أخبار عاجلة

غرفة يسكنها الفنان وفنان تسكنه الشمس

يا هذا: اغترب عن وطنك المألوف بالعزم الصحيح، الى وطنك بالتحقيق، وان كان قد اتصل به التلويح وثق بأن مروي ذلك المكان أشرف من مرئي هذا المكان..

… أبو حيان التوحيدي

( عمر جهان والغرفة، يكونان واحدا دون أن يكون واحدا حقا ولا اثنين، عمر جهان الفنان الليبي الذي يقيم في القاهرة منذ العام 1976، والغرفة هي مكان ضيق للغاية في أعلى إحدى البنايات القديمة.. هي مكان فسيح للغاية يتسع للجسد الذي يتحرك بين اللوحات وبين أنفاس الزوار من الشعراء والصعاليك المسافرين عبر الجغرافيا العربية. هنا، وفي هذه الغرفة، رسم الفنان لوحات "السكون المشمس" و" سراب الرمل "، هنا يوجد المعرض الشخصي والدائم له، لوحات على الباب والنافذة والحيطان وربما على السرير والكراسي، فأين ينام الفنان ؟ أين يجلس الزوار؟.. لا يهم، المهم أن تحيا الغرفة وتحيا الكوميديا العاقلة التي ينشرها جهان بين الأحاديث وأكواب الشاي).

قناع الغربة:

* …………….؟

– عندما جئت الى مصر في العام 1976، "لم يكن في بلادي ما يطمئن الفراشة " ولم يكن ذلك نفيا أو غربة زمانية أو مكانية بل جمرة توهجت فأضاءت حواف الروح الكابية وألقت بظلالها الحارقة فوق حروف الجسد، المكان بالنسبة لي أيا كان هو مكان ممتد، المكان امتداد للجسد، عندئذ يصبح الحلول في المكان حلولا وجوديا وتجربة معيشية مع الذات، مصر لا تعتبر مكانا هي حالة شمولية لم أشعر فيها بسطوة المنفى، اعتبر المكان عامة كائنا حيا علينا أن نتحاور معه ونفتح له قلوبنا.

(العلاقة بين الفنان وأصدقائه الشعراء وتلك الغرفة الحاضرة الغائبة لم تكن علاقة عابرة كما أنها لم تكن علاقة انسانية فحسب،بل وصلت في كثير من جوانبها الى علاقة فنية ألهمت الكثير من الشعراء، أمجد ريان: "هذي مستعمرة للجدران الناقصة.. وطرقات تتلوى كدخان.. فيها أهات الخبز.. أهلتها تتعجن كالحيات. وفيها بئر لو يأخذ منها ماء للقنديل اضطرب بحمرته كالدم ". محمود نسيم: "أطلق لحظة من يده.. تلك مدائن لا تأوي الغرباء.. وتلك مدائن يعبرها البدو الليبيون وتزحف بين شوارعها وجوه الموتى المغتربين "..).

وحش البراءة

*………………؟

– في "كهفيات الحبر والشمع" حاولت أن أرصد اختلال علاقة الجزء بالكل، جيشان الملامس والألوان والخطوط، المناخ الوحشي يهيىء الأرضية لمهرجان التيمات البدائية وهي تنعقد في حزم الضوء الشمعي، وتنخرط عبر مسام الحبر العطشى، وذلك الاندهاش المباغت المتولد من غياب الشعور بالأمان الواصل الى ما بعد الرعب الوجودي حيث سؤال الوجود.. سؤال الكينونة..تلك اللاجدوى… اللامنطق.. والعنف ومحاولة الخروج من فلك الفوضى تجعلنا نميل الى القول بأن وعول تدارات وثيران التميرا، المحاربين، الصحاري، الأسهم والرماح، دماء البقر الوحشي، والطبيعة الحمراء ما بين الناب والمخلب وكما ثبتت هناك فوق أسطح الكهوف القديمة تعبر بجدارة عن لحظتنا المعاصرة بقدر ما تعبر عن لحظتها الموغلة في غسقها السحيق.. الكهفيات هي قابلية التجدد والتفتح.. هي رؤية لزمن ممتد مستمر وذاكرة لا تجمد عند فعل التذكر والاسترجاع والنكوص بل تتمحور حول الفعل – الحلم. لم يكن الاستلهام إحالات الى الكهوف البدائية التي لا تكف عن التجدد بل إيماءة الى ما هو أبعد من كهفنا النفسي المكتظ بالأظلاف والأنياب والشعر الكث وهبوطا الى يومنا المعاش الخالي من بهجة العدالة.

(كتب عمر جهان ذات مرة عن غرفته: هي غرفة وحيدة،تلك التي كنت أسكنها وتسكنني فوق إحدى البنايات القديمة، غرفة وحيدة معشبة بالنفي ونبض الروح.. في الغرفة أعدت اكتشاف لوحات تاسيلي، كهوف تدارات، معجزة اللون والبناء الصرحي عند الفراعنة، الأقنعة الافريقية، النقش والرقش والأرابيسك، فضاءات الرمل، وتكوينات جذوع النخل، ملامس الحصر والحيطان الجيرية، العباءات البيضاء المملوءة بالريح والذكريات، أغاني فيروز، ليالي – دي فايا – في حدائق اسبانيا، اكتشاف النار للمرة الثانية "لم يكتمل وطني بعد "، ولعنة السياسة).

بوتريه الحجرة

*………………؟

– ما بيني والحجرة نداء غامض، حرية وقيود،تقنيات تتراكم كما وكيفا، أساليب وطرائق واستلهامات، خروج من الترصيع والزينة، الى التقرير كما يتبدى في صلب الواقع ونسيجه المتشابك المعقد، وابتعاده عما أسعى اليه. استغرقت مدة وما أزال، لا لكي أتعرف على التخوم الفاصلة بين حدودها ذات العلاقة الوطيدة بالشعر، والموسيقى فحسب، ولكن على تلك التخوم التشكيلية بالذات والتي تفصل حدودها الجرافيكية، عن المائية، عن النحتية، سعيا لتأسيسها مرة أخرى، إيقاعات متداخلة، وأطيافا شفافة دفاقة لا انفصال فيها ولا حدود. بيننا محاورات لا تنقضي، ما لم نقله بالضحى والليل يتراءى ساطعا.. وما يتراءى ساطعا في الحلم لا ينطفىء أبدا – رؤيتها حجاب، وحجابها رؤية – لكن الوعد لم يتحقق بأكمله، ضمن هذه اللوحات أو غيرها، ولا أظنه يعبأ أصلا بمثل هذا التحقق،حتى وان طاله.
 
 
عصام ابو زيد ( كاتب من مصر)

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …