أخبار عاجلة

فرناندو بيسوا (1) Fernando Pessoa

قصيدة "نشيد الظفر" قصيدة أساسية في تجربة بيسوا الشعرية. بها دشن الولادة الشعرية لألبارو دي كامبوس Alvarode Campos، النديد الشعري الأكثر بيسوية من بيسوا نفسه. لقد انكتبت هذه القصيدة -النشيد في ذلك اليوم الابداعي الخارق في حياة بيسوا، يوم الثامن من مارس 1914 الذي عاشه لحظته من كتابات شعرية متصلة فيما يشبه الانخطاف أثمرت ظهور معظم قصائد "راعي القطيع" لالبرطوكاييرو Alberto Caiero ثم قصيدة "مطر مائل" لبيسوا نفسه وأخيرا "نشيد الظفر" هذه جميعها انكتبت دفعة واحدة وبدون تشطيبات معلنة بدايات تجربة التعدد والتكاثر الذواتي الشعري الذي سيعرف فيما بعد المزيد من الولادات والخوارق.

وإذا كان الخلاف بين الباحثين والدارسين متشعبا حول ماهر نديد وما هو مستعار من الأسماء أو "المخترعات" الاسمية البيسوية في مجال النشر فليس ثمة خلاف أساسى حول أنداده في الشعر وهم: ألبرطو كايو (2)، ألبارو دي كامبوس، ريكاردو رييس Ricardo Ries (3) وكوليهو باشيكو (4) Coleho Pacheco المتحفظ عليه.

لقد اختار بيسوا إذن أن يتكاثر ويتعدد، أن يتخفى وراء أقنعة شتى (بعضها لم يكتشف إلا منذ شهور فقط). غابة كثيفة ومضللة حتى بالنسبة لصانعها وراعي كائناتها، المقيم حيث لا يعلم وحيث استحال هو بدوره الى قناع الى مجرد اسم مستعار. إحساسه الجذري المريع بخواء الوجود وهشاشة واقعية الواقع ألجأه الى ضرورة اللعب، اللعب السوداوي والكئيب بممكنات الخيال ومهاوي الداخل، ألجأه الى الايمان بواقعية الوهم الى إخصاب الهويات والذرات الكامنة والممكنة في ذاته الى أقصى الحدود الممكنة مغامرا بكل رأسماله من المشاعر والحدوس والأفكار والمراجع.. لم يثنه شي ء عن التفرغ كلية لتشييد قارته العجيبة: قارة الهدم والتشكيك والصراخ والسخرية السوداء، الأنين المكتوم والحنين، والمفارقات والفناء المجوف، تعذيب الذوات وشيها على نيران لا ترحم.. وقبل ذلك وبعده مساءلة الو جود والأشياء بهزء وعنف والاحتجاج الجذري والدائم على ما لا علاج له: الوجود القسري في عالم القسر.

ولد البارو دي كامبوس – حسب التاريخ المفترض الذي وضعه له بيسوا – في طابيرا Tavira، الميناء البحري لـ Algarve يوم 15 أكتوبر 1890. لم يحدد يوم وفاته الذي لا ينبغي حتما أن يكون سابقا لشهر أكتوبر 1935.

بين بيسوا وكامبوس، انعقدت أواصر صداقة متينة، إذ كثيرا ما خاطب الأول الثاني بعبارات ودية غير مألوفة لديه مثل "ولدي" و"صديقي المسكين التعس". إن "كامبو هو البيسوي الأكثر بيسوية في بيسوا".

بعد إنهائه دراسته الثانوية انتقل الى انجلترا لدراسة الهندسة البحرية ثم عمل سنوات عديدة من بعد، في مؤسسة بناء السفن في نيوكاسل في سنة 1934 عاد بصفة نهائية الى لشبونة ليتفرغ للأدب بعدما تخل عن مهنة الهندسة.

كان كامبوس خلافا لاستاذه كابيرو وصديقه ربيس، ميالا الى التأثر بالظواهر والتقليعات الأدبية لعصره، مهتما بوجه خاص بالقضايا التي أثارتها الطليعة الأدبية (وهي قضايا لم يسايرها بدون شروط في أي وقت من الأوقات).

كامبوس في رأي رييس "ناثر كبير.. مع علم كبير بالايقاع" لأنني يقول رييس "لا أرى فارقا أساسيا بين الشعر والنثر" (5).

غير أن كامبوس – مثل غيره من الأنداد – لم يحظ بمقروئية واسعة في حياته بالرغم من الفضيحة التي أثارها في عددين من أعداد مجلة أورفي. وطوال العقد العشرين اكتفى بنشر بضع قصائد في مجلات أدبية أبرزها "المعاصر". وفي بدايات الثلاثينات لم يكن معترفا به كشاعر كبير سوى من طرف دائرة محدودة جدا من مثقفي مجلة "حضور"، وكذا من قبل بعض الجماعات الأدبية الصغيرة في لشبونة وأيورطو، فضلا من كاتبين وناقدين فرنسيين هما بيير أوركاد Pierre Hourcade وأرماند غيبر Armand Guibert الذي شرع فيما بعد في ترجمة أعماله الى الفرنسية.

يقول أوكتافيو باث عن "نشيد الظفر" (6):

"تمتلك قصيدة كامبوس الأولى "نشيد الظفر" أصالة خداعة، فهي في الظاهر صدى لامع لويتمان وللمستقبليين أنها نشيد لا يمكن أن يقارن إلا بتلك القصائد التي كانت تكتسب في نفس تلك السنوات في فرنسا وروسيا وأقطار أخرى. لكن الفارق ملموس. فويتمان آمن فعلا بالانسان وبالآلات، أو بعبارة أفضل، آمن بأن الانسان الطبيعي لم يكن معاديا للآلات. عقيدة وحدة الوجود لديه تستوعب حتى الصناعة والقسم الأكبر من أخلافه لا يسير في نفس اتجاه تخيلاته، بعضهم يرى في الآلات لعبا مدهشا. إنني أفكر في فاليري لاربو وفي Barnabooth الذي ينطوي على أكثر من وجه شبه مع ألبارو دي كامبوس إن موقف لاربو تجاه الآلة هو موقف أبيقوري، موقف المستقبليين منها موقف رؤيوي فهم ينظرون اليها كما لو كانت الدركي المدمر للانسانوية الزائفة و"للانسان الطبيعي" تبعا لذلك. لا يقترحون أنسنة الآلة بل بناء نوع إنساني جديد مشاكل لها. الاستثناء هو ماياكوفسكي. لا ولا حتى هو. أما "نشيد الظفر" فليست قصيدة أبيقورية ولا رومانطيقية ولا ظفرية إنها نشيد غضب واندحار، وفي هذا تكمن أمالتها.

المصنع هنا عبارة عن "منظر استوائي" مأهول بحيوانات عملاقة وشبقة، بجماع لا نهائي للعجلات والرزم والبكرات، حيث الايقاع الميكانيكي يتضاعف وجنا الحامد والكهرباء تتحول الى قائمة تعذيب الآلات هي أجهزه الجنس الهدامة: لكم أحب كامبوس أن تطحنه تلك اللوالب الفوارة، هذه الرؤية الشاذة هي في الواقع، أقل فانطستيكية مما تبدو، وهي ليست مجرد وسواس خاص بكامبوس. الآلات هي التناسل وتكاثر الأنساق والمنظومات الحيوية. وهي تفتتنا وتبعث فينا القشعريرة لأنها تمنحنا الانطباع الاني للذكاء واللاشعور، كل ما تفعله تفعله بإتقان لكنها لا تعرف ماذا تفعل. أليست هذه سمة من سمات الانسان الحديث ؟ غير أن الآلات هي فقط أحد وجهي الحضارة المعاصرة. الوجه الآخر هو الاختلاط الاجتماعي.

بالصراخ ينتهي "نشيد الظفر". يفقد ألبارو دي كامبوس، وقد تحول الى حزمة طرد، عجلة القدرة على استخدام الكلمات: فيلجأ الى الصفير الى الصرير، يقرع الأجراس، يدق بعنف ويدوي ثم ينفجر كلمة كاييرو (المعلم) تستدعي وحدة البشر والحجر والحشرات أما كلمة كامبوس فتستحضر الصخب المتقطع للتاريخ. ألوهية الكون وألوهية الآلة إذن شكلان لالغاء الوعي.
 
 
ترجمة وتقديم: المهدي أخريف (شاعر وكاتب من المغرب)

شاهد أيضاً

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع …