أخبار عاجلة

فاطمة الزهراء بنيس فـي «لوعة الهروب» و«بين ذراعي قمر»

عناوين دواوين الشاعرة فاطمة الزهراء بنيس تلمح لغنائية شفافة ورومانسية تأخذ من وجع القلب ما يقرأ كتاب الواقع المفتوح على الكائنات،ومصاحبة اللغة في عبورها نحو مهاوي المجهول والغبطة والافتتان.فلوعة الهروب،الهروب هو امتحان الذاكرة لتعيد قراءة الذات،في حين بين ذراعي قمر يحيل رمزيا ودلاليا أن الشاعرة ضاقت بما هو أرضي،واقعي،لتهاجر إلى ماهو سماوي حُلمي.إنها نشدان حُرية تجد فيها القصيدة كما الذات تماما بعض خلاصها وهي المنذورة لهواء المخيلة وحنين الطفولة.
     توحي بوصلة العين والذاكرة إلى الهروب كفعل احتمائي وليس انهزامي،وهذا الهروب يشتد لوعة بمراراته وقلقه ليأتي عنوان الديوان(بين ذراعي قمر)ليعمق الانتساب إلى ماهو علوي سماوي،مبتعدة عن ماهو هو سفلي أرضي.في العلو تعثر الذات كما القصيدة على شهوتها وغبطتها وفتنتها مبتهجة بانفصالها.في العلو معراج القصيدة والذات لتأسيس زمنها الشعري والوجودي في آن معا.
     لمصاحبة القصيدة في سفرها اللانهائي تعلن اللغة عن
     إن دال العنوان لا يمكن أن يقرأ كعتبة إلا في سياق تجربة الذات مع القصيدة
     معمدة بانتشاء الطفولة،وإقامة القصيدة في جغرافية الداخل،وجوانية الذات الشاعرة،تجعل اللغة متوثبة،مشتعلة،مكثفة وغنية تؤسس تعالقها مع الكائنات والعالم.
    إنِّي ضقتُ ذرعاً بحصاري
تمرَّدي….
واحذفي بعيائي فصل الرَّتابة
هذا الربيع…
أنفاسي يداعبها وتر الكتابة
ألهذا أهيم بلا قرارْ
أقذفُ بماضيَ إلى غموض الحاضر
أهوى الفرارْ
أركض بحجَّة الشعر وراء المجهول
أضيءُ رماديَ بنارٍ
تبدو لي البداية
وربَّما تكون نهاية
هذا الربيع…
يغريني بحر الكتابة
إنِّي أعترف بغرقي
وسأعترف بكلِّ تموُّجاتي
وما اقترف القلب من الفراغ
ليس من حق النائمين محاكمتي
مادام النور رفيقي
فالربيع رمزيا ودلاليا معروف بالتجدد والخصوبة والولادة المستمرة والديمومة في العطاء،لكن الكتابة بدورها لها خريفها،ولا تنفع معها الأسمدة المستوردة حتى يأتي ربيعها طريا،نقيا،نيئا،طازجا لتشعر الذات بلذتها ونشوتها العارمة في ممارسة الكتابة،بما هي فعل يروي عطش الداخل،وصحراء الروح والقلب في آنٍ معًا بماء اللغة ومطر المعنى.
بهذا الكتابة في عمق كينونتها مقاومة للجفاف وتصحر الأنفاس.هي ليست بديلا عن خصوبة محتملة فقط،بل دليلا للاستمرار في عشق الحياة.والدليل ليس بمفهومه المتداول على ألسنة العامة،ولكنه الدليل الذي تستهدي به اليد لتأوي لجنة البياض كي تخذه بيتا وخيمة،ولما لا غيمة تجدد حياة كائناتها ومخلوقاتها وشخوصها التي تتحرك في منجزها النصي.
وكأنها تنخرط بقصيدتها في سؤال شعري ميتافيزيقي وجودي يحيل على تمثلات الوعي بما تفعله الممارسة النصية في احتضان الكائنات.قدر الشاعرة أن تهب نفسها وروحها وأنفاسها لحدوسات القصيدة بحرائقها وفيضاناتها وفيوضاتها أيضا،أليس فيض الذات الشاعرة ومطر الذكريات هو ما يؤسس الحوارية.
هذا الربيع…
تحوم حولي عصافير الكتابة
إنَّها اللَّذةٌ تنبعثُ لترويَ هذا الجفاف
فارْقصي قليلا
وغنّْي كثيرا
واعبريني بِلُطفٍ
لِنرتِّل معاً نشيدَ الملامة
هذا الربيع…
تُرهقني أسئلةُ الكتابة
من أين تُشْرق هذي الكلمات
المعتَّقةُ بالصَّعب والمحال ؟
كيف تقنصني هذي الأفكار
المهروِلة بي نحو الجنون ؟
لماذا أخيَّرُ…
مابين الغوص في التَّفاصيل المملَّة
والوعي بجمر المتاهة ؟
والانتساب للقصيدة هو مايؤسس لثقافة الانتصار للغة الإبداعية،إذ كينونة المبدعة في عمقها الأنطولوجي الصرف تعيش باللغة،وتكتب بها وتتنفسها أيضا.
فاتركوا لي شيئا من المساحة
كي لا يهجرني هذا الحنين
دعوني أتنفَّسُ الشِّعر
و أقدِّسُ رائحة الوَرد
و أحيي هذا الحلم
رغم أنين المسافة
هذا الربيع
تأسرني عيون الكتابة .
هنا تنمحي الحدود بين الذات المنتجة للخطاب الشعري،وبين النص الذي تخلقه اليد بارتعاشاتها المستمرة مع البياض،البياض بما هو دخول في عتبات المحو والنسيان،قبل أن تغربله الذاكرة في بهو المخيلة.هكذا تختفي التخوم المحتملة بين القصيدة والجسد،وتصبح اللغة مرآة الروح،والروح بوابة اللغة.
أنا التي الآنَ يُنقِّطُ الوردُ حروفي
أنا المفتونة
بالشِّعر أكشف عن توقُّداتي
أنا التائهة في تأمُّلاتي
باسم الحب
أبايعُ لوعة الهروب
وخلافا لجلادي
أمنحُ جسدي
وطنا لكل الطيور.
إن الكتابة في ديوان(لوعة الهروب) تأثيث لطفولة الفرح الشعري في مواجهة الحصار التي تعاني منه الذات الشاعرة وهي تستهدي بالكتابة ملاذا ودفئا رحيما.الكتابة بما هي تجربة إبداعية تتخذ من اللغة الشعرية جسرا هاما للعبور لذاكرة المتلقي،حيث تهدف الشاعرة للانخراط في قصيدة مشاكسة،مقاومة،شرسة، لتخلخل الكائنات وتعيد ترتيب الأشياء وفق منظور فوضاها الأنيقة،ورؤيتها الغارقة في امتلاك عشق الكتابة عبر الذاكرة الإسترجاعية التي تشحذها المخيلة بوعي إبداعي يقول شعريته وجماليته وصوته الخاص وكأنها وفية لمقولة كافكا(الكتابة ضرب من الصلاة) بهذا المعنى ،لا تصبح الكتابة متعة وخلوة بقدر ما هي طقوس وكشف وانكشاف واستكشاف بحس شفيف وحدوسات مهيأة للإقامة جنوب القلب أو شمال الروح لافرق.
القصائد مقتطفة من ديوان (لوعة الهروب) للشاعرة فاطمة الزهراء بنيس.
 
أحمــد الدمنــاتي
شاعر وناقد من المغرب

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …