس وحيدا. نشيد من البرق والماء يهتف من أجله»  ثمّ تبدأ تلك الهسهسات الأصوات الغامضة تتضح في خياله: “ يسمع هتافات العشرات، المئات، الألوف تناديه: « نحن معك، نحن معك».  يتحول صوت الرعد في ذهن العامل المبلول باليأس والانتظار والوحشة إلى هتافات واضحة: “ نحن معك، لست وحيدا، نحن معك، لست وحيدا، نحن معك…»اللعبة الفنية التي أتقنها عبدالله خليفة عبدالله هي صناعة مشهدين دائريين متشابكين، يتداخل فيهما الحلم بالحقيقة باستخدام الرابط الصوتي. أكان العامل الأعرج المبلل بعرقه في غرفة العمال يحلم بأنه عالق تحت المطر في غرفة انتظار السيارات بينما يلكزه راجو أميتاب كومار لينهض إلى مناوبته المسائية، أم العكس؟!3.عبر حركة القدمين في تناوبهما على الركض بتصوير بطيء يسلط عبدالله خليفة عبدالله ضوء السرد على شؤون رجل يركض في منتصف شارع العمر ومنتصف العتمة ص28: « كان يفكر وهو ينظر إلى الشارع النصف معتم. سن الخامسة والثلاثين يشبه الخط الأبيض المتقطع الفاصل بين نصفي الشارع الذاهب في مسارين متعارضين، إنها سن منتصف العمر” وعبر تكرار حركة القدمين الراكضتين ينتقل الراكض في ذهنه فيفتش في ذاكرته عن لعبة الجندي القائد الذي فقده في طفولته: 28 “ يرفع قدمه الصغيرة ويترك الأخرى تهبط على الأرض ويعدو بكلّ قوته والدموع تملأ عينيه…يمسك السلة بغضب ويبدأ التفتيش داخلها « يفتش في سلة المطبخ وسلال الذاكرة الأخرى عن الجندي القائد الذي خبأه أبوه عن طفولته لينضج ص33 “ إنه لم ينضج مثل أقرانه وما زال يستخدم هذه اللعبَ الطفولية التافهة التي سأحطمها، الآخرون في مثل سنه أصبحوا رجالا. ثلاث عشرة تكفيه لكي ينضج إن كان ينوي أن ينضج أصلا، إنه حتى لم يبدأ يتعرق مثل الرجال وليس له رائحة الرجال بعد « لذلك سيحرص الراكض في ذاكرته أن يتشمم إبطيه وأن لا يضع مزيلا للعرق، إمعاناً للرجولة. كذلك يركض في ذهنه إلى المستقبل الناجح عبر محاضرة المدرب ذي الشهادات والألقاب ص 30» تستطيع أن تغيّر نفسك في أية لحظة تشاؤها لكي تغير حياتك « نعم يريد أن يغير من شخصيته ويترك عاداته السيئة حتى لا يخسر عائلته وأسرته ولكي يرضي زوجته الغاضبة ص32 « وعدتني عشرات المرات أنك ستتغير ولكنك شخص ميؤوس منه، عاداتك تتحكم فيك، ووعودك مزيفة…»  لكنه للأسف وفي منتصف شارع العمر تماماً سيصاب الراكض إثر ركضه بأزمة قلبية حادة، لحظتها لن يفكر في أشجار الظل الكبيرة التي تحجب الرؤية إلى جهة اليسار، ولا في الشارع الذاهب في مسارين متعارضين ولا في تغيير ذاته إنما سيتساءل لحظة احتضاره: “ أين كانت تلك القطعة الضائعة من لعبته. ذلك القائد أين اختفى ذلك اليوم ولم يعثر عليه قط بعد ذلك؟!»4. يعالج نص “ الصفقة الأخيرة “ حكاية مدير بنك عازب مصاب بأمراض نفسية أبرزها الوسواس القهري الذي يظهر في هوسه في نظافة كلّ ما يحيط به: ص 35 “ يجب أن أتأكد من أدائه في تنظيف كل شيء هنا: مقبض الباب ومسند الكرسي وسطح الطاولة ولوحة مفاتيح الكمبيوتر ومقابض أدراج المكتب والملفات وعلبة الأقلام وعلب الدبابيس…» يحرص في كل مكان يكون فيه المكتب المنزل على شروط صارمة للنظافة، ويذهب إلى أبعد من ذلك: إلى نظافة أدوات النظافة ص41 “ علي أن أختار زاوية جيدة من الفوطة لا تكون بها عوالق من استخدامات سابقة حين أنشف يدي». ينسج الكاتب خيطا رفيعا لتبرير هوس الشخصية بالنظافة حين يسترد المدير ذاكرة الصابون الذي رائحته مثل حقل فواكه ناضجة  كانت أمه التي رحلت سريعا تطهره به، يبدو أن خبرة الفقد أورثت سلوكا طهرانيا متطرفا للطفل، فهو لا يستطيع الاغتسال من ذكريات ماضيه التعيس لذلك يلزم النظافة في كل شيء.  لدى المدير كذلك شعور بالتفوق على الآخرين فهو مسيطر على المال والبشر ص 43 “ الدقة والانضباط اللتان يمثلان شخصيتي لا يتكرران أبداً في الآخرين « لذلك  يهتم بمراقبة حركات الموظفين والزبائن من مكتبه، ولا يسمح لأحد بانتقاده ص46 « كيف تسمح لنفسك باتهامي أنا بالخلط بين الأشخاص وبضعف التركيز؟ لن أصدق كلماتك أو أوراقك التي أخرجتها من حقيبتك المهترئة. سوف أصدق عقلي الجبار فقط “ ويقول ص54 « أنا سيّد المراقبة والتركيز منذ صغري. الأشياء تضع نفسها أمامي دائماً لكي أكشف بواطنها. ينبغي لأمثالي أن يكونوا في وضع العارف دائما « ذلك الصيرفي المكتنز بالوحدة والأسرار يحلم أن ينقذ العالم من الأوساخ التي يغرق فيها باستمرار، لذلك يدخل في وهم أن الزبون ذا الحقيبة مهترئة الجلد يسعى لإنشاء شركة دولية لخدمات التنظيف، ويقع في خلط يكشف تفاقم أمراضه النفسية، يفلح عبدالله خليفة بسرده الذكي في تحويل الوسخ المادي إلى وسخ معنوي من خلال المنولوج الذي يحاور فيه مدير البنك نفسه راثيا لحال الفقراء المستدينين من البنك: ص 51 “  ما أتعسكم وأنتم تفرحون بحساباتكم السالبة وديونكم الطويلة الأجل، تتهربون من الفقر بهذه الإجراءات التعيسة وهذه الحيل المتواضعة الذكاء. ما الذي سينقذكم من كل هذا الإذلال ؟ هل ترغبون أن أوقع بالموافقة على طلباتكم؟”  يشفق على الحشود البائسة من المحتاجين، يشعر أنهم يحتاجون مساعدته ص39، لذلك يقرر أن ينقذ العالم من الخراب فيقول متحاورا مع الأصوات التي في داخله ص 57 “ أنا المنقذ الأخير لهذا العالم المتعفن. أنا سأطهركم، وأنا … « ينهار وينهال على جهاز الصراف الآلي بالضرب والتكسير، هكذا يتخلص من الوساخة الحقيقة وساخة المال واستغلال البنك للفقراء.5وفي نص “ لطخات “ يستثمر عبدالله ثيمة النظافة أيضاً ويصف بما يشبه فيلما قصيرا صامتاً مشهدين منفصلين سيتقاطعان بشكل مأساوي في نهاية القصة. مشهد انتظار تلميذة المدرسة الابتدائية للباص، التلميذة حريصة على تفحص نظافة ثوبها المدرسي غير منتبهة لعصفورة السلك التي تتهيأ لإفراغ معدتها، ومشهد الباص الذي ينتظر خروج الولد الذي يفترض أن يقله قبل المرور على التلميذة، الولد الذي مات ساقطا في البالوعة المكشوفة، الباص المنتظر سيتلطخ بالقذارات والطين التي تلقيها عليه أم الولد الميت، سائق الباص مبتعدا يدوس البرك الآسنة لمطر الأمس، يهاتف زوجته ليطمئن إلى ابنته المريضة بوسخ في كليتيها ( لا يضع الكاتب الحوار على لسان سائق الباص  حين يتحدث  إلى زوجته بل يصف الحوار، ص 79  تناغماً مع بصرية القصة )من خلال “ لطخات “ يرسل عبدالله خليفة عبدالله رسائل رتبوية فنية عن مستقبل الجيل الذي يعيش محاطاً بقذارات الواقع، لابد أن يتلطخ الأطفال الذين سيركبون على باص الواقع السائر وسط الوحل والأوساخ، لابد أن تتلوث نفوس الأبناء الذين يعيشون في أسر تلطخها المشاكل والعنف. لابد أن يصطدم باص الحياة القذر بالطفولة البريئة الراكضة خوفا من الوسخ…6في « المنحني» يقود  السارد المشارك سيارته في ازدحام مروري، يركز نظره وتفكيره على منظر عامل آسيوي مكدس مع عذوق الموز في الشاحنة التي أمامه، يحاول بواسطة وصفه لحال العامل أن يهرب من هواجس في ذاته، لكن في الحقيقة تنعكس تلك الهواجس في وصفه للعامل: ص60 “ هل تركت ولدا مريضا في المستشفى « « ما الذي قاومته في حياتك؟ هل فقدت عزيزا فجأة « «ما أضعفك وما أبعدهم. قد لا ينتظرونك» إن حالة الضعف التي يراها السارد في العامل الأسيوي هي انعكاس لضعفه هو فهو مقيدٌ في الشارع المزدحم يحاول اللحاق بولده الصغير المحتضر في المستشفى.إن كان لنا أن نقرأ في “ لطخات “ ما يشير إلى واقع الأبناء المحاصرين بوحل المجتمع، فنص “ المنحني “ أمثولة للآباء المحاصرين في الشارع الذي يمثل المجتمع في تقييده لعاطفة الأبوة. 7«ظل نحيل» مشهد يرصد معاناة المغترب الأسيوي وصبره في سبيل لقمة العيش، يتتبع الكاتب حركة الهندي ذي الجسم المتيبس والوجه المحمّص بفعل الشمس، يتحرك وعربةَ خضاره مع حركة الظل النحيل للعمود اتقاء للشمس منتظراً أن تتوقف إحدى السيارات المسرعة لتشتري منه الخضار، يقضي وقتاً عصيباً حارقاً في الانتظار حتى تأتيه غفوةٌ تأخذه إلى بلاده الخضراء: ص 76 “ يراها خضراء بهية. شجرة النارجيل الطويلةَ القوية الخضراء اليانعة. وسط أزهار برية تمتلئ بها الغابة، ومع أشجار الهيل والقرفة والشاي. ما أجمل غاباتك يا كيرلا!»  من خلال تلك القفشة السريعة تنعقد مقارنة بين مكانين البلاد الخضراء التي تركها والغربة الحارقة التي اختارها. ما أشدّ مرارتك أيتها الحاجة!8«الحجرة البيضاء حادّة الجوانب « تتميّز هذه القصة بنفسها البريختي، إن جاز التعبير، فالكاتب يكسر جدار السرد بينه وبين القارئ مستخدما لغة الخطاب المباشر ص 63: « يا قارئي العزيز، يا متحفّز، أيها المتقافز عقلك الآن مثل الأولاد الصغار لكي تعرف هذه القصة، لا تتوقف عند العتبة. اقفز» يستدرج السارد/الكاتب القارئ المتواطئ من خلال أسئلة التصديق المتلاحقة  ويجوس في المنطقة الداكنة من نفس القارئ المريض ص 64: « هل تريد أن أحضرك معي إلى المشهد الأحمر يا مريض؟ هل تتذكر مرة كيف نزف منك الدم من جرح صغير؟ تذكرت صح؟ السائل الأحمر اللزج برائحته البرية ونكهته المالحة يسيل ببطء. هل تقبلت الفكرة؟ هل تذكرت مرة أنك في شجار طفولي جرحت زميلا؟ هل رأيت دمه يسيل أمامك … «  يبدأ المتحدث من التفاصيل المشتركة للطبيعة البشرية المجبولة على الشر حسب أفلاطون ( والظلم من شيم النفوس كما يقول المتنبي ، ودأب النفوس السوء من حيث طبعها, إذا لم يصنها للبصائر نور. البهلاني ) من تلك المشتركات البشرية والعثرات الطفولية يحفّز المتحدث خيال القارئ ثمّ يمسك به من خناقه بقبضة التفاصيل قبل أن يوقع به ص68: « هل تحصي جرائمك ( الصغيرة ) الآن؟ سرقت لعبة أحدهم؟ أتلفت لعبة أحدهم من باب الغيرة؟ أحدثت خدشاً في سيارة جارك بدون أن يراك أحد؟ خبأت في جيبك قطعة حلوى صغيرة بدون أن ينتبه البائع؟ « يستدرج المتحدث القارئ بمهارة محقق نفسي ويوقع به جاعلاً منه شريكا في جريمة القتل. يقتل المتحدث صديقه الذي أقام علاقة مع أخته»  القارئ كناية عن المجتمع يتواطأ مع جريمة الشرف ص 71” لا يمكن أن يلومنا الناس الذين نعرفهم. كلنا سنقتله «. بذلك يدين الكاتب المجتمع المتواطئ مع الجريمة.يبرع عبدالله خليفة عبدالله في تأثيث خلفية المشهد بما ينسجم مع الأحداث فوصف شفرات صرار الليل المسنونة متناغمة مع الجريمة الليلة التي سيختار لها حجرة بيضاء حادّة الجوانب.


خميس قلم*

شاهد أيضاً

الأمـاكـن .. فــي الشـعر والروايــة

تثير الأماكن توهجا عاطفيا في النفوس بقدر يتفاوت على حسب ما تحمله من ارتباط أو …