أخبار عاجلة

في العالمِ الثالث كُلنا كُتَّابٌ بالصُدفة!!

لا أعرف لماذا تذكّرتُ جملة الشاعر التركي الكبير «أورخان وولي» التي يقول فيها :مسكين سليمان أفندي وأنا أخطو في بيت سليمان فياض، يجلس الروائي الكبير في البيت وحيداً، مقلِّباً ثمانين عاماً بين أصابعهِ، يقول إن نصفَه الأسفل قد سقط منه في معركة طويلة مع الدنيا ، وإذا سألته عن الحصيلة النهائية سيمدُّ أذنَه التي لم تعد هي الأخرى على ما يُرام قبل أن يقول : لو عدتُ إلى صباي سأختار أن أكون سليمان فياض.
«مسكين.. سليمان أفندي» فعلاً، لا يخجل من الاعتراف بأنه لم يعِشْ قصة حب عظيمة، رغم أنه تزوج أخت الشاعر فاروق شوشة، وأنجب ولداً وبنتاً لا يزال يعترف بالرضا عنهما، ورغم أنه تزوج ثانية فتعلم استخدام الكمبيوتر، وأصبح نشيطاً كلما تقدم به السن، قال لي بفخر إنه كتب روايته الأخيرة «أيام مجاور» على الكمبيوتر بنفسه، «وبصباع واحد» وهو الرجل الذي تجاوز الثمانين عاماً، لكنه صمَّمَ أن يصنعَ لي مشروباً بيديه اللتيْن أصبحتَا أقدمَ منه،  يحكي قصته مع الدنيا فيما يتردد صوته بين جدران شقة ترى النيل، منذ سكنها قبل 45 عاما، قلت له: أنت رجل يُجاهد كي لا يفوته القطار، فضحك بصوت صبيانيّ ورثه من أجداده الفلاحين في السنبلاوين قبل أن يقول: حتى القطار لم يعد قادراً على انتظار رجل تجاوز الثمانين عاماً دون أن يتذمَّر.
v أبدأ من «الروائي» سليمان فياض، كيف كتبتَ «أيام مجاور» في 2009 لتحكي تجاربك في منتصف الأربعينيات حين كنتُ صبياً في المعهد الأزهري، ألم تخشَ من ثقوب الذاكرة؟
u بشكلٍ عام  أنا لا أكتب من الخيال، التجربة عندي دائماً هي الخطوة الأولى، الوقائع هي التي ترسم الشخصيات، وبالتالي لا أكون بحاجة إلى استعمال سياسة المرآة  بقدر ما أنا بحاجة إلى شَحْذ الحواس وقراءة عالمي وفهمه والانغماس فيه، لأنه إذا كان العقل ينسى فالحواس تحتفظ بذكرياتها ربما إلى سنوات بعيدة، كما أنها تحتفي بالتجارب، أنا لا أكتب إلاّ ما اختبرتْه تجاربي، لأن الكاتب الذي يجلس لكي يؤلّف لا يجب أن نصدّقه، لكنني على الجانب الآخرأن أسأل سؤالاً محدداً كيف أصنع من قصة عادية موضوعاً روائياً، هذا السؤال الذي لابد أن تجيب عليه بحكمة لا تتوفر للكثيرين لكي تكون روائيَّاً.
v هل تريد أن تقولَ إن روايتك «أصوات» التي تحكي قصة امرأة أوروبية تزوجت مصرياً فتعرَّضت لعملية ختان مريعة من نساء في القرية، هي قصة واقعية لم يلعب فيها الخيال أيَّ دور؟
u طبعاً قصة حدثت في بلد فاروق شوشة قرية «الشعراء»، تحديداً سنة 1948 ، دي قصة «واعرة» عشت عشر سنوات لا أقدر على كتابتها، وكل الذين كتبوا عن علاقة الشرق بالغرب أخذوا البطل الشرقي إلى الغرب، أنا لم أفعل مثل كاتب «الحي اللاتيني» أو كاتب «موسم الهجرة إلى الشمال» لأنني ببساطة لم أعِشْ تجاربهما، حين كتبتُ «أصوات» كان ذهني مشغولاً بالحديث عن عمليات التمصير الدائرة في السياسة وجميع المجالات، رأيتها عمليات محتومة الفشل، لأن النظام الإداري الروتيني البيروقراطي المصري استطاع أن يقوم بعملية «إخصاء» كل هذه المحاولات البائدة في التمصير، تدخل الرأسمالية إلى بلادنا فتفشل وتموت، تدخل اللبيرالية فتفشل وتموت، تدخل الماركسية فتلقى المصير نفسه، رأيت أن العقلية الجاهلة التي فعلت ذلك هي نفسها العقلية التي أمرت بإجراء عملية ختان لامرأة في الأربعين من عمرها فتموت موتة بشعة على أرض مصر.
v تتحدَّث بأسى عن اللبيرالية والرأسمالية كأنها أنظمة خلت من الاستبداد؟
u لا، استبداد الرأسمالية كان استبداداً بنَّاءً، يا سيدي كل المستبدين العظام كانوا بنائين عظاماً وخذ عند: فريدريك.. نابليون، سواء في ذلك كان حاكماً أو قائد جيش أو حزب، كانوا مستبدين أينعم، صُنّاع حروب جائرة أينعم، لكنهم كانوا بناة، في بلادنا  لا الرأسمالية احتوت مبادئها في الاقتصاد ولا حتى في الاستبداد لدينا استبداد لا يبني ـ إلاّ السجون ـ والمستبدون العرب فشلوا في بناء مشروع واحد بقامة السد العالي مثلاً..
v رغم أن المصريين بنوا السد العالي فعلاً؟
u هذا صحيح، لكنني أريدك أن تدلني على مشروع بناه العرب غير السد العالي ولا يزال موجوداً ومفيداً، كل ما بناه عبدالناصر تهدم، أو بمعنى أصحّ «تمّ إخصاؤه» لأنَّ العقلية الإدارية التي حكمت قبل ثورة يوليو1952 هي التي حكمت بعدها، رغم أن عبدالناصر اعتمد على رجاله، لكن العقلية البيروقراطية ظلت كما هي بسماتها المعروفة، الجهاز الإداري هو الذي خرَّب إنجازات الثورة والأعمدة الأساسية فيه صاروا مليونيرات في عهد السادات، رغم أنه لم يستعن بالكثيرين منهم، هؤلاء الذين اغتنوا في «باطن» الثورة.
v أنت لم تُحب عبدالناصر ألم تعتبر نفسك خائناً للرجل الوحيد الذي يبني؟
u  أبداً، لأنني في منتصف الخمسينيات قرأتُ كتاباً اسمه «رأسمالية الدولة» كان مترجَماً ومطبوعاً في بيروت، وكاتبه كان فرنسياً يقرأ مشاريع التحرر في العالم الثالث  ورغبتها في تطبيق نظم اشتراكية منقوصة، قال إن هذه اسمها رأسمالية دولة، تأخد كل الفلوس لنفسها ويحكمها حاكم أوحد جاء بانقلاب تحول إلى ثورة، هذا الكتاب نبَّهني إلى تواضع المشروع وجعلني أنظر إلى عبدالناصر بحياد، لكنني كرهت استبعاده لأفكار محمد نجيب الليبرالية، ونفيه للرجل الذي طالب بعودة الجند إلى الثكنات العسكرية، وساعتها فهمتُ المعنى العميق لرأسمالية الدولة، وكرهتُ عبدالناصر لأنه قضى على الحياة الليبرالية في مصر.
v كأنَّك تُردد مع صديقك أمل دنقل: قلتُ لكم مرارًا إن الطوابير التي تصطفُ في عيدِ الفطر والجلاء فتهتف النساءُ في النوافذ انبهارا..؟
u طبعاً.. «لا تصنعُ انتصاراً» أمل دنقل كان صديقي لم يكن يحب عبد الناصر، التقيتُ به في الإسكندرية، كنا نمشي سوياً تحت المطر عراةَ الرؤوس ليقول لي قصائد أحمد عبدالمعطي حجازي، أمل كان موظفاً في الجمارك ، وكنت  حين قرأتُ «أبانا الذي في المباحث» أقول له الناس سوف تظن أنك مخبر لأنهم لن يفهموا هذه السخرية، أمل كان رجلاً غنياً في بلده لكنه ترك كل أرضه التي ورثها لأمِّه وعاش صعلوكاً في القاهرة، لا يهتم بثيابه، لكنه والحق يُقال تفوَّق على حجازي بحكم التجربة لأنه كان صعيدياً «صلباً» لكنه كان على باب الله.
v هل أنت من الذين يحبّون قصيدة النثر رغم كونك صديقاً لألدّ أعدائها عبدالمعطي حجازي وفاروق شوشة؟
u نعم أنا مع القصيدة الجميلة حتى لو كانت مكتوبة بلغة لا أفهمها، الشعر في حد ذاته مذهب، ولا أرى ضرورة لتقسيمه، القصيدة الجميلة لا تحتاج إلاّ للإنصاف لأنها قوية وقادرة على التأثير، نعم قصيدة النثر العربية قدمت أسماء كبيرة في مسيرتها القصيرة، هناك حسين عفيف ومحمد الماغوط، أنا مع القصيدة الجميلة في أي ثوب جاءت وبأية هيئة وتحت أي لافتة، لأنني ببساطة مع الشعر الذي يكتبه الأعداء.
v هل تُناصر الشعرَ الإسرائيلي  بغضِّ النظر عن كونه صادراً من شاعر مُعادٍ أم من شاعر مُستقل عن المشروع الصهيوني؟
u أناصر الشعرَ حتى الذي يستوطن بلدي، مادام شعراً جميلاً، لكن لو كان مرتبطاً بالخط السياسي فأنا أرفضه لهذا السبب، معظم شعراء العالم الكبار يعيشون مستقلين عن الخط السياسي لبلدانهم وحكوماتها، إذا صادفت شعراً عبرياً يحمل هذه المواصفات قد أستمتع به، لأنه سيكون شعراً يخاطب الإنسانية، وهذا يفتح له باباً جديداً للحكمة. 
v ربما بسبب آرائك هذه تأخر التكريم على سليمان فيّاض؟
u تأخر التكريم علىّ حتى مللتُ منه، ولم أعد حتّى قادراً على احتماله، كأنَّه رغم كل شيء نوعٌ من الوطأة، حصلتُ على جائزة الدولة التقديرية بعدما كنتُ قدمت مشروعي الأدبي وأعمالي في اللغة العربية ومعاجمها، لا تنسى أنها  ـ كأيّ جائزة ـ لا تصنعُ كاتباً كبيراً، كتَّابٌ كبار لم يحصلوا على جائزة الدولة مثل عبدالحكيم قاسم، تأخر التكريم كأن الجائزة كانت تتدلل علي لأنني كنتُ في الثمانينيات أنجزتُ مشروعي في اللغة العربية وكتبت أهم قصصي مثل  «القرين» و«أصوات» وقدمت كثيراً من المبدعين في سلسلة «مختارات فصول» التي كانت تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، كنت قد بدأتُ أشغل النقاد بأعمالي، حين كان عندنا نقاد، الآن انقرضت فئة النقاد وانكسرت الأقلام الناقدة.
v يحدِّثونك عن الانهيار الأكاديمي وأن الأدب هو المسؤول عن الضعف النقدي.. أريدُ أن أعرف منك ما الذي حدث لهذا «النقد»؟
u الانحطاط الذي تعيشه مصر والوطن العربي هو السبب، حين ينخفض مستوى دخل الفرد الآن عن مستوى دخله في الأربعينيات التي أعرفها جيداً بمعدل 75% على الأقل فلا تسأل عن النقد، الغلاء هو المسؤول الأول عن الانحطاط في كل شيء، التعليم والطب والعادات والكتب المترجمة التي أصبحت أكثر غلاء وتوحشاً، وبالتالي لم يعد أحدٌ يقرأ..  سنة 1957 كانت  مجلة الراديو توزِّع 120 ألف نسخة، واليوم لا توزع مجلة الراديوـ الإذاعة عشرة آلاف نسخة في أحسن الأحوال،العملة المصرية كانت  قوتها الشرائية تعادل قوة الجنيه الذهب، وعملة العالم كله كانت مربوطة بالجنيه الذهب إلى أن ضحكت أمريكا على العالم سنة 1966 وجعلت عملات العالم مربوطة بالدولار، ثم أخذت ذهب العالم كله وتحفَّظت عليه عندها، كل هذه الأمور المضحكة أصابتنا بانحطاط في كل شيء.
v أرى في لهجتِك حنيناً إلى الماضي ، كأنَّه ماضٍ بلا أخطاء؟
u طبعاً لأ.. كان كثير الأخطاء لكن في الستينيات كانت هناك حركة ترجمة مُرْعبة، لا أنت ولا أي مثقف آخر يستطيع أن ينكرها، بيروت وحدها كان فيها 23 دار نشر للترجمة فقط، قرأتُ فيها قصصاً من الهند والصين وأندونيسيا ، بعدها ظللنا عشرات السنين لا نقرأ أدباً مترجماً في مصر والوطن العربي كله، أين المترجمون عن الأدب التركي الآن لا يوجد، جيلنا كله حصل على ثقافته من الكتب المترجمة في القاهرة وبيروت، ورأيي أن كل كاتب شاب لا يقرأ الأدب الغربي ولا يعرف كلاسيكياته ورومانتيكياته وعناصره الأساسية سيظل أديباً محدوداً للغاية.
v هل تريد أن تقول إن الأجيالَ الجديدة في الرواية المصرية ـ على الأقل ـ لا تقرأ الأدب المترجم.. وأنها لذلك السبب ليست على ما يُرام؟
u لا أستطيع أن أمنعَ نفسي من الشفقة على الأجيال الجديدة هذه، أراهم يسعون وراء الحداثة ويقلدون ما يحدثُ في الغرب، دون حتى أن يلاحظوا ضعف كثير من هذه التجارب خلال الثلاثين عاماً الأخيرة على الأقل، فضلاً عن إحساسهم العام بالتخبّط، تحدّثوا في البداية عن الحساسية الجديدة، وإدوار الخراط صديقي الذي أعرفه جيداً أعرف أن له عباءة، كلما ظهر جيل يفرد «العباية» عليه، وإن رفض إدوار همَّ يشدوا العباية منه ، أشفق عليهم ثالثاً لأنهم يصنعون دعاية لما هو قائم في الغرب، ولا تصدق الذين يأتون من أدباء إيطاليا أو ألمانيا لإلقاء محاضرات عندنا، كلهم أدباء ضعاف أو «سقطُ متاع» ، وحين قرأت عدداً خاصاً عن القصاصين الشبان في مجلة سطور أشفقت عليهم  لأنني اكتشفت أن عشرة كتاب ينشرون نتاجهم في صفحتين فقط من صفحات المجلة، لأنها قصص قصيرة جداً يسميها الدكتور صبري حافظ «أقصوصة» لكنني اقترحت عليه أن يسميها قُصيصة».
v علاء الأسواني حقق بعض النجاح أليس كذلك؟
u نعم «عمارة يعقوبيان»  قصة جيدة، لكنها كان من الممكن ألا تحظى بأي شهرة لو أن كاتبَها لم يكن طبيب أسنان مشهور الكل بحاجة إليه، لأن أسنانهم جميعاً بحاجة إلى طبيب، أما أنا فقد ساءت أحوال أسناني بحيث لا ينفع معها أي طبيب، أعرف أنَّك لو نشرت هذا الكلام سوف يهجوني علاء وتهجوني «شلته» وهم جمعٌ غفيرٌ من الصحفيين والكتاب لا يقدر عليهم إلا رجلٌ لا يريدُ من الدنيا شيئا..مثلي.
v لابدَّ أنَّك من عُشَّاق الحجم المتوسط، وسط جيلٍ يعشق الروايات «السِّمينة» الحجم ألا تظن أن أبناء جيلك أصيبوا بالوهن والتراخي الأسلوبي، لدرجة فظَّة أحياناً ،هل تكون صريحاً معي في هذه النقطة؟
u نعم.. أدباء الستينيات أصابهم الكِبر والعجز، عمّنا يحيى حقي فَقَد بريق جملته الذهبية حينما كبر، لكن أفضلنا ثقافة كان بهاء طاهر وغالب هلسا الأردني المتمصِّر وعبدالحكيم قاسم ، لا تنس أن تجربة الحياة كانت مُرَّة عليهم، دفعت بعضَهم ـ وأنا واحد منهم ـ  إلى طباعة كتبه على نفقته حتى في دور النشر الحكومية، ولكي أكون صريحاً معك يجب أن تعرف هذه الحقيقة :»كل كتّاب العالم الثالث جاءوا إلى الدنيا وأبدعوا بمحض الصُدفة».
v كتبتَ روايتك الأخيرة «أيام مُجاور» كشاهد عيان على نصف قرن من التعليم الأزهري الذي ينتمي إلى القرون الوسطى في أساسياته، كيف ترى حال مؤسسات التعليم العربية الآن؟
u بؤر التعليم الديني المنتشرة في القرى بعيداً عن الإشراف القريب والمباشر من للدولة يجعلها تحت وطأة الجماعات الإسلامية المتشددة ، ساعتها يكون من السهل تربية جيل إرهابي ، وهو المطب الذي سقطت فيه « المملكة العربية السعودية» التي أنشأت بإيعاز من أمريكا مدارس دينية في باكستان وأفغانستان، لمواجهة ما أسموه الغزو الشيوعي وحين خرج السوفييت تحولوا إلى تنظيم القاعدة ، وكان بعض المصريين يذهب إلى هناك كأنه ذاهب ليعمل أو ليحصل على «لقمة العيش»، لابد أن نشرف على التعليم الديني ونراقبه ، المضحك أن التعليم المدني هو الذي يبدو مُرَاقَباً من التعليم الديني رقابة خفيّة، لابد أن نحدِّث الدين وأن نطور فيه باب الاجتهاد، لابد أن ندمجَ التعليم الأزهري بالتعليم العالي ولماذا يستقل الأزهر، وأقول لرجال الدين المبتدئين لديكم فتوى وقاعدة إسلامية عريقة هي «المصالح المرسلة» أي ما فيه مصلحة الناس كافة ويخالف رجال الدين فلابد أن تفعله دون تردد، ولكي يكون عمربن الخطاب أسوةً لنا فقد منع زكاة «المؤلفة قلوبهم»، قائلاً: لقد عزّ الإسلام فلم نعد بحاجة إلى تأليف القلوب».
v ولماذا انتشرت العاميَّة على كل لسان رغم كل هذه البؤر الدينية التي تتحدَّث عنها ؟
u لأنها قدَّمت البديلَ الأسهل، وأصبحتْ تعيشُ في كل شيء، في المسرح والراديو والسينما والتليفزيون، صارت العامية بديلاً مقنعاً ومفهوماً ومتداوَلاً وسط الناس ،واللغة كما تُعرِّفها كل اللغات «وسيط ينتقل بالتداول».. في مصر لعبت الصحافة دوراً في التبسيط، حتى لو كانت العامية هي مفردات فصيحة مُسكَّنة الآخر، نحن نعيشُ على إرث منقسم على نفسه بين العامية والفصحى، وهذا الشَّرخ يعيش فينا جميعاً كعرب ، لقد ورثنا تركة لغوية فادحة ثم تركناها سعياً وراء الأبسط ، أعتقد أننا نعيش بلغتين: لغة التخاطب ولغة الكتابة وتلك كارثة تعليمية بالأساس، فتجد مدرس اللغة العربية يشرح درسه داخل الفصل بالعامية ليقرِّبه للأفهام، بينما مدرس اللغة الإنجليزية لا ينطق كلمة داخل الفصل بغير الإنجليزية السليمة.
v لديك نظرةٌ متشائمة حول مصير دراسات اللغة ودور مجمع اللغة العربية.. بصراحة لماذا لم تدخل عضواً في مجمع اللغة يا عمّ سليمان؟
u بصراحة!! عرضوا علىَّ وأنا رفضت، قالوا سوف نُرسل إليك سيارةً تتحرك بها لكنني اعتذرت، المجمع بحاجة إلى جهود شباب المعيدين في كليات وأقسام اللغة العربية في جامعات مصر والوطن العربي، المجمع بحاجة إلى دماء جديدة تجري في عروقه، وأنا كما ترى رجلٌ عجوز، ناهيك عن أننا لا نزال نعيش على منهج «سيباويه» الذي كان يُدرَّس قبل 500 سنة، وهذه على كل حال كارثة، حاول رجل محترم اسمه الدكتور محمد كامل حسين، أن يقدِّم منهجاً جديدأ، فقد جمع خطوطَ النحو العربي الأساسية في 12 سطراً في كتابهِ «اللغة العربية المعاصرة» لكن طه حسين قادَ المجمع كله ليقفَ ضدَّه. 
سليمان فياض
حاوره: محمود خيرالله
 كاتب من مصر

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …