أخبار عاجلة

في رثاء مجلة عالمية كانت تصدر بـ 27 لغة رسالة اليونسكو توقفت عن الصدور في صمت!

صدر العدد الأخير من الطبعة العربية من مجلة اليونسكو التي ظلت تصدر بـ 27 لغة علاوة على طبعة بطريقة برايل للمكفوفين. منذ يناير 1948 حتى ديسمبر 2001. العدد الأخير وصل إلينا في مصر متأخرا  عن الموعد المدون عليه. بحوالي أربعة أشهر. توقف المجلة عن الصدور الشهري. لم يكن مفاجأة لي. الدكتور مرسي سعد الدين- مدير تحرير الطبعة العربية من المجلة- قال لي ذلك قبل شهور مضت. وكنت قد سألته: هل السبب في توقف الطبعة العربية من المجلة معاقبة من رئيس اليونسكو الياباني لأمة العرب باعتبار أنه كان هناك مرشحان عربيان تنافسا معه على المنصب? وهما الدكتور إسماعيل سراج الدين المصري رغم أنه تقدم بترشيحه من دولة أخرى غير مصر. والدكتور غازى القصيبي. الروائي والشاعر وسفير المملكة العربية السعودية في لندن?!

لم يجبني مرسي سعد الدين على تساؤلي وإن كان العدد الأخير قد أتى بالإجابة, ذلك أن المجلة ستصدر مرتين في السنة فقط. بدلا  من 12 مرة في زمن الصدور الشهري. في مايو وأكتوبر من كل سنة. وباللغات الرسمية الست المعتمدة من الأمم المتحدة. وسوف توزع مجانا . أما حكاية معاقبة العرب بوقف الطبعة العربية. فيبدو أن طبعات جميع اللغات ستتوقف هى الأخرى.

مدير مكتب الإعلام في اليونسكو. يقول في مقال افتتاحي له عنوانه: لكي يسمع صوت اليونسكو وينصت له. أن رسالة اليونسكو – وكافة المنظمات الدولية الأخرى في إحلال السلام وإقامة الحوار بين النقابات. قد أصبحت مهمة أكثر من أي وقت مضى. ولهذا اكتسبت برامج اليونسكو مثل الدفاع عن قيم التعليم للجميع أو التنوع الثقافي أو حرية الصحافة. أو القضاء على الفقر أهمية قصوى.

وإن كان يعترف في الفقرة التالية أن اليونسكو مختفية عن عيون العامة. وكان ذلك هو حالها منذ زمن طويل وذلك ليس تعاليا  منها. بل على العكس فالصورة العامة إن كانت فقيرة فهي معوقة بحق. فوزن اليونسكو في الإعلام قليل. وهو كذلك بالتالي في الجدل العام. وهو أمر يثير القلق خاصة في وقت يصرخ العالم فيه بحثا  عن مرجعيات أخلاقية.

وقد اختارت اليونسكو أن تواجه المشكلة بإحداث تغيير جذري في سياساتها المعلوماتية. باختصار علينا أن نصل إلى كل المواطنين. وليس الملتزمين فقط برسالة اليونسكو. فاهتمامات وأنشطة المنظمة تمس حياة كل إنسان بشكل أو بآخر. على أية حالة – يكمل مدير الإعلام في اليونسكو – فالجدل حول الاستنساخ البشري – على سبيل المثال – أو إمكانية الحصول على الماء النقي. أو التميز الرقمي أو التعليم أو حماية تراثنا الثقافي والطبيعي. أمور تهمنا جميعا  أيا  كان الموقع أو المكان الذي نعيش فيه. وواجب اليونسكو هو إثراء الحوار حول تلك المسائل والقضايا الأخرى التي تقع في نطاق مسؤولياتها. وذلك بتقديم البيانات الأساسية والتحليلات وتشجيع القيم العالمية التي تدافع عنها المنظمة. ولا تستطيع أي منظمة اليوم أن تحقق هذا الهدف دون دعم من الإعلام: الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة والتليفزيون والإنترنت. التي يقرأها الناس ويستمعون إليها ويشاهدونها ويلجأون إليها يوميا .

وحتى تستطيع اليونسكو أن تقوم بذلك فعليها أن تعيد توزيع موظفيها ومواردها المالية. لذلك تقرر تعليق رسالة اليونسكو. والتي تتخطى ميزانيتها مركز تراث العالم. أو المكتب الدولي للتعليم. ويضيف القرار بأنه مؤلم. ومثير للخلاف ولكن لا يجب تفسيره على أنه نهاية مغامرة طويلة كثيرا  ما لاقت نجاحا  منقطع النظير. فاليونسكو بعد تمكن قيادتها الجديدة من مكانها. مصممة على أن يسمع صوتها. وينصت له. وهى تراهن على أنها سوف تصبح مرجعية لا غنى عنها في الجدل الديمقراطي.

انتهى البيان. الذي تنقصه المعلومات الأساسية. كانت ضرورات الشفافية في التناول تفرض نشر ميزانية المنظمة. وكم تتكلف هذه المجلة. ثم أن مصير المطبوعات الأخرى مثل مجلة ديوجن. ومجلة العلوم الاجتماعية بقي غامضا . هل ستتوقف أم تستمر? وإن استمرت فهل سيكون ذلك من خلال ست لغات فقط. أم اللغات التي كانت تصدر بها? التناقض الجوهري في هذا البيان يدور حول القول إن المنظمة في حاجة إلى صوت مسموع يصل إلى الناس. وفي نفس اللحظة يتم إغلاق المجلة الجماهيرية الوحيدة التي كانت تصدرها المنظمة. خاصة أنه لم يتكلم عن خريطة توزيعها ولا عن تكلفة العدد الحقيقية والعائد المالي منه. وحجم الخسارة في العدد الواحد من المجلة.

ثم أنه لم يشرح استخدام البدائل. كيف سيخاطب الإذاعة والتليفزيون والإنترنت? وهي كلها أدوات مكلفة – باستثناء الإذاعة – وتتطلب من الذي يستخدمها ويعتمد عليها أن ينفق من الأموال ما هو أكثر من شراء مجلة شهرية. كان ثمنها جنيهين فقط. يوشك أن يكون ثمن جريدة يومية. أيضا  لم يتكلم عن نصيب رسالة اليونسكو في عدم وصول رسالة اليونسكو إلى المواطن العادي. وبسبب كافة هذه الملاحظات الكثيرة أكاد أن ألمح في الأمر أن قرار إيقاف المجلة بهذه الطريقة شبه سياسي. التي أوشك أن أصفها بأنها تعسفية.

العدد الأخير من المجلة يمكن أن يوصف بأنه متحف فيه مختارات مما نشر في المجلة في اعدادها عبر نصف قرن هو كل عمرها الزمنى.

تحت عنوان أخلاقيات – في هذا العدد الأخير من المجلة نقرأ مقالا  منشورا  في عدد أكتوبر 1958 كتبه الدوس هكسلي (1894 – 1963) عنوانه: ألد أعداء الحرية. وهو مؤلف القصة الشهيرة عالم شجاع جديد الصادرة سنة 1931. وشقيقه جوليان هكسلي عالم في مجال الأحياء. وهو أول مدير عام لمنظمة اليونسكو من 1946 إلى 1948. وفي مارس 1996 يكتب كلود ليفي اشتراوس عن العنصر والتاريخ والثقافة وهو يعد أكبر علماء الأنثروبولوجيا في العالم الآن. مولود سنة 1908. بعد ست سنوات من الآن إن كتبت له الحياة. سيكون قد أكمل قرنا  من عمره. في عدد يونيو 1990 مقابلة مع فاتسلاف هافيل وهو مولود عام 1936 وقد تم انتخابه رئيسا  لجمهورية تشيكوسلوفاكيا في يونيو 1990 ولكنه استقال في عام 1992 بعد تجزئة تشيكوسلوفاكيا حيث أصبح رئيس جمهورية التشيك عام 1993. في يناير 1975 نشرت المجلة خطابا مفتوحا من دان جورج زعيم قبائل كابيلا نوا الهندية. عنوانه: هل تصدقون أنني ولدت من ألفي عام?

ويكتب عبد السلام في عدد مايو 1988 مقالا  عنوانه: التخلف وحرب الإبادة الصامتة. وعبد السلام المتوفى سنة 1996 باكستاني حصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1979. وفي عدد يونيو 1937 يكتب ديمتري شوستاكوفتشي بيتهوفن يروض الأدغال. وكاتب المقال موسيقى سوفييتي كتب أكثر من 12 سيمفونية موسيقية. وفي عدد مايو 1960. يكتب أندريه مالرو عن عمل الإنسان الذي يستنقذ شيئا  من أنياب الموت. مالرو ولد 1901 ومات 1976. وأصبح وزير ثقافة فرنسا من 58 حتى 1969. والحديث المنشور قدمه مالرو في بداية الحملة التي قامت بها اليونسكو من أجل إنقاذ آثار النوبة في مصر. وفي عدد سبتمبر 1977 يكتب جورجي أمادو مقالا  عنوانه: نحن شعب المولدين. وأمادو روائي برازيلي ولد سنة 1912. وتوفي في أغسطس سنة 2001 ويعد من أشهر الكتاب القصصيين في أمريكا اللاتينية.

وفي عدد يونيو 1996 يكتب ألبرت أنشتين. 1879 – 1955 عن الثقافة التي يجب أن تكون أحد عناصر التفاهم العالمى. وفي عدد فبراير 1958 يكتب برتداند راسل 1872-1970 عن طلاق العلم والثقافة. وفي عدد أكتوبر 1985 يكتب أرشيبالد ماكليش ولد 1892 – 1982 وكان رئيس اللجنة التي حررت ديباجة اليونسكو. وهو الشاعر الأمريكي وأمين مكتبة الكونجرس. عن: هل التربية من أجل السلام أمر ممكن? وفي فبراير 2000 يكتب بول كنيدي عن الفجوة الإلكترونية. وهو مؤرخ بريطاني يدرس في جامعة بيل بأمريكا. وهو صاحب مؤلف ضخم. اشتهر كثيرا  حول صعود وسقوط القوى العظمى: التغيير الاقتصادي والصراع العسكري من عام 1500 إلى 2000 وهو الذي تنبأ بانهيار الاتحاد السوفييتى. وأيضا  يتوقع احتمالات تده-ور الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى. وصعود اليابان والصين كقوى عظمى.

الكاتب العربي الوحيد الذي أعيد نشر مقال له في هذا العدد التذكاري هو رضا النجار. وهو أخصائي تونسي في علم الاجتماع الإعلامي وأستاذ مساعد في معهد الصحافة والإعلام بتونس. وعنوان مقاله: صوت من العالم الثالث. من أجل نظام عالمي جديد للإعلام.

لقد صدر من المجلة 609 اعداد بدءا  من عام 1948. لتكون: نافذة مفتوحة للقراء يطلون منها على العالم في كل شهر. ولا نملك سوى أن نقول للمجلة وداعا . بعد أن قررت المنظمة التي تصدرها إيقافها. لأسباب لم تدخل الرأس أبدا .

إن وقف مثل هذه المجلة خسارة. خاصة أنه لا توجد أي جهة يمكن أن تصدر مثل هذه المطبوعة للتفاهم العالمي بين الحضارات. وبكل هذه اللغات العالمية. أنه تخل من اليونسكو عن وسيلة شديدة الأهمية لنشر رسالتها في العالم.

إنهم يوقفون مجلة يقف وراءها تراث نصف قرن كانت تباع بسعر زهيد. من أجل إصدار نشرة مجانية. ومن الذي يقرأ أي مجلة تصل إليه على أنها هدية?!
 
يوسف القعيد كاتب وروائي من مصر

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …