أخبار عاجلة

فتنة السمر

يروي الأقوام أسطورة أجوبا على تعاقب الفصول، رووها في بلدات المملكة الشمالية الطالعة حيث أقام أحفاد نوبة ألوة وبقايا الأنج وفقراء القبائل العربية، من فضلوا العيش في نقاء عرقهم الصحراوي العتيق، وكذا بأقاصي حدود المملكة الشرقية، في بقاع قبائل البجة بلغاتها التبداوية البديعة وفي الغرب جهات جبال الفور وسهول الداجو والتنجر والرغاوة وبالصعيد الأعلى نواحي جبال موية واحراش الشلك ومسايل دار دينكا. في الشمال يروى انها كانت في السابعة والعشرين حيث طلعت مثل بدر ترقص بصحبة بناتها، نهيري ومدلونا وعشتي، كبرى بناتها عمرها خمس عشرة! ويروون إن اجوبا كانت روحين في جسد واحد فهي قديسة بتول ومومس فاجرة. يبدأ رجل سليل عائلة أنجية الحكاية بامرأة فاتنة، تنثني بجسدها ناحية كفلها حتى يلامس رأسها الأرض، ليتكم رأيتم ربلتيها القبلتين وعجيزتها وخصرها الدقيق، الضامر. مازال الناس أينما تتجه يحاولون السير على خطي رقصها، هيهات! فتلك رقصة فذة، لا رقص سابقها ولا تاليها. يقول الأنجي: رأيتم أولاد الهواريب، يمشون في دروبها، يحفزهم عمشهم القديم. بين ضلوعهم ترقد أفئدتهم الوجافة: زاخرة بالغناء،فاجرة، مضيئة، تواقة! ما اتفق الهواريب على أمر اتفاقهم على الغناء والرقص. يقف طابور فرقة المعازف التليدة؟ آلات الايقاع الكاشتية: توارثت الاجيال فن صناعتها طارفا عن تالد لأزيد من ألفي منة، من لدن كاشتا العظيم حتى أوسابيوس الخامس نحاسات يبلغ علوها قامة رجل وقطرها من الحافة الى الحافة، تسعة أذرع، مجلدة بجلد الزراف ومشدودة بحبال السعف المفتول جديلة فوق جديلة، ترق الآلات الشبتاكية حتى تغدو دفوفا دقيقة قطرها فتران أو ثلاثة تضرب بعيدان الورد التوتي. يقز غلام أسود، يسأل:

– مولانا، صاحب الأحاجي، قلت إن لديهم نايات قرون جاموس، ووازا، وربابات مجلدة بجلود قرود جبال دندرة؟

– أجل لديهم.

يقول الأنجي، قد اخذ بالحكي حتى كاد يشرق. ثم لما ذهبت الغصص صرخ في الغلام:

– أما تدعني أكمل؟ كمل عمرك يا سليل الهالكين! ويصرخ في القوم:

– يا ناس: هذا هو الكلام المؤدي بي الى التهلكة،كان وجهه مشرقا بنار السرد.رآه جمهوره تغمره المسرة حفيا إذ عادت الأوصاف والكنايات.

– الآن اسكتوا، اسكتوا. ويمضي يسرد: تصطف فرقتهم على مد البصر، تصطف من حدود سوبا الغربية الى ضفاف النيل الاخضر، حدثني جدي عن أبيه عن أبيه قال: وقف مغنيهم، مديد القامة، سمهري، عسلي البشرة، ناعمها، حديد البصر، سميعا. المغني يبتسم سعيدا إذ وقفت الفرقة متراصة صوب النهر، لا أول لها ولا آخر. غنى فكأنه حدا بأناشيد الغاب وتغاريد السهوب. والفرقة الموسيقية تصدح فيبلغ نداؤها الأقمار بل يسافر حتى منابع الضوء السحيقة فوق قمم الشموس وحذاء تخوم المجرات. يقاطعه الغلام الأسود ثانية، مكتظة عيناه بصفاء من تنزلت عليه ازمان سعادته الكبرى:

– موسيقى على مدى البصر! نظر اليه الانجي فأبصره تلفه الموسيقى، فطن الانجي لبهجة الطفل الدقاقة. قال:

– أي بني. موسيقى من هنا،

– قال يشير بسبابته.

– الى هناك. واشار باصبعه خلف أفق سوبا البعيد.

جمع الغلام الاسود أطرافه وقد علتها قشعريرة الموسيقى. لمس محبة الحكاه الانجي وداخ من توالي مسرتي الكلام والغناء، سكن مع جمهور الساكنين، مضى الأنجي يحكي: جاءت سوبا  بهواريبها، هل قلت هواريبها؟ كيف قلت ذلك؟ لأعيد القول: جاء أخوالي الأنج، وأعمامي القرقياب يشهدون رقصة أمنا أجوبا وبناتها. ظن بعضهم إنها رقصة الموت. والله رأوهن يتقافزن كالعصافير، يتسلقن الاثير، فشهدهن الألويون يرقصن في عرض الفضاء ثم يهبطن، تذهب خطاهن وتجيء بحساب دقيق، موزون محكوم، والعجيب ان الرقص كان ينظم موسيقاه من تلقائه. فتسمع وترى الرقص والموسيقى، يضجان سويا ويسكنان، ينفلتان فيعلوان ويهبطان ويرقان فتسكت الموسيقى وتهمد الحركة ثم ينبعثان من جديد فلكأنهما لا سكتا ولا همدا. ثم جاء الامراء مثلما حدثتكم تلك المرة، أمروا بالموسيقى فكممت أفواهها وبالرقص فقيدت سيقانه، ثم ارتدفوا النساء حتى قصورهم عند ضفاف المدينة. وحتى اليوم، ما ان يأتي الفيضان حتى يتدفق النهر جهة سوبا بالغناء القديم، نفى الوقع وذات الكلام، ما هو بتأليف بشر ولا هو بسحر شياطين. شيخ خاسة جبال الساحل، ستقول القبيلة، هو سليل الهواريب العمراب من ناحية أمه. سرق فتى يدعى عمران فتاة خاساوية من مراعي القبيلة الصيفية جهة اركوتات، وهي أراض سرعة في ظاهر عقيقا. عادت المرأة المسروقة تصطحبه بعد غياب طويل. هتفت مهددة:

– من يرشه باللبن أرشه بالدم! قالوا لها:

– ستجعلين منا مضغة في أفواه القبائل. شحذت خنجرها، قالت:

– المهم! ثم شهرت الخنجر، صاحت في وجوه أشقائها:

– ما عندي لكم غير هذا! سنة كاملة وهي متنمرة تذود عن عمران. كان عمران قد جاء بخبله القديم وصاحبته ظلت مفتونة بفحولته الطائشة. وفي لهفتهما المجنونة أنجبا في ثلاث سنوات دريس، وهمد وأكد. بعد سنوات تحصى القبيلة قطعانها فتلفي ثلثها قد ذهب. ينتشر الحب الهائج الذي جلبه عمران وصاحبته فوق القمم وفي الوديان وبين الشعاب وعند السفوح، صبايا وصبيان دون سن الرشد ساورتهم رعشات جسدية مبكرة، شيخات وشيوخ أتقياء شرعوا ينتشرن دون كلل عن وسائل لازالة الغضون وكبح العلل، زوجات وأزواج مصونون غدوا زائغي النظر، فالتي الهوى. بعدها رأوا أطفالا على مدى مضارب القبيلة موسومين بملامح سهلية، صخابة. كان المطر قد جاء غزيرا بطول شهور الصيف فزعموا انها نجوم الرجل الصحراوي زي الهمة السامية قد قلبت النواميس. ثم شهدوا الجرب يجتاح قطعان الابل والكلاب. ورأوا أسراب الغربان، والرخم والنسور تجتاح وديانهم قادمة من الشرق فأدركوا أن للاعرابي الغريب صلة وثيقة بما حدث. امرأته ايقنت انها روحه الفاتنة قد نهضت تطيب الآفاق الجبلية بدوامات عبقها الهدارة. قالت تحذره:

– عمران، قومي هؤلاء مزاجهم أسخن من نار.

– رد بهدوء لم تعتده فيه:

– أقول لك ما سيفعلون. تطلع ناحية شرقه البعيد:

– ستشرق الشمس ذات يوم عن عشرات السيوف تتقاتل، عشرات إلي وعشرات علي. قالت:

– قومي لن يرفعوا سيفا واحدا من أجلك وسترى.  ضحك ضحكا معتوها، حين سكن قال:

– صبحئذ سنرتدف ناقتنا ونولي الأدبار، ليس لدينا أي مشكلة مع ناسك هؤلاء. بعد سنوات أخرى يكون هوى ذو سمت سامي مراوغ قد استعمر الجبال الساحلية كلها، علامات شهوة خطرة تسللت الى العيون النجل، والشفاه البحرية الزرقاء ووقع وجيف الافئدة ورأى عمران أصنافا من المحبة لم يجلبها معه من رحلاته الغبراء خلال صحاري جزيرة العرب وعبر بحر المالح وسهول النهرين ثم في عودته الماجنة حتى جبال الساحل. سمع فحولا بقامات هائلة يصفون لون سقوف أفواه نسائهم ويقدمون جردا دقيقا لأهدابهن ويتحدثون عن نكهات ضجيعات مقيمات في أرياف ضفاف النيل الكبير. لما خرج قبليون بغضب باهت ينافخون عن المحبة الساحلية القديمة، كان دريس وهمد وأكد قد اصبحوا فرسانا مغاوير. مالت مئات السيوف تناصرهم. سيطروا على الجبال في الساحل وطلعت مشيخة الهوى الباذخ حتى سواحل عيذاب وانحدرت فبلغت مصوع وجزائر دهلك ومضارب البدو في الصعيد الأعلى. عمران كان يرغي كبعير يوم ارتدن صاحبته وولى غريا ليقيم فوضى لهوى لا يخضع لشريعة الشيخة أو حكمة القبيلة. في تشردهم الأبدي رددوا دون كلل نفس الأساطير حول السماء. وعلى نحو ما وجدت أجوبا نفسها بينهم، هل كانت أجوبا تدري أن أسعارها أيضا ستأخذ طريقها عبر الفيافي لتستقر في قصائد آلهة إمبررو المرهقة جراء تجوالها السرمدي؟ آلهة التلال المقفرة عاشت خلودها الساطع بخمول يتلف الاعصاب، تراها فتظنها ذات شهوات متكلسة، وستقول: إنها قطعا ذات عضو متغضن وثديين مترهلين. أهملت زينتها بتجرد خالد، فرآها آلهة ناحيتها نموذجا لأنثى خالية من المحاسن، كانت عانتها كثيفة تتدلى بين قدميها مثل حزمة سعف وشعر ابطيها طال حتى ان الرياح الصحراوية الصرصر كانت في أوان هبوبها ترسله من بين يديها ومن خلفها فيمتد حتى يغطي وجهها وظهرها وعجزها. فتى امبرراوي وسيم جاء سوبا مساء هبط نور الدين على ليلة السمر تلك. هبوط نور الدين المفاجئ لم يكن مفاجئا له بالمرة. يعرف ذلك الامبرراوي كيف يطير على ظهر ثور بل يعلم ان تلاوة اوراد خاصة تمكنه من الطيران حتى دون الاستعانة بدواب من أي نوع. سمع الفتى نور الدين يحاور أجوبا. أصلح الامبرراوي من شأن جبته الملونة، كحل عينيه بكحل جبال العوينات الاصلي وتيقن من تدلي قرطيه باتزان الى أسفل ورجل شعره وتعطر. عموما، في لحظة استعاد أناقته القسوى ثم مد يده واطمأن لوضع كنانته المدروعة على خاصرته اليسرى، كانت ملأي بالنبال وكانت قوسه مشدودة الوتر وقابعة بجنبه بعناية. نور الدين اقترح اطلاق نبل، بالطبع لمزيد من الابهار، قهقه الامبرراوي فخشى ان يكون السمار الألويون قد سمعوه؟ لن يكون بوسعهم رؤيته، فهو يعتمد على تقاليد اختباء قبلية موغلة في عراقتها. سمع نور الدين يسعى لاهثا لاستمالة أجوبا ورهطها من نساء سوبأ. ربما يفسد عليه الفتى الطيار أحلامه في خلع أثواب اختبائه في مخدع أحدى السامرات، فأولئك النوبة سرعان ما يفقدون اتزانهم ازاء مهارات تخص أرواحا قادمة من فضاءات لم يطرقوها. سمع أجوبا تسأل نور الدين:

– نبل؟ أي نبل؟

تلفتت يمنة ويسرى ثم أضافت:

– هل أنت من امبررو؟ الفتى الامبرراوي قفز الى أعلى حتى كاد اهاب اختبائه يسقط، سعل سعالا حادا فازداد اضطرابه، أجوبا سمعت سعاله، بل انها في غمرة ارتباكها التصقت بعجيزتها عليه. اطلق الفتى صرخة نشوة حادة. أجوبا في ارتباكها المتصل هتفت:

– يا عيسى!

ظلت متصلة الارتباك. الفتى هو الآخر هتف:

– يا الهة التلال المقفرة! في لمح البصر جاءت الالهة. خلع الامبرراوي جبته وبصحبة الهته جلس ساكنا يسمع ويرى. نور الدين أطلق عشرين نبلا متتابعة. تذهب كلها في اتجاه القمر وتعود، تحط على بعد شبر واحد من قدميه مترادفة الواحد فوق الآخر، محدثة صليلا متواترا. الالهة نفسها أصابها الذعر. اما الامبرراوي فقد كاد يفقد رشده، ستوحي الرماية المتقنة حتى مداها الأقصى رمية الفتى الامبرراوي يوم الجبل. سيتذكر الفتى الذي حدث تلك الليلة البدرية الى آخر أيام شيخوخته،ليلتها سيشم عطر أمه المميز يتدافع اليه من جهة البدر. يجري حسابات سريعة، فيقيس المسافة التي تفصل بين خبائه وصوت عواء الذئاب – يستثني بالطبع عواء الذئاب التي تندب بزوغ البدر. يكرر استنشاق العطر الهاطل، فيدرك انه يتدحرج من جهة الجبل، لن يتجاوز الامر لديه مرحلة الشك العام فقط. سيبدأ الامر يسوه فعلا عندما يذهب على اثر شذا أمه المتدافع من أعلى الجبل. يتحول أريج الغزل الرهيف الى عبق حب كثيف، يعيد اجراء حساباته فيقيس المسافة بينه وبين بؤرة الحب المتأجج. زيادة في الحيطة يستعين بتأوهات اللذة وخوار الأمير النوبي التليع، اورفيولا، بقامته المديدة ذات الاربعة أذرع. سيهبط من الفرس ويخرج نبلا فينصبه ثم يصوبه جهة البدر. يظل مصوبا وساكنا مثل فهد، سيطلق النبل، ويضع كفيه مثل قمع حول فمه لينادي أمه:

– أمي، اقفزي يمينا! يمينا، يمينا يا أمي!

يمضي بفرسه يعتلي الجبل. سيلفي نبله منغرزا في ظهر النوبي من جهة القلب فيقضي نحبه عاريا، منتصبا تتدفق رائحة الحب من جسده اللامع. لكن ليلة السمر تلك عجب الفتى الامبرراوي لرماية نور الدين. نظر جهة الهته المذعورة وهتف مبتهلأ:

– أنجديني يا الهة التلال المقفرة. الالهة، بصوت مرهق قالت:

– لا تضيع وقتك في الادعية الفارغة.

عيناه الكحيلتان تسمرتا على وجهها، راها تسحب عتاد زينة كامل من جرابها: مرآة عتيقة مدية حلاقة حادة، صمغ عربي مخفف بالليمون لازالة الشعر، دلكة، عطر خمرة، ودق، لخوخة، حطب سلم وطلع وعشرات وسائل التجميل. اقترب منها ثم همس في أذنها:

– لا

– مولاتي تتزين.

رآها منهمكة تزيل عنها بوارها المتراكم لتمسي جميلة كظبية. قالت هامسة:

– قد عشقت مولاتك، هامت بالفتى الرامي.

– تقدست مالكة الأكران المقفرة.

– أي، تقدست في يبسي وفي خصبي. وفي مزاجها الطيب، شاءت ارادة الالهة ان تخضر جبال الفور وتتدفق عيونها، وفي رواية أخرى،فان الجبال قد خلقت تلك الليلة، خصيبة، ملتفة الشجر حلوة الثمر، او في رواية ثالثة، انزلت الالهة جنة من السماء فأينعت الجبال، هواؤها بليل وماؤها سلسبيل. اللغز الذي أعجز القرقياب اصله نوبي، ضاهى "الأصحاب" نسخ مختلفة من قصيدة لميناس، ورد اللفن في نسخة وسقط في الأخرى، الاصحاب رجحوا ان تكون أجوبا هي من سربت اللغز الى القصيدة. صحبت أجوبا الفتى الامبرراوي فاشتعل جسدها القشعريرة سمرها تلك الليلة غدا ناعما كالحرير. وسمع الألويون أشعارا لثلاث شاعرات نظمن قصائد من وحي ليلة القشعريرة فوجدوها قد اتفقت في وزنها وقافيتها، وكرروا سماعها فاتفقت موضوعاتها ثم سمعوها من بعد تتطابق مفردة فمفردة. بعدها ادركوا ان تلك القصائد ما هي الا سمر أجوبا الحريري الذي ألقت بعيد مجيء الالهة الجوالة. وقد انتهى الفتى بمخدع أجوبا فوهبها نضارا جديدا. قال لأجوبا:

– قد بورك جسدك من فوق سبع سماوات. لم تفهم، رأت الفتى في أكمل هيئة، جملت وجهه   الاصباغ وازدان بقرطين، سلاسل وأسورة، كحيلة عيناه، ممشرط شعره، متطيب. وفي ارتعاشها اللذيذ تضيع حكمتها فتسأل:

– كيف؟ كيف؟

– أرأيت اذ ابتهلت ليلة السمر؟

– ابتهلت اذ حلت بي الرجفة.

– بالضبط. تلك بركة هولاتي، تقدس سرها.

ازداد الأمر تعقيدا على تعقيد. إضاف:

– نور الدين الفزاري أمل أن يأخذك مني.

– أهذا محير؟

– اذن لماذا الطيران وفيم الرمي؟

– آه صحيح.

– هو رام لا يبارى، ما في ذلك شك، قد أغوى الالهة.

– أي الهة؟

– ملكة القفار.

– الليلة نور الدين بين يدي امبرراوية اذن؟

– هو كذلك. هذه ليلة الدفء الأشهر في تاريخ المملكة الالوية الواهنة، على أثرها جادت قريحة الامبرراوية بالخلق الخصيب فنشأت جبال الفور: قالت لها كوني فكانت. ومن ليلتها وهي تشيد بلا كلل البساتين والمروج، في سويعات انهماكها تخطئ هدفها لتنمو السدود العشبية الكثيفة فتعوق الملاحة بالمراكب الكبيرة إو تنسى ضبط معدل نمو الأشجار فتنطلق هذه تتطاول حتى تكاد تخترق السماوات وتمسي متاهة هائلة تضل بها قطعان القردة بيوتها فيلفيها الصيادون نافقة من حسرة الغربة والحنين إلى الاوطان. أجوبا ألقت اللغز على الامبرراوي.

– سيحتاج قومك الى اللغز. خذه معك الى قومك.

– قالت اجوبا للفتي. ولما رأى عينيها تبرقان بمحبة ماكرة قال لها:

– قومي أم قومك؟

– لا فرق! وإذ مشت رائحة جسده وتذوقت لعابه وماءه وعرقه، فقد علمت أي نوع من النساء أمه. رجح لديها ان فتى مثله يظهر في كل خمسة أجيال مرة، تتضاءل الغلمة في الرجال إلى نحو متدرج من الجيل الأول نزولا إلى الرابع، ثم تتدفق بغتة في الجيل الخامس بعد إن تكون قد همدت أو كادت في الرابع. ومن الطريقة التي يغمز بها ويكوع بها، ومن استدارة عجزه وضمور بطنه ونونية حاجبيه والغمازة بأسفل ذقنه فأمه امرأة فاتنة إلى حد لا يمكنها من كبح غرائز الهوى فيها. قرأت كفه. قالت:

– ستعصر حتى تبلغ المائة.

طرب وضحك. قال لها:

– ثم.

– تثري وتمتلك قطعان البقر والإبل.

ازداد طربا فقهقه. قال:

– ثم

– ستقتل أميرا نوبيا يغوي امرأة تحبها.

هتف:

– كذب العرافون وان صدقوا.

قالت:

– ستقتله إذا طلع البدر من المشرق مقدار خمسين رمحا.

– لن أفعل.

– ستلفيه قد تبطنها فحرثها.

– أعوذ بالله!

ـــــــــــــ

* جزء من رواية بنفس العنوان في طريقها للنشر

** امبررو قبيلة تسكن غرب افريقيا وتتجول بأبقارها حتى تخوم السودان الشرقي.
 
الحسن البكري (كاتب من السودان)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …