أخبار عاجلة

في أبطال تمثلات عقوبة النفي الرواية العراقية المغتربة رحلة مضادة الى الوطن

تبدأ أحداث أول عمل قصصي نشر في العراق مطلع هذا القرن (1)  برحيل البطل من بلده لاسباب يكشفها في حواره: (كرهت ان ابقى في بغداد وانا لا أرى أمامي الا حرية مستلبة، وحقا مضاعا). ولكن هذا البطل يعود الى العراق بعد حين، فيجد نفسه مضطرا الى الاعتكاف عن الدنيا، مفكرا مرة أخرى بالرحيل، ومع ان محمود أحمد السيد مؤلف (جلال خالد) 1923، بحث عن مخرج الرحيل او البعاد عن الوطن ضمن فكرة التصادم بين السلطة والمثقف مطلع هذا القرن، الا ان هذه الفكرة لم تتردد في القص العراقي الخمسيني الا نادرا، ذلك لانها لم تكن تمثل في السابق واقعة يمارسها الكتاب كحل لازماتهم، ولكونها تحمل ضمن تركيبة مجتمع مغلق مثل المجتمع العراقي قدرا كبيرا من الدراماتيكية، الامر الذي جعل غائب طعمة فرمان مؤسس الرواية الفنية في العراق، يشكك بجدواها في عملين من أعماله (خمسة أصوات) و(المؤجل والمرتجى) ويؤكد مقابلها على فكرة عودة المرتحل الى وطنه، مع انه كتب كل رواياته في مغتربه، منذ ان غادر بلده في عام 1955 لحين ما مات في موسكو 1990.

أول عمل روائي نشره فرمان (النخلة والجيران) 1965، كان يمثل اختبارا فعليا لذاكرة المهاجر في تخيل الردة الى الوطن، حيث تشف الاماكن والازمنة والروائح والحوادث لتأتلف في أصفى ما يكون عليه الذهن قدرة على استحضار الحنين الى الوطن عبر الامساك بالعيني والملموس في الاماكن والشخصيات. الصيغة الافتراضية لكتابة الرواية بدأت عند فرمان من ذاكرة تجولت في ازقة بغداد الاربعينات، زمن نضوج وعي المؤلف قبل مغادرته العراق، ومن خلال هذا الموضوع الاثير في روايته، يطرح فرمان فكرة التوطن في المكان القديم بما يضمر هذا المكان من امكانية على التفكك والزوال بقيمه وعاداته وزحف المدينة الحديثة اليه. حلم عودة المهاجر الى وطنه، يرشدنا السارد اليه في رواية لاحقة هي (المخاض) 1974 بعد روايتين يصدرهما فرمان عن العراق يطرح في الثانية (خمسة اصوات) 1967 موضوع الهجرة كعقاب لا ينتظر المثقف مقابله في الوطن سوى حياة السجن والضياع والتشرد والعوز. خاتمة روايته هذه تجسد الهزيمة الروحية التي تتوج هجرة المثقف ذروتها، لكنه في (المخاض) يتمثل موضوعة العودة الى الوطن مجسدة في شخصية شاب عاد من الخارج ليبحث دون جدوى عن أهله وحيه القديم الضائع بين عمران حديث ونهضة مبتورة مشوهة، وهو موضوع يحمل بين منطوياته ما يمكن ان نسميه اسطورة العودة التي يتوهمها المهاجر. فالهجرة تضع الناس في منطقة عازلة لا يستطيعون فيها الشعور بالانصهار في المكان البديل، ولا الرجوع الى ماضيهم المضاع، وكما لاحظ جون بيرجر في مبحثه عن الهجرة: "يدرك كل مهاجر في قرارة نفسه ان العودة مستحيلة، فحتى لو قدر له ان يعود جسديا فانه لن يعود فعليا،لانه هو نفسه تغير تغيرا عميقا في هجرت " (2).

حلم العودة الذي ما يني يلح على المؤلف في رواية أخرى (ظلال على النافذة) 1979 يكون شاهده مهندسا عاد بشهادة وطموح تذروه رياح الهزيمة التي لحقت بمجتمعه بعد فشل الثورة، ويتوغل المؤلف عبر المزاوجة بين احباطين للبطل، في تحليل مجتمع العراق الستيني وهو زمنه في رواية (المخاض) ايضا.

رواية فرمان (المؤجل والمرتجى) الصادرة في عام 1986 تنطلق في معالجة عادتها من موقع طالما بدا لقراء هذا الروائي مطويا ومؤجلا، بل مهملا عن عمد، الا وهو الحياة في الخارج، وهذا التحول في مسار روايته من حيث مقاربته لطبيعة المكان بدا وكانه أضاع عليه بوصلة قصته السابقة، فكانت اضعف روايات فرمان واكثرها ارتباكا من حيث ترتيب سياقها ولغتها، مع انه يطرح من خلالها صراعات المنفى التي تلوح وكأنها امتداد لصراع اجتماعي يجري على ارض الوطن أولا، وأن المعاينة لهذا الصراع لا تبدأ بمحاكمة تلك الحياة المشوهة للمنفى، وهذا جزء من استنتاجه الميلودرامي، قدر ما تحتاج الى الوقوف قليلا لتفحص تاريخنا، حينها نعرف متى يتحول الوطن الى منفى أو متى يتحول المنفى الى وطن.

عبر كل روايات فرمان والروايات العراقية التي كتبت في المهجر يمكن أن نلاحظ أن وظيفة الفن فيها تتجلى على هيئة محاولات لابطال تمثلات عقوبة النفي التي يجري الصراع معها في رحلة العودة المضادة الى الوطن، فالمنفى حسب كل الموسوعات عقوبة تقع على فرد او مجموعة لتقصيهم عن وطنهم فترات محددة او ابدية. وسواء وقعت عقوبة النفي على المشتغل في عالم الادب قسرا، او اتخذها الكاتب موقفا من أجل الحفاظ على حريته، فهذا النفي يخلق شواهد على مضمونه الحدثي في نتاج الكاتب يقوم في المحصلة بوظيفة جمالية ليس أدل عليها مثل مخيلة وذاكرة تتحرك بين زمانين ومكانين يتبادلان المواقع في هذا النتاج حتى لو انكر احدهما الآخر، وفي تتبعنا لمسيرة فرمان وهو ابرز الروائيين العراقيين الذين عاشوا في المنفى أطول فترة (3) نجد أن الوعي الروائي لديه يتشكل حول رسالة معلومة تشير الى الوطن ولا تتخطى أسراره. لنقرأ فقرة من مقدمته لثاني مجموعة قصصية صدرت له منتصف الخمسينات تحت عنوان (مولود أخر) وهي أول عمل له بعد مغادرته العراق. يقول في هذه المقدمة "الغربة قطيعة، ليست وجدانية بالطبع، ولكنها أشبه ببتر او تخريب أعز حاسة فيك… الذاكرة، فتجعلك لا تواكب ولا تستوعب صورا وتجارب أخرى، ولا تتعرف على نماذج جديدة، ولا تتابع نماذجك القديمة، ولا تتبنى – عبر المراقبة والرصد، عبر المخالطة والمعايشة، عبر المعاناة المشتركة، وصيحات الغضب والتحدي، عبرا الحلم المشترك، والفرحة المشتركة، من خلال الاغاني والنكات، والاعياد والمهرجانات، عبر المأكول، والملبوس عبر المحمود والمذموم، عبر المرئي والمسموع، وعبر الف قناة وقناة – لا تجعلك عبر كل ذلك تبنى ما كنت تحس في البداية، بأن القدر نفسه، الطبيعة ذاتها، وبان تصوره، وتعبر عنه وتكرس حياك له".(4). بيد أن فرمان واجه في رواياته الثماني التي كتبها في موسكو حالتين من طبيعة واحدة هما الذاكرة التي يتحدث عنها، ومنطق هذه الذاكرة مدرجا بأقيسة التجربة والمعرفة. فالماضي الساكن باندماجه في احساس الحاضر يصبح فاعلا لما للحاضر من قدرة على خلق ممكنات فعله الجديدة، لان الذكرى في البرهة التي تتحقق على هيئة ادراك تكف عن ان تكون ذكرى مجردة لتغدو ادراكا جديدا للاشياء كما يصفها هنري برجسون في مبحثه عن الذاكرة (5)على هذا النحو نستطيع أن نجد في رواية فرمان منذ (النخلة والجيران) تلك النقلة النوعية التي تتمايز عن المحاولات الروائية التي سبقتها. فهذه الرواية كانت ثمار فترتين مهمتين أخصبتا ثقافته في الحياة والقراءة وهو بعيد عن وطنه: فترة اقامته في مصر حين أكمل دراسته واصبح على تماس مع تقاليد الرواية التي وصلت فيها مصر نهاية الاربعينات – مرحلة اقامته في القاهرة – درجات من التطور، ثم فترة الاقامة في موسكو وكان خلالها مترجما ومتابعا للمورد الذي اعتبره القصاصون العراقيون بين اهم مصادرهم الا وهو الرواية الروسية.. خيار فرمان القصص وخيار الكتاب الذين لحقوه الى الغربة، كان قائما على توجه رحلة خيالهم الى الوطن وصورته المحملة بوعيهم الجديد وتمثلاته، ومع ان الرهان في البداية لدى فرمان والذين اعقبوه كان ينصب على براعة تجسيد صورة المكان العراقي، وهي نزعة تحمل في وجه من وجوهها حنينا مبرحا الى الوطن، او انها أحدى سمات الكتابة عند ادباء العالم الثالث المنفيين، كما يصفها ادوارد سعيد في موضوعه (المنفى الفكري) (6) بيد ان من المهم ان ندرك ان العديد من تلك الاعمال لم تكن محض تشبث بالماضي، بل تتبع لجذور الحاضر عبر رحلته المعاكسة الى الماضي، معتمدين على ما آلت اليه الذاكرة في مرحلة انتقالها من التخيل المحض الى محاولة ادراك مكونات الوعي الاجتماعي في سيرورة تشكله. وكان لابد والحالة هذه من ان تنضفر مع صورة العراق ترديدات الذات المقصية وأسئلتها المحرقة وشكوكها وطريقة تنظيمها لاسباب ونتائج الصراعات الاجتماعية. ولم تكن مهمتهم الالتفات الى المكان البديل (المغترب) الا بشكل مبتسر ومن خلال تقص الحالة العراقية فيه، وبقي هذا التقليد ساريا لحين ظهور الجيل الجديد من الروائيين في التسعينات الذين كانوا اكثر استعدادا للتفاهم مع المكان البديل وتملا عاداته وقيمه ورصدها روائيا.
واقعية تعيد تجديد نفسها

إن زخم اسئلة الوطن المحملة بمشكلاته الاجتماعية وصراعاته السياسية التي حاول الكتاب المغتربون مناقشتها بعيدا عن الرقابة وبصيغة جديدة، لم ينتج جديدا على صعيد الشكل في رواية الستينات والسبعينات التي كتبت في الخارج، فكان الكتاب اكثر تمسكا بالصيغة الواقعية بجديدها وقديمها الذي تركوه في بلدهم. والواقعية كانت من بين اكثر المباحث التي انشغل بها النقد العراقي، كما انشغل بها النقد العربي والعالمي. ويذكر عبدالإله احمد في كتابه (الادب القصص في العراق منذ الحرب العالمية الثانية) ان ابرز القصاصين الخمسينيين حاولوا تعريف الواقعية والدفاع عنها الا ان تلك الكتابات تكشف عن فهم شابه غموض واضطراب كبير (7) ويشير زهير شلبية في اطروحته عن غائب طعمة فرمان الى كتاب نشره فرمان بالاشتراك مع محمود امين العالم في عام 1956 تحت عنوان (قصص واقعية من العالم العربي) صدر عن دار النديم في القاهرة وفي مقدمته يحدد فرمان مع العالم مفهومهما للواقعية الجديدة كمدرسة أدبية يمكن ان نجدها متجسدة في النظرة الموضوعية للحياة والانسان (8). بيد ان مفاهيم فرمان الفكرية وتصوراته الجمالية تغيرت في الفترات اللاحقة، ولكن منطلقات روايته الاساسية بقيت كما هي، يحكمها نازع التوجه الى الناس والبسطاء منهم على وجه التحديد. فشخصية البغدادي الغفل، الرجل التلقائي الذي يكشف العالم بذكاء فطري وطيبة وعفوية، لا تظهر في معظم اعمال فرمان فحسب، بل هي حالة روائية تتوارى خلف الاعمال برمتها وتحدد  سيكولوجيا الموقف الروائي اصلا، وهذه الحالة وان كانت تجسد شخصية المؤلف ذاتها، فهي تتعدى التجسيد الى ما من شأنه ان يجعل مناخ تلك الاعمال التي تبدو على درجة من الحساسية والذكاء والبصيرة الاحترافية، مناخا تشوبه سمات ساذجة مقصودة، وانشداد خفي، وهي ميزات تشكل بمجموعها سرا من اسرار صدق اعماله ونجاحها. ابتعد فرمان قدر ما يستطيع عن ازمات المثقف وتهويماته حول الذات الفردية، وكان في روايته (خمسة اصوات) التي يناقش فيها مشاكل المثقفين العراقيين، يرقب شخصياته على مبعدة، ويحاول بمزاجه الفكه تعرية تلك الهشاشة التي تقبع خلف قناعاتهم وتدور حولها تصوراتهم. ان خياره للاسلوب الواقعي مع محاولته في بعض الروايات تخطي حدوده المتعارفة، هو خيار تقبل الاحساس بالواقع كحالة متحركة، وليس وصف التجربة الانسانية او الحكم عليها. انه في حيثياته يمثل خيار مرحلته التي ترى في النتاج الادبي تواصلا مع توق المثقف الى التعبير عن هموم الفئات الشعبية ومزاجها ولغتها، والتأكيد على محلية الادب بعكس هوية الواقع وتضاريسه.

كانت دورة الوعي القصصي الممتدة عبر حقبة ثقافية ناهزت الخمسين عاما او يزيد لحين ظهور الرواية بصيحتها المتطورة في العراق، تتمركز حول تلمس ما يمكن ان نسميه القوة الدافعة للفن كشرط للتغيير الاجتماعي. فأضحت الواقعية الانتقادية كموقف جمالي مرادفة للاعتراض السياسي ومعبرة عن تطلعات النخبة المثقفة في نزوعها الاخلاقي سواء في السياسة او الادب. ونحسب ان مجتمعا مضطربا مثل المجتمع العراقي يصعب ان تستقر فيه تقاليد روائية تنشغل بتأسيساتها الفنية، فأحداث الحياة وظروف الكاتب والصراع السياسي المرير يقلل ليس فقط من فرص الانماط المستقرة للكتابة والرواية ابرزها، بل يتحكم في مصائر الكتاب أنفسهم. لان الادب العراقي دخل من بوابة الوعي السياسي، فكانت عواصف الهزات السياسية تحصد أمن واستقرار الكتاب وتتحكم في نوع عطاشهم. ان من المجدي والحالة هذه الافتراض بان شروط الكتابة الروائية تستدعي فوق هذا وذاك تأسيسات سوسيولوجية لفهم طبيعة المجتمع، وفي الحالة العراقية بقيت الدراسات قاهرة في هذا الميدان قياسا على مصر التي قصدها فرمان لينشغل اول ما ينشغل فيها بدراسة الادب، ومن خلاله التاريخ والمجتمع العراقي، فكتب في الصحافة المصرية مجموعة من المقالات الادبية او التي تمزج الادب بالسياسة واصدر كتابه المعروف (الحكم الاسود) عن الفترة الملكية في العراق (9) ولم تؤهله تلك المحاولات لان يصبح باحثا مكتمل الملامح، ولكنها رشحته لان يكون روائيا على قرب من المهمة التي اوكلها الى نفسه او اوكلتها الطبيعة اليه حسب تعريفه السابق. ولعل هيمنة الشعر على الاجناس الادبية الاخري اضعف امكانية تأسيس تقاليد روائية راسخة في العراق، ولكن المفارقة ان الشعر بقي حقلا مستقلا بمجراته الجمالية التي لا تستطيع اختراق حقل الرواية الا في بعض التجارب الستينية. استقرار السبعينات النسبي داخل العراق، لم يؤسس رواية خارج مأزق الحدث السياسي، فكانت روايات الاغتراب والهزيمة تستجيب الى مجازفة الخروج على التقاليد الواقعية، ومحاولة الاقتراب من المنظور الذهني للكتابة الروائية او تهويمات الشعر وهي في العموم لم تترك علامة فارقة، في وقت استطالت واقعية الخمسينات لتشمل مرحلة متأخرة لا على يد كتابها الاوائل فحسب، بل على يد الجيل الستيني وما تلاه. وربما كان للتجريب في الفن الروائي هامش صغير استخدم للتمويه على القول السياسي، في حين كانت التقاليد الروائية بصيغتها الواقعية بحاجة الى اشباع لمنظور البيئة والشخصيات والحدث التاريخي المعاصر.

الرواية العراقية التي بدأت على يد غائب طعمة فرمان في الخارج، كانت تحاول ان ترى الى العراق من منفاها البعيد في اوضح صورة، فكانت استعادة الوطن تقتضي الوقوف عند زمن المغادرة الفالت من يد المهاجر دون رحمة، لذا كان فرمان وفيا ليس الى ماضيه الشخصي فقط، بل الى ما لم يشبعه من تجربة فنية تركها في الخمسينات حين غادر بلده، فكانت رواياته من حيث التجربة الروحية والاساليب الفنية امتدادا للتجارب القصصية التي كتبها وزملاء مرحلته، وكأنه يستعيد ما فاته من تطوير لواقعية لم تستكمل ملامحها فنيا على هيئة رواية.. وبكلمة أخرى كانت روايته تسعي الى تأسيسات لرواية كلاسيكية تأخرت بعض الوقت عن ان تثمل الواقع في مشهد واسع.

يضع محسن الموسوي في كتابا (نزعة الحداثة في القصة العراقية) خمسة عناوين لروايات صدرت في العراق الى عام 1958 الا انه يحسبها على هامش القصة القصيرة، اي انها تفتقد الى مقومات الرواية الفنية (النفس الطويل والمثابرة) حسب توصيفه لتلك المقومات: (لذلك كان الحل الوسط الذي بدأ بيننا في الخمسينات، هو اعتماد القصة الطويلة، التي لا تكتفي باصطياد لحظة، او تجميد موقف او اقتطاع شريحة، بل تتوسع في ميدان أرحب، في سلسلة متقابلة من شخوص محددين في موقف محدد، يتعامل معهم القاص بمركزية عالية) (10). هل نستطيع والحالة هذه تصور ان المهاجر في استقراره النسبي خارج بلده اكثر قدرة على انتاج الرواية من مجايليه داخل الوطن ؟ لعل المكان الجديد بحمولته الثقافية يرفد موهبته بالقدرة على التبلور، او ان استقرار الكاتب الشخصي في المغترب ساعد على الشروع بالعمل الروائي العراقي الاول، ولكن الوقت بعده لم يتأخر كثيرا داخل العراق وخارجه لتظهر روايات أخرى عراقية لكتاب من جيل فرمان ومن الجيل الستيني.
التاريخ مرويا والرواية التاريخية

من الصعب أن ننسب الاعمال الروائية التي كتبها العراقيون في الداخل والخارج الى جنس من الرواية يطلق عليه الرواية التاريخية، بيد ان الاحداث التاريخية تشكل اهم انتباهات هؤلاء الكتاب، فأزمنة الروايات وأحداثها وطبيعة شخصياتها تشكل أرضية للتعرف تاريخيا على اضطراب الحقب السياسية في العراق. مع ان تلك الروايات لا تتحرك على خلفية بانورامية، بل هي تأخذ من التاريخ مشاهد مقتطعة ما يساعدها على أن تفسر موقفا او توجه النظر نحو مضطرب سياسي خطير، ولكنها من النادر ان تطرح شخصيات تاريخية تؤثر في الاحداث، بل هي تستنطق شهودا لا قدرة لهم على احداث تأثيرات فاعلة في الصراع الاجتماعي. ان مأزق شخصيات هذه الروايات في الغالب، نتيجة لتلك الاحتدامات التاريخية التي تجعل الناس اما ضحاياها او متورطين في مشكلاتها.

يحقق التاريخ كوقائع يومية حضورا في الكتابة الروائية العراقية عموما، وفي النتاجات التي ظهرت في الخارج على وجه الخصوص. وهذه الوقائع التي عاشها الكتاب على هيئة حروب وانقلابات وثورات وتمردات تركت أثرا عميقا في وجدانهم، وحسب لوكاش (يقترب التاريخ من الناس في المنعطفات الخطيرة حتى يغدو تجربه جماهيرية). (11). ولعل الاحساس بالتاريخ كتجربة جماهيرية أوضح ما يكون عليه في الحاضر العراقي، وهذا يفسر ظهور مجموعة كبيرة من الكتاب العراقيين في الداخل والخارج الذين يجدون في تجاربهم الشخصية مادة تصلح للتدوين روائيا، فهناك ثلاثة اجيال شهدت احداثا جساما في فترة تبدو اقصر عمرا من تطوراتها المتسارعة، انقلابا وانقلابات مضادة، صراعات واحترابات وتنافسات وتناحرات بين الطبقات والفئات والمصالح المتضاربة، ووصلت الاحداث الذروة خلال العقدين الاخيرين متمثلة حربين وتهجير مجموعة كبيرة من السكان وهروب ومغادرة اعداد مماثلة من الناس الى الخارج. وبقدر ما تشكل تلك الاحداث مادة ثرة لتحريك دواعي الكتابة الروائية، الا انها تحدد اطر المخيلة بمكونات واقع يحوي من الغرائب ما يظن انها تعويض عن محاولة استكشاف ما وراء هذا العالم الظاهري المتعدد الاوجه من مكامن قابلة للتأمل والتمحيص. ان معضلة استيعاب الروائي للحدث التاريخي تحتاج بين ما تحتاج الى فترة زمنية لاعتماله معرفيا ونفسيا، وهي تناقض رغبة عارمة بتسجيله قبل ان يفلت من الذاكرة بأحداثه المنظورة، أحداثه التي مازالت ماثلة امام الكتاب كتجربة خاضوها وحددت مصيرهم ومصير وطنهم التراجيدي. كما انها تحتاج الى فترة طويلة للابتعاد عن النظرة الفزعة الى فكرة المنفى او الاقصاء عن الوطن التي تنعكس على رؤية الكاتب للحدث السياسي باطاره التاريخي. والتناقض الحاصل بين احساسهم بأهمية تجاربهم الشخصية التي ترقى الى النموذج الاستثنائي، وبين وعي الحدث التاريخي بآلياته المعقدة، جعلت معظم هذه الاعمال يفقد القدرة على ايجاد معادلة ناجحة بين الطرفين وعلى وجه الخصوص لدى الجيل الشاب من الروائيين المغتربين. والسؤال الذي بقي معلقا في اطار الرواية العراقية: كيف ننظر الى التاريخ باعتمال احداثه داخل الذات الفردية، وفي شمولية آلياته كحالة مستقلة ؟. او كيف يقيض للمبدع الجمع بينهما عبر نماذج من الاحداث والشخصيات المركبة في نسيج تتنافذ فيه عناصر المعرفة والخيال والحدوس الشخصية ؟. يبرز في روايات الكتاب الذين غادروا الوطن في فترات متأخرة، شعور طاغ بثقل الحدث السياسي الراهن: الحروب والتهجير، السجون والاعدامات والخوف الذي يلف العراق في كل زاوية ومنعطف، في حين يلجأ الروائيون الذين غادروا الوطن في الفترات الأولى الى الخوض في المشكلات التي غدت اقرب الى تاريخ مروي، فروايات فرمان على سبيل المثال، مرت على الاحداث المهمة في حياة العراقي بهدوء واسترخاي منذ الحرب العالمية الثانية حتى منتصف السبعينات، الزمن الذي جرت فيه احداث آخر رواياته (المركب) التي نشرها قبل وفاته بسنتين، وكان فرمان يتابع الازمنة التاريخية التي تعاقبت على العراق وغيرت نسيجه الاجتماعي وسيكولوجيا أناسه، ولكنه لا يحتكم الى التاريخ المجرد او الوقائع والاحداث التاريخية في طرح استدلالته الروائية، بل هو شديد الاهتمام بشبكة العلاقات الاجتماعية التي تنتجها مراحل معينة من هذا التاريخ. اي انه معني بمراقبة السلوك البشري في مفاصل تحوله الضاغطة، فتبدو الاحداث التاريخية وكأنها مقصية عن السرد بتعمد، والاشارات التي تدل عليها تحصر الحدث بين قوسين كي تمنعه من الافصاح عن زخم فاعليته. تتجه نظرة فرمان في اغلب رواياته الى قاع المجتمع الذي تسير حركته نماذج وقيم وعادات وصراعات انسانية، ويتابعه في ايقاع مواز لايقاعه، اي انه لا يسقط وعيه على وعي شخصياته، بل يبني قوة منطق شخصياته من بداهة وجودها ضمن زمن ومكان يكسبها هوية محددة ويجعلها قابلة للمعاينة والقراءة التاريخية. ويلاحظ فيصل دراج في دراسته رواية (النخلة والجيران) بأن (ما يجعل هذه الرواية واقعية بالمعنى الصحيح للكلمة، هو ادراكها العميق لمعنى التاريخ الحقيقي، الذي لا يقرأ في ظواهر الاشياء او في ثنايا الارادة الطيبة، بل في مستوى تطور العلاقات الاجتماعية، الذي يسوغ البشر فكرا وارادة وسلوكا)(12).

لعل برهان الخطيب الذي غادر العراق نهاية الستينات، أكثر الكتاب في الخارج الذين اولوا تصوير الحدث التاريخي اهتماما واضحا، هذا الحدث في اغلب روايات الخطيب، مركز تدور حوله حبكة الرواية، ويرسم الكاتب ملامح شخصياته ووقائعه من خلاله، ثلاث روايات صدرت للخطيب بين عشر روايات، تتابع الشخصيات ذاتها في مكان محدد وفي زمان معلوم، بين الحلة مدينة الكاتب وبغداد يؤرخ الخطيب لثلاث حقب متتالية في عهد العراق السياسي الحديث: الملكي والجمهوري في طورين منه. وجزءاها (الجسور الزجاجية) و(ليلة بغدادية) يصفان احداث 14 تموز وانقلاب 63 الدامي على التوالي. كل تمثلات العمل تنصب حول ابطال يشاركون في صنع يوميات تلك الاحداث متجاوبين مع ايقاع الشارع في فورات الغضب والافراح. يتابع الكاتب توترات الشد والجذب في انقسامات السلطة والا حزاب، ولكنه لا يضع قوالب جاهزة تمثل الفئات السياسية والاجتماعية، بل هو يستخدم الذاكرة في تحديد ملامح شخصياته التي يجهد ان يظهر الجوانب الحية المتحركة او المركبة فيها. فكل شخصية تتجاذب او تتنافر مع الشخصيات الاخري وفق مزاجها النفسي وظروفها وقناعاتها ومصالحها، ونستطيع ان نجد بين الفئة الواحدة او الحزب الواحد شخصيتين تتصادفان اخلاقيا مع ما يجمعهما من مشتركات المبادىء والقناعات. استطاع برهان الخطيب البحث في ملفات مراحل سياسية تردد القص العراقي في الداخل الخوض في تفصيلاتها بصراحته ووضوحه ولعل الفرصة التي وفرها العيش خارج العراق جعلت روايته خارج اطر المساءلة الرسمية، وهذا الامر في جانب منه قد يؤدي بالكاتب الى الاستخدام السهل لوجهة النظر المضادة، ولكن الخطيب استطاع ان ينجو على مستوى فحص النموذج الانساني في الاقل، ان لم يستطع تماما تجنب الانحياز في الموقف السياسي والفكري. تنوع مستويات الطرح واختلاف وجهات النظر في روايته منعها من ان تكون مجرد تسجيل امين للاحداث، فهناك تعدد في المنظورات النفسية التي يرى من خلالها المؤلف الشخصيات والاحداث، مع ان الاطار الذهني العام يتحرك على سلم قيم واحد. في رواية برهان الخطيب عفوية واضحة، فهو يكتب دون اشتراطات النماذج الحديثة للرواية ولا تقف امامه عقبة الاسلوب الادبي، ويهما ان يشرك القارىء في متابعة احداثه ونمو شخصياته، وكل جزء في روايته ينتهي بخاتمة تشويقية تضع قارئها في منتصف ذروة لم تكتمل. فتبدو الاثارة من مقومات اعماله التي تقترب في احيان كثيرة من ملمح القص البوليسي. ولكن المجتمع في هذه الاعمال يبقى مرصودا ليشكل البؤرة التي تتجمع حولها كل مقاصده الروائية.

يبدو برهان الخطيب في انشغاله بالمكان والبيئة وتفصيلات تلك العوالم الضيقة لبلدات مثل كربلاء والحلة، كمن يحث الذاكرة في رحلة تمتزج فيها السيرة الذاتية بالتخيل، ولكنه من جهة أخرى يحاول ان يجعل التفسير والتمعن سيسيولوجيا يتقدم على الوظيفة الادبية للنص دون ان يفقد القاريء مناخ المتعة والاثارة الذي يحرص على توافره.

الاحساس بالحاضر، بما يحويه من توترات قصوى، دفع الرواية التي كتبت في الخارج الى العودة الى التاريخ كوقائع مفسرة لما هو مبهم في هذا الحاضر، لذا تغدو العلاقة بين حدي الماضي والحاضر أحدى مكونات هذه الكتابة، وربما يكتشف كتاب الخارج بحكم ابتعادهم عن وطنهم، ان ماضيهم الشخصي جزء اساسي من خزين الذاكرة التاريخية لوطنهم، بما يحويه من وقائع كبيرة وحاسمة، وفي المقدمة منها تجاربهم في السجن ومشاركتهم في العمل السياسي،. وتحملهم لمشكلات الفصل من الوظائف وغيرها من المظالم التي دفعتهم الى مغادرة العراق. مشهد الواقع المضطرب المحكوم بمأزقا التاريخي، هو الخلفية التي استخدمتها الرواية التي كتبت في المنفى، وهي وان استطاعت ان تنجو في احيان كثيرة من الطريقة الميلودرامية في العرض، وتقارب الحياة بتفصيلها، فالفضل يعود الى ادراك كتابها ان الرواية ليست عرض حال ومرافعة ودفاعا عن قضايا المظلومين، بل هي معرفة سوسيولوجية بالمجتمع وقدرة على اثراء الترابطات بين مدركات هذه المعرفة وتقنية الرواية من جهة والمتعة التي ينبغي ان تتوافر في اي مادة فنية من جهة اخري.

من المفيد ان نشير هنا الى ان معظم الذين كتبوا الرواية في المنفى، ارتبطت هجرتهم بمؤثرات سياسية، الامر الذي ادى الى تقارب خطابهم كمنظومة افكار وتطلعات، وان اختلفت صيغة التعبير عنها. بمقدورنا ان نقول ان فن الرواية كان من بين اكثر الاجناس الادبية التي زاد الاقبال عليها انتاجا وتوزيعا بين المهاجرين العراقيين منذ الثمانينات، كما هو الحال في أدب الداخل في العراق والادب العربي عموما، ولكن الرواية غدت في عرف الكاتب المنفي، حاجة يفرضها الصمت الذي يلف قضية القمع في العراق، كما وجد فيها بعضهم تأكيدا لمواطنتهم ووسيلة للتواصل مع بيئتهم وذكرياتهم او هي بكلمة: مقاومة لاجراءات السياسي في تهميش المثقف ونفيه عن بيئته وجمهوره، وقطع سبل الابداع عنه. يقول فرمان في مقابلة معه: "ماذا يريد هؤلاء الذين جعلوك غريبا؟ انهم يريدون ان يجعلوك صفرا، مجمدا، مهملا، بلا صوت، لكنك ان استطعت بشكل من اشكال النشاط ان تتحداهم وترفع صوتك، فهذا يعني انك افشلت لعبتهم"(13).

مهما يكن من امر فان الروايات الكثيرة التي ظهرت خلال العقدين المنصرمين راكمت تجارب روائية منوعة، ولكنها لم تنتج رواية متميزة تضعها في مقدمة الاعمال الروائية العربية القليلة التي يشار اليها. بيد ان الاهتمام الذي أولاه كتاب العراق في الخارج الى الرواية وعلى وجه الخصوص في السنوات العشر الاخيرة ياتي ضمن محاولات تجاوز التقاليد الراسخة التي يتقدم فيها الشعر على كل الاجناس الادبية. فقد خاض غمار هذا الفن كتاب القصة القصيرة والشعراء والصحفيون بل والرسامون، كما ظهر جيل جديد من الكتاب الشباب الذين خرجوا من العراق دون تجربة ادبية او فنية، ولكنهم نجحوا في ان يقدموا اعمالا قصصية متميزة. ومن المجدي ان نتذكر بان هناك ما يزيد على الاصدارات الروائية والقصصية التي ظهرت خارج العراق، اضعافا مضاعفة صدرت داخل العراق، وهي تكاد تتساوى في دوافعها مع اصدارات الخارج والتي ارتبطت بأحداث مثل الحرب والتغيرات السياسية المتسارعة والخطيرة في الحياة العراقية، كما انها تتشابه ايضا في تفاوت مستوياتها بين اعمال جيدة واصدارات عابرة، فرضتها حاجة آنية.

كانت المادة الروائية تتمحور لدى الكتاب الذين خرجوا مطلع الثمانينات وعلى وجه الخصوص، الاجيال الجديدة، حول منطق الهجرة ذاته ودواعي الاحساس بكارثة الرحيل، انهم مهتمون بترتيب الايام التي سبقت انفجار مرجل الاحداث على هذا النحو الذي احدث دويا في حياتهم، فلاحقت رواياتهم زمنا يسبق زمن الرحيل، في وقت غدت مصائر ابطالهم الشخصية عند درجة غليانها القصوى، ونقاشهم الروائي يمس حافة الجدل الايديولوجي حول قيمة الوعي الجماعي والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، الحرية ومشاكل الاستبداد وقضايا التحول الاجتماعي والديمقراطية الى ما اليه من اسئلة تكاثرت وتشعبت بعد الغربة والكوارث التي تتالت على العراق. وهكذا تلوح روايات ظهرت في الخارج، كما لو انها ردود فعل ابداعية على صمت الاجوبة الايديولوجية. فأبطال رواية فاضل الربيعي (عشاء المأتم) على سبيل المثال، يدورون حول انفسهم للخروج من مأزق المصير الذي ينتظرهم عشية مغادرتهم العراق في زمن واضح ومحدد بأطره الواقعية التي تفصح بتفصيل دقيق عن تضاريس المرحلة. وهم يجادلون خوفهم حول موائد الكحول ليغيبوا عن وعي ينذرهم بالموت او الرحيل. في هذه الرواية وعدد من الروايات التي سبقتها ولحقتها، نستطيع ان نلمح وطأة الوعي السياسي والافكار والتوترات اليومية في تحديد مسار الاسلوب. فالكاتب ينوى بحمولة قضية يريد ان يفصح عنها امام العالم. فهو يسمي الاشياء بأسمائها، ويسجل الذكريات بحذافيرها ويتحدث عن الوقائع الغريبة لعراق يتقدم الى الكارثة بخطي ثابتة. انه معني بنقل معلومة عبر حوار شخصياته ومواقفها، وبدون ان يغفل الجانب الدرامي في العمل. بيد ان تمثلات الرواية الفكرية كانت اعجز عن ان تنقل خطابها من مستوى وعيه الحدسي الاول، الى مستوى فهم يطور آليات هذا الوعي، فابطاله يرددون مندهشين اسئلة العاجز عن فهم الحصار الذي يحكم الطوق حولهم، ولشدة واقعية اسئلته الرواية ووضوحها يبدو خطابها محصورا بقارىء يتقاسم والكاتب التاريخ القريب، إنها موجهة الى جمهور يعرف كل تلك التفاصيل وسبق ان واجهها.

ويختلف ما قاله فاضل الربيعي في (عشاء المأتم) عن الذي اراد ان يقوله موسى السيد في روايته الاول والاخيرة (ايام من اعوام الانتظار) 1982، فالأول كتب ما يشبه اليوميات لتجربة شخصية في اطار روائي، والثاني حاول ان يكتب رواية بافكار وتخيلات عن الواقع اليومي واحداث الحرب. الخيال الروائي عند الاول ناقل وعي وأحداث، وهو عند الثاني غاية اراد ان يوظف من اجلها الاحداث. فموسى السيد حاول وضع مقاسات روائية على غرار كتابة جارسيا ماركيز، الامر الذي احدث هوة ملحوظة بين واقع طازج ومتحرك ويحتاج الى ادواته الخاصة، وبين منطق رواية محجمة بأسلوب لا يناسبها. ولكننا نستطيع ان نلحظ بأن حوارات وتداعيات الابطال في الروايتين هي اقرب الى لوعة القول التحريض المباشر، وهو مشكل اعاق رواية فاضل الربيعي من ان تنمو كحالة فنية بعيدا عن مهمتها السياسية، فاسئلة ابطاله الملتاعة الفزعة حصرتهم في زاوية سدت عليهم منطق التنوع في النبرات التي تفترضها الرواية. ومنعت محاور العمل من الاشتغال بتفاعل فيما بينها لتخرج الرواية من مهمتها الآنية وتضمن لها خطابا يصمد ازاء عوارض انتهاء مرحلته. في حين بقي السيد في روايته (أيام من أعوام الانتظار حائرا بين محاكاة نبرة الفانتازيا وبين لغة التحريض السياسي المباشر.

منتصف الثمانينات اصدر فاضل العزاوي روايته (مدينة من رماد) وهي الرابعة بعد (مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة) و(القلعة الخامسة) و(الديناصور الاخير). والروايات الثلاث كتبها في العراق، روايته هذه وثيقة الصلة بـ(القلعة الخامسة) التي عدت من الروايات اللافتة في الستينات، فالمكان الذي اختاره في الروايتين، السجن، مختبر يطلع منه القمع باشكاله القصوى، ولكنه في الرواية الأولى اكثر رحمة من الزنزانة الانفرادية التي يواجه فيها بطل الرواية الثانية الموت. الجديد في رواية (مدينة من رماد) محاولة اقتراب الكاتب من فهم آلية السلطة ذاتها، فهي تحكي عن علاقة بين جلاد وضحية، وتظهر التقاطع الجوهري بين مفهومين مختلفين في النظر الى العالم، بيد ان تلك العلاقة تمثل حين يحاول الطرف الاقوي الجلاد، التماهي مع الضحية. كيف يحصل الامر؟ ذلك ما يحاول ان يتتبعه العزاوي من خلال مغامرة ضابط الامن الذي يخترق حياته سجين تربطه به صحبة وذكريات قديمة. وكيف تدرج به الامر من المفهوم البسيط لوظيفة السلطة التي تعلمها في كلية الشرطة، الى الانحدار في هوة القمع المنفلت، القسوة بأشكالها القصوى: (ان تضرب وتضرب حتى تهدم أخر حجارة في الحاجز الاخير) كما يردد. ولكن اشالية اللقاء بهذا السجين اعادت تنشيط الهموم الانسانية التي انطمرت في اعماقا. فاضل العزاوي يطرق موضوعا مهما تناولته الرواية العربية في اعمال قليلة، ولكنا يحتاج معالجة مركبة، فالبطل شخصية ملتبسة في مكان وزمان استثنائي، ولكن الرواية تمس مسا خفيفا مشهد التنوع السيكولوجي للشخصية ذاتها على الرغم من اهميته القصوى منا، لان الحدث بقوة دراماتيكيته يبدو وكأنه يقدم عادته الجاهزة التي لا تحتاج الى تعب الكشف عن مكنوناتها، فثمة قارىء ينبغي ان يدرك هول الجريمة، وثمة احداث يجب الا تمحى من الذاكرة.

بعد بضع سنوات اصدرت هيفاء زنكنة روايتها (في اروقة الذاكرة) وهي سيرة ذاتية كتبت بشكل قصص وسبق نشرها كوثيقة ادانة لجرائم نظام بغداد في صحيفة (الجارديان) البريطانية. العمل يؤرخ للفترة ذاتها التي كتب العزاوي عنها احداث روايته وتتحدث قبل هذا وذاك عن تجربة سياسية مشتركة هي تجربة الكفاح المسلح لقوى اليسار في العراق نهاية الستينات ومطلع السبعينات، واهم ما فيها تجربة الكاتبة كمناضلة خاضت غمار هذا العمل، وكانت حصيلتها، كما يحدث في الواقع العراقي باستمرار، مواجهة بين جلادين وضحية. هذا العمل يعفينا من تعب تصور الكيفية التي تعاطى فيها الكاتب مع ذكرياته، او هكذا يبدو للوهلة الأولى، لاننا على مستوى حرفية النقل قادرون على التثبت من واقعية الاحداث، ولكن على مستوى تنظيم الخيال يتدخل الافتراض الروائي في طريقة الترتيب والحذف وانتقاء زاوية النظر واسلوب المعالجة.

تقول الكاتبة في صفحات عملها الاخيرة (ما نكتبه الآن، ليس هو ما حدث بالتأكيد، انه اشارة مبهمة الى ما حدث. خلط للاوهام والصور المتخيلة، حلم بامكانية ما كان سيحدث). من اجل هذا تبدأ المؤلفة قصتها بحكاية مموهة على لسان صديقة تركت اوراقا عند الراوية. وسنجد في كل مسرى العمل تلك اللعبة التنكرية التي تحتمي المؤلفة فيها خلف اقنعة القص لتتحرك بحرية بين مسافة خيالها وابلاغات ذاكرة تلح عليها، تبدو العملية محض تطهر او تحرر من كابوس الماضي كما وصفتها محررة (الجارديان) ولكن التعامل معها باعتبارها رواية، خارج مهمتها السياسية، يتطلب في المحصلة اداة فحص لمكوناتها، لان هذا العمل يمكن ان يحتمل وجهتين للمعاينة: التجربة السياسية مشخصة في زمن لاحق كمقولة اخلاقية، والحالة القصصية بعيدا عن عامل تأثيرها السياسي. المستويات السردية في كتابة المذكرات على هيئة رواية تختلف كما هو متعارف في النقد. عن المذكرات العادية. فهناك حكايتان في المقام السردي لهكذا نوع من الكتابة يشير اليهما جيرار جنيت (14) في كتابه خطاب الرواية: حكاية أولى خارج القصه (وهو مستوى ادبي يعالج فيه الكاتب عادته) واخري داخلها (الاحداث المروية في تلك المذكرات). البناء الروائي هو الذي يوحد بين هذين الجانبين ويمسك بزمام القص في عملية متكاملة. وفي رواية هيفاء زنكنة يتشظى بناء الازمنة والامكنة في الاطار العام للمادة لكي يخدم عملية الانتقاء ويوحد هدفها، ولكنه من جهة أخرى يخلخل بنية يمكن ان نسميها رواية متكاملة في افتقاده هارموني التوافق بين بعدين احدهما واقعي وثائقي، وآخر خيالي لا يحل فيه ولكن يبقى خارجه. وعملية التوافق محض تكنيك جعل من هذا العمل اقرب الى مشروع روائي تناثر في خاطرات موزعة. فليس هناك شخصيات تنمو داخل تركيبة روائية ولا احداث تكتمل في ترابطها، بل هناك نتف احداث وشخصيات تضيؤها عتمة الذاكرة في ترددها بين الافصاح والاضمار.

معظم الاعمال الروائية التي صدرت في الخارج كما اشرنا، تتدخل فيها السيرة الذاتية، لكن ذاكرة الكتاب في اغلب نماذج هذه الاعمال، تنتقي التجارب الاكثر دراماتيكية من سيرهم، وتجربة الكفاح المسلح كانت وراء عملين اصدرهما زهير الجزائري الاول عن ايامه مع المقاومة الفلسطينية في اغوار الاردن صدر في السبعينات وتحت عنوان (المغارة والسهل)، والثاني كتبه في الثمانينات واعاد كتابته في التسعينات تحت عنوان (مدن فاضلة) وهو عن تجربة الكفاح المسلح في كردستان العراق، محور الرواية يدور حول معركة حوصر فيها الثوار بين الجبال والوديان وابيدت اعداد كبيرة منهم. الرواية تبدو مشروعا مهيئا لوجهة التعميم الايديولوجي، اي انها تقدم امثولة في الصمود والتضحية، مع ان الشجن في هذه الرواية جعل من شخصياتها مجرد مشاريع لثوار تكتنف اعمالهم هزيمة محتومة. وهنا يبرز الفارق بين رواية هيفاء زنكنة ورواية الجزائري، فالكاتبة لا تتذكر من ماضيها الايديولوجي فترات تستحق التمجيد في حين يبني زهير الجزائري خطاب روايته على هذا الاساس. وكانت عدة الكاتب لغة اراد التعويل عليها في طرح افكاره، مهملا جوانب مهمة في العمل، وفي المقدمة منها حرية الشخصيات في النمو خارج وجهة نظر المؤلف، فكان لا يدرك الا البهي في نماذجه، فهو يتعامل معهم بمحبة رفاقية سدت عليه قدرة ادراك الجوانب الكلية اي المركبة في الشخصية الروائية، تلك التي تعدل الحقيقة وتدقق في ميزانها.

الرواية حسب افضل نماذجها، منظومة معرفية لا تحصر بالادب وحده، بل بعلم الاجتماع وسيكولوجيا البشر وربما تخصب بذاكرة العلم الحديث والمكتشفات، التجربة الشخصية تنتج رواية سيرة ذاتية او سيرة كتلة ومجموعة او فئة، ولكن اكثر التجارب خصبا لا تستطيع ان تقارب حالة الابتكار دون منظومة من المعلومات تتحرك على خلفية مشهدها، مشهد السيرة الذاتية، وفي الظن ان قوة التراجيديا في التجربة الشخصية للافراد في بلد مثل العراق، تحرض على القص وتدفع الكتاب الى اعتبار تجاربهم الشخصية حالات جاهزة او وثائق تاريخية، وهم ليسوا على خطأ في هذا الامر، بيد ان الروايات التي تبقى في الذاكرة تلك التي تنظر الى المجتمعات والتجارب بشمولية تتعدى التجارب المحدودة.

وأيا تكن تعبيرات الرواية الاسلوبية التي كتبت في الخارج، فان كتابها، في اغلب الاحيان، يستندون الى نواة ثابتة تحرك زمام وعيهم، ومم يحملون سمات الكتلة او المجموعة التي تدور حول ما يشبه الثوابت الجمالية، حتى وان اختلفت التفاصيل. ان قولهم الروائي محكوم بوعي مركزي يسير ثقافتهم التي تعاني من الانغلاق على نفسها على رغم الفرص التي توافرت لها من خلال احتكاكها ببيئات اخري، وثمار هذه التفاعلات تلوح الآن وان بشكل بطيء غير ملحوظ على صعيد الرواية. ويحضرنا هنا تصور ميخائيل باختين حول التعدد اللساني الذي يغمر الوعي الثقافي ولغته ويعمل عند نفاذه على تنسيب النسق اللساني البدئي للايديولوجيا والادب، فهو يقول (ان تفكيك مركزية العالم الايديولوجي لفظا، والذي يجد تعبيره في الرواية، يفترض وجود فئة اجتماعية شديدة التباين، ولها علاقة توتر وتبادل حي مع فئات اجتماعية اخري، فاذا كان هناك مجتمع مغلق على نفسه، او طائفة، او طبقة لها نواتها الداخلية الوحيدة والصلبة، فان عليها ان تتفتت وان تتخل عن توازنها الداخلي، وعن اكتفائها بذاتها، لتصبح مجالا منتجا اجتماعيا لصالح نمو الرواية).(15) ولا يحصر باختين هذا الامر بصيغة الوعي الاجتماعي بل الادبي واللساني.

الحصار الذي يستشعره المنفيون في العادة، يضفي على وجودهم درجة استنفار قصوى، وهو الذي يدفعهم الى التجمع في غيتوات ثقافية تتناقل صيغ وعيها وتمثلاته، وتلك الحالة لا توفر فرصا كثيرة للتنوع والابتكار، ما لم تدرك هذه الكتلة هزات حقيقية تفتت الوعي الجماعي وتشظيه وتخلق ارضا خصبة لتطوير الاجناس الابداعية بما فيها الرواية. ولا تبرز قيمة التجربة الذاتية الناتجة عن عملية خلخلة ثوابت التفكير الجمعي، من خلال رغبة اهمال ذاكرة الوطن او احداثه، بل ان فانتازيا الواقع العراقي ومفارقاته بمكوناتها السياسية والاجتماعية، التي تحمل الكثير من الوقائع الغريبة، تمنح الكاتب الذي يبحث عن الفريد والجديد في الحالة الروائية مشهدا لا ينتهي من الاحداث المتحركة، بيد أن تلك الوقائع الغريبة لا تكفي وحدها دون موهبة مخصبة بملمس الحياة الاخرى، حياة تلك المدن الجديدة التي استوطنها الكتاب وعرفوا حضارتها وفنونها وطباع اناسها.

هوية الانتساب الى الماضي

يولد البعاد القسري عن الوطن لدى الكتاب المغتربين شعورا متزايدا بقيمة الماضي الذي يوشك على الزوال او تندثر ملامحه من الذاكرة، وهذا الشعور في الغالب يسوغ احداهم مرتكزات استراتيجية الدفاع عن الذات ابداعيا , او الدفاع عن هويتها المحلية، بل محليتها الاكثر خصوصية (الفئوية، المناطقية) داخل اطار بلد محدد. ومثلما كانت بغداد القديمة والجديدة بؤرة التخيل الروائي عند غائب طعمة فرمان، فان المدن العراقية الاخرى تصبح مرصودة وفق هذه النزعة من قبل الكتاب الذين لحقوه الى المنفى، ان اعادة انتاج الماضي قصصيا لدى الكاتب المغترب يوازي الرغبة في توثيق ما توشك الحياة الجديدة ان تدفع لنسيانه، ولعل حرص بعض الكتاب على الوفاء لماضيهم الشخص جعل فنهم الروائي يعتمد على واقعية مفرطة في تقليدها الواقع او استنساخه، ولكون هذا الادب تتناقله المجاميع المغلقة من المهاجرين قبل القراء العرب، فان استجابة الاستحسان الأولى تصدر من قارىء يحتشد في داخله حنين مبرح الى الوطن فتتلاقى مقاصد الكاتب مع قارئه الاول المنتظر لتتولد قناعة القبول او الرفض. ان الكتابة الروائية لدى كاتب مثل برهان الخطيب تقوم على فن المحاكاة الدقيقة بل المفرطة في احيان للبيئة والشخصيات، وهي ميزة لصالح الكاتب من حيث قدرته على شحذ الذاكرة بقوة وصفاء مستحضرا المكان العراقي ومدينتي الحلة وكربلاء على وجه التحديد، ولكن تلك المحاكاة تتقدم على الصنعة الادبية وبالتالي التجديد والابتكار. ولا يمكن اعتبار روايات برهان الخطيب على سبيل المثال، خطوة متقدمة على قص غائب طعمة فرمان، مع انه من جيل لاحق له، فلدى فرمان محاولات كثيرة لتطوير شكل ومضامين واساليب رواياته، وشغله على اللغة وعلى وجه الخصوص اللغة المحكية في رواياته الاخيرة كان استجابة الى توسع دائرة قراءة لتشمل محيطا عربيا يستطيع التجاوب معها. في حين بقيت روايات الخطيب، مع كل مضامينها السياسية ورصدها الاجتماعي تحفل بما يمكن ان نسميه نزعة الرواية الشعبية التي تنشغل بجوانب الاثارة البوليسية وتمض مستعجلة دون شغل متأن على الاسلوب والبناء. وتتخذ محاكاة الواقع في رواية زهدي الداوودي (اطول عام) 1994 تجاه ما يمكن ان نسميه الطبيعية اي النظرة الواضحة المنبسطة الى الطبيعة، بل الى الحياة الرعوية، النظرة الرصافة المحسوبة على الواقعية الاكثر تقليدا للحياة فهو يرصد منطقة تمتد في وادي كفران احد المعابر الجبلية التي تربط كردستان العراق بالموصل. تبدو رواية الداودي كما حال روايات الخطيب لجهة توثيقها المراحل وتحديد هوية المكان وازمنته ومناخاته عودة الى ما فات القص العراقي في الاربعينات والخمسينات، من اشباع للمساحات المتروكة في المشهد القصصي الذي كان بعد مرحلة ذونون ايوب التعليمية يشكو من الاختصار، فكانت القصة الطويلة انسب تعبيرا عن تلك المراحل من الرواية. بيد ان الاخلاص للبيئة لم يمنع كاتبا مثل فائز الزبيدي في روايته (الذاكرة والغضب) التي صدرت منتصف الثمانينات، الربط بين محاولة تتبع نظم وقيم وافكار المرحلة التي يعب عنها والمشهد الشعبي على وجه التحديد فيها، وبين محاولته تجنب استنساخ هذا الواقع كما هو. وفي سعيه هذا يدخل فانتازيا التخيل من خلال وصفه المناخ الذي يلفت البيت البغدادي الذي يجعله اقرب الى بيت حلمي، والبطلة التي تنتقل بين زواياه وهي بنية صغيرة، تصبح مرصودة شعريا دون ان تغيب ملامحها الملموسة. ان شعريتها تتبدى فيما يعتمل في داخلها من اهواء وشطحات ترى فيها الكون وما حولها. ومحاولة الكاتب الاشتغال على العامية البغدادية ترض نزعة الحنين لديه ولكنها ايضا تمضي بالكاتب صوب ما يمكن ان نسميه مقاربة الالفة في المحكية، تلك التي تشحن الحوار بالايحاء اي بظلال الماضي المستعاد ولكن بطريقة جديدة.

يمضي فاضل العزاوي في روايته (أخر الملائكة) 1992 إلى احداث نقلة في الصيغة الروائية على صعيد المضمون والاسلوب بين من كتبوا عن المدن من المغتربين، فهو ابتعد عن الطابع الميلودرامي الذي وسم الكتابة العراقية في المنفى او الكتابة الروائية العراقية عموما. فروايته لا تستذكر مدينته كركوك وهي مكبلة بحنين المغترب، بل إن ذاكرته تراكم بحثا في منطق الخرافة الذي يلف النسيج الاجتماعي لهذه المدينة ليعكسه في بناء يقوم على تفتيت الواقع عبر السخرية القصوى منه، اي ان استخدامه منطق الفانتازيا في عكس افعال شخصياته وتحديد تضاريسها، يتلاحم مع مقاصده في بحثا عن منطق الخرافة في هذا العالم المحدود لمدينة تتمدد في الشمال العراقي بين حقول النفط وقوميات وطوائف وأديان مختلفة تتنازعها، مثلما تجتمع حول منطق واحد يوحد كل تلك الفئات السياسية والاجتماعية والقوميات تحت خيمة التخلف ذاتها. ينعكس انحراف زاوية النظر لدى الكاتب كأثر لانحراف وتشوه هذا المجتمع او المجتمع العراقي ككل ان شئنا ان نتقصى البعد الحقيقي للتورية العامة التي تنتظم روايته ككل. في حين كانت رواية (يا كوكتي) 1991، لجنان جاسم حلاوي تتبع خطا مختلفا في نظرتها الى المدينة موضع الرصد البصرة التي يوظف الكاتب لغة شاعرية لتغني بمحاسنها والافتخار بتراثها، مع ان الكثير من شخصيات مدينته ترصد كما الحال في رواية العزاوي من زاوية التهكم والسخرية.

كلا الروايتين حاولتا الخروج عن الواقعية المألوفة في القص العراقي، ولكن بناء رواية العزاوي الذي يقوم على التسلسل المألوف للاحداث ونمو الشخصيات جعل جديد هذه الرواية يرتكز على تأويل او حرف منطق الشخصيات والاحداث والتواريخ دون احداث خلل في الاتجاه العام الذي تتحرك ضمنه اللغة ويقوم عليه البناء، في حين حاول حلاوي ان يتحرك في اطار خلق مناخات لغوية جديدة واساليب سردية تخرج عن واقعيتها الى تغريب يهجن النبرات الشعبية فيها ويجعل الواقعة التاريخية تتحرك في اطارها الشعبي.

العبور الى الضفه الاخرى المناطق العازلة بين الوطن والمنفى

يمكن ان يصبح المستقر الجديد في حياة اي كاتب مغترب احد اهم المؤشرات التي ترشح من خلالها رؤية الوطن، بمعنى أن الكاتب الذي يبتعد عن وطنه فترة طويلة تنعكس في كتاباته صورة المكان الجديد بعاداته وتقاليده ومزاجه الثقافي وتتشكل صورة الوطن وفق مزيج من المتخيل الذي يخضع الى تأثيرات المستقر البديل والذكريات البكر التي يملكها الكاتب اصلا. على هذا نستطيع ان نتلمس في ادب المنفى العراقي تأثيرات الاماكن التي مر بها هذا الادب او مر كتابه عليها، بيد أننا من النادر ان نجد هذا المكان مجسدا في الرواية العراقية على وجه التحديد. السنوات الاخيرة عدلت من ميزان هذه الظاهرة لتصبح الاماكن الاوروبية ثيمات اساسية في القص. اول رواية تذكر فيها غائب طعمة فرمان مدينة موسكو التي عاش فيها طويلا كانت رواية (المرتجى والمؤجل) التي صدرت في عام 1986 اي قبل اربع سنوات من وفاته، وهو الذي اربت سنوات مكوثه في هذه المدينة على اكثر من ثلاثين عاما، ولكنه في هذه الرواية كان يبحث عن مؤجل ومرتجى يبدأ في العراق وينتهي به. فموسكو لها وظيفة واحدة وهي اظهار شعور الغربة والحرج التي يعيشهما العراقي مهما طال مكوثه في هذا المكان. ومع ان فرمان في هذه الرواية يتعرض الى فكرة النفي داخل الوطن، الا ان الطابع المأساوي الذي يغلب على كتاباته في العادة جعل من موسكو اقرب الى ساحة موحشة تتصارع فيها ارواح المغتربين وافكارهم دون جدوى. بطله الذي يعالج ابنه من فقدان الذاكرة تعرض له اثر حادث، يجمع في نموذجه ملامح الشخصية التي تتجسد من خلالها معالم الهزيمة السياسية التي خرج فيها اليسار الى المنفى مضمدا جرحه الفاغر مؤملا النفس بعودة شبه مستحيلة. اي ان كاتبا اعمل فرمان وبعد ان قاربت سنوات حياته على الانطفاء بقي مصرا على ان الانسان وتاريخه ان تعرضه الى العطب على ارض الوطن فلا أمل لترميمهما على ارض اخري. على هذا تكاد تضاريس هذا المكان (موسكو) ان تتحول الى مجرد ديكور تلوح معالمه من بعيد لتعكس مشهد الخراب الذي يلف حياة المغتربين. وهكذا يرحل فرمان من دون ان يسجل في رواية واحدة من رواياته الثماني طبيعة تلك الحياة التي امتدت به عمرا يزيد على عمره على ارض الوطن، مع ان كل رواياته تمثل بحق تجسيدا حقيقيا لتأثيرات القص الروسي في ملمحه الانساني وفي معالجاته الاجتماعية واساليبه ولغته التي تغترف من المحكية وظلالها فن تحديد مسارات القص وتوجيه مناخاته كما هي حال الرواية والقصة القصيرة الروسية في نماذجها التي تمثلها فرمان. وبقي من جاء بعده يسير على منواله في الاخذ بمبدأ الربط بين القص والعودة الى الذكريات البعيدة التي تجري على ارض الوطن وبفكرة محلية المكان الروائي الذي تظهر خصوصية الرواية من خلاله. ولعل طبيعة القراء الذين تتوجه اليهم الرواية المكتوبة في المنفى – وهم عادة من العراقيين المغتربين – تجعل الروائي يقف معهم على ارض مشتركة يحدد من خلالها خياراته القصصية، وهذه الارض في العادة منطقة عازلة تقف بين الوطن والمغترب، انها الارض التي تعتمل فيها الاهواء الروحية للكاتب المبعد عن وطنه من خلال علاقة الصراع مع المستقر الجديد اي علاقة القبول والنفور التي تتشكل صورة الوطن بين منطوياتها، وفي الوقت عينه تتوضح ملامح المكان البديل في ذهن الكاتب الذي لا يعني بالضرورة مطابقته الواقع، ان صورته في العادة تخضع الى ابتزاز الصورة الأولى (صورة الوطن) التي تزاحمها بالمحبة والولاء المطلق، بل وتمحقها بالتنكر لهذا المكان عبر اهمالا او التنقيب عن عيوبه. ان الحس الميلودرامي الذي يغلب على القص العراقي يجعل من الغربة ذريعة لتصعيد مازوكية يستلذ فيها الكاتب ويعيد انتاجها أدبيا.

في الروايات التي صدرت خلال السنوات الاخيرة يبرز اتجاه واضح نحو الالتفات الى المكان البديل ولكن اقتراب الكتاب منه يتخذ اشكالا مختلفة، فمنهم من يعتبره خلفية بعيدة تجرى على ارضه احداث تخص العراقيين والعراق كما في رواية (امرأة القارورة) سليم كامل مطر التي صدرت نهاية الثمانينات، وهي تظهر مباهج المشهد الاوربي وان مرت عليه بسرعة قصوى غير ان هذا المكان يحمل في منطوياته حسب هذه الرواية عوامل الرفض للوجود العراقي الطارىء فيه، بيد ان هذه الرواية لا تأخذ بمبدأ محاكاة الواقع بل تقيم معه علاقة متقلبة تدخل فيها الفانتازيا واللعب اللفظي، فيغدو الوجود العياني للشخصيات والاحداث في الوطن وخارجه محض افتراض ذهني او هو دفق لفظي تنتظم في ثناياه التجربة الشخصية ضمن مسرود لا يسجن نفسه داخل حدود واقعها، في حين يكتب ابراهيم احمد في روايته (طفل الى سي ان ان) 1996 متخيله الروائي عن حوادث لم يعايش تفصيلها ولكن واقعية القص وشدة وضوح تضاريس المكان والزمان والتطابق الكامل بين خطاب السارد وخطاب البطل تجعل منها اشبه برواية عاشها المؤلف، ولعل هذه الرواية تذكرنا بملاحظة جيرار جنيت عن كتابة السيرة الذاتية، ويرى فيها ان السارد لا يعلم فقط واختباريا تماما اكثر مما يعلمه البطل، بل يعلم مطلق العلم، اي يعرف الحقيقة، وهي حقيقة تهجم عليه ولا تقترب منه تدريجيا. () وهكذا يفعل الراوي في (طفل الى سي ان ان) الذي يتوجه خطابه صوب فكرة فضح امريكا التي تمثل الشر المطلق كما تجسد في حربها الاخيرة مع العراق، وهي مقولة سياسية وضعت في اطار روائي تشويقي ينتقل ابراهيم احمد فيها من عالم القصة القصيرة الذي خاض غماره منذ الخمسينات الى قص روائي يمتد ويتشعب بين يديه بإتقان وسلاسة. في عمله هذا يقترب من التشبه بتجارب التأسيس الأولى للرواية لجهة تماسك بنيان روايته وترابط احداثها وتحديد وظيفة السارد الايديولوجية في قلب البؤرة الروائية، اي دوره التوجيهي، او التربوي الذي يتمحور حول مقولات اخلاقية تسندها احداث الرواية مثلما تمهد لها منولوجات البطل التي تهيمن منذ المدخل الاول على القص. ولكنها في الاطار العام تنزع من العمل طابعه الحواري ذلك الذي يجعل الشخصيات والاماكن ذات طابع سجالي يجري رصده من زوايا منوعة، ولا تدعه محصورا ضمن اطار تخيل واحدي، يلوح لنا في في هذا العمل كمعادل لنقص التجربة المعاشة، او هو نتاج موقف سياسي راهن، لذا بدا الخيال في تنقله داخل المكان (امريكا) حصيلة ما توحيه السينما وما يقدمه القص الشعبي المتداول من صورة مبتسرة عن بلد مترام ومتشعب في تجاربه الانسانية والروحية. روما في رواية عارف علوان (محطة النهايات) 1997 مدينة معشوقة ولكنها متصنعة عن وصال الغريب الذي يطلب ودها. مدخل القص يبدأ من حيث تكتسب الغربة مرجعية تعود على البلدان التي انتجهتها: الفقر والحروب والصراعات التي تجعل البشر يطاردون موانىء تهينهم وتذلهم، ولكن العراقي الارفع مقاما يسعى الى الارتباط بامرأة من اهل البلد، وحين يدركها تلوح له كطيف يعز عليه الامساك به لانها من عالم ينفيه ولو اغراه سرابه. الشخصية الرئيسية تكس موقعها في المكان عبر احساسها بزمنه ومدينة مثل روما تعيش فوق انقاض تاريخها توحي الى الغريب بالثبات الذي يثقل روحه المقتلعة من مكانها الاول، كما يبدو حاضر المدينة الضاج بالعنفوان وكانه يركض في زمن لا يستطيع المغترب اللحاق به، ومن التقاء الزمنين يتقصى الراوية الخارطة الجغرافية للمدينة الاوروبية وعبر هذه الخارطة يحاول اكتشاف روح البلد بمكونه البشري من دون ان تقاطعه نوبات الحنين الى الوطن.

عنوان رواية سلام عبود (الاله الاعور او غزل سويدي) 1995 يوحي بما يريد ان يقوله عن هذا البلد الذي ينأى عن الغريب الذي يحل فيه طبيعة ومزاجا، المنفى يتخذ فيه بعدا روحيا شموليا لا يحاصر الشخصية المغتربة عن مكانها العراقي، بل ان اصحاب البلد ايضا يتعايشون معه في عالمهم المسور بالوحشة والهجران. الرواية تحاول اقتحام هذا العالم والتنقيب عبر شخصياته عما يشكل موازيا او تعزية للبؤس الذي يعيشه المهاجر، وكما هي حال كل الروايات التي تكتب عن لقاء الشرق بالغرب، الوطن بالمنفى، والمغترب في مواجهة مشكلة التأقلم مع المكان البديل، تبقى اسئلة الذات معلقة بخطوة التصالح التي يرفضها المغترب بارادته او بقوة تكمن في هذا المكان وتنفيه عنه، يختلف خطاب كل رواية عن الاخرى ولكنه يلتقي عند بداية مهمة تزيل رهاب الرواية العراقية من المستقرات الاوروبية، او ان شئنا الدقة من وطأة مخيلة ترفض مغادرة ذاكرتها الاولى عن الوطن.

الهوامش

1- يتفق النقاد في العراق على ان محمود احمد السيد (1903 – 1937) رائد القص العراقي، وكان عمله (جلال خالد اول محاولة روائية فى العراق اطلق عليها في مقدمته تسمية النوفيل وكتب على غلافها قصة عراقية موجزة (1919-1923).

2- جون بوجر – وجهات في النظر.ت: فواز طرابلسى – مركز الابحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي – دمشق 1990 ص: 85.

3- خرج فرمان من العراق مرتين وامتدت الثانية من 1960 الى 1990 كانت فترة اقامته في موسكو لحين وفاته.

4- مقدمة مجموعته (مولود آخر) الصادرة في 1957 عن الطبعة الثانية دار الهمداني – عدن اليمن 1984.

5- يقول برجسون «الذاكرة لا تقوم اطلاقا على تقهقر من الحاضر الى الماضي، بلى تقوم على العكس على تقدم من الماضي الى الحاضر، فى الماضي انما نضع انفسنا دفعة واحدة. ننطلق من حالة ممكنة نسوقها شيئا فشيئا، خلال سلسلة من مستويات الشعور المختلفة، حتى الحد الذي تصير فيه مادية في ادراك راهن، اي حتى النقطة التي تصبح فيها حاضرة وفاعلة »

هنري برجسون (المادة والذاكرة) ط 2 ت – اسعد عربي درقاوي – منشورات وزارة الثقافة -سوريا 1985 ص 249.

6- ادوارد سعيد – المنفى الفكري – (صورة المثقف) ت: غسان غصن دار النهار بيروت 1994 ص 57.

7- عبدالإله احمد (الادب القصصي في العراق) الجزء 2- وزارة الاعلام – بغداد 1977 ص 33.

8- زهير شليبة (غائب طعمة فرمان، دراسة مقارنة في الرواية العراقية) دار الكنوز الادبية 1997 ص 70.

9- (الحكم الاسود في العراق) حسب كتاب احمد النعمان (غائب طعمة فرمان، ادب المنفى والحنين الى الوطن) الصادر عن دار المدى 1996 هو استعراض صحفي لاحداث العراق قبل 14 تموز 1958.

10- محسن جاسم الموسوي (نزعة الحداثة في القصة العراقية – مرحلة الخمسينات) دارافاق عربية – المكتبة العالمية – بغداد ص 31.

11- جورج لوكاسن (الرواية التاريخية) ت: صالح جواد الكاظم – دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد – 1986، سر ا 2.

12- فيصل دراج (رواية عن الامس رواية عن اليوم) مجلة (القافة الجديدة) العدد 11- 1987 ص 126.

13- لقاء مع فرمان اجرته هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة) العدد 11 السنة 1987 ص158.

14- جرار جنيت (خطاب الحكاية) ت: محمد معتصم، عمر حلي عبدالجليل الازدي مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء 1996 ص 240.

15 _ ميخائيل باختين (الخطاب الروائي) ت: محمد برادة – دار الفكر للدراسات والنشر – القاهرة 1987 ص 130.
 
 
فاطمة المحسن (ناقدة من العراق تقيم في لندن)

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …