أخبار عاجلة

فــــي هشيـــــــــــم العالم

سيف الرحبي

ربما هناك الكثيرون، لم يقاربوا هذا الوباء المستجد، كورونا (كوفيد19) مقاربة مباشرة كواقعة في سلسلة الوقائع والأحداث المخيفة القاتلة التي حلت بالبشريّة والعالم، لأنهم مصدومون ويعيشون بكل الحواس والمشاعر والمعرفة، هولَ الصدمة المباغتة كونها على هذا النحو الشمولي الكوني الضارب لمراكز الحضارة والعلوم، قبل غيرها ، وأعاد طرح أسئلة البداهة التي تجاوزتها علوم هذه الحضارة بتقنياتها ومعارفها المختلفة لمسافات طويلة من التحقق والإنجاز والتجاوز.
فكأنما هذا الوباء حتى اللحظة حدث يجمع الواقعَ المرير الماثلَ بالميتافزيقيا المتعالية.. كانت الأوبئة حتى في العصر الحديث، من انفلونزا الطيور، وجنون البقر، وحمى الخنازير، الايبولا، والسارس محصورة ومُحاصرة في مناطق وأماكن بعينها، ولم تشكل هاجساً مقلقاً على هذا النحو، حتى على قارة بالكامل من قارات العالم. كأنما كانت تلك الأوبئة ربما المقدّمات الضرورية، الإنذار المبكر لانفجار الخوف والموت، على هذا النحو من الشمول الكوكبي المروّع الذي أعاد الحياة إلى نقطة الصفر في بحثها البدائي عن خلاص فيما يشبه الأسلاف السحيقين في الزمان والأعماق المظلمة..
العلماء والأطباء المختصّون، مراكز البحث والمستشفيات الكبرى خاصة في بلدان «المراكز» يعكفون على البحث أمام استقصاء الحدث، الجائحة حالمين بالترياق القريب، بالأمل المخلّص من هذا الكابوس غير المسبوق الذي وجه طعنته العميقة التي لن يُشفى جسدُ العالم وروح الحضارة منها عاجلاً وسريعاً. ان اكتشاف هذا العلاج الذي يحلم أصحابه بدحْر الزحف الوبائي، هو رد اعتبار للحضارة ومنجزات العلم والحداثة، التي وجهت لها الجائحة الضربة في الصميم، وذكّرتها في خضمّ نشوة القوة والهيمنة على كافة الصعُد، بأن ليس هناك في تاريخ البشر والواقع ما هو نهائي ولا محدود، عدا الغيب المتعالي والذات الإلهية الفارقة خارج  سلالم العقل البرهاني وسطوة المعادلات الرياضية والذكاء الاصطناعي.. كثيرون من أهل الفكر والفلسفة، شملتهم هذه الصدمة وهذا الارتباك، فاقتصرت ردود الفعل المعرفية والثقافية على آراء متفرقة ومقالات ومحاورات فيها من الغموض أكثر من الوضوح في مقاربة الحدث الصاعق حصرا، وسرحت أكثر في معارف منجزة متراكمة، حتى أضحت ربما بديهية حول مسارات الرأسمالية المتوحشة والنظم الليبرالية المتطرفة في استغلال المجتمعات التي تؤدي بالضرورة إلى تكديس البضائع والظلم والاستهلاك، والى انتاج الكوارث. وهي علامات أضحت معروفة في تاريخ التيارات والأفكار والنظم المتصارعة يساراً بكل تفرعاته الغزيرة منذ ماركس، ووسطاً ويميناً. منذ عصر الأنوار والآراء النقيضة له، الحداثة وما بعدها، لكن بقي الصاعق والصادم في الحدث النوعي منتصباً بشموخ قيامة خراب لا يزال غامضاً، وبقي منطق الصدمة متماسكا أمام التحليلات الكثيرة التي تسمعها سواء من أهل مكة وشعابها الطيّبة والعلمية المختصة، أو من أهل الثقافة والفكر والفلسفة المسكونين بقلق البحث العاصف والسؤال، أكثر من ايجادهم لمواصفات الحلول، وراحة الضمير المضطرب.
طبعا عدا أولئك الذين ينطلقون من العتاد الإيديولوجي المعرفي الجاهز، بكل تياراتهم المتناقضة، حد التناحر، أحياناً، لايألون جهداً في الوصول إلى النتائج المرجوة بنفس الجاهزية والتعليب في المقدمات تصل المسيرة الواضحة من غير تعرجات ولا أسئلة معلقة، إلى الوصفات والنتائج في الانحياز الكامل إلى معسكر الخير والتقوى والاستقرار، الذي ينبني بالضرورة على النقيض من معسكر الشر والظلم والاستحواذ الوحشي… الخ كل وجهة أو تيار وفق الهوى والميل لمنظومة المسلّمات، تطرح الحلول النهائية الناجعة للحدث وكافة الأحداث الواقعة والتي ستقع حتى لو كانت على أزمان فلكيّة من القدرة على التحقيق والانجاز، فالأقدار ستأخذ مجراها الحتمي. وسريان هذه القدرية المدعية وغير البريئة كما لدى المؤمنين الحقيقيين والمتصوفة، يشمل في العموم الايديولوجيات ذات الأقنعة الدينية على اختلافها، أو العلموية اليسارية مثلاً، والليبرالية المتعصّبة بكل أطوارها، فلهذه أيضا لاهوتها الخاص وعصبياتها الكثيرة.
j h j
حين بدأ وباء انفلونزا الطيور مثلاً في الانتشار وتناقلته الأخبار عبر العالم كنت خارج بلدي (عُمان) ولم يكن هناك ما يقلق أو يؤرق، طالما ان البلد الآسيوي الذي كنت فيه لم يصل اليه أو انه وصل وتمت محاصرته من غير تبعات كثيرة. أما وباء كورونا (كوفيد19) الذي أطلقوا عليه تسمية الجائحة بعدما أخذ في الانتشار السريع والترحل النهم عبر الهواء والمسافرين الذين في البرهة الصناعية الراهنة، تغص بهم الفضاءات والبر والبحر وسرعان ما دانت له الممالك والدول الامبراطورية الكبيرة والصغيرة، الجميع مُكبّل بمخاوفه وشكوكه وضحاياه التي وإن بدتْ في شهرها الثالث من الاجتياح بالتناقص هنا، وفك بعض القيود الصارمة، تزايدت هناك وسحُب الهلع الارتدادية، تلبّد سماء العالم وأراضيه.
بداية توافد أخبار هذا الوباء، في يناير الماضي، كنت في العاصمة التايلاندية بصحبة زوجتي لإجراء فحوص طبية شاملة، اعتدت عملها كل عام في هذه المدينة الضاجة بالبشر والتلوث والسياح. خلال الأسبوع الذي يقتضيه هكذا فحوص طبية، لم يكن هناك إلا أخبار متفرقة عن الوباء المستجد من الصين ، ولم يكن التوقف عنده ذا بال أو ممض مقلق، ظناً أن هذا الوباء مثل سابقاته من أوبئة وجراثيم وميكروبات ، سيتم محاصرته عبر الوسائل المتطورة المتاحة وينتهي تدريجيا ويتلاشى.
بعد إنهاء فترة الفحوص الطبية انتقلت إلى جزيرة بحرية للاستجمام والهدوء نزلتُ في منتجع تغمره السكينة والبحر من الجهات كلها، أخبار الوباء المستجد تتوافد بوتائر سريعة أكثر من المعتاد، وكانت الفترة نهاية السنة الصينية التي تصادف عند أقوام تلك البلاد الأكثر نسبة سكانية على مستوى الكوكب، الاجازات والسفر والراحة كما في السنة الميلادية المعروفة.
الأخبار تتوافد وتضغط، صرتُ حين أصحو صباحاً لأنزل إلى مطعم الإفطار أرى مجاميع السياح الصينية تحتل كامل المطعم بكمامات واقنعة تغطي الوجوه التي جاءت للاسترخاء من عناء العام وقسوة العمل التي لا ترحم . صرت الوحيد بين تلك الوجوه المكمّمة بالكمامات البيضاء تحديداً، الذي لا يلبس شيئاً عدا (القبّعة) التي تحمي من لهب شمس الشرق الأقصى.. صار الصينيون ليس في المنتجع الذي أنزل فيه، وإنما في المدينة البحرية هم الأغلبية الساحقة من السياح، وكعادتهم يمشون بمجاميع كبيرة كثيرة العدد مع مرشد وأكثر يحمل العلم الصيني ويتقدم الحشد، لا يحاولون الكلام مع الآخر المختلف في السحنة والثقافة، ولا التعرف، مستغرقين الوقت فيما بينهم بكثير من الكلام والحركة في إطار الحشد أو الجماعة، حتى ليظن غير الصيني حين يراهم أن ليس هناك سائحاً صينياً فرداً أوعائلة على حدة… هكذا أيضا كنت أراهم في بلاد أخرى مثل ماليزيا بمدنها البحرية ومنتجعاتها.
وفي السياق الصيني، أتذكر حين جمعتني في مؤتمر بدولة عربية الصدفة بأستاذ في جامعة بكين. وكان المؤتمر معظمه من الأدباء والأكاديميين العرب، وبما أن الأستاذ الصيني، يرأس قسم اللغة العربية في الجامعة، فقد كان منسجماً مع القوم العرب في التعايش والخطاب. لكنني لاحظت مثل غيري، ان الأستاذ يصمت ولا يشارك حتى بكلمة حين يكون ثمة نقاش حول مسألة سياسية وكان الزمن، فترة انفجار الحراكات العربية، وصدام الآراء والأفكار على أشده ، يصمت أو يترك الجلسة ليتمشى حتى حين يتطرق النقاش إلى مواقف الصين التي أصبحت مؤثرة وفاعلة في مجريات أحداث العالم. وحين سأله صديق لبناني عن رأي أو موقف، أجاب انه لا يحبذ الكلام خارج الأدب والاختصاص.
بدأت أخبار الوباء الذي كان محصوراً بالصين ومدينة (ووهان) تحديداً بالازدياد ، حتى تحولت إلى التيار الرئيسي في نشرات الأخبار والتحليلات تشريقاً وتغريباً.. بدأت تقلق، وتترك صاحبها نهباً للشكوك والظنون، خاصة اذا كان وحيداً مثلي، فقد عادت زوجتي إلى عُمان منذ أيام، صرت لا أنزل إلى المطعم الذي يحتله الصينيون بالكامل، ولم أجد راحة للاستمرار، فقطعت فترة إقامتي المدفوعة سلفاً، وقدمت موعد سفر العودة إلى مسقط التي كانت في تلك الفترة بمنأى عن الشبح المخيف القادم ، أيام معدودة لتدخل عُمان والعالم بأكمله تحت سلطة الوباء، الجائحة، ونفوذه المطلق.
j h j
ظُهر هذا اليوم أفتح النافذة، بعد أن دعاني وألحّ في ذلك النداء الناضح بنور البشارة والجمال الذي يغمر قبح الأمكنة برهافته السماوية الزرقاء… انه ليس عصفور دُري، بل ذلك البلبل الصغير الملون مع ميْل إلى السواد، والذي كنا، في الطفولات الآفلة كأنما من فرط التيه، لم تكن لأحد، نسميه (السنيسلو) واقفاً ازاء النافذة، ملبياً لنداء الجرم الصغير الذي انطوى فيه العالم الأكبر … بنور البشارة والغموض المبهج أقف حتى يأخذني دُوار النشوة، رغم جحافل الأوبئة التي تمزق حوافرها السكينة والظلام.
j h j
اليوم، ما يناهز الثلاثة أشهر، لم أخرج من المنزل، أبعد من الفناء والأجناب المحيطة، أكسر طوق الحجر المنزلي الذي بدأ تدريجيا يأخذ طابع الحياة الروتينية الجديدة ليحل محل سابقاتها من حيوات مختلفة في أمكنة مختلفة، أخرج بالسيارة في جولة عامة، الظهيرة اللاهبة في ذروتها، أنحدر من مرتفعات (بوشر) نحو البحر كعادة الأيام الخوالي. سيارات قليلة تمرق في الشارع الرئيسي والشوارع الفرعيّة المحيطة، وقليلة تلك الموقوفة أمام المباني والمؤسسات لتأدية أعمال الضرورات القصوى كما أوصت بذلك اللجنة العليا التي شكلها جلالة السلطان هيثم بن طارق، القادم بمشروعه الإصلاحي الكبير ليباشر تجديد نهضة حضارية بحاجة ملحة إلى تجديد، شكلها كخليّة أزمة وطوارئ بعيداً عن سلطة القنوات الادارية المعهودة، لكن بالتنسيق معها، تحت إشراف السيد حمود بن فيصل وزير الداخلية.
لا أحد في الشارع، المنازل والبيوت الصغيرة والكبيرة، تتبدى في سطوع الفضاء المكاني العام، مهجورة وغير مأهولة بقاطنيها، رغم أنها ليست كذلك.
خَرس أصاب العالم على حين غرة، صمت مطبق وسكون جنائزي. تنحدر السيارة نحو البحر، لقد اعتادت هي الأخرى ذلك حتى الإدمان ، استمع إلى FM عُمان للموسيقى الكلاسيكية، التي من النادر في كل الأوقات أن أفتح غيرها، تجلّى مشهد المكان والشوارع والبيوت في حضور الموسيقى المهيمن بجمال وعذوبة وألم حارق.
المدينة أعرفها ولا أعرفها في ظل هذا الفراغ الرهيب، كأنما أحد الشخوص السينمائية، يعود بعد غياب ويمضي في مدينته التي تغيرت ويبدأ في استعادة الملامح والمعالم والطرقات التي انفصل عنها زمنا طويلاً. الأسابيع، الأشهر التي مرت ، مشحونة في ظل طوفان الوباء الواقعي والفنتازي، بكثافة الزمن والغياب. المدينة شبه المهجورة التي أمضي عبر السيارة فيها، ليست إلا بوابة الذاكرة لمدن العالم المختلفة، المهجورة والمضروبة بالزلزال.
لا أعرف لماذا استدعت الذاكرة فيلماً من أفلام استانلي كوبرك «شايننج» او البريق، الناضح بالفقد والوحشة، رغم أن الطبيعة في الفيلم تشكل النقيض للطبيعة التي أعيش اللحظة، كانت صقيعية وسط جبال الثلج..
كلما اقتربت السيارة من البحر والموسيقى قلت الوحشة، أصل إلى الشاطئ الممتد، أقف، من داخل السيارة أتأمل الشاطئ والبحر الذي كان هادئاً هو الآخر وخفيف الموج والهواء اللزج الرطب يُنعش فرحاً داخلياً غامضاً، لعله حدس الموج رسول الأعماق، بقرب رفع البلاء وموعد إطلاق سراح الأسرى نحو السفر والحرية..
j h j
تمر بالقرب فتاة شقراء في طور المراهقة ربما، في لباسها الرياضي تركض حافية على الرمل في عزّ القائلة، هي الوحيدة التي مرّت، واختفت بعد دقائق في ضباب رطوبة البحر المختلط بالغبار. ربما ابتلعها البحر، فهي ذات نزوع انتحاري طالما تركض في مثل هذه الساعة الملتهبة.
أعود راجعا بإحساس مختلف إلى حد ما، عن ذلك المتراكم عبر الأيام.
j h j
تحمل أنباء المحطات المختلفة هذا المساء، أخبار، انحسار الوفيات والاصابات لهذا الزائر الغريب، (هادم اللذات ومفّرق الجماعات) وفق تعبير لا يفتأ يتكرر في حكايات (ألف ليلة وليلة) في النهايات خاصة حين تصل الساردة (شهرزاد) المحلقة دوماً في سماوات الخيال والدهشة، إلى المحطة الأخيرة من سرد حيوات الشخوص والمناخات الغرائبية والأمكنة، أي حين ينتهي طوافها الكوني إلى هذه الجملة القاصمة.
تحمل أنباء المساء انحسار الوباء، بداية ترتيب بيت العالم، بصعود السلالم التدريجي، حتى الوصول إلى الأوضاع الطبيعة لحياة البشر. بداية العودة، أمل العودة الذي يقوى في النفوس المتعبة، كلما مضى الانحسارُ صُعُداً من الأيام والأسابيع. لكن ما يعكر بدء مسيرة هذا الأمل والضوء المتصاعد، ورود أخبار من مصادرها الطبية والسياسية، وهذه الأخيرة تستثمر الكارثة والرعب لمصالحها التي تصل حد الوحشية في إزاحة الآخر المنافس وربما تصفيته. بعض الأنظمة العربية تستثمر الجائحة لإحكام قبضة الأمن والقمع التي هي في الأساس لها اليد الطولى فيها، ولا تبرع في أي مجال غيره.
ضوء العودة هذا، لابد وأن تعكره، أخبار مضادة عن الموجة الأخرى المحتملة، التي ستضرب العالم، بعد انحسار الموجة الأولى، هذا الخبر يكاد يعصف بذلك الضوء ويدخله في عتمة الحيْرة والبلبلة اللتين تفوقان الوباء، فتكاً وعذاباً منذ بداية الجائحة، يتوالدان ويتناسلان كما تتناسل الأمواج وسط إعصار البحر.
اذا كانت حكايات ألف ليلة وليلة، تتناسل بهدف انعاش السعادة والأمل في استمرار الحياة، ودرء خطر الموت، القادم لا محالة، فان مثل هذه الأخبار الارتدادية المضادة لا تزيد العالم الذي يئن تحت وطأة الوباء إلا ألماً وعذاباً حتى يتجلى الأمل المنشود من قبل بشر القارات الخمس، بكامل حياته وبهائه.
j h j
الأعاصير الاعلامية، التي صاحبت انتشار الوباء حتى كادت سطوة الاعلام والتنظيرات والاشاعات تتجاوز مفهوم الخرافات والأساطير، وتُلقي ظلالاً من الشكوك إزاءَ الحدث الواقعي الذي يسري في أوصال العالم سريان النار في الهشيم (المثل بالغ التعبير على الصُعُد كافة).
يذكّر هذا الوضع بالطبع بأعمال كثيرة وانجازات في الأدب والفن بمختلف تجلياته ، والسينما.. ما أستحضره الآن مسرحية (الخرتيت) ليوجين يونسكو، ولا أشير إلى مسرح العبث، كان ذلك من زمن يونسكو وبيكت وكامو، الآن لا مكان في الواقع والتاريخ لمثل هذه الثنائيات، العبث ونقيضه، أو تقلص وضَمر إلى حدوده القصوى..الخيال والواقع، الوجود والعدم… الخ. الحكاية الرمزية لمسرحية الفرنسي من أصل روماني على ما أذكر هي أن «خرتيتاً» يهرب من جنينة الحيوانات إلى فضاء المدينة، وتبدأ أخبار هروبه تنتشر بين سكان المدينة، الذين يصيبهم الرهاب والهلع من الخرتيت، والذي يتحول تدريجيا إلى هاجس، فكابوس مقلق لعموم الساكنة، تمضي الأحداث والمواقف المضحكة، المبكية وتتأزم على هذا الخيط والسياق، حتى يتحوّل السكان إلى خراتيت شكلاً وسلوكاً. سكان المدينة هم هذا الجنس من الحيوانات الضخمة: «الخراتيت».
هذه الأعاصير من عواهن الكلام والتنظيرات والهواجس والاستيهامات، ومن الرهاب الذي صاحب هذا الفيروس اللامرئي، الذي أطلق عليه لاحقا اسم الجائحة، إلا يذكّر على نحو من الأنحاء برهاب سكان تلك المدينة الرمزيّة في مسرحية (الخرتيت؟).
j h j
ناصر وعزّان، كتبا على باب غرفتهما المخصصة للعب والمذاكرة:
1- الواجبات  2– التحضير 3– الاعتماد على النفس 4– المذاكرة. وكتبا أيضا في الغرفة نفسها التي تطل على منازل وديار خيال الأطفال الأوروبية المجاورة: الصلاة، الترتيب، النظافة الشخصيّة، الأخلاق الحميدة..
داخل الغرفة في الصحن وعلى الزوايا والجنبات تتبعثر ألعاب من كل صنف ولون ودفاتر وأقلام. أشياء بأسماء وأخرى لا أسماء لها. جن وإنس، مجسمات لوحوش وعفاريت ، انسحاق كامل للحدود بين الفنتازيا والواقع. فوضى كونية ليست بسبب كوفيد19، وإنما مرجعها شساعة الخيال الفوضوي الذي يترحل في فضاءاته من غير مخططات ولا حدود، من ذلك البناء المتخيّل البديع للمنازل والديار أسفل النافذة إلى هذه الفوضى التدميرية الضاربة بالمعنى البريء.
هناك طائفة من أهل الفن والأدب، السورياليون خاصة، أسلافهم مثل (بودلير) الذي تحدث عن عبقرية الطفولة المُستعادة. الدادائيون الذين يولون أهمية خطيرة لفوضى البدء، فوضى الطفولة واندفاعات البراءة لدرجة أن كلمة (دادا) التي وسمت المدرسة أو التيار مطلع القرن العشرين ليست الا استعادة أو تقليد، لنطق الأطفال المبكر ولثغتهم.
هل الكتابة والفن بهذا المعنى أو ما يوازيه، تقليداً لفوضى الطفولة الخالقة على طريقتها وبراءتها؟ مثلما كان المفهوم الكلاسيكي للفن والأدب كونه محاكاة للطبيعة؟
ما توحي به عبارة (بودلير) من استعادة، تذهب أبعد من المحاكاة، ربما إلى الاستلهام والابتكار، استلهام الروح الحرة، البكر بينابيعها الصافية المتدفقة في غير تخطيط ذهني مسبق أو ما يشبهه من قسْر وإرغام للغة ودفوق الوعي و«الإلهام» وهذا مما دعمته الكثير من الممارسات الابداعية والجمالية في التاريخ الأوروبي والعالمي.
الحريّة واختراق الحدود، هاجس الصنيع الفني وكذلك الفلسفي، دائما، كما هو هاجس الأطفال في صميم تجلّيات السلوك والتعبير.
j h j
أنظر إلى المنازل والديار، التي أبدعها على غير مثال مسبق أطفال العائلة أو العائلات الأوروبية التي تسكن بالجوار، وأتذكر الفيلسوف (برونو بالتهايم) الذي انطلق في نظريته ذات النزوع العدمي، كون تلك الأبنية والقصور التي يشيدها الأطفال على الرمال في شاطئ البحر، ثم يدمرونها أو تمحوها الرياح وتسفوها هباءً وعدماً، تختزل الوجود بأكمله منذ النشأة وحتى النهاية والمصير الحتمي، تختزل حياة الكائن على هذه الأرض وأحلامه ومآلاته.
وأتذكر منذ زمن بعيد حين قرأت بعض ما كتبه هذا الفيلسوف البالغ القلق والاضطراب حياة ورؤيةً إلى البشر والوجود كتبت نصوصا منها:
( إلى برونو باتلهايم
على شاطئ البحر
وحواف الأنهار السعيدة
يبني الأطفال الأبراج والقلاع،
بوحشةٍ تضطرب في جنباتها الريح
لا أثر لأقدام مرّتْ
لا أثر لحيوان أو انسان
حتى الحارس المعهود يختفي ويذوب…
هكذا يختار الأطفال قلاع أحلامهم
التي يمتد خواؤها مساحة العمر بكامله
قاذفاً خميرة العَدم الأولى
الى أصقاع لا سقفَ لها ولا قرار).
j h j
إحساس شديد بالبرودة، أتقلب على السرير تحت الغطاء، أحاول القيام أكثر من مرة كي أطفئ المكيف، لكن ثقل الجسد والنعاس وطحالب النوم العالقة في العيون. أخيراً أظفر بالقيام أمضي كالسائر في نومه، نحو النافذة كي أفتحها وتدخل حرارة الشمس إلى أعماق الغرفة المأهولة بالكتب وبشاشة كبيرة أشاهد فيها الأفلام على الخصوص. البارحة شاهدت على سبيل الصدفة فيلم (بيردي) عن الرجل الذي يحلم أن يتحول إلى طائر أو أن يموت ليولد من جديد على شكل طائر، ويقول: إننا لا نجد أي مشقة في تحقيق ما نصبو إليه في الأحلام. الرجل الطائر يغرق في عوالم الأحلام والرهافة والجمال، على نقيض الواقع المليء بالقمامات والمذابح والمظالم والأوبئة التي لا تحصى..
في الداخل تصحو على برودة عالية، وفي الخارج تمور شموس ضارية، ألحظ (عزّان) يتسلق الجدران كي يصل إلى أعشاش تخيلها أو راودته في حلم، ماضيا نحو غدور الشجرة التي لا أعرف هويّتها، شجرة من فصيلة أشجار تنبت أو تُزرع لأجل الظلال وحدها، تقاوم الحرارة تخفف من اللهيب. صَرخت عليه بالنزول، وأن لا يعبث بالأعشاش ان كانت موجودة. أعشاش عصفور الدوري ذلك المواطن الكوني الذي تراه في كل البلدان والطقوس على حدّة تناقضها والقارات. حمل هويّة الكون والعالم كنشيد سلام وعذوبة ومرح وليس كفيروس وباء يخنق الكائنات ويرميها على هذا النحو الفظيع.
أفتح النافذة، كان آذان الظهر يعلو وصوت المؤذن يتهدج بصوت مجروح إلى بارئه:
(يا الله نسألك مسألة المساكين
ونتضرّع إليك تضرّع المنكسرين)
فكرت أن هناك شعوباً في بلاد بعيدة أوتيت من العلم ومنعة الدولة التكنولوجية والامكانيات اللامحدودة كما كانت تتراءى، تقف في هذه اللحظة الاستثنائية الموقف إيّاه، أو يقرب منه، من التضرع والذُل والانكسار.
j h j
فيلم المخرج الغاضب آلان باركر (بيردي) يذكرنا بالأسطورة الإغريقية حول ايكاروس الذي كان مسجوناً مع ابنه في جزيرة نائية، ففكر في صنع أجنحة من الشمع له ولابنه، ليتحرر من السجن ويطير بعيداً في الفضاء الطلق، لكن شمع الابن يذوب باقترابه أكثر من حرارة الشمس ليسقط في المستنقع كما سقط (بيردي) بطل آلان باركر الذي يحلم بالطيران ليتحرر من سجن العالم وقبحه.
j h j
سيأتي وقت على المرء، يتجاوز فيه مرحلة الانتحار وقتل النفس للدخول في العَدَم الكاسر، كخلاص.. ستكون هذه المرحلة متخلفة وغير ذات قيمة وأهمية، ولا تخطر كثيراً ولا تلحْ كما في الماضي، مرحلة متخلفة عما وصلت إليه هواجسه وأثقالُه وجراحاتُه، المتراكمة منذ الولادة باتجاه حتْف لا تجود به الصدفة كما جادت على أقران كُثر له ، بل تستعصي وتهرب أمام توالد آفاق الألم بوقائعه الشخصية والعامة حتماً، وأمام ضوء الأمل الشحيح الراشح في ليل القوافل الأعمى. وهي تتخبط مُنهكة باحثةً عن ملاذ وسط أمواج العَتمات المدلهمة، والجبال..
كيف تخطر على بال الناجي من مذابح وأوبئة لا تحصى، فكرة الانتحار، ألا تكون نوعاً من ترف ذهني لا ينسجم في هذا السياق؟!
… هل هاجس الانتحار، والنهاية على هذا المعنى الحاسم، يصير مرحلة من الماضي، الرومانسي ربما، أمام احتدام وجود أكثر خطورة وجفافاً، بهذا المنحى، لا بد من تقديم اعتذار لذلك الكاتب المأساوي العميق، في مقولته: «الانتحار هو من بين مشكلات الفلسفة الأكثر جدارة بالجدل والاهتمام»، هل تقدمت مشكلات وهواجس أكثر طليعية وإلحاحاً في الوجود البشري الذي يزداد تصحراً ومعاناة متعددة الأوجه والمصادر والمعطيات على رغم ما وصل اليه العقل البشري من تقدم مذهل.. أطوار ظُلمات وعَدم وارتطامات ، توارت هواجس ذلك الموت الصاعق المخلص خلف أكماتها الغامضة الهاربة؟!
j h j
بعد الإفطار الرمضاني، اعتدتُ على المشي ساعة، عبر الطريق المتعرج نزولاً وصعوداً ، كما هي جغرافية هذا الحي الذي أسكن ، وتذكرني بأحد أحياء عمّان العاصمة الأردنية بمرتفعاتها وتعرجاتها الكثيرة مع فارق الطقس الذي يرقّ ويعذب أيما عذوبة في الصيف  الأردني، كما يبرد برداً قاسياً في الشتاء .
نزلت إلى حديقة صغيرة فيها ملاعب أطفال مهجورة تتقافز منها قطط وكلاب سائبة، لاحظت قطة تعرج وتمشي وحيدة، قطة هجينة كأنما تحدّرت من سلالة الكلاب والقطط ، صاعدة في الطريق الذي أسلكه صعوداً إلى المنقلب الآخر من الحي، حيث يقع وادي (بوشر) الذي لم أتنزه فيه أبداً، على عكس وادي (غلا) الذي كان مقصد النزهة والتغيير آخر النهار قبل ميلان الطقس إلى غلوّ حرارته ورطوبته.
وكانت شاشات العالم تعرض حيوانات الغابات المجاورة للمُدن الكبرى وقد تحرّرت من خوفها، مندفعة نحو البوليفارات الضخمة والشوارع والأزقة كمن يستعيد مجد السلالات الآفل على يد الانسان التي صنعت ذلك المزيج المركّب من الخلق والجمال الابداعي الرفيع متآخياً مع آصرة رحمَ عميقة الجذور، لصنيع التدمير التي ترجح كفته في معظم الأزمان.
بجانب الحديقة الصغيرة يقع مسجد البركات ، وبجانبه دكان صغير يقصده البعض لشراء اللوازم ما تيّسر منها، بدل الابتعاد إلى ما فُتح من المحلات الكبيرة لتلبية ضرورات الساكنة واحتياجاتها ، الذي سيكون دخولها ضمن ضوابط صحيّة واشتراطات في الرواح والمجيء، بالكاد ألمح كائناً بشرياً، وكلما أوغل الطقس في الحرارة المصحوبة أحيانا بغبار يبعث على العطس والحساسية ، كلما يصعب المشي في هذا الليل الرمضاني الذي يئن تحت عاصفة أخبار الوباء وأشباحه المتكاثرة.
j h j
بدأتْ في الانكسار والذبول، تلك الأشجار المتنوعة التي زرعتها واعتنت بها أيما عناية سيّدة البيت… حديقة البيت بدأت في الذبول والانطفاء ولا يصمد منها إلا القليل، أمام زحف القائلة الرهيب. وذلك الذي يبقى صامداً، هو على الأرجح ما ينسجم أكثر مع معطيات البيئات الحارّة وشروطها.
الأشجار المتنوعة في فناء المنزل، والتي أسميها اسما يصلح عنواناً لمجموعة شعرية (مجاز حديقة) هي حديقة حقيقيّة وملاذ طبيعي سخي خاصة في مثل هذه الظروف الاستثنائية للعزل أو الحجر المنزلي ، وربما يكون حلمها الفردوسي ، الذي يغري الناظر والمتأمل في ربوعها الخضراء وحفيفها الحنون ، اختزالاً لحدائق وغابات شاسعة عبَرها العابرُ ، في مدن وأصقاع كثيرة على امتداد مساحة العالم.
أشجار للزينة وجمال المنظر وأخرى مثمرة على مدار أجزاء من العام، كالطماطم والفلفل والجرجير، الكيل. والأعشاب العطرية المفيدة كالمرمرية والنعناع والزعتر والشاي الأخضر.
وتحقيق ما يشبه الاكتفاء الذاتي، حين أنظر إلى بعضها أفكر أن النظرة العابرة لا تقف أمام هذه الشجرة البسيطة أو تلك في هذا الفضاء الوحشي لكن نظرة الاستصغار هذه تتحول إلى إكبار وامتنان ، حين ترى كرم ثمارها العضوية ولذتها.
وفي مثل هذه البرهة الضيقة تبدأ أم ناصر في إدخال بعض الأصص والحاويات الصغيرة إلى داخل المنزل، حيث تتوفر البرودة جراء التكييف، فتكون حديقة الداخل مشعّة بمخلوقاتها وأحلامها التي لا تحدها الجدران والطاولات والكراسي، ولا تمنعها من الترحل بين أشجار الحدائق والقارات… أمامي شتلات تشكل أكمة خضراء حالمة، بالقرب منها إناء صغير تسبح فيه سمكة صغيرة ملوّنة وكأنما في محيط. الشجرة تصنع عبر الحلم واللغة غابة وقطرة الماء تبدع بحراً ومحيطاً… ربما تمر بأطوار الجداول والشعاب والأنهار، لكن مَن ذلك الصوفي الذي سمى القطرة التي تصنع المحيط؟.
j h j
منذ فترة، اتصل من فرنسا عبداللطيف اللعبي بمعية جوسلين زوجته ، كنت جالساً في الصالة التي هي بمثابة جاليري ، تتوزعها اللوحات والرسوم وأصص الأشجار والنباتات. كان الاتصال عبر (الواتس أب) وفي خضّم الكلام الذي هو على الأغلب عن ظروفنا المشتركة وظروف العالم التي نعيش، سألني إن كان ثمة حديقة هنا. فتحت فيديو التلفون وأدرت الكاميرا في أنحاء الجاليري- الصالة. كان ناصر يقرأ على الطاولة، تركته يلقي التحيّة على عبداللطيف وجوسلين، أحلتُ الكاميرا إلى النباتات والأشجار ناعسة في الأصُص وقلت هذه هي الحديقة.
عرفت من كلامه أن الحديقة هي الملاذ، خاصة في مثل هذه البرهة الاستثنائية من عزلة القسْر والإكراه. وتذكرت منزله في الضاحية الباريسية (كريتي) حين زرته أكثر من مرة. كانت إحداها بصحبة فرقة ناس الغيوان المغربيّة، سيّد والعربي وبطمة. وحين أوغلنا في السهر الليلي وتقطعت بنا سبل المواصلات اضطر أن يوصلنا إلى داخل باريس بعزم وصعوبة. تذكرت أيضاً أن المنازل في تلك الضاحية وربما غيرها تكون لها حقول مشتركة يزرعها ويعتني بها السكان كل في منطقته وحيّزه، فكان سؤال اللعبي، انطلاقاً من هذه الملاذات الخضراء الشاسعة.
وكنت في الأصياف خاصة، ولم يكن هنالك حظر، بالطبع حين أكون في باريس أو لندن أقضي سحابة يومي في الحدائق الكبيرة والصغيرة، نزهة روحيّة ومشياً مستمرا لساعات في الزوايا والأكمات، بين الجداول والبحيرات ، من غير تعب بل بحيوية وانتعاش يصل حد النشوة، حتى تبدأ طلائع مساء المدينة الكبيرة وأنزل للأصدقاء ، اذ ما زال هناك مكان للصداقة والمودة في هذا الكون الفائض بالوحشة والعُزلات.
j h j
قبل الفطور الرمضاني بساعة قمت أتمشى في الغرفة مقلباً أكثر من كتاب من غير رغبة في القراءة، الجسد مُنهك بفعل الصيام والحر وجوائح الأخبار والغيابات. بالأمس أكملت اعادة قراءة (موبي ديك) تلك الملحمة الشعريّة المفتوحة على مدارات خطر المحيط والاحتمالات.
أفتح النافذة، الحر في الخارج على أشده أحيانا لا يكسره المغيب ولا الليل، زوج دُوري يتقافز بين الأغصان والأوراق، من غير أدنى احساس بحرارة أو رطوبة، وكذلك حين يكون في القطب الجنوبي أو الشمالي أو الربع الخالي وصحراء الهوجار في الجزائر.
العصفور المحلق، عابر الفصول والتاريخ، عصفور الميتافيزيقا والحروب.
عصفور الموت السريع، لكن مع رسوخ عميق للسلالة، والأثر في الأماكن على تغير أطياف أسرابه المسترسلة في ذاكرة الرحّالة والمغامرين في السهوب والأصقاع.
j h j
أصحو من نوم لم تزره الأحلام والمدن والوجوه، تلك الراحلة في الغيوب والأجداث، أو التي ما زالت على متون العاصفة والحياة. تلك انتهت عواصفها والهواجس والاحتمالات بالموت، وهذه ما زالت تبحر وتفكر وتكتب، ما زالت في حلبة الصراع الذي لم تختره على الأرجح لكنها تواجهه كقدر حتمي… كل الوجوه تتساوى في الحضور الحلمي، كلها تحيا ذلك العالم الذي يغمرها بسديمه وملامحه الخاصة.
نادراً ما أصحو من نوم من غير أحلام وهذه ربما علامة صحة نفسية وروحية. فالكائن (البشري هنا) كلما تقدم في العمر ، تقل مناماته، هل تصل حدّ الجفاف؟ لا أدري، لكن غياب الأحلام التي تجعلني أعيش أزمنة وحيوات مختلفة، يقلقني وأتمنى أن لا تأتي برهة الجفاف. فجفاف الأحلام ربما يشبه جفاف منابع الكتابة، وجفاف النسغ الذي يغذي الوجود بإمكانية الاستمرار في عالم أحكم فيه اليأس والعبث وانحطاط القيم، سلطته شبه المطلقة.
أتمشى داخل البيت من غرفة المكتبة والتلفزيون أذهب إلى غرفة الولدين لأطمئن عليهما وهما في السبات العميق، بعد نهار من الحركة والمعارك الضارية التي تفوق ضراوتها كل معارك الواقع والتاريخ. واللاعبون لهذه الألعاب الجهنمية العنيفة (البلي ستيشن) التي يدمنها حتى الكبار للتعويض عن خسائر الواقع والحياة، اللاعبون ليسوا محركي أزرار محايدين، انهم جزء من وقود المعركة وعزيمتها وحماسها، جزء من هذا الفضاء المؤثث بأسلحة الفتك والضحايا والدمار.. مرة سألني (عزان) إن كان (الروس) بهذا المستوى من السوء والشر والوضاعة؟ فهم دائما المُستهدفون بالقتل والصفية، كونهم يعترضون طريق الخير والبطولة والحرية التي يمثلها الأمريكيون المنتصرون دائما في خضم المعارك والحروب، وبجانب المعارك البشرية هناك الحروب الضروس بين الحيوانات والحيتان المفترسة الهائجة على ايقاع الدماء والأشلاء واللحم المتطاير مِزقاً من فرط الصدام والافتراس المتبادل بين هذه الفصائل الأكثر شراسة على وجه الأرض وفي أعماق البحار، من الدببة بمختلف العائلات والألوان والأسماء، التي يأتي في مقدمتها الدب القطبي، ذلك الطريد الأبدي بين الجبال الموحشة بأنهار الجليد التي يلفها الصمت والموت، إلى الذئاب والضباع، أفراس البحر ووحيد القرن والفيلة، وكل تلك الهوام التي يشكل الافتراس صميم كينونة وسلوك، حيث الحروب المختلطة أحيانا ، (هرمجدون) المعارك، كي يأخذ العنف الغرائزي مداه الأقصى، بين البشر والحيوانات، تكون ولائم الدم والقتل باذخة تُسيل لعاب الصغار والكبار.
بعد غرفة النوم، أذهب إلى غرفة الألعاب والمذاكرة، إذا ثمة وقت مستقطع من مساحة تلك الألعاب الحربيّة وسلطتها التي تستحوذ في غياب المدرسة، على عقول وقلوب الناشئة خاصة، أزيح ستارة الغرفة الحمراء، لأطل على المباني والقلاع التي شيدها الخيال الحر للأطفال الانجليز، تتراءى عالية منيفة تعانق شآبيب سماء وهمية، حتى لتكاد تتضاءل أمامها بيوت الحيّ وفلل الواقع التي شيدها أصحابها بالجهد والعرق والمال.
j h j
كل ذلك التاريخ الطويل من الشروخ والتصدعات التي أملت انفصال البشر عن الطبيعة، كل تلك الانعطافات والقرون المتعاقبة التي أملت على البشر تلك الأنماط من السلوك الانفصالي عن الأم الرؤوم التي ما عادت كذلك، على ما يبدو، لا تساوي هذا العَقد التدميري من الزمان، الذي أملى ما يشبه القطيعة النهائية بين البشر والطبيعة بتجلياتها الجمالية المختلفة. صورة الأطفال يُولدون وينمون ويكبرون أمام الشاشات والمسطحات الالكترونية بمختلف مسمياتها ومصادرها، تعطي صورة مكثفة ومشحونة بدلالات الخراب القيامي، في انتظار الضربة القاضية التي ستطيح بفحوى وجود هذا الجنس المدعو بالبشر.
مستقبل الروبوتات وحوش المال والتكنولوجيا، مقرونا بغياب القيمة والمعنى، بغياب الروح، الضحية الكبرى لهذا المسار الحتمي للتقدم الأعمى. ومن شبه المؤكد أن بلدان الهوامش والأطراف أو العالم الثالث مسميات مختلفة لمفهوم أمكنة بصفات واحدة، أن تدفع في هذا المنحى، الثمن الأكثر فداحة ورعباً، حيث يتم دفعها إلى بهيمية تكنولوجية فصيحة تشبه الحياة لكنها ليست الحياة، وتشبه الحداثة لكنها ليست من واقع الحداثة، كما انها ليست إلا على القشور من القدامة والتراث والهويّة الغنائية المدّعاة:
انه الضياع الكامل في متاهة (الميتانور) الذي هو التاريخ في هذا السياق.
هذا … إلا إذا ثمة انعطاف ما، في سيرورة هذا التاريخ الذي نعيش.

j هذه الصفحات من يوميات وتأملات استُلت من السياق.

شاهد أيضاً

طنجة : مغيب المغرب العربي الكبير

«كلما أطلق جمّال حِداءه في نزوى أو سعل حقلٌ في دمياط يرتجُ لهما قلبُ المسافر …