أخبار عاجلة

غــــروب آسيــــوي (تايلاند) الحـــلم والمـــــتاه

سيف الرحبي

يتبدى أثر النعمة والحرية على وجهها، الصَبيّة اليابانية، تلعب بالكاميرا مصورة مشهدا لينابيع وسط الأكمات الخضراء، ومن زوايا مختلفة بتركيز وتأمل بين اللقطة والأخرى.. وثمة حيوانات وصيادون يعبرون الكادر وسط الأكمات والأشجار.. فكرتُ انها طالبة في معهد السينما في طوكيو وتعد فيلم التخرج. وربما تمتد بصلة الى المخرج الياباني (كيروسافا) صاحب (الساموراي الستة) و(راشمون) الذي كان يلقب بالقيصر.. ولع اليابانيين والكوريين الجنوبيين بالتصوير والكاميرات ملفت في أكثر من بلد ومكان، حتى لو كان ضمن المنظومة الجغرافية واللونية ولا يحمل تلك الفروق التي تدعو للغرابة والإثارة البصريّة.
j h j
الينابيع مسترسلة في هذيان الجُزر الليلي، في أعماق المياه لبحرٍ شهد أعنف المواجهات بين الجيوش المتحاربة، الجُزر ينابيعها، وقرودها وسناجبها، لا تعنيها تلك المواجهات البلهاء مهما ادعتْ من عظمة ومجد.. انها نائمة تحلم بين ضفاف الأبدية.
j h j
ضوء شمس موحش، سماء مقفرة حتى من عبور سحابة، عصفور وحيد يتنزه بين الجذوع والأغصان.. بالأمس كان ينقر الخبز من يدي، ناشراً على الفضاء الغائم رفيف السلام والمحبة.
j h j
أيه… يا آسيا، كنت تتسلقين أحلام الطهارة والعدالة في خيال الفلاسفة والمصلحين عبر الأزمان الغابرة، أولئك الذين حلموا بالسعادة الروحية، بالنيزفانا، حلموا بالخير الانساني العميم من غير عقود ولا مواثيق- أيه… آسيا الفاجرة معترك التناقضات الملتهبة الحادة، حيث تُباع الأجساد مع أرواحها بأثمان بخسة، حين يزدهر سوق النخاسة ويهيمن رجال المال بقيمهم الوضيعة، على مفاصل الحياة والموت… تطلقين صرخة استغاثة، لكن لا أحد يسمعك، لقد تواروا منذ زمن في النسيان.. أين شموعك يا (كونفيشيوس) أين خطاباتك يا (ماو) وأميالك الضوئية التي قصفتها بخطوة البداية.. حيث صين الحداثة مستنقع ضخم لنفايات التجار وقيم الاستبداد..
أين أنت يا (لاوتسو) أيها البوذا الذي حلمت بالانسان الأصلي بعيداً عن الجشع والأذى؟… انهم ينامون هانئين في متون التاريخ والنسيان: فلماذا، نجرهم عنوةً وإكراها الى راهن القذارة والانحدار.. آسيا آسيا، أيتها الزجاجة الفارغة في حنجرة الادمان.
j h j
أما من غيمة تجود بها السماء الآسيوية، لتستظل بها الطيور المهاجرة بعد طول رحلة، من لهيب هذه الهاجرة..
j h j
يوم آخر، والشمس تتربع على الرؤوس، ملتهمة أفئدة السماء والبشر.. أنا الذي أتى من أجل الظلال الداكنة والغيوم.. عليّ أن أتدبر أمري وأذهب مثل الخواجات، الى البحر بصحبة شمسية وزيوت مضادة لشراسة الضوء.. علّ غيمة قادمة أو نسمة تلطف هذا اليباس..
j h j
الرجل المسن الوحيد يجلس دائما في ركن منزوٍ وبعيد، مع جريدة أو كتاب، بالكاد يلتفت الى حركة الصخب العالية للذاهبين والقادمين، وقت وجبة الافطار الصباحي، من فرط تنوع مأكولاتها وتراكمها، تختزل وجبات النهار بكامله، حيث تنفتح الشهية لبشرٍ أصحاء، فتصل الى ذروة الافتراس، فيما يشبه جَلبة معركة، ميدانها الصحون والملاعق والأباريق: اللحوم بأنواعها والفواكه والألبان والأجبان، وما لا يمكن عدّه وإحصاؤه.. وبما أن الوجبة ضمن سعر غرفة الفندق، فيكون التخزين على هذا النحو مشروعاً ومنطقياً.. وحده الرجل الوحيد الذي تقادمت عليه فلول السنوات والأحداث، ولا أحد برفقته عدا الكتاب والذكريات لا يأبه لصخب المأدبة المشهودة، وكأنما آخر مأدبة في الحياة (الإفطار الأخير) بدل (العشاء الأخير).
الرجل الوحيد بكتابه وما تبقى له من أحلام وحياة، وجهه الذي يشبه وجه (بيكيت) بتجاعيد النسْر الهابط من ذروة الى سفح، لكن سفح الكاتب الايرلندي كان مقهى (كلوني) في باريس حين يقول «لم يطلب منا الموت أن نحجز له يوماً نكون فيه غير مشغولين».
j h j
من فرط الحرارة ووهجها الذي لا يطاق في هذا البلد الآسيوي (تايلاند) أو مملكة سيام قديما، والتي كتبت عنها ظبية خميس ضمن انطباعات في إحدى رحلاتها، وهي الموغلة في الترحل الكوني، بأنها لم تجد أدباً ذا بال في هذه البلاد تحديداً، ليس عبر ترجمة عربية فحسب، وانما في عالم اللغة الانجليزية الشاسع البحث والترجمة!!
في هذا اليوم الحار، اختزلتُ خطط التجوال، الى واحدة، هي النزول الى حوض السباحة في الفندق الذي تحيط به تماثيل الكانجرو والفيلة، وحيوانات أخرى تنفر من أفواهها وخراطيمها المياه، ومن بطونها وأعضائها وكأنما تتبول على الحوض ومن فيه.. سياح من مختلف الأعمار، لا يثير وجودهم الصدفوي إلا الوداعة والألفة.. البشر حين يغادرون الأوطان بما تقتضيه من مسؤوليات والتزامات وقيود يدلفون الى الهدوء وتلك الاخوة الانسانية التي تتجلى في التعامل والسلوك، وهي لا تتيسّر إلا في الانفصال والترحال.
كل شيء يمضي ببطء هكذا ولا طليعة سحب في الأفق.. فجأة ينزل رجل هرم الى المسبح ويحدث ارتجاجاً رهيباً، ليس بسبب جسد ضخم، فهو بالغ الهزال والضعف، لكن صدمة الشعور المقرف التي قفزت معه الى المياه.. فهو بالاضافة الى هرمه وتقادم العقود والعزلات، ينبئ عن سحنة مرضية مخيفة.. حاولت تدارك الأمر بالابتعاد الى الضفة الأخرى من المسبح، حيث فتاة يانعة في مقتبل العمر، كأنما أهرب من شبح الموت الى فتنة الحياة وغوايتها، فمجرد وجودي بجوار الفتاة شكل نوعاً من أمن وحماية من انهيار وشيك أو قرف لا شفاء منه.
وحين ذهبتْ تلك الحامية المجهولة، وجدتني مجرداً من أي مقاومة أمام الشبح الجاثم.. أخذت حاجياتي بسرعة وهربت..
لاحقا أحسست بوخز الضمير، اذ كيف أهرب من رجل مسن بريء، كنتُ إزاءه أغالب العطف والقرف، وكلاهما مدمران حين يصل الانسان إلى أرذل العمر، وبسحنةٍ وبائية منفرة..
هل خوفنا ناتج من رؤية أنفسنا في مرآة أولئك الذين حطّمهم المرض والزمان؟!
j h j
سماء الغروب تمتطيها مواكب سحب جهمة قاتمة، مواكب قتلى الحروب والأمهات الثكالى، ذاهبة الى مقابرها الجماعيّة.. متنزهون على الشارع البحري المليء بالحفر، من أماكن وأعراق مختلفة.. أوروبية تتمايل بلباسها الخفيف وجسمها الرهيف مع النسيم العذْب وتحدّق في الأفق.. يقينا لا ترى فيه قتلى وجنائز، محض هواية جماليّة لمراقبة الشمس وهي تغيب في البلاد الغريبة.. صورة من الصور (الاجزوتيكية) ستضيفها الى ألبوم رحلة الشرق الأقصى.. مجسّمات معبد صغير للبوذا، يؤدي بعض المارة انحناءة القداسة ويعبرون.
وثمة كلبة عرجاء مع جرائها تستوطن أسفل المعبد تلاعب الهواء والمارة.. طلائع عاصفة من جهة البحر.
عليّ الإسراع في الذهاب الى الفندق لأحتمي من عصْف السيول القادم. فانقلابات الطقس في هذه الأقاصي مفتوحة دائما على الاحتمال والخطر.
j h j
نسيت أن (ابريل) هو شهر الأمطار وأعيادها في هذه البلاد، هكذا دورة الفصول، يكون في ابريل عيد المطر والبذار والبركة، ستودع السماء وجهها اللافح تاركة للغيوم والأمطار الحيّز الأكبر. في عُمان كانت السماء بخيلة هذا العام أكثر من ذي قبل. لم تسقط أمطار، وتطاول الجفاف الساحق، والغبار الذي يحتل الأرض والبشر والجبال..
بالأمس حطّ طائر أمام نافذتي وأخذ يصدح بإلحاح كأنما يبث خطاباً أو نبوءة الى العالم المحيط.. تبعته (بومة) على نفس النسق الصوتي النبوئي وبنبر متتابع لا ينقطع.. وبما اننا لا نعرف قطعا لغة الطيور مثلما كانت تعرفها تلك الأقوام الأصلية التي لا تفصل بين «الفضاء والزمان» وهذا ما تابعه مفهوماً، فلاسفة مثل هايدجر وميرلو بونتي، عبر إعلائهم من شأن الخبرة الحيّة.
لا نعرف لغة الطيور، لكننا نحسها مثل بقية حيوات الطبيعة الناطقة عبر الصوت والموسيقى أو عبر الصمت العميق، بقيتُ مصغياً الى تلك الأصوات، متصفحا كتاب (ديفيد ابرام) «تعويذة الحسيّ».
«ان المطر يهطل والطائر حطّ على غصن في الأعلى، وكان يبدو مُرهقا ومتعباً، فجأة تحدث بكلمات واضحة (أخي.. أخي ما الذي سوف يحدث؟)..
الرجل العجوز من الشامان، أصيب بالذهول من ذلك الصوت والقلق من تلك الرسالة. بعد ذلك هطلت الأمطار بغزارة لمدة تسعة أيام أغرقت الدببة في جحورها وخلفت فوضى عظيمة. عند ذلك فهم الناس ما عناه الطائر بكلامه لكن من بين كل الطيور، يكون الرائي والمتنبي، والمنجم، هو البومة المقطّمة» وهي الأكثر معرفة نبوئية بأحوال الطقس ونشرة الأحوال الجويّة من الأرصاد الفلكية عند قبائل (الكويكون)..
ها هي الأمطار ديماً سكوباً تغمر المدن والحقول والغابات.. الرجل المسن الوحيد الذي يشبه (بيكيت) بدا ممتعضاً وبشيء من العصبيّة يتحرك.. فهو لم يقطع هذه المسافات من أجل المطر والغيوم، لكنه يعود الى كتابه وتدوين الرقع والملاحظات كتعويض عن خيبة الطقس، هو القادم من بلاد الغيوم الكثيفة والأمطار.
j h j
اتصال من زوجتي… ونحن في غمار الحديث والكلام، سمعتْ بوضوح صوت المطر وهديره العالي.. ربما ذكرها كما يذكرني باستمرار بهدير الأودية في جوف ذلك الليل البالغ الكثافة والرقة بعُمان في الأزمنة الغابرة، وأتحفتني برسالة تتضمن هذا المقطع الشعري الموفّق:
«صوتُ المطر الذي غمرني
عبر آلاف الأميال
بللّ قلبي بقطراته… الآن
في بلاد الغبار تغطّي الشمس غيمةٌ..
تراها هربتْ من هاتفك في غفلةٍ
من الكلام»..
j h j
أحمد من القسم المختص بشؤون الوافدين العرب الى المستشفى، دائما يسألني بصدق وإلحاح، وبعربية لا عثرات فيها، كأنما هو أحد أبنائها: لماذا أنتم العرب، ولم يقل الخليجيين، كأنما فكرة الآصرة القوميّة، بقيت قارة في وعي من هم غير العرب، أكثر منها في وعيهم واهتمامهم، لماذا تأتون الى بلادنا أفواجاً، للعلاج والاستشفاء ومن كثرة القادمين في هذا السياق، صرتُ اتساءل وأنا أتخبط في الحيرة والارتباك، إن كان لديكم مستشفيات ومراكز صحيّة؟! أنتم أصحاب الإمكانيات التي لا يتوفر لبلدنا حدُّها الأدنى. الفساد موجود لدينا أيضا، ونحن الآن محكومون بحكومة عسكريّة مع شيخوخة الملك الدستوري ذي الفكر الغربي في السياسة والاجتماع. لكن هل عندكم لدرجة مصادرة المال العام لصالح فئة معدودة من الناس، هل الحروب الطاحنة التي ما ان تهدأ حتى تنفجر بصورة أقسى، هل التسلط والاستبداد؟ إنني أتخبط في الحيرة واللامنطق، كوني أتمنى أن أرى بلاد العرب والمسلمين في حال أفضل مثلما كانت في القرون الغابرة؟!
بماذا أجيبه؟ وأنا دائخ من هول الرحلة الليلية.. أخي أحمد، أشكرك على هذه العاطفة المتقدة تجاهنا، وأنت ضمنياً أجبتَ على بعض ما أنت مشغول به..
والمسألة بحاجة الى بحث وهدوء، وأنا قادم من رحلة لم أنم فيها طوال الليل، ومنها الى سيارتك نقطع مسافات بريّة ليست قصيرة.. وبصراحة في هذه الفترة أريد أن أبعد هواجس وأسئلة من هذا القبيل، ربما نلتقي في وقت أفضل..
أما الست (فريدة) من نفس القسم وهي تصطحبني في المستشفى الى الفحوص والأطباء، بادرتني القول: لقد عرفتُ لماذا أنت مهتم بفحص عيونك في العام أكثر من مرة، لانك (كاتب) عرفتُ ذلك من خلال (جوجل) وأردفتْ «الانسان يتآكل، وما نصلحه اليوم يتدهور غداً، هذه هي حال البشر، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام»..
شكراً يا ست فريدة على هذه الحكمة المأساويّة الحصيفة.. (وهوه أنا ناقص) هكذا يقولون في مصر، حين نكون في غمار موقف نحلم بالخروج منه ويأتي من يزيد الطين بلة، حتى لو كان على حق وصدق.
بعد استكمال الفحوصات، كانت النتائج جيدة، خاصة في نجاح عملية النزول الأسود، أو الإنزال، إذ أن المرض إنزال عدواني على الجسد.. وكذلك الفحوصات العامة عدا تفاصيل بحاجة الى حيطة وحمية ما.. لكن المفاجئ هذه المرة في قول الطبيب أن الأشعة تظهر أن ثمة (ورما) صغيراً في الرئة، وبما إني لستُ مختصاً في هذا العضو.. فعليك الذهاب الى الاختصاصي فلديه الكلمة الفصل.. الاختصاصي لن يتواجد إلا بعد يومين، وعبر هذا الزمن القصير الذي أصبح طويلا وثقيلاً، لعبتْ بي الهواجس وافترستني التوهمات.. (ورم) ربما يكون ذلك المرض المعضل، من يعرف؟ وهو في مكان صعب ودقيق، وتذكرت صديقي حلمي سالم الذي رحل بسبب هذا المرض الذي بدأ في الرئة، وأجريت له عملية جراحية، سريعة في المستشفى العسكري في القاهرة الأكثر كفاءة بين المستشفيات، على اثر تدخل من الصديق شاكر عبدالحميد حين كان وزيراً للثقافة في تلك المرحلة الانتقالية في التاريخ المصري والعربي، أو هكذا كانت الرؤى والعلامات الملتبسة تقول.. لكن بعد العملية بفترة رحل الشاعر الأكثر أملاً ومرحاً..
ذهبتْ بي الهواجس مذاهب ودروبا شتى، خاصة وأنا وحيد في هذا الصقع البعيد.. وتذكرت الراحل هشام شرابي الذي أهداني أحد كتبه في بيروت، وفيه يكتب اللحظة التي قال له الطبيب في واشنطن انه مصاب بالمرض إياه… كيف أخذته الظنون والتوهمات وذهب في غيبوبة الطفولة، الى مرابعها الأولى في فلسطين وتجلّتْ أمامه تفاصيلها البريئة الطازجة وكأنما بالأمس: البيت الذي وُلد فيه، العائلة، الدروب رفاق الطفولة الأولى… الخ. لكني لا أحس إلا باللخبطة الذهنية والوحدة وفكرت بالتقمص أو التناسخ في حيوات أخرى، وأنا أحدق في تمثال للبوذا تحيطه النذر والقرابين… حتى جاء موعد الطبيب، الذي حدّق في صورة الأشعة على الشاشة، وقال: انه ليس هناك إلا كيس دهني، ولا أرى أي داع للقلق أو الخطورة، وبعد شهرين عليك أن تعيد الفحص الذي لا يحتاج الى إعادة في الوقت الحاضر.. المرض ربما في هذا المنحى أفظع من الموت اذا استرشدنا بـ«أبي قور» في ما يشبه وصفه عزاء، بأن الخوف المدمر والألم ليس في الموت وإنما في توقعه وترقبه، فحين يأتي لا نكون موجودين، وحين لا يكون، نكون ممتلئين بالوجود والحياة.. يبدو أن الفيلسوف الاغريقي أخذ الموت كحدث صاعق واختطاف مباغت لا يترك لضحاياه فرصة صغيرة لنَفَس أو تفكير… فكيف بلحظة الاحتضار وافتراسها الأليم.. ربما هذا يدخل في باب (التوقع) الذي يكدر صفو الحياة من غير داع في هذا السياق من التفكير الفلسفي..
المرض أفظع من الموت، لأنه يوقعك في قلب متاهة التوقع والترقب اللذين يطول ألمهما، بما يعنيه من تعكير الرؤية والحياة، الذين يفضي أحيانا الى تمني صاحبها الاختفاء والزوال، لكن من أجل استمرار حياتنا بأقل فداحة، علينا التمسك بوصفة أبي قور الصحيّة، أو هكذا نحاول.
j h j
حين أجاب الطبيب، ان ليس ثمة من خطر، تذكرت الصديقة الروائية هدى بركات، في باريس (بالتروكاديرو) مع قاسم حداد، ذاهبين الى مارسيل خليفة، للعشاء في منطقة (سان كلو)… قلتُ لهدى: يا الله نمشي، قالت: دقائق، منتظرة بالتلفون نتائج الفحوصات الطبيّة، وأنا لم أدخن منذ ثلاثة أيام، جاءت النتائج، ان ليس ثمة خطر ما.. أخرجت هدى علبة السجائر، قائلة: «إذن نكفّي»..
j h j
البارحة شاهدت فيلم (أكل صلاة حب).. بدا لي ان البطلة الامريكية تقوم بالدور (جوليا روبرتس) الباحثة عن المغامرة والخلاص خارج النموذج الأمريكي وإكراهاته الأنيقة وروتينه المحكم، بدا، أن المحطة الايطالية، أكثر إقناعاً حيث تعيش الحياة التلقائية في روما من غير تكلف وبحميمية ساحرة كسحر الطعام الايطالي. تعيش نوعاً من النشوة، وهي تتأمل وتعيد صياغة حياتها على ضوء حريتها الخاصة النازعة الى رؤية جمالية الى العالم..
يذكّر الفيلم في محطته هذه وليس في المحطتين الآسيويتين (الهند وبالي)، بفيلم ايطالي شاهدته منذ ما يربو على الربع قرن من الزمان وكأنه بالأمس (معكرونيا) اسمه، حيث الصداقة الحميمية العميقة، بين شخصين، ايطالي (ماتشيلو ماستورياني) وأمريكي (جاك ليمون) تربطهما أثناء الحرب العالميّة الثانية حين كان الأمريكي جندياً في الجيش أثناء تلك الحرب المعروفة، تنتهي الحرب بأهوالها ومجازرها المروعة، يعود الأمريكي الى وطنه.. بعد عقود يعود الى ايطاليا ككادر أساسي في شركة تجارية، يشاهده الايطالي على شاشة التلفاز، وعلى الفور يمضي إليه في فندقه الفخم، وبعد ارتباك وحيرة ونسيان، تنفتح حكاية الفيلم، فضاء ايطاليا في تلك الفترة الحرجة، الصداقة والحب القديم لأخت الايطالي التي كبرت وظنها ابنتها التي تشبهها… الخ، بجانب تلك المباراة المدهشة، في اداء ممثلين كبيرين في عفويّة الأداء الايطالي العميق والتمثيل الاحترافي الامريكي، الفيلم لواحد من أكبر مخرجي ايطاليا (إيتوري اسكولا) اذا لم تخني الذاكرة.. واحد من علامات السينما في هذا المنحى من الأفلام..
فيلم (أكل صلاة حب) عن رواية الكاتبة (اليزابيث جيلبرت) التي لاقت نجاحاً جماهيريا على طريقة (البيست سلر) ربما من الظلم مقارنته بتحفة اسكولا، لكن تداعيات الذاكرة ايطالياً وآسيوياً، بما اني على هذه الأرض الشاسعة.
أشرت الى المحطة الايطالية المقنعة التي يميزها في الفيلم (الأكل) كبعد حميمي جسدي وروحي، أما المحطتان الآسيويتان، الهند وبالي في اندونيسيا. حيث تعتنق الديانة الهندوسية في سباق بحثها عن الخلاص في الهند، وتضيف إليها (الحب) في جزيرة بالي، الحب من الرجل الذي تلتقيه صدفة في الجزيرة التي معظم سكانها من الهندوس، على عكس اندونيسيا كلها، يقوم بالدور الممثل الاسباني الذي قام بدور البطولة في رواية ماركيز (الحب في زمن الكوليرا)، وهو هنا باهت الأداء..
هذان الجزآن أو المحطتان ليستا مقنعتين وتتسمان بتلك الفبركة الفلكلورية، في النظرة الاستشراقية للوعي الغربي، تجاه الشرق الأقصى وغيره، ديانةً وبشراً وتاريخاً، وهذه المسألة المتشعبة ترتبط بالطبع بتاريخ طويل وعميق الجذور المأساوية والمسارات في نظرة الغرب الأمريكي الاستشراقية تجاه (الآخر) وان تقنّعت بأقنعة الإثارة والإعجاب ووهم البحث عن خلاص.
j h j
ما الذي يبعثه فيك
سحرُ النظرة لامرأةٍ
تجر حقيبتها في المطار على وشك الرحيل؟
– مشاعر مضطربة ومتناقضة بجمال مجروح
منها العودة الى المكان نفسه، الحلم
والمتاه…
j h j
نزار قبّاني الشاعر الشهير في لغة الضاد خاصة، والمنتمي الى البرجوازية الوطنية السورية العريقة صاحبة الذوق والتقاليد والثقافة، زار عُمان.. التقيته في عشاء (بفندق الهوليداي ان) الذي كان ينزل فيه، أخذ الحديث المتشعب مداه، وكان مع الجميع لطيفاً ودمثاً ومتواضعاً.. كان في الجلسة الأديب أحمد الفلاحي، الذي فاجأه انه يعرف عنه أكثر مما يتذكر ويعرف عن نفسه، من المقابلات والمواقف ذات الطابع الأدبي والسياسي، لدرجة أن (أبا توفيق) والكنية نفسها كان يُنادى بها المفكر الراحل إلياس مرقص- قباني فقد توفيق في وهج شبابه، وتلك لعمري قاصمة الظهر خاصة بالنسبة لشاعر- حين عاد الى لندن كتب رسالة، ضمنها إشارة الى (الفلاحي) بذاكرته الإرشيفية، وأضاف قباني، في الرسالة ان صاحبك (بطحني) أرضا حيث اني كنت قد نسيت الكثير مما يرويه ويعرفه عني.. ما زلت احتفظ بالرسالة التي وجدتها بمحض الصدفة ضمن أوراق مركونة في صندوق، في هذه الأيام التي أقرأ فيها الكتاب في ذكرى رحيل الشاعر… وفي نفس الجلسة، سأل الشاعر رسامة عمانية: لماذا هذا الغموض والتجريد الضبابي في اللوحة ولديكم كل هذا السطوع الشمسي، كل هذا التدفق الضوئي..؟ ما أتذكره من أبي توفيق رحمه الله، انه قال لي يا سيف، نحن لا نموت بسرعة، لأن حمولة المعاناة والألم نفرزها في الكتابة والتعبير.. بعدها بفترة ليست طويلة، دخل في غيبوبة المرض التي غادر بسببها، قبل أن يرى خراب سوريا التي يحب ويعشق، والذي لا يَرِد حتى في أقسى أحلام أعدائها وأعداء الانسان، حقداً وكراهية..
j h j
الكتابة في ضوء غروب العمر أو تحت الهاجس الملح للفناء والاضمحلال بسبب حدث كالشيخوخة أو المرض العضال «المشاعر التي لا اسم لها تمزقنا إرباً»، ينقل ادوارد سعيد في كتابه (الجديد عربيا) عن (دالمار) المتأثر بأدورنو كما هو سعيد الذي لا يترك مناسبة إلا ويفصح عن مشاعر الامتنان «لأستاذه» انها مسيرة الفكر الخلاّق بروافده ومنابعه التي تغني بعضها في النظر والتجربة.
«عن الأسلوب المتأخر» أسلوب الكارثة لأولئك الموسيقيين والأدباء الذين أبدعوا آثاراً عظيمة تحت وطأة تلك الشروط القاسية، واقتراب شبح الموت، كتب سعيد هذا الكتاب في فترة مرضه ليكون ذلك التماهي المأساوي بين المفكر ومادته، شخوصه ومراياه. وعلى ضغط الحالة الجسدية وآلامها لم ينزل المفكر العربي الامريكي، الى سيولة عاطفية، أو استحواذ لشكوى أليمة يمليها الظرف الجاثم، تحت وقع انهيار الجسد، بل ظل على منهجه الصارم، بمرجعياته الثرية قراءة وتقييماً.. كل شيء في سياقه وقيمته، رأيه السلبي في البير كامو ظل كما هو وأكثر.. أولئك الكبار الذين درسهم، وجد فيهم مرآة لذاته الصلبة أمام زحف هوام المرض والموت الوشيك.. بجانب عمقه القصي كتاب ممتع ويأخذك بسلاسة، ليس من غير عناء وكدح في القراءة، دائما الى غاباته الشاسعة، التي تشبه الغابات المطيرة في (بورنيو) المتاخمة لبحر الصين الجنوبي. ذلك الغنى المشترك في الظلال والفجوات، الشذرات والجذور الهرمة بأشجارها المعمرة الضاربة في أعماق الأرض والسماء، في الحياة والموت.. كلما تقطع مسافة في قراءة سعيد وأمثاله أو تجتاز مثيلها في تلك الغابات، تكتشف انك لم تغادر بعدُ عتبة الكتاب أو المكان.. هكذا الأعمال العظيمة عبر التاريخ البشري الذي لن يتبقى منه عداها ومقابر مبعثرة في أرجاء هذه الأرض الهرمة..
أشرتُ الى متعة القراءة والنزهة بين ضفاف هذا الكتاب، على رغم عوالم الموسيقيين المليئة بمصطلحات ومسميات تقنية تصعب على غير المتخصص أحياناً.. فسعيد هو أيضا ذلك الموسيقي نقداً وتنظيرا وممارسة المعروف في الاوساط الغربية.. أسارع في هذه (الشذرة) ان من جعل هذا الكتاب الصعب بمثل هذه المتعة والسلاسة في القراءة، هو المفكر اللبناني (فواز طرابلسي) أحد أصدقاء سعيد. وقد أخبرني ذات زيارة الى سلطنة عُمان، المستشرق الانجليزي الراحل (الفريد هوليدي) الذي كان يختلف مع سعيد حول نظرته الى الاستشراق، أنّ طرابلسي كان زميله في الدراسة في العاصمة البريطانية.. وطرابلسي أحد الحالمين الكبار من جيل الستينيات، بعالم عربي وانساني أفضل، وممن أفنوا طاقة شبابهم عملاً وكتابة للمساهمة في إخراج دنيا العرب من ظلمة القرون. وحين تطايرت أحلامهم هباء (أتمنى أن تكون الجملة غير صحيحة) واستحالت الى النقيض الظلامي والطائفي..
في هذا المناخ الكابوسي عكف فواز طرابلسي وأمثاله على الإبداع الفكري والأدبي والترجمة، عبر أدواته المعرفية المؤسسة جيداً. (أمل لا شفاء منه) و(جرنيكا…) مساءلته واستقصاؤه لأحوال السياسة والتاريخ والاجتماع بتجاوز أحوال الجماعات اللبنانية، الى الجزيرة العربية وغيرها..
«عن الأسلوب المتأخر» موسيقى وأدب ضد التيار، ضد تيار المرض والموت وتيار الحياة الأمريكية العربية والبشرية عامة السائد والكاسح… محاولة خلاقة «لترميم حياة خربة» حسب ادورنو، الذي يستلهمه المفكر الفلسطيني مع جرامشي لكن ليس من غير نقد وتمحيص وابتكار.
وهو أيضا (الكتاب) عن أولئك النفر من الاستثنائيين على نمط اسلوب الكارثة، من غير أن يتقدم بهم العمر أو يداهمهم مرض خطير، وانما إلحاح مأساة الوجود في ماهيتها وجذرها التكويني الرئيس، مثل (موتزارت) الذي يقول:
«بما أن الموت هو الغاية الحقيقية لوجودنا، فقد عقدتُ منذ سنواتي الأولى علاقات حميمة مع أفضل وأوثق صديق للبشرية، بحيث لم تعد صورته تخيفني بل باتت مهدئة ومواسية.. الموت هو المفتاح الذي يفتح الباب لسعادتنا الحقة، لست أخلد الى النوم كل ليلة دون أن أفكر وأنا لا أزال شاباً، بأني لن أعيش لأشاهد يوماً آخر».

شاهد أيضاً

تنويعات على مأساة واحدة

أسئلة التجديد والتقليد، هذه الثنائية التي وصلت حدّ النمط والتكرار، معطوفة على ثنائيات طبعتْ مناخ …