أخبار عاجلة

فيلم «شِعر» للمخرج الكوري لي تشانغ – دونغ

براعة الأداء و شعرية التصويروتوهّج النص الناجح
كاتب وناقد من العراق يقيم في هولندا .
أتاحَ لنا مهرجان روتردام السينمائي الدولي في دورته الأربعين أن نشاهد عدداً من الأفلام المهمة من بينها فيلم « شِعر» للمخرج الكوري الجنوبي المبدع لي تشانغ – دونغ، وبطولة سيدة الشاشة الكورية الجنوبية الفنانة المتألقة يون يوانغ – هي .
وقبل الخوض في تفاصيل هذا الفيلم الشِعري والشاعري في آنٍ معاً لابد لنا أن نشير بشكل سريع وخاطف الى منجزات المخرج «لي» والفنانة «يون» التي جسّدت دور «ميجا»، الشخصية الرئيسة في الفيلم. وُلِد لي تشانغ – دونغ في دايغو «Daegu» عام 1954 في كوريا الجنوبية. درس الأدب الكوري في جامعة كيونغ بوك الوطنية في دايغو. انغمس في كتابة وإخراج الأعمال المسرحية قبل أن يلمع نجمه في مضمار الرواية.  قرر، بشكل مفاجئ، أن يلتحق بعالم الإخراج السينمائي ويبدع فيه، حيث أنجز منذ عام 1997 وحتى الآن خمسة أفلام وهي على التوالي: «السمكة الخضراء، حلوى النعناع،  واحة، شروق سرّي وشِعر»، الفيلم الذي سنتناوله بالدراسة والتحليل. وقد فازت أفلامه الخمسة بالعديد من الجوائز المحلية والعالمية، وكان آخرها جائزة السيناريو عن فيلم «شِعر» الذي عُرض في الدورة الثالثة والستين في مهرجان «كان» السينمائي الدولي. أما النجمة «يون يوانغ – هي» التي تُلقّب عن جدارة بلقب «سيدة الشاشة الكورية الجنوبية» فقد بلغ رصيدها «330» فيلماً سينمائياً، وقد لعبت دور البطولة في «325» فيلماً، أما الأفلام الخمسة الباقية فقد أدّت فيها أدواراً ثانوية. لا شك في أن هذا العدد المُنجَز من الأفلام كبير جداً، فلا غرابة إن كانت تصوِّر مشاهد من ثلاثة أفلام في اليوم الواحد. كانت يون ولا تزال تتوفر على إمكانيات عالية في التمثيل، وتستطيع أن تؤدي أي دور مهما بلغت صعوبته، الأمر الذي يفسّر حصولها على جائزة أحسن ممثلة «25» مرة كان آخرها في فيلم «Manmubang» الذي يدور حول الحرب الكورية عام (1950 – 1953) الذي عُرِض في مهرجان «Daejong» السينمائي.
سيناريو الفيلم
تجدر الإشارة الى أن المخرج لي تشانغ – دونغ هو فنان متعدد المواهب، فمثلما أشرنا سابقاً أنه روائي وكاتب مسرحي ودارس للأدب ومدرِّس له وكاتب سيناريو أيضاً وقد سبق له قبل خوض التجربة الاخراجية أن كتب بعض السيناريوهات مثل «الى الجزيرة المرصّعة بالنجوم» عام 1993، «شرارة وحيدة» عام 1995، إضافة الى «شِعر» الذي نال جائزة السيناريو في مهرجان «كان» السينمائي العام الماضي. وهذا السيناريو الذي انبثق عن قصة سينمائية تبلورت في ذهن كاتب النص ومخرجه. فبينما هو مسافر الى اليابان كان يقلّب القنوات التلفازية في غرفته الخاصة في الفندق الذي ينام فيه «شاهدَ نهراً هادئاً، وطيوراً تحلّق في السماء، وصيادين في البحر مع موسيقى حديثة كانت تشكّل خلفية هذه المشاهد الجميلة» فجأة ذكّرته هذه الأشياء بحادثة مروِّعة، كما خطرت له في الوقت ذاته كلمة «شِعر»، وتخيّل صورة لامرأة عمرها ستين عاماً، الأمر الذي هيأ له العناصر الاساسية التي تحتاجها القصة السينمائية التي ستنطلق منها التفاصيل. أكدّ العديد من النقاد على الجانب النفسي لكلا الشخصيتين اللتين ستنتحران، الأولى الطالبة «Park Heejih» والثانية «Yang Mija» التي لعبت الدور الرئيسي في الفيلم، ولكن قصة الفيلم تنطوي جملة وتفصيلاً على العديد من الثيمات والأفكار الجانبية التي تعزّز متن الحدث الرئيس وتوضِّح أبعاد الفيلم الثقافية والاجتماعية والنفسية.
رؤية الجمال الحقيقي
لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أماكن التصوير التي تمَّ اختيارها بشكل دقيق جداً. وقد عرفنا من بعض الحوارات التي أجريت مع مخرج الفيلم أن التصوير قد تمَ في مقاطعتي  جينونغكي- دو وغانغ ون الآسرتين، وهما تقعان في الشمال الشرقي من كوريا الجنوبية التي يتدفق فيهما نهران جميلان هادئان وهما سويانغ وهان. تبدأ أحداث الفيلم بزيارة السيدة «ميجا» الى عيادة الطبيبة لأنها تشكو من صعوبة تذكّر الأسماء تحديداً، فتطلب منها الطبيبة إجراء بعض الفحوصات الاضافية التي تكشف عن إصابتها بمرض الزهايمر الذي ستخفيه عن ابنتها التي انفصلت عن زوجها وذهبت للعمل في مدينة بوسان التي تقع في جنوب شرقي البلاد، لكنها كانت تتصل بأمها عبر الهاتف وتطمئن على صحتها وسلامة ابنها الوحيد الذي لا يلتفت كثيراً الى أوامر جدته، بل أنه كان يتذمر من ملاحظاتها الكثيرة بصدد النظافة وترتيب المنزل وما الى ذلك من أمور. فهو منقطع الى مشاهدة القنوات التلفازية، ومنهمك مع أصدقائه الخمسة الذين يلتقون معه في البيت، ويغلقون الباب عليهم كي لا تعرف الجدة ماذا يدور بينهم. وعلى الرغم من بلوغ هذه الجدة الجميلة سن السادسة والستين إلا أنها كانت تبحث عن معنى لحياتها في شيء آخر، ويبدو أنها بدأت تقلّب دفاترها القديمة حينما رأت إعلاناً يدعو الراغبين الى التسجيل في كورس دراسي في المركز الثقافي للمدينة يساعد المهتمين بالشعر على كتابة نصوص شعرية. تذكرت السيدة ميجا قبل خمسة عقود أن أحد المعلمين قد أخبرها ذات مرّة بأنها يمكن أن تكون شاعرة وذلك لقدرتها الفائقة على الإمساك بشعرية الأشياء التي تكتب عنها أو تشير اليها من طرف خفي. وعلى الرغم من أن الكورس الدراسي كان قد بدأ إلا أن القائمين عليه يقبلونها فأخذت تحضر الدروس بشكل منتظم، فهي تعيش على المعونة الاجتماعية إضافة الى عملها الجزئي في رعاية شخص ثري مُسن يعاني من شلل أطرافه الأربعة، كما يجد صعوبة واضحة في الكلام.
قد لا يلتفت الانسان الى الجمال حينما يعيش في منطقة جميلة كما هو حال السيدة ميجا، بل أن الناس عموماً لا ينتبهون الى الجمال ولا يرونه في حالات كثيرة. وهذا هو الفرق بين الشعراء والناس العاديين. ولهذا نقول، نحن النقاد، بأن الشعراء يرون ما لا يراه الناس العاديون. يؤكد مدرِّس الشعر بأن الناس لا يرون الجمال الحقيقي، ولا يكتشفونه بسهولة على الرغم من أنه موجود بالقرب منهم دائماً. وفي واحدة من محاضراته القيّمة يقول: «إن كل واحد منكم على انفراد يحمل الشعر في قلبه، لكنكم تحبسونه، ولقد جاء الوقت لتحرير الشعر وإطلاقه». إذاً، فالناس العاديون المنهمكون بمشاغل شتّى يسجنون طائر الشعر، ولا يدعونه يحلّق عالياً في سماوات الإبداع. ولكي يكتب الانسان شعراً، عليه أن يكتشف جمال الأشياء، ويراه رأي العين، ويتمثله. ثم يسوق مثالاً في غاية الأهمية حينما يمسك تفاحة، ويقول بأننا جميعاً قد رأينا مثل هذه التفاحة آلاف المرّات، ولكننا لم نتمثلها ونتحسسها جيداً، ولم ندوِّرها في أيدينا، لذلك فإننا لا نستطيع أن نمسك بجمالها الحقيقي الذي يختفي وراء عجالتنا وانهماكنا في مشاغل الحياة اليومية. وفي هذه الأثناء تسأل السيدة ميجا سؤالاً منطقياً قد يدور في أذهان العديد من الناس المعنيين بالعملية الابداعية مفاده: «متى يأتي الإلهام الشعري؟» فيجيبها المدرِّس جواباً قد يبدو غامضاً ومُربكاً بالنسبة لها حيث يقول: « الإلهام لا يأتي، يجب أن تذهبي إليه وتتوسليه. يجب أن تصلّي له، وحتى الصلاة قد لا تضمن لك شيئاً. انه شيء ثمين جداً، ولا يمنح نفسه دفعة واحدة. وهذا هو السبب الذي يدعوكِ لأن تذهبي إليه وتتوسلي له». تسأل ميجا سؤالاً ينطوي على بعض السذاجة هذه المرة حينما تقول: «أين أذهب؟» فيضحك المدرس ويقول: «إنه ليس في مكان محدّد، ولكن لابد أن يكون في مكان ما يجب أن تذهبي إليه. الشعر لا ينتظركِ، وهو موجود في مكان قريب جداً، وليس بالضرورة أن يكون نائياً. إنه هناك حيث تقفي. إن الشعر يمكن أن يوجد حتى في حوض غسيل الأطباق!» بعد انتهاء المحاضرة الثانية يمّر عليها والد أحد الأصدقاء الخمسة فيتجاذب معها أطراف الحديث عن الدروس التي تأخذها في هذا المركز الثقافي فتجيبه بأنها تتعلّم كتابة الشعر مرتين في الأسبوع. وحينما يلتبس الأمر عليه لأنه لا يميز بين كتابة الشعر وغناء الشعر التقليدي، ترّد عليه بوضوح بأنها تتعلم كتابة الشعر. وحينما يسألها عن سبب تعلّمها الشعر، تجيب بغموض وتحيل السؤال الى نفسها: «أنا نفسي أتساءل لماذا أريد أن أتعلّم كتابة الشعر؟» ثم تعيد عليه قصة اشتراكها في مسابقة شعرية حينما كانت طالبة الصف الثالث المتوسط وقد قال لها مدرس الشعر في حينه بأنها ستكون شاعرة ذات يوم. هكذا شاهدت الإعلان مؤخراً فذكّرها بتعليق مدرس الشعر قبل خمسين عاماً، وقررت أن تأخذ هذه الدروس. ثم تواصل ردّها على أسئلته المتكررة فتقول له بانها لا تريد أن تكون شاعرة، وإنما أن تكتب قصيدة واحدة لا غير لأن المدرِّس طلب من كل واحدة منهن أن تكتب قصيدة في نهاية الكورس. ابنتها التي انفصلت عن زوجها من جهة ثانية كانت ترى في الأم مشروع شاعرة، لأن لديها شريان شاعرة في كينونتها الجسدية. وأكثر من ذلك فإن ميجا كانت تحب الزهور، وتقول أشياءً غريبة أو لافتة للنظر.
الزهايمر
بينما كانت ميجا منغمسة في رؤية الأشياء وتمثلها والإحساس بها كان الزهايمر يدمّر ذاكرتها شيئاً فشيئاً. فهي تنسى الأسماء وتتذكر الأفعال، ومع ذلك فقد بدأت بتدوين ملاحظاتها عن كل شيء لافت للنظر. أخذت التفاحة في يدها وبدأت تنظر إليها نظرة مختلفة عسى أن ترى فيها شيئاً مغايراً لما كانت تراه في الأيام العادية السابقة. كانت تقف تحت أغصان الأشجار وتستمع بشكل مرهف الى حفيف الرياح، وزقزقة العصافير، وتغريد الطيور، وشدو البلابل وكانت تدوِّن ما تسمعه مُطبِّقة نصيحة المدرس. في أثناء تطوِّر مراحل مرضها قرر الآباء الستة أن يجتمعوا لأن أحدهم قال إن فتاة شابة اسمها «Park Heejih» في مدرسة الأولاد قد انتحرت، وأنها ذكرت في مفكرتها أسماء ستة طلاب اغتصبوها لمدة ستة أشهر، لذلك قررت الإنتحار بإلقاء نفسها من الجسر المرتفع جداً الى الماء. وبعد أن قرأوا المذكرات قرروا إعلام المدرسة بالحادث. في البدء شرع اثنان في عملية الاغتصاب ثم تبعهما الأربعة الآخرون. قال الأولاد انهم لم يجبروها لأنها كانت تريد ذلك، ولكن من يصدّق هذه الادعاءات الآن؟ قال أحد الآباء بانهم يدعون بأن الفتاة كانت قصيرة وغير جميلة. يا ترى، ماذا كانوا سيفعلون لو كانت طويلة وجميلة؟ كشفت المذكرات بأنهم تناوبوا على اغتصابها في المختبر العلمي للمدرسة ولمدة ستة أشهر بينما كانت المفاتيح موجودة لدى «كوو». إذا، هذا هو السبب الذي دفع الآباء الخمسة والجدة ميجا الى الاجتماع بغية مناقشة حادث الانتحار وتأثيره على أسرهم. نعرف من سياق الأحاديث أن أهل الضحية يديرون حقلاً زراعياً، وأن والدها قد مات في حادث سيارة قبل بضعة أعوام، وأن أمها هي المسؤولة عن تربيتها. قررالآباء الستة أن يعوضوا العائلة المفجوعة بـ «30» مليون وان، وهو مبلغ مناسب جداً، وهذا يعني أن أسرة ميجا سوف تدفع خمسة ملايين وان شرط أن لا يتسرب الخبر ويؤثر على سمعة العائلة. فالمدير يعرف وبعض المدرِّسين فقط. بينما كان الآباء مجتمعين خرجت السيدة ميجا من غرفة الاجتماع وأخذت تتملى الزهور وتدوّن بعض الملاحظات التي قد تنفعها في كتابة نص شعري. لم يعرف الآباء الستة سر تصرفها الغريب ومغادرتها الغرفة في هذا الظرف الصعب. ومع ذلك فقد كلفوها أن تزور أم الضحية وتطيِّب خاطرها. وبالفعل ذهبت الأم الى الكنيسة وحضرت حفل التأبين، لكنها سرقت صورة الضحية حينما خرجت ووضعتها على طاولة أمام حفيدها الذي لم يحرّك ساكناً. زارت أم الضحية، لكنها نسيت ما الذي يجب أن تقوله إليها.
الرجل الأشـــل
كانت ميجا تعمل عملاً جزئياً مُكرّساً لخدمة رجل أعمال مشلول يسكن قريباً منها. شاهدنا ميجا غير مرّة وهي تحمّمه وتتجاذب معه أطراف أحاديث مختلفة. كان كريماً معها، إذ يعطيها أكثر مما تستحق. ذات مرة تناول حبة فياغرا من دون علمها، وحينما بدأت تحممه لمست عضوه. مدّت يدها ثانية لكي تتأكد من ذلك فأيقنت أنه قد تناول حبة فياغرا. نفضت يدها، وألقت ملابسه بالقرب منه تاركه إياه سجين حوض الاستحمام، بينما كان هو يلتمس منها أن تحقق رغبته الوحيدة في أن يموت رجلاً! لم تتخلَ ميجا عنه على الرغم من هذا الموقف الحرج، إذ جاءت هذه المرة بملء إرادتها وأعطته حبة الفياغرا وبدأت تنزع ملابسها حتى كشفت عن جسدها بالكامل وبدأت تحقق له حلمه الأخير في أن يموت رجلاً. تأخرت في دفع المبلغ، لكنها طلبت من الرجل الأشل أن يقرضها المبلغ المذكور. هيأت ميجا المبلغ وأعطته الى أحد الآباء، غير أن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد، فبينما هي تلعب مع حفيدها الصغير جاءت الشرطة وقبضت عليه كي ينال جزاءه العادل. فمن المستحيل أن تسكت العدالة على موت شابة في عمر الورود مهما كانت الدوافع والأسباب.
القصيدة
خرجت ميجا الى الطبيعة الساحرة المحيطة بها من كل حدب وصوب. تبللت بالمطر الذي هطل عليها بينما كانت تتأمل النهر والأشجار وزخات الأمطار المتساقطة، وجريان النهر الهادئ الذي سينتهي الى البحر. حينما أنجزت قصيدتها. اشترت باقة ورد ووضعتها مع القصيدة على منضدة المدرّس وغادرت المكان. حينما جاء المدرس شكر الطالبات على باقة الورد، لكنهن أوضحن التباس القصد وقلن إن السيدة ميجا هي التي جلبت هذه الباقة خصيصاً إليك وتركت قصيدتها ورحلت. لم تنجز أي من الطالبات كتابة نص شعري سوى ميجا، وقد تذرعن بصعوبة كتابة القصيدة. قال المدرس: «ليس هناك صعوبة في أن تكتبنَ قصيدة، ولكن الصعوبة في أن تمتلكن قلباً» مُذكِّراً إياهن بأن القصائد محبوسة في قلوبنا، وكل ما نحتاجه هو تحرير هذه القصائد وإطلاق سراحها». وقبل أن نورد مقاطع من قصيدة ميجا لابد من الإشارة الى أن هذه القصيدة مبنية على مستويين، الأول نسمع من خلاله صوت ميجا، ثم يأتي صوت الضحية التي كتبت مذكراتها، وقررت الانتحار، الأمر الذي سيدعو ميجا لأن تغيب أو تنتحر لا فرق! كانت القصيدة تحمل عنوان «Agnes song» التي نسمعها بصوت المدرس حيث تقول فيها:
«كيف انتهت الأمور هناك؟ / كم هي وحيدة؟ / أمازلت تلمعين في غياب الشمس؟ / هل الطيور لا تزال تغني في الطريق الى الغابة؟ / هل بإمكانك أن تستلمي الرسالة التي لم أجرؤ على إرسالها؟/ هل أستطيع أن أنقل الاعترافات التي لم أبح بها؟ / هل سيمضي الوقت وتذبل الزهور؟ /لقد حان الوقت لأقول وداعاَ مثل الريح التي تتوانى ثم تمضي».
ثم تقول في خاتمة القصيدة:
«قبل أن أعبر النهر الأسود / بنَفَس روحي الأخير / بدأت أحلم بصباح مشمس لامع / التقيتك».
وفي الختام لابد من الاشارة الى أن هذا الفيلم كان شعرياً بكل المواصفات. وقد لعبت الممثلة المبدعة «يون» دوراً كبيراً في تجسيد هذا الحس الشعري الذي هيمن على الفيلم برمته. فهي سيدة جميلة ناعمة، وقد وظفت هذه النعومة والرقة على مدار الفيلم. ولو تجاوزنا الجانب الجسدي، فإن ولاءها للشعر، وانقطاعها إليه كان دافعاً آخر لملامسة أدائها الشعري الجميل الذي أسفر في نهاية المطاف عن كتابة نص شعري جميل مستوحى من فاجعة لم تكن بعيدة عنها. فحفيدها كان أحد الشركاء في هذه الجريمة الشنعاء التي أفضت الى إنتحار شابة صغيرة لم تجد حلاً لمشكتلها. كما كان للتصوير دوره الفاعل في الارتقاء بهذا الفيلم من الأجواء النمطية العابرة الى المناخات الشعرية التي تآزر في صنعها التمثيل والتصوير والمونتاج والسيناريو والمؤثرات السمعية والبصرية، هذا إضافة الى الرؤية الإخراجية للمخرج المبدع لي تشانغ الذي استطاع أن يوظّف كل المعطيات المتاحة له بغية إنجاز فيلم ناجح قد لا نبالغ إذا قلنا عنه بأنه تحفة بصرية وشعرية في آنٍ معا.

 

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …