أخبار عاجلة

فرد هاليداي : الثراء العظيم للعالم الاسلامي يكمن في تنوعه

تحولات كثيرة جذرية في الواقع والأفكار ,عصفت بفكر هاليداي ,طالت بناه الأساسية في الصميم ,لم يعد الماركيسية منهجا أكيدا ولم يعد اليسار طرقا للتغيير .والأنظمة الشرقية التي كان يدينها أصبحت "سيدة مصيرها " وربما انتقل من نقد هذه الأنظمة الى نقد حضارة بعينها . وربما صار أقرب الى مركزيته الأروبية ,تلك التي كان ينطلق من مقابلها ونقيضها .

يبقى هاليداي ذلك المفكر اللامع والمرجعية التي لا غنى عنها في شؤون العرب والمسلمين والشرق بصفة عامة.

يعمل فرد هاليداي أستاذا للعلاقات الدولية في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

حصل على البكالوريوس من جامعة أوكسفورد وعلى الماجستير من مدرسة الدراسات الأفريقية والشرقية التابعة لجامهة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية وكان موضوع رسالته العلاقات الخارجية للتنمية الديموقراطية.

يتقن عدة لغات شرقية وأروبية من أهمها العربية والفارسية والفرنسية والالمانية والروسية.

يعتبر من أهم الخبراء بالمنطقة العربية وله عدة اسهامات ومؤلفات في هذا المجال من أهمها

1- الثورة الاثيوبية.

2- الاسلام والغرب :خرافة المواجهة.

3- اعادة التفكير في العلاقة الدولية.

4- ايران : الثورة والتنمية.

انطلاقا من الرأي الذي يقول إن السياسة استمرار سلمي للحرب غدت اللغة عاملا مهما في السياسة المعاصرة في المعالم العربي، فهي السلاح بيد مستخدميها وهي الميدان الذي يجري فيه كثير من الصراعات .هل تتفق مع هذه الرؤية التي ترى وجود امتداد أو بعد لغوي للتطورات السياسية في العالم العربي؟

اتفق مع هذا ولكن الى حد معين فقط . أجل أن اللغة مثلها مثل التاريخ ، مكون مهم من مكونات السياسة – الصراع بين الدول ، والصراع داخل الدول بين القوى السياسية والاجتماعية المتنافسة ، أضف الى هذا أن اللغة جزء مهم في تحديد الشعوب والمجتمعات وتفاعلها الاجتماعي، ذلك أن كل من بيدهم مقاليد السلطة (كالدول ، والآباء، والسلطات الدينية ، والمدرسين ) يسعون الى غرس فهمهم لما يرونه صحيحا من الكلام والمفردات والأداء اللغوي فيمن هم تحت سلطتهم . هكذا ظل الأمر دائما، الا أن عالم الاعلام المعاصر قد أبرز هذا وأكده بدءا بالصحافة المعاصرة ، فالاذاعة ثم التلفاز والقنوات الفضائية ، والآن عبر الانترنت .

إلا أنني لا أظن أن هذا يعني أن اللغة ، في العالم العربي أو في غيره ، هي ميدان مستقل للسلطة أو انها عامل قائم بذاته . ان اللغة أداة يستخدمها من في يدهم السلطة ، أو من يريدون تحدي السلطة . واللغة لا يمكنها أن تشكل الأحداث ، ولا يمكن بحال من الأحوال مقارنتها بعوامل القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية . إذن ، أنا أقول نعم ، ثمة بعد لغوي للسياسة في العالم العربي، كما هو الحال في بقية أنحاء العالم ، لكن اللغة ليست عاملا مستقلا ، كذلك فأنا لا أعتقد أن العالم العربي مختلف جذريا عن بقية انحاء العالم في هذا الشأن ، فالخلافات التي تنشب حول المصطلحات وشرعية الدول أو عدم شرعية الخصوم من خلال استخدام مفردات معينة هي ظاهرة كونية . وثمة نقطة أخرى أن الحرب هي استمرار للسياسة وليس العكس .

تميز التاريخ العربي المعاصر بـ" الثراء" في الخطاب السياسي القائم , غير أن هذا الثراء لا ينعكس على الأحداث الحقيقية . ما مرد هذه الهوة بين ما يقال وما يحدث في الواقع . أيمكننا أن نقول أن ثمة فصاما تاريخيا يعيشه العالم العربي في الوقت الحالي ؟

مرة أخرى أعتقد أنك بهذا تخاطر بالتعامل مع العالم العربي وكأنه حالة استثنائية أو مختلفة جذريا، وهذا غير صحيح . ان اللغة السياسية العربية ثرية ، وكذلك حال اللغات السياسية لدى الأمم الأخرى. ان لكل مجتمع لغة شرعية عامة ، وتشكيلا تاريخيا، منقطعات عن الواقع . وقد حدد بيغوت Bagehot  محرر مجلة الايكونومست في القرن التاسع عشر عنصرين من عناصر الدستور البريطاني – الكفاءة والتبجيل . ان ملكة بريطانيا تبدو وكأنها تحكم ، لكن الأمر ليس كذلك في الواقع ، وفي كل موقع في العالم تدعي القوى السياسية ، تلك التي تملك مقاليد السلطة والتي لا تملكها ، انها تمثل المصالح "الوطنية " في حين أنها تدافع في واقع الأمر عن مصالحها الخاصة ليس إلا . لقد كتب الكتاب الايرانيون مثل داريوس شايجان Darius Shayegar  عن الانفصام الذي يحدثها الصدام بين الثقافتين الغربية والايرانية ليس أقلها في الممارسات الأ سرية وفي الطموح التعليمي. ولقد مزق الرياء السياسي المجتمعات الشيوعية – حيث تدعي الدعاية الرسمية انجاز ما يقترب من حالة الاشتراكية المتقدمة ، بينما أظهرت الحقيقة التي يعلمها الجميع أمرا مختلفا.

هل تتفق مع من يقول بأن الغرب يتقدم في حين أن العرب في حالة تخلف ؟

 قد تكون مصيبا غير أني لا أحب هذا السؤال . باديء ذي بدء لا يوجد هناك "غرب" واحد، كما لا يوجد "شرق " واحد أو عالم عربي واحد. توجد ثقافات وشعوب مختلفة داخل الغرب نفسه، ورؤى مختلفة ، من المحافظة على الليبرالية والاشتراكية ، حول الكيفية التي ينبغي بها تنظيم العالم . وطوال التاريخ المعاصر، فإن الصراع بين الشرق والغرب قد وازنته صراعات داخل الغرب نفسه – الثورات العظام والحركات الاشتراكية ، التي مازالت برامجها مستمرة الى يومنا هذا من خلال الحروب ، والمناقشات التي تدور حول كيفية تنظيم المجتمع ، كذلك فإن تاريخ العالم اخربي يتميز هو الآخر بمثل هذه الثورات والمناقشات . إن ما يهمني هو هذه النقاشات التي تدور داخل أوروبا أو العالم العربي أو ايران ، لا الصراع بين الشرق والغرب .

ان كل دول العالم تشكل جزءا من اقتصاد عالم واحد، ومنظومة معلوماتية واحدة ، وعلى نحو آخذ بالازدياد ، عالم من القيم المشتركة ، إن كل دولة عضو في منظمة الأمم المتحدة تلتزم بالدفاع عن هذه القيم ، وتلتزم كل الدول والشعوب التزاما رسميا بالرخاء الاقتصادي ، وبالسلم . اننا جميعا نقع ضمن نفس المنظومة وعلى هذا فإنه لا يمكننا أن نزدهر إن لم يزدهر باقي العالم . ان وهم الليبرالية الجديدة في التسعينات يرى أن بعض الدول ، وهي الدول المتطورة ، يمكنها أن تحافظ على رخائها وازدهارها في حين أن يبقى عموم سكان العالم منتقدين لهذا الازدهار، وهو ما لا يمكن أن يتم ، فالازدهار الكوني، مثله مثل السلم الكوني، هو أمر غير قابل للتقسيم .

هل للعالم العربي مشاكله الخاصة به ، أي تلك المتعلقة بالتنحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ؟ أجل لقد حاولت أن أحلل هذا المشاكل في كتبي، ومنها الفصل الأول في كتاب الاسلام وخرافة المواجهة ، حيث فندت هناك ثلاثة تفسيرات مألوفة . التاريخ الحتمي الذي لا مفر منه (أي مقولة أن "العرب كانوا دائما هكذا") والامبريالية ("الغرب هو المسؤول عن كل شيء") ، والاختزال الثقافي (ان كل هذا من جراء الاسلام"). ان فكرتي هي أن علينا أن ننظر الى أشكال الدولة المختلفة التي تم تأسيسها في العالم العربي في القرن العشرين . ان العرب هم الآن ، أكثر من أي وقت مضى، سادة مصيرهم .

"صدام الحضارات " و" نهاية التاريخ" ليسا الا عنوانين يدلان على فزعة غربية لقراءة شمولية للتاريخ المعاصر للعالم بأكمله . وعلى الرغم من أن الكثيرين قد أظهروا ضعف هذه الطروحات أو خطأها ء فهل يمكننا مع ذلك أن فقول أن لها آثارا سببية مستقبلية ؟ بعبارة أخرى، قد تري بعض الايديولوجيات السياسية في العالم العربي وخصوصا الايديولوجيات الاسلامية رؤية هنتنجتون صائبة , وتشكل برامجها السياسية على هذا الأساس (أي الصدامي مع الغرب ).

 بدءا أرى أنه من التضليل الحديث عن "الغرب " أو الاسلام باعتبارهما وحدات عابرة للزمن وللدول وللرؤى السياسية والاجتماعية والايديولوجية نفسها الموجودة في الغرب ، وبين الدول الاسلامية وداخل كل منها بل إن الحديث عن هذه المصطلحات أمر مغر إلا أنه كثيرا ما يكون أمرا خاطئا.لا يوجد هناك خطاب "غربي" موحد فيما يتعلق بالشرق الأوسط ، أو العالم الاسلامي (والاثنان أبعد ما يكونان الشي , ذاته ) كما أنه لا يوجد خطاب شرق أوسطي أو خطاب عالم ثالثي في الغرب .

 ان تفسير مثل هذه التعميمات الخاطفة هو أمر مركب فكل المواجهات السياسية ، سواء حدثت بين الدول أو في داخلها ، تستلزم استلهام التاريخ. واستخدامه ، واستلهام النصوص الدينية المستمدة من التاريخ سعيا وراء أهداف محددة . لقد قال الكاتب الفرنسي ايرنست رينان Ernest Renan  "ان تفهم تاريخك فهما خاطئا هو جزء من تكوين أمة من الأمم". وهذا ينسحب على العلاقات بين الدول اليوم على النقاشات الدائرة حول الدين . إن الماضي لا يقدم اجابات على مشاكل الحاضر، لكنه يقدم بديلا احتياطيا لها، مثل النصوص المقدسة ، التي يمكن استغلالها لتبرير أي موقف ترغب في اتخاذا في الوقت الحاضر.

إذن فإن الجواب الأول على هذا السؤال هو أن ثمة قضايا مختلفا عليها في الوقت الحالي يشكل التاريخ فيها مصدرا للشرعية وليس للتفسير، كما يجب أن يكون.

ان الثقافة, أو الحضارة, لا يقدمان اجابة واحدة موحدة على القضايا المعاصرة. وتتجلى أوضح الأمثلة في الخلافات حول الأراعي المتنازع عليها بين الدول, لكن الأمر نفسه قد ينسحب على النقاشات حول النظم السياسية والاقتصادية المتصارعة, أو السلوك السليم للحياة الأسرية, أو كيفية التعامل مع الازدحامات المرورية في المدن.

أن البروفيسور هنتنجتون هو مفكر رائع إلا أن أطروحته حول صدام الحضارات هي فكرة باطلة. ان الثقافة قلما كانت أساسا للصراع في النظام الدولي والأمر صحيح في الوقت الحاضر. وإن نظر المرء مثلا الى العلاقات بين الامبراطورية العثمانية وأوروبا فإننا نرى فترات صراع مع دولة غربية واحدة يوجد فيها أيضا تحالف مع دول أخرى. كذلك فإن ألمانيا وقفت الى جانب تركيا. وفي الوقت الحديث رأينا الغرب يشجع صعود المحافظة الاسلامية لأهداف ترتبط بالحرب الباردة, أولا ضد جمال عبدالناصر، في الستينات, ثم ضد الوجود السوفييتي في افغانستان, في الثمانينات. بل أن الصراعات أكثر ما تقع بين الدول ذات التوجهات الثقافية المتشابهة. وانظر الى الصين واليابان, وألمانيا وفرنسا، وايران والعراق. أضف الى ذلك أن ثمة استخداما مضللا للتاريخ في أطروحة هنتنجتون, حيث يبدو أنه يفترض أن الثقافات والحضارات وغير ذلك هي أمور ثابتة, كمواقع في خارطة. والواقع غير هذا، فالثقافات والحضارات يحددها ويعيد تحديدها كل جيل, استجابة لاهتمامات حالية, وتحددها مجموعات معينة على حساب مجموعات الأدلة التي يتم الاستشهاد بها _ مثل نسب الادخار العالمية وقيم العائلة, واحترام الحكومة _ هي ظواهر معاصرة تستخدم لمواجهة متطلبات من هم في السلطة. إلا أنه كما قال كريس باتن Chris  Patten البريطاني السابق في هونج كونج مؤخرا فإن استخدامها ينحصر على قيام مجموعة من الناس بإخراس مجموعة أخور. أما في العالم الاسلامي فنرى أن من هم في السلطة يلجأون الى الدين لتبرير تمسكهم بالسلطة, أو في حالة من هم خارج السلطة, لتبرير محاولتهم ادعاءها. ان الثقافة أمر مرن ويستغل كوسيلة, ويتوجب علينا أن ننظر الى بنى السلطة والثروة في الدول والمجتمعات والأسر، وترى في الطرف الذي يصب في مصلحته كل هذا الاستثمار للثقافة والتراث وعندها يصب ح أمرا لا يقتضي وقتا طويلا.

أما الموضع الذي كان فيها هنتنجتون أكثر صوابا فيكمن في قوله أن هدف الاصوليين في العالم الاسلامي هو هدف داخلي. فنحن نرى هذا الأمر مثلا في ايران: حيث افترض ان "الثورة الثقافية " التي طرحها الخميني كانت, كمثيلتها في الصين في عهد ماو، كانت ضد التأثير الخارجي غير أنها كانت في الواقع موجهة ضد التيارات الأدبية والايديولوجية التي لم يرض عنها الخميني داخل ايران نفسها. ان أفضل السبل للجم أفواه النقاد في الداخل يكمن دائما في وصمهم بتهمة العمالة لقوة خارجية. إلا أنني أرى أن هنتنجتون قد جانبه الصواب في الاستنتاج الذي وصل اليه مستخدما هذه الحقيقة فأولا ليس الاتجاه نحو أعداء الداخل حكرا على الاسلاموية, بل إنه سمة لكل الحركات التقليدية الحديثة, فهو صحيح أيضا عن الاحيائية الهندوسية في الهند،كما هو صحيح عن اليمين الديني في اسرائيل, وعن 80 مليون أصول مسيحي في الولايات المتحدة ثانيا ان علينا أن ننظر الى المصالح السياسية والاجتماعية التي تخدمها هذه الدعوات, ان الثقافة هنا لا تفسر ما يحدث. *انتقد ادوارد سعيد تعامل الغرب مع الاسلام بوصفه كيانا واحدا بينما يوجد، كما يري هو، أكثر من اسلام, أي أنه يوجد اسلامات محلية في مختلف أرجاء العالم الاسلامي. وفي كتابك الأخير "الاسلام والغرب:خرافة المواجهة " نرى أنك تؤيد الرؤية نفسها محاولا اضعاف أطروحة الخطر الاسلامي. ولكن, الا تغفل هذه الرؤية للاسلام حقيقة أن الايديولوجيات الاسلامية المعاصرة تشترك في أمور كثيرة, حيث أن أهدافا كثيرة للجماعات الاسلامية تتحاور حدود دولها وصولا الى أهداف أعم مثل الخلافة. أليس هذا إسلاما كونيا؟

* من المؤكد ان هناك طروحات مشتركة في الخطابات الاسلامية. مثل نقد الهيمنة الغربية والفساد، والتضامن مع فلسطين, والنظرة المحافظة اجتماعيا للمرأة, والدعوة الى تكوين مجتمع فاضل مستقيم يسمى بالمستضعفين أو الأمة أو المؤمنين, أضف الى ذلك أن هذه الحركات تؤثر أيضا في بعضها بعضا. الا أنه على الرغم من هذا فإنه توجد بينها اختلافات ضخمة أيضا. لقد ذكرت في سؤالك الخلافة -إلا انه لن تجد من ينصحك بالدعوة الى هذا الأمر في مكة أو ايران. ان نظام الخميني يشمل في آن واحد ولاية الفقيه ودرجة قوية, مؤسسية, من الديمقراطية ولا توجد أي حركة اسلامية أخرى تؤيد هذا، أما الجزائريون فيريدون خلق المجتمع الرسالي, مع أنه لا يوجد من يجزم بماهيتا، ويوجد العديد من البرامج بعدد الحركات الموجودة – ومرد هذا كله هو أنه على الرغم من كل هذه المؤثرات والثقافة المشتركة الا أن هذه الحركات تعمل في دول مخلفة ا, لكل منها تاريخه ونظامه السياسي الخاص به, والأمر نفسا ينسحب على مفهوم الشريعة.

يجادل الاصوليون بأن ثمة برنامجا مشتركا ويرون أنه لابد من وجود مثل هذا البرنامج, كما يقولون, بسبب أن برامج كل هذه الحركات مستمدة أصلا من النصوص الاسلامية المؤسسة. ان الادعاء بأن الاسلام كدين يتطابق مع الاسلام كمنظومة سياسية أو اجتماعية هو ادعاء لا سند له لسببين. حيث أنه يتوجب أن ننظر الى ما يفعله الناس, وليس ما يقولونه أو ما يعتقدون أنهم يفعلونه. فأولا يوجد في تاريخ العالم الاسلامي تنوع كبير من الأشكال السياسية والاجتماعية, تماما كما هو الحال في العالم الاسلامي المعاصر، ان تاريخ الامبراطوريات الاسلامية بدءا بالقرن التاسع فصاعدا, هو تاريخ تعوين الدول المتمايزة على أسس قبلية وحزبية وعرقية مستخدمة الدين لتبرير شرعية هذه الدول ولفرض الطاعة ولإ~ء الآخرين. ومن المؤكد انه يمكنك كتابة تاريخ اسلامي خالص للعالم الاسلامي من تاريخ الهجرة فصاعدا، لكن بالامكان أيضا يمكن كتابة تاريخ دنيوي. ان ا لثورة العباسية, أو صعود وانهيار الفاطميين, لا يحتاج تفسيرها الى مفاهيم دينية, بل إن السعي وراء التفسير الديني هو أمر في غاية الصعوبة, إلا اذا فسرنا التاريخ مستخدمين مفاهيم عامة مثل الفضيلة والرذيلة والصراع بينهما. وينطبق الأمس على التاريخ المعاصر، فلو فسر الاسلام السلوك السياسي والاجتماعي, لوجد لدينا وحدة في الحياة سياسية واجتماعية, وهو ما لا يوجد بكل تأكيد. ان الثراء العظيم للعالم الاسلامي يكمن في تنوعه. ثانيا، ان سياسة العالم الاسلامي ومجتمعه هما، ان نظرت اليهما نظرة مقارنة نفس ما هو موجود خارجه نعم توجد بعض أشكال التماسك والتكافل, لكن توجد أيضا الدكتاتوريات والديمقراطيات, التصنيع والأزمات الزراعية, والأسر التي تتغير استجابة لمتطلبات العالم المعاصر، والصراعات بين الأعراق, والثورات العرقية والوطنية وهلم جرا. العرب والمسلمون, يعشقون, ويكرهون ويسرقون, ويجمعون المال, ويموتون كما يفعل الآخرون من بني البشر في أي مكان آخر.

نعم يمكن تكوين تعميمات من نوعين, أولا: فيما يخص القضايا المركزية للايمان الديني يوجد ثمة عنصر مشترك يوجد في الاسلام كما يوجد في غيره من الأديان, إلا أن هذه العناصر المركزية لا تؤدي الى وحدة في معظم الأمور حتى المعتقدات أو الممارسات الدينية _ انظر الى تنوع تفسيرات القرآن, أو الى الشريعة, أو الى ما يعتبر ممارسة مسلمة مقبولة. ثانيا: تبييت قوة التفاعل بين المجتمعات خلال العصور، ذلك التفاعل الذي تسارعت بسبب خطاه وسائل الاعلام المعاصرة والتنقل فإن ثمة ضربا من التكافل والمصير المشترك, وهو ما يشكل شعورا موحدا بالمصير المشترك. ولكن مرة أخرى فإن هذا الطرح لا يأخذن بعيدا، فالمسلمون يهتمون بفلسطين والبوسنة وكشمير غير أنك ان نظرت الى ما يفعله الأفراد أو الدول فستجد تنوعا من الاجابات كم من الدول الاسلامية فعلت شيئا حول الشيشان مثلا؟ ان العالم مليء بأناس يؤكدون على وجود عناصر مشتركة أو هويات مشتركة, غير أن هذه لا تعدو كونها طموحات وآمال وليست حقائق. والأمر ينسحب على من يعارض العالم الاسلامي، انهم يتاجرون بالتعميمات ومعظمها خاطيء. ان مشكلة هذه التعميمات هي انها ما إن تلفظ وتزاع حتى تصبح لها حياة خاصة بها.

·     هل يرتبط الاهتمام الأكاديمي الغربي بالعالمين العربي والاسلامي ويتأثر بالعلاقات السياسية بين الغرب والعالم العربي.

·     الى حد ما فإن دراسة أي منطقة في العالم تتأثر بعوامل القوة. ان هذا صحيح عن دراسة أوروبا القروسطية كما هو صحيح عن الصين المعاصرة أو العالم العربي. إلا أنه من الخطأ رؤية علاقة تبطل بالضرورة السعي وراء المعرفة. فهنا اختلف مع ادوارد سعيد، أو على الأقل مع الكثيرين من العالم العربي الذين أخذوا نقده للاستشراق لتفحص أي بحث حول الثقافات الأخرق, خلال مقابلة في التليفزيون السعودي في أحدى زياراتي للرياض, انتقدني المذيع بأنني أتحدث العربية وأكتب عن العالم العربي. لقد بدا له ان كل المستشرقين جواسيس. وهذا موقف ارتدادي. ان الاهتمام بثقافات الآخرين ودراستها هو مسعى إثر ائي وايجابي ثقافيا.

أما عوامل القوة فتلعب دورا أكثر أهمية في النقاشات الاعلامية والعامة التي تدور حول الدول الأخرى. ان النقاشات حول العالم الاسلامي في الغرب تؤججها بعض العوامل المضللة يتمثل أحدها في قضية الصراع العسكري في الشرق الأوسط. وبعبارة واقعية لم يكن هناك أي تهديد عسكرت اسلامي لأوروبا منذ هزيمة العثمانيين على أبواب فيينا عام 1683_ إلا أن جملة من القضايا المعاصرة مثل تهديدات العراق لجيرانه, أو قضية الانتشار النووي يمكن تقديمها باعتبارها تهديدا "اسلاميا". ان هذه ليست تهديدات اسلامية, كما أن القنبلة البريطانية أو الفرنسية ليست قنبلة مسيحية, أو أن الرؤوس النووية الاسرائيلية تمثل اليهودية. عامل ثان يتمثل في قضية الهجرة الى أوربا تحديدا. ان موضوع الهجرة يقدم باعتبار« خطرا" اسلاميا في كثير من الدول, وهنا فإن ما هو عنصري يقدم بلغة دينية. الا أن عاملا ثالثا هو ديماغوغية الحركات الاسلامية نفسها التي تعتنق فكرة الصراع بين الغرب والعالم الاسلامي وفكرة سياسة اسلامية موحدة, وهي فكرة خاطئة. أضف الى ذلك أن على المرء أن ينظر الى الدول المختلفة للوصول الى تفسيرات مختلفة, وفي كتابي الاسلام وخرافة المواجهة ناقشت الظاهرة التي سميتها بـ"العداء للاسلام " ودرست خمس حالات. صربيا والهند واسرائيل, وأوروبا والولايات المتحدة, تحت كل حالة توجد من هذه الحالات قضايا مختلفة على الرغم من أنه ما إن تظهر الى السطح, فإن التحامل ضد الاسلام يكتسب سمة موضوعية مشتركة. اما حالة الهند التي تعتبر في الواقع الدولة التي يوجد فيها تحامل علني ضد المسلمين في الخطاب السياسي أكثر من أي مكان آخر في العالم فينبغي أن تنبهنا الى خطأ افتراض أن مثل هذا الأفكار ينحصر وجودها على الغرب.

بالطبع فإن فكرة التهديد الاسلامي هي فكرة محض هراء. حيث أن للمشاكل الموجودة واقعيا أسبابا وأسسا منطقية أخرى. في الوقت الحالي توجد أربع وخمسون دولة اسلامية تتبع كل منها سياسات خارجية مختلفة, حيث تتاجر كل منها وتتفاعل مع العالم غير الاسلامي بطرق مختلفة. وان حدث وان أظهرت تهديدات, أي بغزو جيرانها أو تملك أسلحة نووية أو تشجيع الارهاب, في انها تفعل ذلك بناء على مصالح سياسية تتعلق بالدولة وليس على مصالح دينية. أضف الى ذلك أن الأفعال التي تستحق الشجب التي تأتي بها فض الدول الاسلامية ليست حصرا على العالم الاسلامي. فالتهديدات الارهابية الرئيسية في أوروبا والولايات المتحدة ليس مصدرها العالم الاسلامي على كل حال _ وانظر الى الجيش الجمهوري الايرلندي ومنظمة ايتا الباسكية في اسبانيا أو الى تفجيرات أوكلاهوما.

وينفس القدر فإن من الهراء الحديث عن "الاسلام " باعتباره تعديدا عالميا. حيث تتسم الأربع والخمسون دولة الاسلامية بتنوع  مواقفها وسياساتها وعلاقاتها العرقية والاجتماعية الموجودة في كل منها. ان المسلمين يشتركون. في بعض القيم المعروفة والشعور بالتكافل والتضامن غير أن هذا أقل قوة من ولائهم للشعوب والدول القطرية ولنأخذ مثال قبرص. كم من الدول الاسلامية أيدت تركيا في مسألة قبرص ؟ وانظر الى الحرب العراقية الايرانية. ثانيا: حتى وان تحدثنا عن جماعات تطرح برنامجا اسلاميا، أي الجماعات "الاسلامية " فإن ثمة تنوعا عظيما فيما بينها. وليس هناك برنامج مشترك كالذي طرحته الشيوعية. ثالثا, ينبغي علينا أن نتساءل عن السبب الذي يمكن من ظهور هذه الجماعات في كل دولة على حدة, وهنا فإن الأسباب تختلف وتتنوع. فالأمور المتشابهة التي تجمع بين ظهور النزعة الاسلامية في تركيا واحياء الهندوسية الدينية في الهند تتفوق على ما يجمع بين الاسلامية التركية وطالبان في افغانستان على سبيل المثال, أو نمط الاسلمة الموجودة في باكستان, وأخيرا فإن هذه الجماعات تسعي للوصول الى تولي مقاليد السلطة في دولها فقط. فهي في المقام الأول اذا تشكل تهديدا على مجتمعاتها الموجودة فيها، ان الاسلاموية تهديد للمسلمين – ومعظم من تقتلهم هذه الجماعات هم من المسلمين, سواء كانوا في الجزائر أو باكستان أو افغانستان, أو كما كان في عهد مضى في ايران.

واذا أردنا تفسير سبب نشوء هذا الأسطورة فإننا نلجأ الى تفسير جذاب لكنه سطحي يتمثل في اطروحة "التهديد الضروري" وحسب هذه الرؤية فإن الغرب قد خسر عدوه المتمثل ن الشيوعية بعد عام 1989، وكان عليه الآن أن يعيد اختراع عدو آخر يتمثل في الاسلام, ان هذه الفكرة ليست فكرة مقنعة لعدة أسباب. أولها أن العالم الغربي لم يخترع التهديد الشيوعى _ حيث أنه كان له وجود في الواقع. فقد شارك الاتحاد السوفييتي في سباق تسلح, وفي تنافس على التأثير على العالم الثالث, وهذا اذن لم يكن أمرا خادعا. ويعرف هذا كل من عنده معرفة عن التاريخ المصري  في الفترة من 1955 الى 1974، أو بتاريخ الدولتين اليمنيتين. ثانيا, ان الافتراض الذي تقوم عليه فكوة "التهديد الضروري" هو أن المعالم الغربي يحتاج بشكل من الأشكال الى عدو خارجي وهذا ما لا أراه. نعم, ان من الطبيعي أن التهديد الخارجي قد يصدم الدول والمجتمعات. أن ما يريده الغرب بصورته المتعقلة في الديمقراطيات الصناعية هو ببساطة عالم يكون شبيها ما أمكن, ويتاجر معه ويتمتع معه بعلاقات سلمية ونحو ذلك, وفي هذا توجد تهديدات, لكنها تهديدات ترتبط بالتنافس الاقتصادي، والتهديد الذي يواجهه الغرب حاليا يأتي في واقع الامر من التصنيع في الشرق الأقصى ومن تغير السلطة في المحيط الهادي. وبهذا المقياس فليس ثمة وزن كبير للشرق الأوسط – فالشرق الأوسط, ومعه افريقيا، يقعان الى حد خارج التحولات الاقتصادية التي شهدتها الأزمنة القريبة. وقد أخفت أموال النفط هذا الوضع الهامشي, الا أننا اذا تحدثنا بعبارات مقارنة فان الشرق الأوسط قد خسر في التغيرات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال العقود الثلاثة الماضية, ان هذا هو الذي يجعل من الحديث عن تهديد اسلامي حديثا خاطئا. وهذا يقود المرء ألى التشكيك في المدى الذي أجابت فيه الحلول التي يطرحها الأصوليون أو ألقوميون (الحضاريون ) في الشرق الأوسط حقيقة على هذه المشكلة. في رأيي انها لم تقدم اجابات في هذا الجانب,

·     هل تلاحط امكانية لصدام اصوليات في العالم العربي، مثلا بين الشيعة والسنة.

·     من اليسير الحديث عن الشيعة والسنة باعتبارهما كتلتين. تتجهان الى المواجهة. ومن اليسير بنفس القدر تحليل السياسات الداخلية في بعض الدول بلغة طائفية, كلبنان والعراق وتركيا واليمن, نعم, ان مثل هذا الهويات الطائفية تشكل عاملا، لمكنها ليست, ولم تكن أبدا، المعامل الوحيد , أنظر الى العراق مثلا. نعم ان كل نظام ظهر منذ  1920، باستثناء عبد الكريم قاسم, قد سيطر عليه السنة العرب الذين لا يشكلون الا ثلث سكأن العراق لكنهم أيضا قد وظفوا في صفوفهم عناصر من المجموعات الأخرى، ووزعوا الأموال, والتأثير، بين غير أهل السنة. يمكن للمرء أن يرى نظم حكم تحاول أن تؤجج العداء السني الشيعي بهدف البقاء في السلطة, وأماكن أخرى حيث تثير حركات الاحتجاج نفس العواطف. الا أن هذا على الرغم من ذلك ليس الا تبسيطا، وهو

تبسيط في غاية الخطورة, فالعوامل الأخرى _ الاثنية والاقتصاديه والاقليمية – تلعب دورا مهما.

·     يجادل البعض بأن مفهوم حقوق الانسان نسبي، أي أنه يتأثر بعوأمل الخلفية الثقافية والتطور الاجتماعي, فيما يرى البعض الآخر أن حقوق ألانسان هي ببساطة حقوق للانسان, بمعنى أنها تعلو على مثل هذه المؤثرات الثقافية, ماهي رؤيتك لهذا ألمفهوم ؟

·     توجد مشكلتأن هنا. أولا أن تقسيم العالم الى مناطق ثقافية منفصلة هو اخترع حديث متوهم. أجل توجد لغات وأديان واعراق وآداب مختلفة لكنها تختلف وقد تفاعلت دائما مع بعضها بعصا واقتبست من بعضها بعضا. انظر الى تفاعل الفكر السياسي الاغريقي مع الاسلام القروسطي، مفهوم المدينة الفاضلة عند الفارابي, تلك المدينة العادلة, هي حلقة ربط بين المفهوم الاعريقي الكلاسيكي والتفكير الاسلامي والمفاهيم المعاصرة حول المجتمع المدني والديمقراطية. وأنظر الى الدين, ان المفكرتين المركزيتين في المفهوم المعاصر لحقوق الانسان هي القيمة الأخلاقية للفرد, والحاجة الى تحديد قوة الدولة, وفي حالات متطرفة حق الثورة على الدولة وكلتا الفكرتين موجودتان في ديانات الشرق الاوسط, حيث أخذتها أوروبا من اليهودية والمسيحية والاسلام. انظر مثلا الى الرياضيات, ان العالم باكمله ينتابه القلق جراء "قنبلة القرن ", أي مشكلة تكيف الكمبيوترات مع العام 0 0 20ان الرقم "صفر" هو أمر مركزي في هذه المشكلة, انه اختراع هندي وصل الى أوروبا في القرن الثاني عشر الميلادي وهكذا الأمر فإن ما يقدم اليوم باعتباره سياسات أو رياضيات أو أطعمة "غربية " هو نتاج للتفاعل الثقافي. ثانيا: ان حقيقة ان شيئا ما قد ينشأ في بقعة واحدة من بقاع العالم لا يعني انا لا يمكن أن يطور أو يطبق في بقاع أخرى ما قد نشأ في متعة واحدة من بقاع أخرى. مثالان بسيطان, لم يشك أحد خلال كأس العالم بأن كرة القدم هي اختراع انجليزي. وينفس المقدار فإن لا أحد يعترض على مبدأ استقلالية قرار الدول الوطني وسيادتها. هذه أفكار يقبلها العالم بأكمله مهما اختلفت الثقافة,ان الرأي القائل بأن الديمقراطية قد نشأت في الغرب يتميز عن الرأي الذي يرى أنها يمكن أن توجد في الغرب فقط. أضف الى ذلك أن الكثير عما يقدم اليوم باعتباره ضد الغرب يتأثر بالغرب نفسه, إن فكر الخميني السياسي قد أقتبس من الراديكالية الغربية افكار- فـ"الجمهورية " و" الثورة " هما مفهومان غربيا النشأة.

أخيرا ينبغي علينا أن نلاحظ أن كل دول العالم تقبل بمباديء الأمم المتحدة وتتضمن هذه سيادة الدول, واستقلالية القرار الوطني وحقوق الانسان. وان رفضت أي دولة هذه المباديء فإن عليها مغادرة الأمم المتحدة. ان للدول موقعا خاصا في الشؤون العالمية, غير أن عليها في ذات الآن مسؤوليات تتحملها.

 
 
 
حوار :عبدالله الحرصي
عبدالملك الهنائي(باحثا من سلطنة عمان )

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …