أخبار عاجلة

فالس الوداع

-1-

يطل فصل الخريف وتصطبغ الأشجار بالأصفر والأحمر والبني، وتبدو مدينة المياه الصغيرة ، بواديها الجميل ، مطوقة بحريق ، تحت القناطر تغدو بعض النسوة ويرحن ثم يعرجن صوب ينابيع المياه . نساء عاجزات عن الانجاب يحدوهن أمل العثور في هذه المياه المعدنية على الخصوبة .

الرجال هنا أقل بكثير من المستمرات ، ومع ذلك فهم موجودون . يبدو أن المياه فضلا عن مزاياها التناسلية تداوي القلب ورغم كل ذلك فإن ثمة مقابلا كل مستحر ذكر تسعة نساء، وهذا ما يغضب الشابة العذراء التي تعمل هنا كممرضة وتعني بمسبح السيدات اللواتي يأتين لمعالجة عقمهن .

هنا ولدت "روتسينا" وهنا تعيش مع أبيها وأمها. ألن يتسنى لها أبدا أن تهرب من هذا المكان ؟ ومن هذا الازدحام النسوي الفظيع ؟ اليوم الاثنين ووقت العمل يدنو من نهايته . ليس هنا ك سوى بضع نساء بدينات ينبغي لفهن في غطاء وتمديدهن على سرير النوم ، ومسح وجوههن والابتسام لهن .

"إذن ستهاتفينه ؟ " سألتها زميلتاها ،وكانت احداهما امرأة سمينة في الأربعين والأخرى نحيفة وأصغر منها سنا. – "ولم لا ؟قالت "روتسينا".

– "هيا ! لا تخافي ! قالت الأربعينية ، ثم قادتها خلف حجرات الثياب حيث تتوافر الممرضات على خزانة ومنضدة وهاتف .

– عليك أن تتصلي به في بيته ، قالت النحيفة بخبث ، وانفجرن ضاحكات .

– أعرف رقم هاتف المسرح فقط ، قالت "روتسينا" عندما خف الضحك .

-2-

كانت المكالمة مرعبة ، فما إن بلغه صوت "روتسينا" عبر الهاتف حتى أصيب بالذعر.

كانت النساء يخفنه دائما ومع ذلك لم تكن أية واحدة منهن تصدقه ولم يكن يرين في هذا الاثبات سوى مزحة متقنة .

– كيف حالك ؟ سألها.

– بخير ، أجابت .

– ماذا جرى؟

– أريد أن أكلمك ، قالت بصوت شجي.

كان ينتظر هذه النبرة الحزينة بهلع منذ سنوات .

– ماذا تقولين ؟ سألها بصوت مخنوق . فأردفت :

-أريد أن أحدثك في أمر هام .

– ماذا يحدث ؟

– شيء ما يعنينا نحن الاثنين .

كان عاجزا عن الكلام . وبعد برهة قصيرة أعاد السؤال :

– ماذا يحدث ؟

– لقد تأخر الطمث بستة أسابيع .

قال وهو يبذل ما في وسعه كي يتمالك نفسه:

– هذا أمر عادي ، قد يحدث ذلك أحيانا دون أن يعني أي

شيء.

– كلا ، هذه المرة الأمر يختلف .

– هذا مستحيل ، مستحيل ، مهما يكن فالذنب ، ليس ذنبي.

شعرت بالاهانة ثم قالت :

– من تحسبني ، أرجوك ؟

كان يحاذر أن يغيظها ، وفجأة انتابه خوف عارم :

– أنا لا أريد أن أسي ء اليك ، أقول فقط إن ذلك لا يمكن أن

يحدث معي، ولا داعي للخوف ، يستحيل بتاتا أن يحدث ذلك فيزيولوجيا.

– في هذه الحالة لا جدوى من محادثتك ، قالت وقد تنامى

احساسها بالاهانة . اسمح لي إن كنت قد أزعجتك . كان متوجسا من أن تقطع المكالمة :

– كلا أبدا حسنا فعلت ! سأساعدك بكل سرور ، هذا أمر

مؤكد بالامكان تسوية كل شي .

– ماذا تعني بالتسوية ؟

شعر بالضيق . ولم يجرؤ عل تسمية الأشياء بأسمائها:

_ طيب … أجل … بإمكاننا أن نتفاهم .

– أعرف قصدك ، لكن لا تعول على ذلك ، انس هذه

الفكرة . حتى وان كان علي أن أخرب حياتي فإنني لن أفعل ذلك .

شله الفزع من جديد ، غير أنه هذه المرة شن هجومه في

خجل :

– إذن ، لماذا تهاتفينني ما دمت لا ترغبين في التحدث الي :

هل تريدين أن نتناقش الأمر أم إنك اتخذت القرار سلفا؟

– نعم أريد ذلك .

– سآتي لزيارتك .

-متي .

– سأخطرك .

– طيب

– إذن الى اللقاء.

– الى اللقاء .

وضع السماعة وعاد الى القاعة الصغيرة حيث كانت

فرقته الموسيقية في انتظاره .

– أيها السادة ، لقد انتهى التدريب ،لا أستطيع المزيد.

-3-

عندما وضعت السماعة كان وجهها قد احمر غضبا.

أغاظها أن يتلقي «كليما» النبأ بتلك الطريقة . ثم إنها كأنت مستاءة منذ أمد طويل .قبل شهرين تعرف الى بعضهما حين زار نافخ البوق الشهير مدينة المياه مع فرقته . بمد الحفل الموسيقي أقيمت سهرة قاصفة دعيت لحضورها، فاختارها نافخ البوق من بين الأخريات وقضى الليل معها.  ومنذ ذلك الحين لم يظهر له اثر زكانت قد بعثت اليه ببطاقتين بريديتين وبعض التحيات، من غير أن تتلقى منه أي جواب. وذات يوم مرت بالعاصمة وهاتفته في المسرح حيث كان حسب عملها يتمرن مع فرقته فدعاها الشخص الذي أجابها للتعارف، ثم قال أنه سيذهب للبحث عن "كليما" . ولدى عودته بعد لحظات أخبرها بأن التمرين قد انتهى وأن نافخ البوق قد ذهب .وجال بخاطرها انه يريد صرفها بهذه الطريقة وحم بها غم قاس وخشيت انذاك من ان تكون حاملا.

  "يزعم أن ذلك يستحيل حدوثه فيزيولوجيا ! رائع، مستحيل فيزيولوجيا !ترى ماذا سيفعل حين يولد الصغير!"

كانت زميلتاها تؤيدانها بحرارة . يوم أخبرتهما، في القاعة المشبعة بالبخار، بدنها قضت ليلة البارحة بضع ساعات تفوق الوصف مع نافخ البوق الشهير، سرعان ما تحول الرجل الى ممدوح لدى كل زميلاتها. كان طيفا يرافقهن الى القاعة التي يتعاقبن عليها، وما إن يذكر اسمه في مكان ما حتى يضحكن خفية كما لو كان الأمر يتعلق بشخص يعرفنه معرفة شخصية . وحينما علمن بأن "روتسينا" حامل اجتاحهن حبور غريب ، لأنه أضحى حاضرا بدنيا في أحشاء الممرضة .

-4-

في أثناء المكالمة تذكر "كليما" أنه كان ينتظر هذا الخبر المروع منذ مدة طويلة . أكيد أنه لم يكن لديه سبب معقول يدفعه الى التفكير في أنه أحبل "روتسينا" في تلك الليلة المشؤومة (كان على العكس من ذلك موقنا من أنه متهم ظلما) لكنه لان يترقب نبأ من هذا النوع منذ سنوات ، وقبل أن يتعرف الى "روتسينا" بكثير.

كان في سن الواحدة والعشرين عندما بدا لشقراء تولهت به أن تتظاهر بالحمل لكي تجبره على الزواج . فقضى أسابيع قاسية انتابه خلالها مغص في المعدة ألزمه الفراش . ومنذ ذلك الحين صار يدرك أن الحمل حادث يمكن أن ينبثق من كل مكان وفي كل زمان ، حادث يستحيل اتقاؤه ، يعلن عن وقوعه صوت شجي عبر الهاتف ( نعم ، هذه المرة أيضا أخطرته الشقراء بالنبأ المشؤوم عبر الهاتف ). ونجم عن حادث الواحدة والعشرين أنه أصبح فيما بعد يقترب من النساء بنوع من الهلع لم وبحماس قوي رغم كل شيء) ويتوقع بعد كل موعد غرامي عواقب وخيمة . كان يقنع نفسه عبثا بأن حيطته المرضية لا يمكن أن توقعه في الطامة إلا بنسبة لا تتجاوز مليما في المئة ، وحتى هذا المليم كان يبعث فيه الذعر.

مرة استهوته سهرة إباحية فهاتف امرأة شابتا لم يرها منذ شهرين ولما تعرفت على صوته صرخت " يا إلهي ، هذا أنت ! كنت انتظر هاتفك بفارغ الصبر! لقد كنت في أمس الحاجة الى هاتفك !". كانت تقول ذلك بلجاجة وتفخيم فاعتصر الهلع المعهود قلب "كليما" وأحس بأن اللحظة المرتقبة قد أزفت الآن . ولأنه كان يريد أن يعجل بمواجهة الحقيقة فقد لاذ بالهجوم :

– ولماذا تقولين هذا بهذه النبرة الحزينة ؟

– بالأمس توفيت أمي. أجابت المرأة فشعر بارتياح وهو

يعلم أنه لن يفلت ، بأي حال من الأحوال ، من ذلك الشؤم الذي يخشاه .

-5-

"كفى . ماذا يعني هذا؟" قال الطبال ، فعاد "كليما" الى رشده . كان يرى حوله وجوه موسيقييه المهمومة فشرح لهم ما حدث . ووضع الرجال آلاتهم الموسيقية وفكروا في تقديم النصح له .

كانت النصيحة الأولى متشددة ، إذ قال العازف على القيثارة ، وكان في الثامنة عشرة ، إن امرأة مثل هاته التي هاتفت قائدهم يجب أن تنبذ. "قل لها أن تفعل ما تشاء. الطفل ليس طفلك وأنت لا علاقة لك إطلاقا بما حدث . وإذا ألحت فإن فحص الدم سيبين من هو الأب .

نبهه "كليما" الى أن الفحوص الدمرية لا تؤكد شيئا وفي هذه الحالة ستنتصر اتهامات المرأة .

قال القيثاري لن يكون هناك فحص على الاطلاق .وبذلك ستعمل المرأة المزجورة على تلافي كل المساعي اللامجدية ، وعندما ستدرك أن الرجل الذي تتهمه ليس ضعيف الارادة ستتخلص من الطفل على نفقتها الخاصة .

"وإذا ما احتفظت به فإننا سنمني جميعا، كل موسيقيي الفرقة ، لنشهد أمام المحكمة بأننا كنا فجامعها كلنا في ذلك الوقت . فليبحثوا عن الأب بيننا!".

غير أن ،"كليما" أجابه قائلا: "أنا موقن بأنكم ستفعلون ذلك من أجلي . لكن في انتظار ذلك سأكون قد أصبت بالجنون من شدة الشك والرعب . في مثل هذه الأمور أنا أجبن الرجال تحت الشمس ، وأنا في حاجة الى التأكد قبل كل شيء".

كان الجميع يشاطره الرأي. وكانت فكرة القيثاري جيدة في العمق إلا أنها لم ترض الجميع . خاصة وأنها لم تكن تناسب رجلا ليست له أعصاب من فولاذ. كما أنها لا تليق برجل شهير وثري يستحق أن اعلقي امرأة بنفسها في غمار محاولة محفوفة بالمخاطر. وأجمر الكل على أنه عوض صد المرأة بفظاظة ينبغي إقناعها حتى تقبل بالاجهاض . لكن ما هي البراهين التي يلزم اعتمادها. ثمة ثلاث فرضيات أساسية :

أولاها تستحضر قلب المرأة الرحيم : سيتحدث "كليما" الى الممرضة كما لو أنه يحدث أفضل صديقاته . سيبوح لها بما في قلبه بصدق تام .سيقول لها إن زوجته كانت مريضة وفي حالة خطرة ، وقد تموت إذا علمت بأن لزوجها طفلا من امرأة أخرى. وانه غير قادر عل تحمل وضعية كهذه لا أخلاقيا ولا عصبيا. ثم يتوسل اليها أن تصفح عنه .

بيد أن هذه الوسيلة كانت تصطدم باعتراض مبدئي. إذ لا يمكن بناء استراتيجية بأكملها حول أمر ملتبس وغير مؤكد مثل طيبة  روح الممرضة . كان ينبغي توافر قلب طيب ورؤوف بحق حتى لا تنقلب الخطة ضد "كليما" ستظهر بمظهر عدواني حاد وتشعر بأنها مهانة من جراء هذا الافراط في الاحترام الذي يبديه الأب المصطفى لطفلها حيال امرأة أخرى.

أما الطريقة الثانية فقد كانت تعقد الأمل على رشاد المرأة : سيحاول "كليما" أن يفهمها بأنه لم يكن واثقا من أن الطفل طفله . فهو لم يكن يعرف المرأة إلا من خلال لقاء واحد، ولا يعرف أي شي ؟ عنها. من كانت تعاشر غيره ؟ لم تكن لديه أية فكرة عن ذلك . وهذا لا يعني أنه كان يشك بأنها ترغب في خداعه قصدا، لكنها لم تكن قادرة على أن تثبت له بأنها لا تعاشر رجالا آخرين ! وكيف لها إذا ما أكدت له ذلك أن تبرهن على صحة ما تقول ؟ هل يستطيع "كليما" أن يتخل عن زوجته من أجل طفل لا يعرف إن كان حقا طفله ؟ وهل تقبل "روتسينا" بطفل لن يتاح له أبدا أن يعرف من هو أبوه :

وهكذا اتضح لهم أن هذه الخطة هي الأخرى مشكوك في أمرها: فقد نبهه عازف الكونترباس (الذي كان أكبرهم سنا) إلى أنه من السذاجة بمكان الاعتماد على رشاد المرأة أو الاتكال على رحمتها. سيحقق منطق البرهنة هدفا مفتوحا، فيما سيضطرب قلب المرأة إذا ما رفض المحبوب تصديق إخلاصها، مما سيحثها على التمسك ، بصلابة ، وبعناد دامع ، بتأكيداتها ونواياها.

وكانت هناك أيضا إمكانية ثالثة : سيقسم " كليما" لام الطفل بأنه أحبها ومازال يحبها. أما عن احتمال أن يكون الطفل من شخص آخر فإنه لن يشير اليه بتاتا. سيغمرها بالثقة والحب والحنان . سيمدها بكل شيء حتى بالطلاق . سيرسم لها مستقبلهما البهي. وسير جوها ، باسم هذا المستقبل ، أن تضع حدا للحمل . سيقنعها بأن ولادة الطفل سابقة لأوانها وستحرمهما من أجمل سنوات الحب الأولى .

كان ينقص هذا الاستدلال ما يوجد بوفرة في سابقه : المنطق . كيف يكون "كيما" مغرما بالممرضة الى هذا الحد وقد تحاشدها طوال شهرين . غير أن عازف الكونترباس أكد له بأن العشاق يتصرفون دائما بطريقة لا منطقية وأنه ليس هناك ما هو أبسط من شرح ذلك للمرأة بشكل أو باخر.

أخيرا اقتنع الجميع بأنه من المحتمل أن تكون الخطة الثالثة أقوى فعالية ، لأنها تستند الى مشاعر المرأة الغرامية وهي اليقين النسبي الوحيد في الظروف الواهنة .

-6-

خرجوا من المسرح وتفرقوا عند زاوية الشارع ، لكن القيثاري رافق "كليما، حتى الباب . كان هو الوحيد الذي عارض المخطط المقترح .كان يبدو لمه غير لائق بقائد يجله : "إذا ذهبت للقاء امرأة ، تسلح بسوط !" قال مستشهدا بـ "نيتشه " الذي لم يكن يعرف من أعماله الكاملة سوى هذه العبارة اليتيمة.

– يا صغيري ، قال "كليما" متأوها، هي التي تمسك بالسوط.

اقترح القيثاري على " كليما" أن يرافقه في السيارة الى مدينة المياه ،  ليجتذب المرأة الى الطريق ويسحقها.

" لن يشك أحد في أنها ألقت بنفسها تحت عجلاتي" .

كان القيثاري أصفر موسيقي في الفرقة وكان يكن الود

لـ"كليما" الذي تأثر بكلماته فقال له : "أنت لطيف جدا".

كانت وجنتا القيثاري حمراوين حين طرح مخططه بالتفصيل .

– أنت لطيف جدا، لكن ذلك غير همكن ، قال "كليما" .

– لماذا تتردد؟ إنها امرأة قذرة !

– أنت حقا لطيف جدا، لكن هذا غير ممكن قال "كليما" وهو يودع القيثاري.

عندما بقي وحده أخذ يفكر في ألاقتراح الذي عرضه الموسيقي الشاب وفي الأسباب التي دفعته الى رفضه . لا لأنه كان أكثر تسامحا من القيثاري بل لأنه كان أقل شجاعة منه . كان خوفه من أن يتهم بالاشتراك في الجريمة أقوى من تهيبه هن أن يعلن أبا. كان يرى السيارة تدوس "روتسينا" ويرى "روتسينا" ممددة على الأرض وسط بركة من الدم ، فاحس بارتياح عابر غمره بالفرحة . لكنه كان يدرك أنه لا جدوى من الانصياع لسرابات الأوهام . وكان الآن أسير قلق جسيم . كان يفكر في زوجته . يا الهي ، غدا تحل ذكرى محيد ميلادها.

كانت المسامحة تشير الى السادسة إلا بضع دقائق ، والمتاجر تقفل أبوابها في السادسة . فهرع الى دكان الزهور كي يشتري باقة كبيرة من الورود. يا لها من سهرة شاقة تنتظره ! كان عليه أن يتظاهر بالتقرب منها بقلبه وفكره،وأن يكرس وقته لها، وأن يبدو حنونا عليها، وأن يضاحكها، دون أن يكف في غضون ذلك عن التفكير في البطن البعيد. سيبذل قصارى جهده لينطق بالكلمات الحلوة ، غير أن ذهنه سيكون شاردا ، سجين الخلية الغامضة التي ترقد في تلك الاحشاء الغريبة .

كان يعرف جيدا أنه سيشق عليه أن يقضي عيد الميلاد في البيت فقرر أن يعجل بالذهاب لرؤية "روتسينا".

لكن هذه الامكانية هي الأخرى لم تكن مفرحة . كانت مدينة المياه الواقعة بين الجبال تبدو له كصحراء . لم يكن يعرف فيها أحدا . باستثناء ذلك المستحر الامريكي الذي كان يتصوف كثري برجوازي من العصور القديمة وكان قد أقدم بعد انتهاء الحفل الموسيقي على دعوة الفرقة بأكملها الى شقته بأحد الفنادق وأكرههم بالخمور الرفيعة والنساء المنشيات هن بين موظفات الحمة ، مما جعله مسؤولا، بطريقة غير مباشرة ، عما حدث بين "روتسينا " و"كليما" والأهم من ذلك أن هذا الرجل ، الذي أحاطه بعطف شامل ، لا يزال يعيش في مدينة المياه ! وهكذا تشبث "كيما" بصورته كما يتشبث الغريق بخشبة خلاص ، لأنه لا ضير في مثل هذه اللحظات التي كان يجتازها من أن يحتاج المرء الى تفهم ودي يبديه شخص آخر.

عاد الى المسرح ووقفا في حجرة الحارس وطلب الهاتف الرابط بين المدن. وبعد لحظات بلغه صوت "روتسينا" عبر السماعة . قال لها إنه سيأتي لزيارتها غدا، ولم يشر بكلمة الى الخبر المذي كانت قد زفته اليه قبل ساعات . كان يحدثها

كما لو كانا عاشقين لا مباليين ، ثم سألها في مجرى الحديث :

– أما زال الأمريكي يعيش هناك ؟

– نعم . قالت "روتسينا"

شعر بارتياح ، وردد بنبرة مرحة أنه سيسر برؤيتها ثم

سألها:

– ماذا ترتدين ؟

– لماذا ؟

كان يستعمل هذه الخدعة بنجاح في دعاباته الهاتفية منذ سنوات : "أريد أن أعرف ما الذي ترتدينه في هذه اللحظة . أود لو أستطيع أن أتخيلك ".

– أنا أرتدي فستانا أحمر.

– الأحمر يواتيك تماما.

– ممكن .

– وماذا تحت الفستان .

ضحكت .

أجل فقد كن يضحكن جميعهن عندما يطرح عليهن هذا

السؤال .

– ما لون تبانك ؟

– أحمر هو الآخر.

– يسرني أن أراك ترتدينه .

قال ذلك ثم ودعها. كان يعتقد أنه وجد النبرة الصائبة ، وأحس لبرهة بأنه على ما يرام . غيران ذلك لم يدم سوى لحظة خاطفة . بعدها أيقن أنه عاجز عن التفكير في شيء آخر غير "روتسينا" وأن عليه أن يختصر الى أدنى حد حديثه مع زوجته خلال السهرة . توقف أمام شباك قاعة سينمائية كانت تعرض فيلم ويسترن أمريكي واقتنى تذكرتين .

-8-

رغم أن جمالها كان يخفي مرضها، إلا أن "كاميلة كيما" كانت مريضة . وبسبب تدهور حالتها الصحية فقد كان عليها، قبل سنوات أن تتخل عن عملها كمغنية بعد أن قادها الى أحضان زوجها الحالي .

هذه المرأة الشابة الجميلة التي اعتادت أن تثير اعجاب الجميع ، سيعتليء رأسها على حين غرة برائحة فر هول المستشفى . وكان يبدو لها أن سلسلة من الجبال تفصل بين عالم زوجها وعامها هي. لذلك كان "كليما" حين يحدق ي وجهها الحزين يشعر بفؤاده يتمزق ويصد لها لم عبر سلسلة الجبال المختلفة لم يدين ودودتين . وكانت «كاميلة » تدرك أن في حزنها قوة كانت ترتاب في أمرها فيما مضى هي التي تجتذب ،"كليما" اليها، وتلينه وتجعله يذرف الدمع . وليس غريبا أن تشرع (في أغلب الأحيان وربما عن غير وعي) في أستعمال هذه الوسيلة التي اكتشفها فجاة. لأنها كانت تراه يحط ببصره على وجهها الأليم فتتأكد من أنه لا وجود لامرأة أخرى تزاحمها في بال زوجها.

 كانت هذه المرأة الحسناء تخش النساء حقا وتراهن في كل مكان وتعثر عليهن في كل مكان . كانت تجيد اكتشافهن في نبرة "كليما" عندها يلقي عليها تحية المساء لدى عودته الى البيت وفي رائحة ثيابه .

وقد وجدت مؤخرا قطعة ورق مقتلعة من إحدى الجرائد كتب عليها تاريخ محدد بخط يد "كليما" لعل الأمر يتعلق بحدث ما. بالاستعداد لحفل موسيقي، أو بموعد مع متعهد فني ، لكنها ظلت لمدة شهر كامل تتساءل من تكون هذه المرأة التي سيقابلها  "كيما" في ذلك اليوم الموعود، وهذا ما سبب لها أرقا حادا.

إذا كان عالم النساء الخادع يخيفها الى هذا الحد ، فهل كانت تجد بعضي الراحة في عالم الرجال ؟

بشق الأنفس ، لأن الغيرة تمتلك قدرة مدهشة على إضاءة الكائن الفرد بأشعة كثيفة وتحتفظ بالآخرين في ظلام تام .لذلك لم يكن تفكير السيدة "كليما" قادرا على اتباع وجهة أخرى غير وجهة هذه الأشعة الموجعة ، وأصبح زوجها هو الرجل الأوحد في المكون .

سمعت صرير المفتاح في ثقب الباب ورأت المبوق يحمل باقة ورد في بداية اعترافا نوع من الغبطة إلا أنها سرعان ما وقعت فريسة الشكوك : شاذا يجلب لها الزهور هذا المساء في حين أن عيد ميلادها غدا لا اليوم . ماذا يعني كل هذا ؟

ثم استقبلته قائلة : "ألن تكون هنا غدا؟".

-9-

أن يحمل إليها الورود في هذا المساء فذلك لا يعني بالضرورة أنه سيتغيب غدا. لمكن الحساسيات الحذرة ، اليقظة دوما، والغيورة باستمرار ، تعرف كيف تحرز مسبقا أدق نوديا الزور المكتومة . وكان "كليما" كلما لاحظ ظهور هذه الحساسات المرعبة ، التي تعتريه وتترصده وتفضحه ، استسلم للعمياء الموئس .كان يكره هذه الحساسيات ، وكان مقتنعا بأنها تتهدد زواجه. وأنه إذا اضطر للكذب على زوجته لم وفي هذه الحالمة كان وعيه يقظا بشكى عدواني) في ذلك إلا لأنه يريد أن يوفر عليها كل عناء ويجعلها في حمى من كل خيبة أمل ، وكان موقنا بأنها هي التي تسبب لنفسها الالم من شدة الشك .

انحنى على وجهها ليتبين ملامح الارتياب والحزن والكآبة ، وداهمته الرغبة في قذف باقة الورد أرضا، غير أنه تمالك نفسه أخيرا. كان يدرك أن عليه مستقبلا أن يتمالك نفسه في أشق اللحظات .

– هل يغيظك أن أجلب لك الزهور في هذا المساء؟

حين شعرت بالسخط يملأ صوته شكرته ومضت لتضع الماء في الارض .

– يا لهذه الاشتراكية المفلسة ! قال "كليما".

– لماذا؟

– يرغموننا على أن نعزف دائما بالمجان . مرة باسم النضال ضد الامبريالية ، ومرة لتخليد ذكرى الثورة ،ومرة لاحياء عيد ميلاد موظف سام، وعلي إذا أردت الحفاظ على الفرقة أن أقبل كل شيء . أنت لا تتصورين مدى الغضب الذي حل بي اليوم .

– لأي سبب ؟ قالت بدون اكتراث .

  – اثناء التدريب زارتنا رئيسة لجنة من المجلس البلدي وأخذت تشرح لنا ما ينبغي عزفه ، وأخيرا أرغمتنا على تنظيم حفل موسيقي بالمجان لفائدة اتحاد الشبيبة . والأسوأ من هذا أن علي أن أقضي نهار الغد في الاستماع الى المحاضرة المضحكة التي سيحدثوننا فيها عن دور الموسيقي في بناء الاشتراكية . نهار آخر سيضيع تماما! والمؤسف أنه يوم عيد ميلادك .

– لكنهم لن يحتجزوك حتى الليل !

– لا شك أن ذلك ما سيحدث . وبإمكانك منذ الآن أن تتصوري الحالة التي سأعود عليها ,الى المنزل ! لذلك ارتأيت أن بإمكاننا أن نقضي معا لحظة هادئة هذا المساء.

قال ذلك وهو يمسك بيدي زوجته .

– أنت لطيف .

قالت السيدة "كليما" فأدرك من خلال نبرة فسرتها أنها لا تصدق شيئا مما حكاه بصدد محاضرة الغد. ولم تكن السيدة "كيما" تجرؤ على مكاشفته بالحقيقة . كانت تعلم أن شكلها سيغضبه . إلا أن " كليما" لم يعند منذ وقت طويل يؤمن بسذاجة زوجته . وسواء أعان صادقا أم كاذبا فإنه كان يشك دائما بأنها تشك فيه . ومع ذلك فقد قضى الأمر وأضحى لزاما عليه أن يواصل اندفاحه متظاهرا بأنه يؤمن بأنها (بوجهها الحزين والجهول تصدق كلامه ،)وكانت تسأله عن محاضرة الغد لتبرهن له بأنها لا ترتاب في أمره.

بعد ذلك ذهبت الى المطبخ لمتعد العشاء. فوضعت كثيرا من الملح في الطعام . كانت دائما تطبخ جيدا وباستمتاع فائق (لم تفسدها الحياة ولم تفقد عادة الاهتمام ببيتها) وكان "كليما" يعلم أنه إذا كان طعام هذا المساء رديئا فما ذلك إلا لأنها كانت تتعذب . كان يتصورها وهي تلقي في الطعام قدرا كبيرا من الملح فينقبض قلبه . وبدا له أنه يتعرف من خلال اللقمات المالحة على مذاق دموع "كاميلة " وكان يبتلع ذنبه الخاص . كان يعلم أن "كاميلة تتعذب من الغيرة وأنها ستقضي ليلة أخرى مسهدة ، فرغب في ضمها واحتضانها ومراساتها، غير أنه سرعان ما أدرك لا جدوى من هذه الحركة المفتعلة ، لأن حساسيات ن رجته لن تجد في هذا الحنان سوى دليل قاطع على إحساسه بالخطأ. أخيرا، ذهبا الى السينما. ووجد "كليما" بعض التسلية في هذا الفيلم الذي كان بطله ينجو بيقين معد من مخاطر قاعة .كان يرى نفسه فيه ويقول في سره أحيانا إن اقناع  "روتسينا" بالاجهاض سيكون بمثابة تفاهة يقترفها في لحظة بفضل جماله وحسن طالعه .

ثم تمددا جنبا لجنب على السرير الكبير. كان ينظر اليها وهي تستلقي على ظهرها ورأسها منغرز في الوسادة ، وذقنها مرفوع قليلا وعيناها معلقتان في السقف . ومن خلال توتر جسدها الشديد (كان يذكره دائما بوتر آلة موسيقية ، فيقول لها إنها تملك "روح الوتر" ) رأى فجأة وفي برهة خاطفة خلاصة حياتها. أجل ، فقد كان يحدث له أحيانا (في بعض اللحظات الخارقة) أن يستوعب بغتة عبر حركاتها وتنقلاتها تاريخ جسدها وروحها بأجمعه . وكانت تلك لحظات استبصار مطلق وانفعال بالغ أيضا. لأن هذه المرأة أحبته عندما لم يكن ذا شأن وكانت على استعداد لتضحي بكلى شيء من أجله ، وكانت تفهم كلى أفكاره بشكل عشوائي، بحيث أنه كان يحدثها عن آرمسترونغ أو سترا فينسكي، عن الترهات وعن الأمور الخطرة … ثم تخيل هذا الجسد الفاتن وهذا الموجه البهي وقد لفهما الموت ، وقال لنفسه إنه لن يستطيع العيش بعدها يوما واحدا. وكان يعرف أن بإمكانه حمايتها، الى آخر نفس ، وأنه قادر على أن يضحي بحياته من أجلها.

بيد أن هذا الاحساس بالحب الخانق لم يكن سوى وميض باهت وعابر، لأن باله كان مغمورا عن آخره بالهلع والقلق . كان يسترخي بجوار "كاميلة " وهو يدرك أنه يحبها كثيرا،لكن ذهنه شارد كان يداعب وجهها كما لو أنه يفعل ذلك على بعد مسافة طويلة جدا.
تأليف: ميلان كونديرا
ترجمة: عزيز الحاكم (كاتب ومترجم من المغرب)

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …