أخبار عاجلة

في بعض محفزات النقد عند العظم

لا جدال في مركزية أو أهمية ممارسة النقد والتنظير له في فكر العظم. وللوصول إلى فهمٍ أوليٍّ لهذه الأهمية وتلك المركزية، سنعمل، في هذا النص، على إبراز الصلة الوثيقة لممارسة النقد والتنظير له، في فكر العظم، بخلفيته أو نزعاته العلمية أو العلموية والتنويرية واليسارية – الماركسية؛ ثم سنقوم بتوضيح أو تأكيد الارتباط الوجودي أو الضروري، لهذه الممارسة وذاك التنظير، بسمة أو بحالة «الأزمة» الملازمة للواقع والفكر العربيين المعاصرين.
النقد والنزعات العلمية والتنويرية والماركسية
تتأسس النزعة العلمية أو «العلموية» في فكر العظم، على الاعتقاد بأن العلم الحديث وحده هو «مصدر معرفتنا الجدية بحقيقة العالم والمجتمع والإنسان …».(1) والعلوم الطبيعية والإنسانية – أو علوم الأحداث والأفعال كما يسميها أو يصنفها العظم – هي علومٌ نقديةٌ جدًّا. وتبرز هذه السمة النقدية المحايثة للعلوم عمومًا، لدرجةٍ أكبر، في علوم الأفعال، التي لا تكتفي بنقد «التصورات الخاطئة والأفكار الشائعة المغلوطة عن طبيعة موضوعها» – وهو أمرٌ تشترك فيه مع علوم الأحداث – بل تنفرد، مقارنةً بالعلوم الأخرى، في أنها تتعدى ذلك إلى «نقد موضوعها بحدّ ذاته وبصورة مباشرةٍ.»(2) وتهدف دراسات العظم إلى الكتابة «بروح العلوم النقدية»، ومن هنا كانت نزعته العلمية – المتمثلة، على سبيل المثال، في محاولة التحلي بالسمة العلمية – تتضمن، بالضرورة وفي الوقت نفسه، القيام بعمليات نقدٍ مستمرةٍ لموضوع بحثه وللتصورات أو الأفكار الخاطئة أو المغلوطة عن طبيعته.
ويرتبط النقد بـ«التنوير» – سواءٌ كان فكرةً أو حقبةً زمنيّةً – لدرجةٍ جعلت أحد المفكرين يؤكِّد ماهويَّة العلاقة بين الطرفين (التنوير والنقد)، من خلال تساؤلٍ بلاغيٍّ: «ما الذي يبقى من التنوير إذا استبعدنا النقد أو وضعناه جانبًا؟»(3). طبعًا الأسئلة البلاغية لا تنتظر الإجابة، لأنها تفترض أن الإجابة عنها واضحةٌ أو بديهيةٌ، لدرجةٍ لا تستدعي ذكرها. وقد أعلن العظم بوضوحٍ ارتباط فكره بقيم التنوير(4) وفلسفته وفلاسفته. وإضافةً إلى لقب «فولتير (أحد أبرز أعلام التنوير) العربي»، الذي أطلقه البعض محقًّا، بمعنى ما، على العظم، نجد الارتباط الوثيق للعظم بكانط، وهو أحد أبرز فلاسفة التنوير وصاحب الثالوث النقدي الشهير («نقد العقل النظري»، «نقد العقل العملي»، «نقد ملكة الحكم»). فأولى نصوص العظم الفلسفية باللغتين العربية(5) والإنجليزية(6) كانت مركَّزةً على فلسفة كانط بالدرجة الأولى؛ وأطروحة العظم في الدكتوراه كانت أيضًا عن كانط تحديدًا. ويموضع العظم نفسه في تاريخ الفلسفة التي تميل «بمعناها الحديث» إلى «النقد الهدَّام منه والبنَّاء منذ كانط»(7). ـ «الفلسفة النقدية» لم تعد، «بمعناها الحديث» عند العظم، اسمًا لفلسفة كانط فحسب، بل هي الفلسفة كما هي كائنةٌ، أو كما ينبغي أن تكون، على الأقل. وارتباط مفهوم النقد بالفلسفة الكانطية وثيقٌ، لدرجةٍ أوجبت على الفلاسفة والمفكرين اللاحقين الإشارة إلى مفهوم النقد الكانطي ومدى الاختلاف عنه أو معه، في أي محاولةٍ لتحديد مفهومهم عن النقد.(8)
ولا ينبغي لهذه الصلات العامة، بين فكر العظم النقدي وفلسفة كانط النقدية، أن تضلِّلنا، بحيث تجعلنا نماهي بين مفهومي النقد عند العظم وكانط، أو نوحِّد بينهما. فالاختلافات كبيرةٌ بين المفهومين. فليس لدى العظم نقدٌ للعقل أو محاولةٌ لمحاكمته وتعيين الحدود(9) التي ينبغي له الاقتصار عليها، كما فعل كانط؛ وإنَّما ثمَّة نقدٌ، باسم العقل والعقلانية، وانطلاقًا منهما. وبهذا المعنى، لا يمارس العظم النقد بوصفه تفكُّرًا ذاتيًّا، تنعكس فيه الذات المفكرة على نفسها، بغرض القيام بتأسيسٍ ما، والوصول إلى ما هو ترنسندنتاليٌّ أو متعالٍ على التجربة ومؤسِّسٌ لها، في الوقت نفسه. فالنقد عند العظم تفكيرٌ للعقل أو للذات المفكرة لا تفكُّرٌ فيهما، وموضوع التفكير عنده مفارقٌ للذات أو منفصل عنها ومؤسِّسٌ لها، أكثر مما هو محايثٌ لها ومتأسسٌ عليها أو بواسطتها. وعلى العكس من كانط، يربط العظم بين ما هو ميتافيزيقيٌّ وما هو متعالٍ أو قبليٌّ، ولا يرى في العقل بنيةً لا تاريخيةً، بل يؤكِّد تاريخية العقل المنافية لكل ما هو ميتافيزيقيٌّ أو قبليٌّ أو متعالٍ على التاريخ. وقد يبدو فكر العظم قريبًا من التموضع بين الدوغمائية والريبية، كما تفعل فلسفة كانط النقدية، ويظهر ذلك في تحفظِّه الشديد على قطبي هذه الثنائية، عمومًا، وعلى الريبية، في صيغتها النسبوية أو العدمية، خصوصًا(10)؛ لكن أهمية أو دلالة هذا القرب أو التشابه قد تبدو ضعيفةً، إذا أخذنا بعين الاعتبار الاختلاف، الجزئي لكن الكبير، بين معاني الدوغمائية والريبية لدى العظم ومعانيها لدى كانط.
ربما كان توضيح صلة السمة النقدية لفكر العظم بنزعته التنويرية هو المدخل المناسب لتوضيح صلة تلك السمة بنزعته أو خلفيته اليسارية المتمركسة(11)، على حد وصفه؛ لأن ماركس هو، من منظور العظم، «الوريث الشرعي لإنجازات القرن الثامن عشر العلمية والنقدية والتنويرية …»(12) وقد قام العظم بالعديد من المقارنات بين الممارسات النقدية لدى «اليمين» و«اليسار»، وانتهت مقارناته إلى تفضيل «النقد اليساري» باستمرارٍ؛ لأنه رأى أنه يمكن أن يكون دائمًا أكثر عمقًا وفائدةً وتخصيصًا أو تحديدًا وثوريةً وتقدميةً.(13) ومن الواضح والصريح تبني العظم للماركسية، أو لصيغةٍ من صيغها، وتخندقه معها وفيها، جزئيًّا أو مرحليًّا على الأقل، على الرغم من عدم تحزبه أو انتسابه إلى أي حزبٍ من الأحزاب الشيوعية. وقد أكد أو أبرز العظم، في أكثر من موقعٍ ومناسبةٍ (وخصوصًا أثناء محاولته إظهار أهمية النقد وضرورته ومشروعية تركيز الجهد على ممارسته)، أولوية النقد ومركزيته «عند ماركس وفي الماركسية عمومًا، من نقد الدين إلى نقد الاقتصاد السياسي، مرورًا بنقد الفلسفة والمجتمع والدولة إلخ.»(14) ولإبراز هذه الأولوية وتلك المركزية، يشير العظم إلى أنه «ليس صدفةً أن تحمل أهم مؤلفات ماركس دومًا عبارة «النقد» في عناوينها الرئيسية أو الفرعية أو في محتوياتها الفعلية.»(15) وعلى الرغم من أن التطور الفكري والعملي والسياسي لماركسية ماركس قد مر بعددٍ من المراحل المختلفة، فإن العظم يعتقد بوجود قواسم مشتركةٍ مهمةٍ بين هذه المراحل، هي بمثابة «العناصر الكبرى الجامعة» لفكر ماركس والتي «تسري فيه منذ بدايته وحتى نهايته»، ويأتي في مقدمة هذه العناصر: «النقد وأهمية ممارسته على الدوام وباستمرار.»(16) «على الدوام وباستمرارٍ»؛ التكرار هنا ليس حشوًا، بل يفيد التوكيد أو التشديد، ليس على ضرورة النقد وأهميته الدائمة أو المستمرة في أعمال ماركس فحسب، بل وفي أعمال كل الماركسيين لاحقًا (ومن ضمنهم العظم نفسه بالتأكيد). وعلى هذا الأساس، رأى العظم أن حيوية الفكر عمومًا، والفكر الماركسي خصوصًا، وقوته ترتبطان، ارتباطًا وثيقًا، بمدى حضور محتواه النقدي.(17) وباختصارٍ، إذا كان أنجلز قد رأى أن النقد المستمر هو إحدى الوظائف الرئيسية للفلسفة(18)، وإذا كانت فلسفة كانط هي الفلسفة النقدية للقرن الثامن عشر، فإن «الماركسية هي فلسفة العصر النقدية بامتياز»، كما يقول العظم، في تبنيه وشرحه لقول سارتر: «الماركسية هي الفلسفة المعاصرة التي لا يمكن تجاوزها»(19).
وفي قولنا بارتباط السمة النقدية لفكر العظم بالسمة الماركسية (وببقية سمات فكره المذكورة آنفًا أو لاحقًا) لا نسعى إلى إقامة علاقةٍ سببيةٍ بالمعنى الميكانيكي أو ذات اتجاهٍ واحد، بحيث نقول إن العظم هو نقديٌّ لأنه ماركسيٌّ وليس العكس، وإن ماركسيته ليست ناتجةً، جزئيًّا على الأقل، عن نقديته. ونحن نفضِّل، في هذا السياق، الحديث عن «بنية» تفكير العظم، على ألا يتم فهم مصطلح «البنية» هنا، وفقًا للمعنى الضيِّق أو الخاص الذي اكتسبه في البنيوية «المعاصرة». والعظم نفسه أكد محقًّا أنه «ليس كل من فكَّر في بنية ظاهرة هو «بنيوي»…»(20). فالبنيوي هنا يمكن اعتباره مرادفًا أو شبه مرادفٍ للجدلي والعضوي، ومقابلًا للميكانيكي أو الأحادي. فالبنية، بهذا المعنى، تشير إلى تبادل التأثير أو التفاعل الإيجابي بين عناصر مجموعةٍ أو منظومةٍ معينةٍ، بطريقةٍ تجعل كل عنصرٍ من عناصرها مؤثِّرًا في العناصر الأخرى، ومتأثرًا بها، في الوقت نفسه. وانطلاقًا من هذا المعنى الواسع والمحدَّد للبنية – الذي دشنه دلتاي وتبناه غادامر(21) – يمكن النظر إلى فكر العظم على أنه بنيةٌ تتأثر فيها السمة النقدية بالسمة الماركسية والسمات الأخرى لهذا الفكر، وتؤثر فيها، في الوقت نفسه. ولهذا نتفق مع محمد المير الأحمد في ربطه بين النقدية والماركسية، في توصيفه للعظم، في قوله إن «العظم هو مثقف نقدي وماركسي»؛ لكننا نرى أنه، في شرح العلاقة بين هاتين السمتين (النقدية والماركسية)، يُستحسن أو ينبغي عدم الاكتفاء بالقول إن العظم «ماركسيٌّ لأنه نقديٌّ»(22)، وإنما ينبغي إضافة المقابل الجدلي لهذا القول، أي: «وهو نقديٌّ لأنه ماركسيٌّ».
ولا تعني الصلة الوثيقة بين نقدية العظم وماركسيته أن نقده كان ماركسيًّا بشكلٍ كاملٍ أو محضٍ، أو مماثلًا تمامًا، من حيث مضمون النقد أو شكله أو «منطقه»، للنقد الذي مارسه ماركس. فالاختلافات بين نقد العظم ونقد ماركس كثيرةٌ وكبيرةٌ؛ وقد تزاوجت ماركسية العظم مع ليبراليته، بطريقةٍ انجبت فكرًا لا هو بـ«الليبرالي الخالص» ولا بـ«الماركسي الخالص». ولفهم معنى أو دلالة الفكر النقدي عند العظم، ينبغي عدم الاقتصار على ربطه بسمات فكره الأخرى أو بالاتجاهات أو الخلفيات الفكرية النظرية التي تبناها وتأثر بها وأثر فيها؛ بل ينبغي، أيضًا وخصوصًا، ربط هذا الفكر بالواقع و/أو الفكر اللذين سعى إلى نقدهما. فالسمات الموضوعية – التاريخية لهذا الفكر وذاك الواقع كان لها بالغ الأثر أو التأثير لا في صياغة مضامين هذا النقد وشكله أو منطقه فحسب، وإنما في وجود هذا النقد أصلًا. وللتدليل على ذلك، سنحاول، من جهةٍ أولى، الإشارة إلى الروابط المفهومية بين النقد والأزمة عمومًا، ومن جهةٍ ثانيةٍ، تأكيد العلاقة الجدلية بين النقد الذي مارسه العظم والواقع و/أو الفكر العربي المأزوم (آنذاك، وحتى الآن).
النقد والأزمة
ترتبط ممارسة النقد لدى العظم بالواقع و/أو الفكر العربي المأزوم، بطريقةٍ تذكِّر بالارتباط الوثيق بين فكرتي أو مصطلحي النقد و/أو الانتقاد «critique, criticism» وفكرة أو مصطلح الأزمة «crisis» اللذين ينتميان، لدى اليونان، إلى جذرٍ لغويٍّ واحدٍ. ويعني النقد، في ذاك السياق، التقييم أو القرار أو الحكم أو التمييز أو التقرير الذاتي في خصوص واقعٍ موضوعيٍّ فيه خلافٌ أو صراعٌ أو شقاقٌ وما شابه.(23) وقد غاب هذا الارتباط بين النقد، بوصفه حكمًا ذاتيًّا، والأزمة الموضوعية، لاحقًا في كثيرٍ من الأحيان، واقتصر النقد عندئذٍ على أن يكون مجرد ممارسةٍ ذاتيةٍ أو لذاتٍ ما تجاه موضوعٍ ما. لكن هذا الارتباط عاد بوضوحٍ مع فلسفة روسو، وهو موجودٌ، وجودًا بارزًا، عند ماركس الذي نظر إلى النقد على أنه «نظرية أزمةٍ» «وظيفتها الأساسية تحديد تناقضات الحاضر وتشجيع انبثاق الحاجات ونماذج التفاعل والكفاح التي تحدد الطريق نحو مجتمعٍ جديدٍ.»(24) وانطلاقًا من رؤية النقد الماركسي من هذه الزاوية، يمكن الحديث عن قرابةٍ قويةٍ بين النقد عند العظم والنقد الماركسي.
ويرتبط وجود النقد عند العظم، ومضامين هذا الفكر وأشكاله أو صيغه المختلفة، بالواقع العربي المأزوم الذي برز للعيان أثناء وبُعيد هزيمة حزيران الكارثية عام 1967. ولم يكن الفكر النقدي عند العظم مجرد رد فعلٍ على واقع الهزيمة فحسب، بل كان، أيضًا وخصوصًا، ردًّا على محاولات التهوين من الهزيمة أو التخفيف من وقعها أو تسويغها وتبريرها، بوعيٍ أو بدونه، وبشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ. ففي «نقد الفكر الديني»، يعلن العظم، بوضوحٍ: «إن الأزمة التي خلقتها الهزيمة ليست أزمة طارئة على الإطلاق. إنها أزمة مصيرية جوهرية تهدد الكيان العربي بأسره […] وكل تصور للأزمة على غير هذا الوجه للتخفيف من خطورتها وحدتها ليس إلا مخادعة ومجاملة فارغة وتضليل.»(25) ولم يقتصر الحديث عن الواقع العربي المأزوم على فترة بُعيد هزيمة حزيران، بل استمر في معظم أو كل نصوص العظم اللاحقة التي تتناول، تناولًا مباشرًا أو غير مباشرٍ، الواقع العربي. ففي عام 1987، على سبيل المثال، تحدث العظم عما أسماه «الأزمة العامّة المستحكمة في الحياة العربية الراهنة»(26). وهذه الأزمة المستحكمة هي التي تستدعي النقد وتتطلبه، بوصفه شرطًا لا غنىً عنه؛ لتشخيصها والكشف عن أسبابها أو العوامل المؤثرة فيها، وفتح الطريق أمام تجاوزها.
قد يقود ربط النقد، بوصفه عملًا ذاتيًّا، بالأزمة، بوصفها واقعًا موضوعيًّا، إلى الاعتقاد بأن النقد ليس مهمًّا أو ضروريًّا، بشكلٍ دائمٍ ومستمرٍ؛ لأنَّه مرتبط بما هو مرحليٌّ (مرحلة الأزمة)، بحيث تزول الحاجة إليه بزوال هذه المرحلة. في الرد على مثل هذا الاعتقاد أو الافتراض، لا بد من التذكير بدايةً بتأكيد العظم مع ماركس ضرورة النقد «دائمًا وباستمرار». ولا يتنافى هذا التأكيد مع الربط بين مفهومي النقد والأزمة. فسواءٌ فهمنا الأزمة على أنها مرتبطةٌ بوجود واقعٍ فيه سجالٌ وخلافٌ وانقسامٌ إلخ، أو فهمناها على أنها تمثل مرحلة تحولٍ مهمةً أو خطيرةً أو حاسمةً في سيرورة واقعٍ أو حالةٍ ما، فإنَّ معنى الأزمة في الحالتين يشير إلى ما هو محايثٌ أو ملازمٌ للوجود الإنساني؛ وهو لا يتنافى بذلك مع تأكيد ضرورة النقد الدائم أو المستمر. وبالنسبة إلى الاختلاف أو الانقسام الفكري بين البشر، فهذا أمرٌ لا يمكن إلغاؤه إلا ظاهريًّا وبطريقةٍ تعسفيَّةٍ. ومن هنا فالنقد، بوصفه تقييمًا وقرارًا، في خصوص هذه الاختلافات أو الانقسامات، أمرٌ ممكنٌ، بل وضروريٌّ دائمًا. أما القول بأنَّنا في حالة أزمةٍ دائمةٍ، فيستلزم توضيحًا إضافيًّا، يمكن استهلاله بالتمييز بين نوعين ممكنين من الأزمات: أزماتٌ سلبيةٌ هي أزمات تدهورٍ وانحطاطٍ، وأزماتٌ إيجابيةٌ هي أزمات نموٍ وازدهارٍ. ففي أزمات التدهور والانحطاط نعيش مرحلةً عصيبةً من تنامي السلبيات وتضاؤل الإيجابيات، مع وجود احتمالٍ مرجَّحٍ لازدياد سوء الأوضاع مستقبلًا. هذا هو نوع الأزمة أو الأزمات التي عاش العظم في ظلها غالبًا؛ ويمكن النظر إلى هذه الأزمات على أنها الأساس الموضوعي الذي استدعى توجهه النقدي. لكن ثمة نوعٌ آخر من الأزمة، بوصفها مرحلة تحولٍ مهمةً أو حاسمةً، ويتمثل في كون الأزمة مجرَّد مرحلةٍ صعبةٍ، ذات مشكلاتٍ وإشكاليَّاتٍ متنوعةٍ، تتطلبها بالضرورة عملية العبور إلى مرحلةٍ أرقى أو أفضل، وفق المعايير المعتمدة. وفي نوعي الأزمة، يكون النقد ليس ممكنًا فحسب، بل مطلوبًا وضروريًّا أيضًا. فالأزمة، بوصفها مرحلة تحولٍ، ليست أمرًا يحصل لنا، في استقلالٍ تامٍّ عن إرادتنا وفعلنا؛ والنقد ليس نتيجةً ضروريةً لحال الأزمة فحسب، بل يمكن أن يكون أيضًا عاملًا مهمًّا من عوامل «خلق» الأزمات الإيجابية وتجاوز الأزمات السلبية أو التعايش أو التكيف معها، إذا لم يكن بالإمكان التخلص منها. وقد تمحور النقد عند العظم حول الأزمات السلبية التي كانت وما زالت قائمةً في واقعنا وفكرنا العربيين، وعمل على خلق أزماتٍ إيجابيةٍ جديدةٍ وتحويل الأزمات السلبية إلى أزماتٍ إيجابيةٍ. وبغض النظر، جزئيًّا ونسبيًّا، عن النتائج، النظرية والعملية، لهذه المحاولة، سابقًا أو مستقبلًا، ثمة ضرورةٌ كبيرةُ لوجود واستمرار هذه المحاولات وما يشبهها، في إطار السعي إلى أن نكون فاعلين في صنع التاريخ، وليس مجرد منفعلين به أو متلقين أو موضوعًا لفاعلية غيرنا.
لقد تناولنا في هذا النص «بعض محفزات النقد عند العظم». ومن الضروري التشديد، في هذا السياق، على «التبعيض»، لتأكيد وجود محفزاتٍ أخرى مترابطةٍ ومتشابكةٍ مع المحفزات المذكورة. ومن المفيد، وربما الضروري، النظر إلى دراسة محفِّزات الفكر النقدي عند العظم على أنها جزءٌ من دراسةٍ أوسع – نعمل حاليًّا على القيام بها – تتناول مجمل خصائص هذا النقد وإشكالياته، وبالتالي مجمل خصائص فكر العظم وإشكالياته.
هوامش
(1) صادق جلال العظم، دفاع عن المادية والتاريخ (مداخلة نقدية مقاربة في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة)، (بيروت: دار الفكر الجديد، 1990)، ص 169.
(2)المعطيات السابقة نفسها، ص 126-127.
(3) Bruno Latour, «The Enlightenment without the Critique: A Word on Michel Serres› Philosophy», in Contemporary French Philosophy: Supplement to Philosophy, A. Phillips Griffiths (ed.), (Cambridge/New York: Cambridge University Press, 1987), p. 91.
(4) انظر مثلًا: صادق جلال العظم، ذهنية التحريم. سلمان رشدي وحقيقة الأدب، ط1 1994، (بيروت: دار المدى، ط3 1997)، ص 237.
(5) صادق جلال العظم، دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة، (بيروت: منشورات الجامعة الأمريكية، 1966).
(6) Sadik J. Al-Azm, Kant›s Theory of Time, (New York: Philosophical Library, 1967); The Origins of Kant›s Arguments in the Antinomies, (Oxford, Clarendon: Oxford University Press, 1972).
(7)العظم، ذهنية التحريم …، ص 153.
(8) هذا ما فعله ماكس هوركهايمر، على سبيل المثال، خلال تمييزه بين النظرية النقدية والنظرية التقليدية، انظر: ماكس هوركهايمر، النظرية التقليدية والنظرية النقدية، ترجمة مصطفى الناوي، مراجعة مصطفى خياطي، (الدار البيضاء: عيون المقالات، 1990)، ص 40.
(9)العظم، دفاع عن المادية والتاريخ …، ص 504.
(10)يتضمن كتاب «دفاع عن المادية والتاريخ» نقدًا أو هجومًا شديد اللهجة على كل الاتجاهات التي تتبنى، صراحةً أو ضمنًا، من وجهة نظر العظم، أفكارًا ريبيةً أو نسبويةً أو عدميةً إلخ. انظر مثلًا هجومه على فيرابند وفوكو ودريدا وفلاسفة ما سمي بمرحلة «ما بعد البنيوية» و»ما بعد الحداثوية»، ص 515-530. وفي خصوص التقابل الذي أقامه العظم بين الفكر النقدي والفكر الدوغمائي، انظر ص 130.
(11)العظم، ذهنية التحريم …، ص 237.
(12)العظم، دفاع عن المادية والتاريخ، ص 140.
(13)انظر مثلًا: المعطيات السابقة نفسها، ص 292؛ صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني. طبعة ثانية مع ملحق بوثائق محاكمة المؤلف والناشر، ط1 1969، (بيروت: دار الطليعة، 1970)، ص 215-220.
(14)العظم، دفاع عن المادية والتاريخ …، ص 129.
(15)المعطيات السابقة نفسها.
(16)المعطيات السابقة نفسها، ص 383. ويتفق معظم وربما كل اليساريين والماركسيين، في هذا الشأن، مع العظم؛ ومن هنا نجد أن أحمد برقاوي قد اتفق مع العظم، في هذا الخصوص، على الرغم من الأجواء السجالية السلبية بطريقةٍ ولدرجةٍ مؤسفةٍ، التي طغت، خصوصًا ولدرجةٍ كبيرةٍ، على نصه المنتقد للعظم؛ انظر: أحمد برقاوي، «صادق جلال العظم: أسير الوهم. عندما يتحول النقد من موقف إلى مهنة» في صادق جلال العظم، ما بعد ذهنية التحريم. قراءة «الآيات الشيطانية»، رد وتعقيب، ط1 1997، (بيروت: دار المدى، ط2 2004)، ص 353. وفي الحديث عن الماركسية بوصفها نقدًا، انظر أيضًا وعلى سبيل المثال:
Jürgen Habermas, «Between Philosophy and Science: Marxism as Critique», in Theory and Practice, John Viertel (trans.), (Boston: Beacon Press, 1973), pp. 195-252.
(17)العظم، دفاع عن المادية والتاريخ …، ص 130.
(18)العظم، نقد الفكر الديني، ص 222.
(19)العظم، دفاع عن المادية والتاريخ …، ص 383.
(20)المعطيات السابقة نفسها، ص 365.
(21)هانز جورج غادامر، بداية الفلسفة، ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم، (بنغازي: دار الكتاب الجديدة المتحدة، 2002)، ص 26.
(22)محمد المير أحمد، «العقل والرصاص»، في العظم، ما بعد ذهنية التحريم …، ص 482.
(23)في العلاقة بين فكرتي أو مفهومي «النقد» و»الأزمة»، انظر:
Reinhart Koselleck, Critics and Crisis. Enlightenment and the pathogensis of Modern Society, Victor Gourevitch (trans.), (Cambridge: MIT Press, 1988); Habermas, «Between Philosophy and Science …», op. cit.; Seyla Benhabib, Critique, Norm, and Utopia. A Study of the Foundations of Critical Theory, (New York: Columbia University Press, 1986).
(24) Benhabib, Critique, Norm, and Utopia …, p. ix.
(25)العظم، نقد الفكر الديني، ص 170.
(26)العظم، ذهنية التحريم …، ص 154.

————————-

حسام درويش

شاهد أيضاً

ورش إبداعية تحت القصف

وجدي الأهدل * يولد الإنسان موهوباً بالفطرة، ولكن هذه الموهبة في حاجة إلى الصقل كالسيف …