أخبار عاجلة

فــــي وداع غابتي

لكي لا أكون تجريديا فإن الغابة التي كنت أرود دروب متاهتها هي غابة (ستون بي) اي قرية الحجر. وهي تبعد عن بيتي في سكلستونا الاسوجية بمسافة تقل عن الكيلومتر. ما قضيته من عمري في تلك الغابة يزيد على الساعات التي قضيتها في الصفوف المدرسية التي أثقلت قلبي بالضجر. لقد تعلمت في تلك الغابة فن التنفس. انقذتني الغابة من الجمل التي كانت تلصق لعابها بحنجرتي فصرت أحس بطعم الهواء، بنكهته، برائحته وهو يمر إلى المجاري التنفسية ذاهبا إلى الرئة. كان اكتشافا رائعا أن يتنفس المرء كما الحيوان. شهيق يتبعه زفير. زفير يتبعه شهيق. ما الحياة سوى فاصلة بين شهيقين وهو الزفير أو بين زفيرين وهو الشهيق. اشهق من أجل أن أتعلم شيئا عن الزفير وأزفر لكي لا يفوتني شيء من الشهيق. يا لعظمة الكائن الذي كنته وهو يتنفس هواء لم يكن قد تنفسه من قبل. ولأني كنت أحضر إلى الغابة كاملا من غير أن أنسى جزءا مني في البيت فقد كان كل شيء في جسدي يمارس التنفس بطريقته الخاصة. تتنفس عيني فترى ما لم يكن متاحا لها أن تراه. تتنفس يدي فتكتشف موهبتها في لمس الأشياء وتحسس درجة حرارتها قبل العاطفة وبعدها. تتنفس قدمي فيحلق بها خيالها لتتمكن من اعادة صياغة المسافات التي تمشيها بما يتناسب مع أريحيتها الشعرية.
يا لروعة ما منحتني اياه الغابة. لم تهبني الهواء وحده، بل علمتني كيف أتنفس ذلك الهواء. ألهذا صار علي أن أشكر الحجر لأن الهواء الذي تنفسته كان قد مر به وحمل شيئا من رائحته إلى بدني؟ أذكر أني رأيت ضفدعة خضراء. بسببها توقعت أنني صرت كائنا أخضر. أكنا مرآتين لما يقع من حولنا؟ غير أن الأبيض كان يقف دائما على الهامش. الفكرة بيضاء مثل رجل ميت. لقد تمكنت الضفدعة من خيالي. كيف يمكنني أن أطردها؟ حين مدت لي لسانها عرفت أنها سبقتني إلى المعنى. ربما فعلت ذلك لأنها لم تر كائنا أخضر من قبل. في الغابة يفعل المرء ما يمكن أن يراه مناسبا لخياله، لا إلى واقعه. فلا معنى للواقع في الغابة. سكنت الضفدعة بعد أن اختفى خيالي. لم أعد كما كنت. صورتها وهي تنفخ اشتبكت بصورتي وأنا احاول التمييز بين خروفين كنت قد تعرفت عليهما في بيت جدي الذي كان يقع في حي اسمه الماجدية بالعمارة وهي إحدى محافظات العراق. كنت تلك الضفدعة التي فاجأني ظهورها في غابة ستون بي. لا تنفع الخرائط في شيء. ليست الواقعة نفسها. أحاول أن أزيح ذاكرتي عن المعاني التي تنطوي عليها صورها.
كنت كائنا أخضر ليس إلا بعيني ضفدعة عابرة.
غريبان التقيا من غير أن يكونا على يقين من أنهما سيلتقيان فيما بعد.
حين اختفت الضفدعة شعرت أن الغابة نقصت. هناك شيء ما اختفى من الصورة. خلخلت الضفدعة بغيابها توازن المرئيات. ولكن الضفدعة لم تكن موجودة من قبل. كنت قد رأيتها بالصدفة. العالم كله موجود بالصدفة. كيف يمكنني أن أكون مطمئنا إلى أن ما أراه كان يقع بمعزل عن عيني التي تضيف وتحذف وفقا لآليات عملها في التذوق البصري؟ صرت أفكر في الرسم. كان هنري روسو يرسم غابة من غير أن تكون تلك الغابة غابة حقيقية حتى وإن كان هناك نمر يتربع وسط الصورة. ذلك النمر انما وجد لكي يكون مرسوما. الغابة هي الاخرى وجدت من أجل أن ترسم. لا تفارق الصورة حدود الوهم. ان تكون الغابة موجودة لو تم اخفاء الصورة. الغابة كما تخيلها روسو ورسمها لا كما رآها. سيكون علينا أن نقول كما رآها في لوحته. ما يقع في الواقع يكاد يكون مشابها. ف(ستون بي) كانت غابتي. لقد خلقتها خطواتي وهي تجوس بين دروبها. خلقتها يداي اللتان مرتا على جذوع أشجارها وأعشابها. خلقتها عيناي وهما تنزلقان مثل زقزقة عصفور على أوراقها الضخمة الملقية على الارض من غير جذوع أو غصون. أكانت (أليس) تجري وراء أرنبها هناك، تحت واحدة من تلك الأوراق؟ كان علي أن أودعهما، أليس وأرنبها، وأنا أعرف أنهما يختبئان تحت تلك الأوراق. لن يكون مصطلح (الاختباء) دقيقا. إنهما يقيمان هناك منذ أن اكتشفت أليس قدرتها على أن تكون غير مرئية. ما الارنب إلا كائن خفي. كائن اخترعته الكتابة. إنه ضروري من أجل أن تقوم أليس بمغامرتها. هل حدث أن وقعت في حب أليس؟
سيكون علي أن اعترف أن كل امراة احببتها كانت صورة من أليس. ذلك لأنني حين أعود بذاكرتي إلى الشوارع والحقول والمقاهي والحارات التي كنا نتيه بين دروبها محلقين بقوة الحب لا يمكنني أن أمنع نفسي من تخيل بلاد العجائب التي غادرتها بعد أن استضافتني بكرم غير مرة.
كم هو عظيم كرم المرأة. الغابة امرأة.
أكان لزاما علي أن ألقي عليها تحية الوداع وأنا أعرف أننا لن نلتقي بعد اليوم؟ كل النساء اللواتي أحببتهن لم ألق عليهن تحية الوداع حين فارقتهن. غالبا ما يقع الفراق بطريقة ملتبسة.
«لا تزالين جميلة، بل وفاتنة»
لم ترق لها جملتي. ابتسمت بحزن. كنا مطرودين من جنة لم تعد تليق بنا. لم يكن أحد منا يثق بقدميه ليمشي بهما إلى نهاية الطريق وحيدا. لم يعد الصوت يرتجف. صار صلبا. لم يعد الكلام يصل إلى الاذن. اليدان تعبثان بأذن مقطوعة تُركت على المنضدة بإهمال متعمد. يداها أم يداي أم يدا القدر؟ لا صبر. صار الصبر جزءا من الماضي. لسنا غريبين، بل أسوأ. حاولت أن أكون آخر. حاولت أن تكون أخرى. لكن الرجل الآخر لم يلتفت إلى المرآة الأخرى التي لم تلتفت إليه.
«لكل حكاية نهاية وهذه هي النهاية التي اختارها القدر لحكايتنا»
البداهة جعلتها تتكلم لتصف ما كنا فيه بالحكاية. كم كنا صيدا سهلا. سيضحك المؤلف. يحب الثعلب الدجاج قبل أن يأكله. ألم يكن لديها جملة أخرى، جملة تشبهنا، تشبه ما عشناه معا؟ لا بأس بهذه النهاية الحزينة. منذ سنوات لم أشعر بالحزن وأنا أغادر غابتي. أما كان علي أن أفكر في نهاية مختلفة لحكايتنا؟
كأن لا أذهب هذا اليوم اليها، فيكون كل شيء من الماضي.
كان الدرب امامي يغريني بأن أعود إليها. أجلست المحبة على المصطبة الخشبية الوحيدة التي لطالما جلست عليها وصرت أتأمل الجمال الحزين الذي لم أره من قبل.
«سنكون أصدقاء» قالت بصوت يائس وهي تعرف أننا لن نكون كذلك. يؤلمني أننا لم نكن أصدقاء فهل يُعقل أن نكون كذلك؟ كانت جارتي في الشقاء وفي الشهوة. في الالم وفي السعادة. في البكاء على صدرها وفي الدموع على كتفي. في الامس الذي لم يحضر وفي الغد الذي سبقنا إلى المحطة. مثل مسافرين يقفان على السكة نفسها لكن في اتجاهين مختلفين كنا نلوح، الواحد إلى الآخر. «سيحضر قطارك قبل قطاري» تشير إلي بأصبعها «قطارك سيحضر قبل قطاري» وحين حضر القطاران معا قررت أن أغادر المحطة وحيدا. حين رأيتها جالسة في أحد مقاهي المدينة في اليوم التالي لم أتعرف عليها. لم ترني أو أنها رأتني ولم تتعرف علي. مثلما كانت بالنسبة لي المرآة التي رحلت فقد كنت بالنسبة لها الرجل الذي رحل. وهي نهاية لم يتوقعها المؤلف.
أيتها الغابة. يا (ستون بي) يا أمرأة حياتي. أنا مفارقك. لكن هباتك ستظل معي. لقد حملتني روائح وأصواتا وصورا، سأكون سعيدا لو أني استطعت أن استبدلها بالكلمات. سأنام على مخدة، ريشها يستلهم مفرداته من معجمك. لم أخنك من أجل غابة آخرى. لن يتسع العمر لغابات أخرى إيتها الجميلة.
كانت (ستون بي) هي غابتي الاخيرة. هل في إمكان المرء أن يقرر أن لا يقع في الحب؟ لقد دفنت الكثير من أسراري في تلك الغابة. في اللحظة التي فارقتها فتحت ذراعي في محاولة لاحتضانها. كانت امرأة غير أنها لم تكن كواحدة من النساء اللواتي عرفتهن وفارقتهن. لقد ظللتني بغيم فراشاتها وقالت لي «وداعا».

فاروق يوسف

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي والاس ستيفنز

كتابة وحوار : أسعد الجبوري * منذ اللحظة التي دخلنا فيها ذلك النفق المحفور تحت …