أخبار عاجلة

«فصول متوحشة» *

إلى رولان، مسافر الأبدية.
1
كم من وقت إضافي عليّ أن أصبر؟ عمّا قليل ستمرّ ساعتان كي يتمّ استقبالي. لا أستطيع بكل بساطة النهوض والذهاب مادمت قد تخلّيتُ طواعية عن إرادتي. منذ اللحظة التي وضعت فيها قدمي في هذه العمارة، فإن وقتي، ومزاجي، وحياتي أصبحت متعلقة بنزوة الكاتب العام. لم يعد أي مجال لأن أستسلم لرغبتي المتنامية في أن أغادر قاعة الانتظار هذه في قصر الوزارات حين تمكنت أخيراً من نيل حُظوة أن يستقبلني سُمُوُّ.
أنا مستعجلة للعودة إلى بيتي. قبل أن أغادر بيتي بقليل، عثرت على المذكرات التي كان يكتبها دانيال. كانت مختبئة في القلب المزدوج لعلبة مغطاة موضوعة فوق دولاب مكتبه. جثمتُ على كرسي، وبدأت أعيث في رفوف الأثاث بحثاً عن مفتاح ضائع حين سقطت العلبة على قدمي، كاشفة سرّها. أمسكت المذكرات للحظة بين يدي، دون ان أفهم شيئاً. لقد أخافتني قليلا، مثلما يفعل مختلسٌ بنهدي. التفتُّ بشكل غريزي لأرى ما إذا كان أحد ما يراقبني. وبسرعة تصفّحت برأس إبهامي الأوراق المليئة بكتابة دانيال الوجيزة. لم يملأ منها إلا ما يقرب العشرين. تعود ملاحظاته الأولى إلى أكتوبر الماضي. تسعة أشهر مضت وأنا لا أعلم شيئاً.
الجو حارٌّ رغم مروحة التهوية التي تحرّك الهواء في السقف. كل موظفي الوزارة تقريباً غادروا. بدأت كاتبة الكاتب العام تستعدُّ بدورها للمغادرة. نظرت إلي بطريقة غامضة وهي تغطّي آلتها الكاتبة، وقالت لي ألا يتملّكني الغضب، وبأنني سأقابل الكاتب العام. يوجد دانيال في السجن منذ شهرين ويوم واحد بالضبط. وينسيسلاس لامي وهوبيرت أندري، زميلاه في الجريدة، وهما أيضاً عضوان في اتحاد الشيوعيين الهايتيين، تم اعتقالهما في نفس اليوم الذي اعتُقل فيه. ميشيل-أنج لوفيفير، الكاتب العام للحزب، تمّ التستُّر عليه. لن تكون هناك قضية، ولا محاكمة، ولا اعتقال. دانيال سيُطلق سراحه أو سيُعدم بعد فترة من التعذيب والتفسُّخ داخل السجن. وفي الحالة الثانية، لن أشهد يوم موته ولا في أي حفرة جماعية سيُقذف بجسده. ليس للعدالة وقت تمنحه للشيوعيين المرتبكين داخل نظرياتهم ومواجهاتهم السلمية. إنهم عبارة عن حشرات ضارّة على الديكتاتورية سحقها. الآخرون، الكاموكان(1) ، تمّت مطاردتهم بدون رحمة، قطّعتهم الحشود أو أُعدموا في الساحات العمومية. يُضربون بالسيف…جثتهم الوارمة تبقى أحياناً عدّة أيام فريسة للذباب وللفضوليين المندهشين والمرعوبين. لكن على الأقل سيُقام لهم الحداد. الأكثر قسوة هو عدم التأكّد من الموت، الانتظار، مثل جرح لا يلتئم ويقتل الحياة، قطرة بقطرة. بعض الأسر والأصدقاء يعتقدون أن دانيال كان مخطئاً في استفزاز الحكومة في مقالاته التي يفضح فيها خرق الدستور والازدراء المطلق بحقوق المواطنين. يلومونه أيضاً على نشر أفكار شيوعية خطيرة. ربما هو على حق. لكن اليوم، ليس لي الوقت للتفكير. يجب أن أطرق جميع الأبواب، وأقرع جميع الأجراس، وأبتلع كبريائي وخوفي من أجل التماس إطلاق سراحه. من أجل طلب تحريره، وإرجاعه إلى طفليه. وأحياناً تكون تلك المعجزة ممكنة، رغم أنها لا تًصدّق. سأنتظر ساعتين، أربع ساعات أيضاً إن لزم الأمر.
لا أملك أي أخبار عن دانيال. قيل لي إنه لا زال على قيد الحياة. المصدر، أي أحد يحمل فتات خبر، أو بريق أمل. المصدر، هو معرفة أن قريبي المسجون في “فورت-ديمانش” قد نجح في تسريب ورقة إلى الخارج عليها أسماء بعض الناجين، مرّ أسبوع على ذلك. المصدر، هو بستاني السجن، قريب زوج خادمتي، الذي قال إن دانيال يقيم في الجناح الأيمن من البناية، داخل زنزانة ينام فيها ستة رجال بالتناوب على السرير الوحيد الموجود هناك. كل معلومة يُؤدّى عنها بالمال أو بالأرق.
2
أدخلني الكاتب العام بنفسه إلى مكتبه. أحسست بالبرودة من الباب. لا شكّ أنها تنقص خمس درجات عن الحرارة الموجودة في قاعة الانتظار. كيف يمكن العيش في هذا الجو المتجمّد؟ الأثاث وازن ومهيب. الخشب في كل مكان، ضخم ومعتم. يسود نظام متقن. مصباح النيون يلقي دائرة من الضوء الساطع على زاوية من المكتب. يدُ الكاتب العام مثلجة وجافّة، وقبضته خالية من الروح. يرتدي بذلة زرقاء غامقة، وقميصاً أبيض وربطة عنق حمراء. لباس تافه. أكبر قليلا من المتوسط، بشرته السوداء الغامقة تحجب وجهه. في وسط الأربعينات، أستطيع القول. عينان مستديرتان خلف نظارات سميكة، شفتان منتفختان، أنف قوي بثقبتين تنظران إليك كما لو انهما زوج عينين فارغتين. شعره الشبيه بالصوف وخطه الشيب من الصدغين. وجه خالِ من كل جمال، ولا يكشف عن أي سرّ. بدانة خفيفة تظهر تحت سترته. فجأة شعرت بحاجة ملحة للتبول، بسبب البرد بدون شك. الكاتبة أغلقت باب المرحاض الموجود في قاعة الانتظار قبل أن تذهب، أمسكت نفسي منذ فترة لابأس بها.
“اجلسي…، سيدة لوروا.
– شكراً…، سعادتك.”
مرت لحظة. أنتظر أن يتوجه إلي الكاتب العام بالكلام. يبدو أنه غير مستعجل. ينظر إلي خفية وقام بحركة غريبة برأسه كما لو أنه رأى شبحاً، لكنه اعتدل بسرعة. ظننت بعد ذلك أنني رأيت رجفة على شفتيه حين ابتسم. وأنا جالسة على مؤخرتي، أصبح الضغط على مثانتي أكثر إيلاماً. اعتدلت كي يتركّز وزن جسمي أكثر على فخذي. ” أنا…لقد تم استدعائي على وجه الاستعجال من طرف رئيس الجمهورية…”
تكلّم أخيراً بنبرة من يريد الحديث عما يجري. أظن أن المعلومة هي بمثابة اعتذار عن الأربع ساعات وعشر دقائق التي قضيتها في غرفة الانتظار. لكنني لست مغفّلة. فذلك الانتظار المقصود والمحسوب يحدّد بوضوح السيناريو. لقد جعلني تحت رحمته. فسلطته يمكن أن تنقذني أو تدمرني. أنا في أسوأ وضع يمكن أن يوجد فيه أي مواطن في البلاد. في مواجهة الغضب الشرعي للسلطة المطلقة المستفَزَّة”، التيار المضاد ل”الثورة الجارية”، داخل معسكر الخونة الذين يدافعون عن قضية. باب مفتوح مباشرة وراء كرسي كاتب الدولة. من هنا بكل تأكيد يدخل ويخرج من قصر الوزارات دون أن تراه جماعة الحيوانات التي تنتظره طوال اليوم أمام مكتبه. الباب الذي على يساري لا شك أنه خاص بالمرحاض. سحب كاتب الدولة كراساً وقلماً من أدراج مكتبه. كان يراقبني دون أن يجعلني أشعر بأنه كان ينظر إلي. لعبت نفس اللعبة.
“همممممم…لقد وافقت على استقبالك هنا، سيدتي، بعد تدخل صديقي الدكتور كسافيي.” توقف كاتب الدولة لحظة. “إنه طبيب ممتاز للأمراض الباطنية، الدكتور كسافيي، لقد كلمني بكل ثقة. إنه رجل أنا مدين له كثيراً، كثيراً…لقد أنقذ حياتي. عادة لا أتلقى هذا النوع من…التظلمات. لكن، بشكل استثنائي…ما هو اسم ونسب…زوجك؟”
تغيرت نبرته. ما يشبه المودة في صوته أصابني بالرعب.أراد قلبي أن يجد طريقاً بقوة ويخرج من ثدري.
“لوروا…دانييل، قلت بنفس واحد.
– السن؟
– تسع وثلاثون سنة.
-المهنة؟
– أستاذ الفلسفة، والقانون…والتاريخ.
– وماذا أيضاً؟” سألني كاتب الدولة وهو يرفع أحد حاجبيه. أصبح صوته قوياً. للمرة الأولى منذ دخولي إلى القاعة، بدأ يدقّق في نظرتي.
ساورني الشك في خاصية كاتب الدولة في تغيير موضوع الحديث والنبرة بطريقة محيرة. مثل عدّاء ينتقل بطريقة متعرجة. وهي بكل تأكيد تقنية للاستجواب أصبحت طبيعة ثانية. في الحقيقة، هو يعرف كل شيء عن دانيال. سنّه، والداه، وضعيته المالية، محاضراته في الجامعة، مقالاته الصحفية التي ينتقد فيها الحكومة، لون بشرته، تاريخ عيد زواجنا، أسماء أبنائنا، كل شيء. عمله هو أن يعرف كل شيء عن كل من يحمل اسم دانيال الذين يضعون حبات الرمل في آلة السلطة، وأن يُعيدهم إلى الصّمت.
“صحافي…أضفت بصوت ضعيف.
أضاف كاتب الدولة، بملامح فارغة.UCH – رئيس تحرير صحيفة المعارضة “الشاهد” والعدد الثاني من
شعرت بعذاب موجة من الألم أسفل صدري. لم تعد مثانتي قادرة على الصمود أكثر. لكنني لم أجرؤ على أن أطلب من كاتب الدولة السماح لي باستعمال مرحاضه الخاص. لم أجرؤ على تذكيره بأنني أملك جسداً، وجهازاً بولياً، وثغراً. لقد وصله بدون شك صوت تدفق البول. لا أريده أن يتخيلني داخل القاعة المجاورة. هشّة وعارية. وظيفتي الأنثوية هذه بدت لي في هذه اللحظة ضُعفاً، وتهديداً لجسدي الخاص. كان عليّ ألا آتي وحدي إلى هذه المقابلة. تعرّق جبيني رغم الهواء المكيف. لقد طلب مني الدكتور كسافيي ألا يكون برفقتي أحدٌ وأن أترك الأمر سراً ما استطعت. كل ما يتعلق بالمعتقلين السياسيين يجب أن يُعالج بأقصى السرية.
“منذ متى…اختفى زوجك؟
– منذ شهرين ويوم واحد.”
غير أنني أردت إضافة شيء لا يعرفه كاتب الدولة، وهو أن دانييل لم يختف، بل أخذه ثلاثة رجال حين عاد إلى البيت مع حلول الليل، وأنهم كانوا داخل سيارتنا التي لم يتم العثور عليها بعد. لاشك أن هناك شهوداً رأوا ما حدث لكن لم يفتح أي تحقيق ولا أحد قدّم شهادته. وضع كاتب الدولة القلم، استند على مسند مقعده وتنهّد. فقدت مقولة الزمن. لقد حلّ الليل في الخارج لا محالة. الأطفال ينتظرونني. منذ إيقاف دانييل وهم يتعلمون الحزن، ويكبرون قبل أوانهم. وحده الدكتور كسافيي يعرف أين أوجد في هذه الساعة. عضلات حوضي تتألم طالما أشدّهم لأمنع الماء الذي يبحث عن طريق للخروج من جسدي.
“هل تعلمين أين يوجد الآن زوجك، سيدتي؟”
أصبح صوت كاتب الدولة هادئاً وخطيراً.
“لا…سعادتك.
– أنت تكذبين، سيدتي.” ابتسم كاتب الدولة فتمدّد أنفه حتى كان يلمس شفته العليا. أظهر لي أسنانه الطويلة، المنتظمة وذات البياض الناصع. ابتسامة مفترسة أضافت قليلا من الجمال على هذا الوجه الجَحود.
قلبي يخفق بسرعة. أشعر كأني طفلة اكتُشفت وهي ترتكب جريمة كذب واضحة. ما العمل؟ يجب أن أعترف له بالحقيقة. بما أنني لا أملك ملاذاً آخر.
” ذلك…ذلك لأنني لا يمكن أن أضع ثقتي في الإشاعة، سعادتك.
– وماذا تقول الإشاعة، سيدتي؟
– تقول إن دانييل…إن زوجي يوجد بـ”فور-ديمانش”.
– بـ”فور-ديمانش”…طبعاً”، قذف كاتب الدولة الجملة في زفرة طويلة. ثم سجّل شيئاً. “الإشاعة في بلدنا، كما ترين، سيدتي، هي سلاح ذو حدّين، سلاح لا يرحم. تحرّرك وتسجنك. تكلّفك المال. يمكنها أن تجعلك سعيدةً لكن ليس لوقت طويل أبداً. تجعلك كائناً هشّاً. ما هو عنوان بيتك؟” أصبحت نبرته محايدة من جديد.
” 16، شارع “دي سيغال”…
– هل جئت على متن سيارة؟
– لا…جئت في سيارة أجرة…لا زلنا نعرف لا نعرف أين توجد سيارة زوجي…
– طيب…فهمت…” قاطعني كاتب الدولة وهو منزعج.
بحركة مباشرة، ضغط على زرٍّ مثبت تحت الطاولة التي أمامه فتردّد صوت جرس في أعماق الوزارة. بعد بضع دقائق انفتح الباب الذي وراء الكرسي فظهر رجل شاب، ضخم ورشيق، له سحنة حمراء،جاهلٌ بعينين ضيقتين بشكل غريب. يرتدي قميصاً بكُمّين ويحمل مسدساً داخل غمد جلدي مثبت في خاصرته اليمنى. اقترب، نظر إلي خلسة ثم وقف صامتاً جنب كاتب الدولة.
– جوسلين، اصطحب السيدة لوروا إلى بيتها. 16، شارع “دي سيغال”.
– حاضر، سعادتك.
– سيدتي، لا تهتمي بالإشاعات…، قال لي كاتب الدولة كطريقة للوداع.
– شكراً، سعادتك.”
تردّدت في الوقوف. افترضت أن اللقاء انتهى، لم يستمر سوى عشرات الدقائق بعد أربع ساعات من الانتظار. اللحظة شاقة. بقي كاتب الدولة جالساً، فجأة ظهر عليه تعب شديد. توجه جوسلين نحو باب الخروج من المكتب وتبعته وأنا أحاول السير بشكل طبيعي ما استطعت. نظرات كاتب الدولة ألهبت عنقي، عظام كتفي، مؤخرتي، ساقي. في الخارج قليل من المارة على جنبات شارع “سان- أونوري”. في الأسفل، فيى شارع “أونتيرمون”، وضع بائعو الأكلات بسطاتهم المضاءة بمصابيح الكيروزين. الواجهة الغربية للقصر الوطني، على بعد خمسين متراً، تلمع بقوة ومجموعة من الجنود ينتقلون من مركز إلى آخر. خلفي، مجموعة “ثكنات ديسالين” المظلمة تبدو مثل أبو الهول فوق عمق الظل. هناك الكثير من المعتقلين داخل هذه البناية، فبين هذه الجدران السميكة يعاني ويحتضر الكثير من الرجال والنساء. صعدت سيارة طويلة سوداء مركونة أمام الوزارة، فتح لي المدعو جوسلين أحد الأبواب الخلفية. شبح لا أعرف من أين جاء جلس في الكرسي الأمامي، جنب السائق. من القصر الوزاري إلى بيتي، دامت الرحلة عشرين دقيقة. أعاني عذاباً شديداً كلما مرت السيارة من إحدى الحفر. وما أخافه أكثر هو أن يتركنا أسير على الممشى. حركة السير متناثرة على شارع جون براون. أخيراً وصلنا. ترجّل جوسلين ليفتح لي الباب، الراكب الآخر لم يتذمّر من الأمر. رسمت ابتسامة شكر. انطلقت السيارة كالإعصار فأثارت غيمة غبار كثيفة. أدركت في تلك اللحظة أن الكاتب الدولة لم يقطع بأي وعد، ولم لم يعطني أي موعد، وبأنني لا أعرف أي شيء عن مصير دنيال. أما موقفه معي فلم يحيّرني. ربما حضوري جعله محايداً لكنني فوجئت بوميض متوحّش في بعض نظراته. تملّكني إحساسٌ بأن شيئاً غريباً يخنق بلعومي، فلم أستطع الابتلاع. امتدّ الألم من أسفل بطني إلى ركبتي، فشلّ حركتي، لويت نصفي قليلا. هل سأجثو كما لو أني أتبول على الرصيف كما يفعل بائعات الخضر المتجولات؟ لم أر أحداً. البيت صامت. تسود العتمة الآن. خلف ستائر غرفة الضيوف تلمع هالة ضوء قنديل الكيروزين. كل شيء صامت، الضباب الدافئ في المساء يسحب العطر العنيد “إيلنغ”2. سُمع هزيم رعد بعيد، ربما ستمطر. أغمضت عيني وتنفّست بعمق. ليس سوى ليل آخر في “بور- أو-برانس”3، الأغصان تهتزّ من صرير حشرات الكريكيت مثل كل الليالي في “بور- أو-برانس”. الصيف ينثر نفساً ربيعياً ساخناً. سيدخل دانيال بعد قليل، تفوح منه رائحة الطباشير والسجائر. أتخيل رأسي ماري ونيكولا المائلين على دفتريهما، نيكولا يتظاهر بالعمل لكن كل انتباهه منصّبٌّ على القطة عند قدميه. نهاية السنة الدراسية تقترب. أجاهد لأخطو خطوة واحدة من أجل فتح الباب فأحسست، وأنا عاجزة، بالبول الدافئ ينزلق على طول رجلي ويبلّل حذائي.
-3-
بعد أكثر من ساعة على رحيله، بقي يشعر بحضور “نيرفاه لوروا” بين الجدران الأربعة لمكتبه. الكهرباء الذي كان يصدر عن المرأة تلاشى أخيراً، وتركه بذهن متعب. لم يتمكّن من التركيز على الوثائق المصطفة أمامه. اعتقد رغم أنه متمرّس على حروب الشهوة، وسيد اندفاعاته، وشديد السأم من أجساد فتية كثيرة تُمنح له كلّ يوم مقابل رحمته وحمايته. عرف إناث من كلّ لون منحن أنفسهن له لغير شيء، فقط من أجل الاقتراب من سلطته. كان يزور عادة تلك المواخير الموجودة في المخرج الجنوبي للمدينة حيث كانت المضيفات الماكرات في غاية الجمال، ذات بشرة صافية وشعر مهمل، قدمن من جمهورية الدومينيكان، من الجانب الآخر للجزيرة. “الملتقى”4، مكان كل المتع، واحة في الجناح الجنوبي من العاصمة التي تفقد شيئاً فشيئاً سحرها الرعوي لتصبح مرفأ للسهر إلى آخر الليالي، للتجّار، لأرباب الفنادق وملجأ لآلاف المواطنين القادمين من الضواحي الذين تقذفهم الشاحنات في “كامب-دي-مارس” للتعبير بانتظام عن دعمهم للسيادة الوطنية، ولا يستطيعون أداء ثمن العودة. لكن هذه المرأة لا تشبه أي امرأة أخرى. لقد تشبث بها بمجرد ما وقع نظره عليها. امرأة من النوع الذي يعذب الرجال. عطرها المصنوع من المانجو الناضج مازال يطفو في الهواء. سال له ريقه. كانت تفوح منها القوة والضعف، الدقّة والطيش، السكينة والضلالة. كانت تخفي وراء نظرتها البريئة عالماً سريّاً من الرقي، والتواضع، من الهمس، والضحك الخفي. عالم متعالٍ وصعبٌ الولوج إليه. عالم مخادع وفاسد. كانت تحتفظ تحت جلدها مفتاح السفر إلى الأراضي المحرّمة. خلال الدقائق التي مرت طيلة حضورها، بلغ كاتب الدولة قمم الهيجان والحماسة. قدمت إليه لأنها عرفت ربما لأول مرة في حياتها رعب الشدّة. لأنها فهمت أخيراً بأن الريح غيرت وجهتها وبأن السيادة غيرت لونها ومعسكرها. لقد جاءت تتوسّل إليه، دون خجل، ناسية بأنها في ظروف أخرى كان يمكن أن يكون موضوعاً لازدرائها، أوفي أسوأ الحالات، لعدم اكتراثها. استمعت إليه طيلة أكثر من أربع ساعات، وهي فاقدة الأمل في أن تراه مرة أخرى. تحت مظهرها الهادئ، كانت تشعر بجسدها يرتعد، وبروحها تلهث. لم تستطع إخفاء خوفها بشكل جيد، فهي تعاني منذ عدّة أسابيع، لم تكن تنام طيلة الليل. بدأت تفتقد المال لأن الحساب البنكي لزوجها تم إغلاقه في “بنك كندا الملكي”، وجميع ممتلكاته تم الحجز عليها باستثناء البيت. دانييل لوروا…هذا المبتدئ ظنّ أنه يستطيع أن يكون ماكراً مع المصالح الذكية في وزارته. ظلّ يتجاوزهم، زاعماً أنه ينتمي ل UCH
ومعارضاً مكشوف الوجه، في حين أنه في الظلّ يحرّض على مشاريع فاسدة، ناشراً الحيرة والتمرّد في رؤوس المزارعين والشباب، زارعاً الألغام في الثورة. بل إنه كان يهيئ لانقلاب عسكري. كلهم يريدون أن يصبحوا رؤساء. هممممم…عندما تكون لنا زوجة جميلة مثل هذه، يكون، بالنسبة لـ”لوروا” خطيراً، بل من الخطير جدّاً الاحتكاك بالسياسة. بعد تدابير عديدة غير مثمرة في الغالب، التجأت السيدة لوروا إلى سلطتها. سلطتها. المخدّر الذي لا يستطيع الإقلاع عنه في الحاضر. يبحث عن مقداره في نظرات المشبوهين الذين يحقّق معهم، في نظرات المعتقلين الذين يتصبّبون عرقاً ودماً ويتضرعون إليه من أجل إيقاف حصّة التعذيب. احتفظ بمجموعة من المناديل المبقّعة بدم الشابّات العذارى اللواتي أزال بكارتهن غصباً. إنه اليوم أحد الرجال الأكثر قوة والأكثر مهابة في البلد، وهو الآن يملك التأكيد النهائي بالحضور اليائس لهذه المرأة الجالسة أمامه، التي تضع مصيرها بين يديه. امرأة ترمز إلى أمة منقسمة، إلى تاريخ بانطلاقة خاطئة، إلى العيش الكريم والامتيازات لعدد ضئيل وقحٍ وإرث من المهانة لأغلبية كاملة من الرجال والنساء، منذ زمن بعيد جدّاً. كل شيء ممكن بالنسبة إليه اليوم، يطلب المال، يرتشي، يشتري الوعي، يضطّهد، ينطق بالأحكام ويبرّئ في بلد ملفّق حيث القوانين تغيّر وجهها كل يوم. لن يردّد كاتب الدولة في أن يتحوّل منذ الآن إلى صانع لقدر هذه الزائرة القادمة من عالم لا يعرف عنه إلا الباب المغلق. إنها تمثل كل ما يزدريه أكثر، ما يريد أن يراه يختفي من هذه الأرض، كل ما منع أجيالاً من الرجال والنساء مثله من أن يبلغوا قمّة إنسانيتهم. كانت تمثل أيضاً ما كان يرغب فيه أكثر في العالم، ما يضحي بحياته من أجله. نعومة بشرتها، أنفها المستقيم، رموشها الطويلة التي تظلّل عينيها الواسعتين النديتين، فمها الأحمر، البنفسجي تقريباً، شعرها المنسدل، الشديد السواد، المشدود داخل جديلة، والذي تخيّله ينسدل في فوضى على كتفيه العاريين ويداعب بشفتيه حلمتي نهديها اللتين بلون أرجواني حتماً. سيصفعها، ويخلع ثيابها أمام الملأ، يهينها، عدد المرّات التي تجاهلن وجوده فيها بنات نوعها، واستخففن بذكائه. سيعضها حتى يسيل الدم من أجل الاحتقار الجارح أو المتعاظم، من أجل النوادي المغلقة، والأبواب المنيعة، من أجل حكم القلة. سيداعبها ليلة كاملة، يبلّلها بدموعه، وهو يعتذر لها عن الضغينة التي تجاوزت الحدود. سيمسك بها بفظاظة، دون كلمة، وهو ثمل بشكواها، ويتلذّذ بلحظة رؤية الاندحار في عمق عينيها. لم ينهض ليودّعها لأنه في تلك اللحظة كان يعترف بجسده المضطرب لـ”نيرفاه لوروا” بكل ما صمتت عن قوله شفتاه. لأنه توتّر كما يتوتر شاب في العشرين من العمر، حين لم يكن الدم يعرف الضعف.
الهوامش
1 – Kamoken
2 – ylang-ylang عطر من صنع فابريس أوليفيي بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيس شركته المتخصصة في صناعة العطور:
3 – Port-au-Prince عاصمة هايتي :
4 – Carrefour.


لـ كيتلي مارس

ترجمة: محمود عبد الغني * *

شاهد أيضاً

جارتي الصينية وبغداد ونائمات كاواباتا

فاروق يوسف * أوحي إلى يدي لتكون يدا أخرى، أصابعها وهي تنظر إلي توحي إلي …