أخبار عاجلة

غجـرية

أحب أيادي النساء الغجريات بأصابعهن المليئة بالخواتم الفضية الملوّنة ومعاصمهن المليئة بالأساور، أعشق رنة الخلخال في أقدامهن المخضّبة بالحناء، أعشق ألوان ملابسهن المزركشة بالألوان الصاخبة، تلفتني تلك الأعناق السمراء المحاطة بالعقود والسلاسل، شعورهن الثائرة في صخب مجنون أسود،  فتحة الفستان من الأمام لتظهر الفتنة الكاملة للجسد الممتلئ، أو فتحة الفستان الخلفية لتظهر جمال ظهورهن العارية التي لا يسترها سوى شلال أسود ينحدر من أعلى الرأس، تلك التنانير الملتفة على خصر منحوت بيد إلهية غاية في الدقة والإبداع، أجساد مهيأة للرقص، عيون تأسر الناظر ليقف عند حدودها السوداء فلا يدري أيتجاوز الحدود أم يقف حيث هو متأمل عمق الصحراء واتساعها، عيون جريئة لا تعرف الخجل، وأجساد أكثر جرأة للحياة .
سرقني الحلم يوماً، فرأيتني هناك بينهم، ابتعدت من حيث كنت، ورحلت حيثما رحلوا، فلا جذور ولا أرض ولا وطن، وكأي غجري لا يخجل من أي فعل يقوم به ولا يحسب حساباً لفعل يقوم به، خرجت ذات مساء من قيود ثوبي لأبقى على بياض جسدي المحاصر بالسواد، خنت سجني مع سجّاني لأطلق جسدي حراً أمام لغة الموسيقى، فأنا طائر حر ولست شجرة ميتة، أنظر إلى اصابعي الخالية من أية زينة فأرتدي في كل إصبع من أصابعي خاتما ملونا، أرتدي العقود والأساور بألوانها المختلطة وأُلبس جسدي فستان امرأة غجرية )تنورة مزركشة بالألوان وقميص أبيض)،تتلبسني تلك الروح التي شاهدتها بالأمس في فيلم السهرة، أبحث عن أغنية مجنونة تلائم امرأة تسلّقت للتو باب قبيلتها المغلق، أتبع اللحن المجنون، أدور في حلقة مفرغة، أسلّم نفسي للدوران دون أن أقع كما كان يحدث حينما كنت أجرّب الرقص في شرفات طفولتي المغلقة.
أرقص فيرقص لوركا معي، أستسلم للإيقاع المجنون الذي يخلصني من ثقل أن أكون غير ما أنا عليه، تميد بي أرض كنت أقف عليها، أتخلص من الجاذبية وقانون نيوتن البغيض، أعلو، أجدني أراقص الفراغ، تختلط دوائر الرقص، أكون معه، أضع يدي المليئة بالخواتم والأساور على صدره ، يسير بي وأنا أسير على طرف أصابعي كي أكون في نفس قامته، أسند رأسي على كتفه، يحيط خاصرتي بيده، يلفّني، يدور بي في دوائر كثيرة، كل دائرة كانت تسلّمنا لدائرة أخرى، لا شيء يشبهني في تلك اللحظة وأنا أنفصل عن جسدي سوى الحلم، ينفصل جسد الفراغ معي، أدور ويدور معي، يندسّ في خصلات شعري السوداء الثائرة، يختبئ في عيوني، تُقرع الطبول، تسير الغجريات أمامي سير الراقصات، أطلقه من يدي كي أسلّم جسدي لرقص على إيقاع آخر، يمتلئ الفراغ، تتحول خصلات شعري الثائرة إلى موج أسود هادر، تسقط من قلبي حكاية لا تُحكى ولا تُكتب، ينحدر شلال من الموج على كتف اللحظة التي أتكئ عليها، تمطر سحائب الحنين في فضاء روحي، يتساقط مطر أسود على أرض القلب، تتحول أرض القلب إلى جداول تفيض على جوانب العمر، تتفتح الأزهار في تنورتي الملونة، ورود وفل وياسمين ولافندر ونرجس، تطير الفراشات منها، فلا تبقى سوى غجرية تطاول الفراغ بالرقص على أطراف أصابعها، أضرب بقدمي على الأرض الصلبة لأسمع رنّة الخلخال فتهتز الأرض، أخلع رأسي الثقيل بالصداع منذ الأمس، أرقص رقصة الفلامنكو، أكون إحدى الراقصات في فرقة الغرباء وأنا الغريبة بينهم، تختلف الإيقاعات، يرحل العازفون ويأتي آخرون غيرهم، وما زالت الغجريات يسبحن في دمي، تهديني الموسيقى حريتي المخبأة في مندوس أمي، والمسجونة في عيون أبي، ليس كالرقص ما يجعلني أكون ما لم أكنه من قبل، أخرج من عباءة أمي و( ليسو) جدتي لأكون أخرى لا تشبههن ولا تشبهني، لوركا يكتب قصائده، فيزفّني عروساً في حفلة عرس الدم..
(عرفت أنه قتل
وعرف أنني قتلت
وعرفت أنني قتلت
وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمقابر والكنائس
ولكنهم لم يجدوني قط ( .
يطاردني الزمن، يداهمني الوقت وأنا في حالة تلبس بلحظة هاربة من حدود الزمان والمكان، لوركا لم يعد موجوداً كي أهبه جنون الراقصة الغجرية، أخرج من هيئتي الجسدية إلى كائن دخاني أزرق شفّاف، أواصل الرقص، الغجريات يحطن بي في غناء يشبه النواح والنحيب، أنسلّ من بين أيديهن فتجرحني الخواتم، تقيدني الأساور، تخنقني العقود، يطفن بالجسد في حلقة دائرية، يغمرنه بالمسك والزعفران، يغسلنه جيداً ويواصلن حفلة النواح المكتوم، أطوف حول جسدي الذي هجرته، أدخل في عالم البياض، التقي بلوركا فأخبره أنني الآن حرة، فقد نجحت في الوصول إلى حيث اشتهيت، أرتدي أجنحة طائر فأكون نورسة، ألوّن أجنحتي فأكون فراشة ملونة، أغرق في البنفسج فأخرج زهرة بنفسجية، أنا كل شيء عدا أن أكون أنا، فما عادت المرايا المتشظية لي سكنا، ولا الحرير ستارة بنافذة غرفتي عن عين الشمس، حرة أنا حتى من مشاعري المضطربة والمرتبكة، حرة وأنا بلحظة انعتاق وعناق أبدي لا أطيق الخلاص منه، تتعانق الأرواح، يعزف باكو* على جيتاره، ترقص الراقصات الغجريات لروحي المتحررة، تمتلئ تلك الدوائر المفرغة بهن وبي، نتبادل الأدوار، أنسحب من لعبة الدور، لا أحد يلحق بي، لا شيء يقيّد يدي وليس هناك من يسألني من أكون، تحتفل الغجريات بي وأنا أحتفل بالموت الذي أشتهيه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* (عازف جيتار إسباني)


شريفة التوبي *

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي والاس ستيفنز

كتابة وحوار : أسعد الجبوري * منذ اللحظة التي دخلنا فيها ذلك النفق المحفور تحت …