أخبار عاجلة

قراءة مقارنة في نقد التمرد غادة السمان وكلود دوبورين بحر بهيئة شاعرتين

رب شاعرتين ولدتا بحرا، ورب أزرق طاغ لا يحد إلإ بصورة قصيدتين هما هيئتا شاعرتيهما ، تلك هي الثيمة الفريدة بين غادة السمان الشاعرة والروائية العربية التي انوجدت في تاريخ الابداع العربي طوفان أنوثة متمردة وملتبسة بالمطلق وبين الشاعرة الفرنسية كلود دوبورين التي تشكل توأم بحرها السياحي ، إذ تلتقي الشاعرتان في خيال شعري كاشف لسورة الأنثى وفيض خصوبتها المتناغم مع إثارة صاخبة تعكس ماهية الطبيعة في ثوراتها الخصوبية وهيجان إبداعاتها النابية العبثية الخصوبة والتجي الأنوجادي بشتى صورهما وكأن الشاعرتين تضمران أنوثتهما طبيعة متحركة بلا حدود إنهما مسكونتان بهذه الطبيعة وتجلياتها التي لا تنضب وان حددنا صورة هذه الطبيعة بالبحر فلأن البحر أكثر الصور إدهاشا بفضائيته ومطلقه وثورته ولابد لنا قبل أن نقرأ بعض خطوط هذا البحر الذي ينعكس من مرأة الشاعرتين من أن ننعطف الى موجز عن السيرة الحياتية لهاتين المبدعتين :

غادة السمان إمرأة بلا ضفاف :

ولدت غادة أحمد السمان من أبوين سوريين في دمشق أعرق المدن انوجادا وياسمينا هذه المدينة التي تهب عشاقها أجنحة زرقاء من شقوق الريح حتى يصيروا هويتها الوجودية المميزة فقد كانت على الدوام أحد أهم حصون التاريخ ثبوتا وأجرح مشاهده تحولا ولأن العاشق يرث هذه العراقة ورثت غادة السمان عراقة دمشق وخلجات التوثب النائمة في حجارتها فكانت ياسمينة أخرى من تاريخها المبدع ،لقد تعهد والدها الدكتور أحمد السمان تربيتها بما يناسب البحر الهائج من شواطيء تحد جموحه مستعينا بخبرته ومعارفه وثروته لتثقيف ابنته بعد فقدان أمها الأديبة سلمى رويمة ، فعلمها اللغتين العربية والفرنسية وذخائرهما التي فجرت فيها ينبوعها الخاص باكرا فنشرت- كتاباتها وهي ما تزال في الثانوية ولأن غادة السمان كانت  ياسمينة دمشقية تنمو شراسة سرعان ما خرجت عن السرب الاجتماعي المتشابه وعن قانون أبيها القيادي السياسي – والاقتصادي والاجتماعي، فها هي تصف لنا تمردها البكر اضافة الى جرأتها الهجومية على المجتمع والتقاليد والأعراف . (رغم القسوة المتقشفة في تربية والدي فقد كنت مراهقة شرسة ومتحدية واصطدمت بوالدي في تلك المرحلة خصوصا وأنه أرغمني على دراسة "الفرع العلمي" لكي أكون طبيبة ولم أكن أرغب في ذلك وقد نلت البكالوريا العلمية وقررت دراسة الأدب الانجليزي).

عملت غادة السمان بعد حصولها على البكالوريا العلمية أمينة مكتبة ومدرسة ومقدمة لبرنامج شعري عن الأدب العالمي ونالت شهادة الدراسة العليا حيث استقرت في بيروت فعملت في التدريس والصحافة ثم راحت تجول في البلدان الغربية لدراسة تقاليدها وثقافتها، وحصيلة نتاج غادة السمان يضاهي الثلاثين منها ستة دواوين شعرية هي:

(أعلنت عليك الحب ، اعتقال لحظة هاربة ، الحب من الوريد الى الوريد، أشهد عكس الريح ، عاشقة في محبرة ، رسائل الحنين الى الياسمين ).

كلود دوبورين يوميات البحر:

ولدت Claude Burine  كلود دي بورين في مدينة نييفر الفرنسية المتساوقة الجمال العريق المائج بمائه الماسي المجوهر لكل من يمسه ، فتلوث دم الشاعرة بجرثومة الزرقة الطافحة فوق الشطآن منساقة بلا : حدود فكانت يومياتها الشعرية بحرا يسن مواقيت أزل وأبد طغيانه وتمرده .

عملت في التدريس ثم انتقلت الى المغرب العربي فدرست في الدار البيضاء مستشفة ميتافيزيق الشرق السحري وخرافة مخياله الغرائبي المتحرك ثم عادت الى باريس لتوقظ مجد شموسها الخاصة وسكنها وجمع فراق زوجها الرسام هنري اسبنور. للشاعرة ثمانية كتب منها ستة دواوين : (أوراك ، رسائل الى الطفولة ، الحارسة ، مشعل المصابيح ، الخادمة ، الى هنري من الصيف الى الهاجرة ) وهو إشراقة ذاكرة الحزن التي عرشها فقدان زوجها.

نتبين من الأفق المجتزأ لحياة الشاعرتين تقاطعا من حيث الدافع الى التحرر التمردي الذاتي ومن حيث تماثل عدد الدواوين وهمومها الاغترابية وشقاؤهما بالحرية والغربة والتدريس والشعر المتفجر من بحر أنوثي يعيث فسادا في القلاع المهيمنة بظلماتها الهيكلية . وسوف نقف فيما يلي عند أبرز التقاء هموم الشاعرتين في سياق مختزل ومتقافز كما يلي :

أنوثة بحر :

تنكشف قصائد الشاعرتين عن فيض أنوثي تحرري متمرد تختزن ذات الشاعرتين بحرا صاخبا عاصفا متمردا يعيث ثورة وتحديا، حيث تحضر ذات الشاعرتين بحرا ينضح بخزين أحاسيس الشاعرتين المتفجرة ورغبتهما بالحرية المسوقة بغابة أسئلة كونية مشحونة بانفعالات خصوبة الأنثى التي لا تحد فالبحر مرآة الشاعرتين المنفتحتين على انوجاد كوني مهووس بشهوة الاختراق المحلق في عوالم غرائبية هذه الذات الطاعنة في الانفجار والتشظي بكل اتجاه . تقول غادة السمان مستحضرة ذاتها بصورة بحر غير محدود ورغبوية الانطلاق والتحرر:

(أنا المرأة التي غربتها المراكب طها وخذلتها وحين لم يبق لها من الأشرعة غير جناحيها تعلمت كيف تتحول من امرأة الى نورس ) (ص 34 عاشقة )

وتقول كلود دوبورين : مستحضرة البحر كونا أبديا لذاتها المتشظية بآفاقها التحررية :

(أريد أن أعطي الشتاء ضحكته المنطفئة كالنجيليات كي أنفجر في البعيد في البحر كي أغرق معك وبلا نهاية معك )

يحضر البحر في قصائد الشاعرتين بشتى دلالاته الصورية والشعورية مرآة للذات التي تهب أعاصيرها الشعورية واللاشعورية وشهواتها المستعرة يحضر بكل مفرداته وعناصره وحالاته التي تناغم ذاكرة أسطورية كونية تؤسطر الذات الأنثوية المفرطة بخصوصيتها. تقول غادة السمان ممشهدة بحرها صورة غرائبية تحكي دراما كينونتها المتمردة :

(أقرع رمال الشاطيء تفتح بابها الزهي تروي لي ذكرياتها معي أيام كنت موؤودة في قاعها قبل أن أطالب بميراثي من الشمس أقرع باب الموج فيفتحه لي بأصابع الزرقة مشيرا بها الى الأعماق حيث مقالع الأبجدية البكر) (ص 99 عاشقة ) وتكشف لنا كلود دوبورين تكويناتها الزرقاء عبر تناغم العلائق الأسطورية لصورة الكينونة المتحررة للأنثى: (كي أحترق في البجر يريحني أخيرا في أسطورتي على شاطيء يسعده تاريخ الموج التافه )

هكذا يتجلى البحر بلاغة للأنوثة المفتونة بخصوبتها وحيوية تحررها التي تحرر طاقات الانوجاد المسكوت عنها، إنها آلية ليقظة الأحاسيس المتأسطرة بمفهوم الخلق الولااي والابداع الأمومي الكامن في الأنثى مما يوحي للشاعرة بأنها أمومة الكون والتكوين ، فقد استعارت غادة السمان البحر كونا لخلود الذات ونشاط أنوثتها في مختلف صورها: الخلقية ، العشقية التي توميء بفرادة صورة الحب وعلائق الأنوثة بالذكورة :

 (وهل تنزف في البحر فيولد المرجان وهل تركض على الشواطيء وجسدك يسور الأمواج فيولد المد والجزر ..) ص 50 وتقارب كلود دوبورين الأمواج الدلالية للصورة السابقة كونهما ينضحان أنوثة متشابهة بفورانهما التحرري والمستبطن لصورة علاقة الأنثى بالآخر:

(يا الهي داو جسدي من جراح الرجل واحفظه حتى لا يكون تحت قبلته بركة ، غابة ، مد وجزر)

تمتد حساسية التحرر والانطلاق بالشاعرتين الى مدارات الكشف والتعرية الحادة كل منهما منجذبة الى رغبوية عارية حادة ناسفة كل الأطر العرفية ومحاذير التقليد والنظم المجتمعية المقوننة ، لقد تملكت الشاعرتين فتنة لذة الانتهاك والمناهضة المنتبذة مكانا قصيا في الفضائية ، فالشاعرتان تخرجان من جلد الأنوثة المقننة الى أنوثة خارجة عن الضفاف فهما تنشدان علاقة واضحة متحررة مع الرجل ليست متكافئة وحسب بل منافسة إن لم نقل متغلبة . تقول طرد دوبورين مغمورة بإحساس الانطلاق الكلي محلقة في لذة عراء الأنوثة وحريتها الواضحة :

(اسمح أن ننام معا عاريين في ليل جواهر البدايات )

وها هي غادة السمان التي نذرت نفسها لمسرحة فعل التحرر تؤنث العراء قبل أن تجعل الأنوثة استراتيجية صيرورة العراء والانكشاف والوضوح : (أريد أن يظل حبنا غريبا كمشهد صبية تحمص بشرتها تحت الشمس وقد تمددت عارية فوق قبر رخامي وقور

…..

سأظل أمشي في حقول الغامك

 وأنا أحمل بيدي عكازي الأبيض

كالعميان

لأرى غموضك بوضوح )

 إن هذه اللذة المنبسطة عن شهوة الأنوثة

الى الانكشاف بالخصوبة تستدعي لدى الشاعرتين أفقا تعبيريا متمايزا في استبصار اللغة الفيضانية العميقة للأنوثة ورغبتها في التدفق صافية عذبة لترسم عبر حس الأمومة كون الخلق ودوراتها وبالتالي تصر الشاعرتان على استحضار جذوة التألق المتجدد بصور الربيع فاكهة معنى الأنوثة الناضجة بنزقها ورقة أزاهيرها.

تقول كلود دوبورين مومئة ببلاغة ربيع الأنوثة

(يا إلهي

خلصني من النار

وقل لي بأنها حسنة

كي تزهر شجرة اللوز

كي أقبل حظه

دون أجوع حتى أكل الثرى

لكي أصبح مرة

زوجته الربيعية )

وترسم غادة السمان لوحة ربيع الأنثى بحس سوريالي لصيق بالاحتراقية النابضة بها ذاتها، المتحرك الى ذرا خصوبتها:

(أتوغل في خضرة حبك

أخطو الى أحشاء الأشجار لعلني أتعلم الاستقرار

لكنني حجر لا ينمو عليه العشب إلا إذا تدحرج

……..

منذ ألف عام كان ربيع وأحببتك

وباركتنا البراعم وعصافير الفجر

اليوم أينما كنت وكيفما كنت أتذكرك مع

الربيع

تهب رائحة زهر الليمون علي حتى وأنا في عرض البحر فهي عبير أيامنا معا)

إن هذا الهوس المبدع الذي تنفجر عنه الشاعرتان هو وسيط الأنثى مع طفولتها الصورة المثلى للحرية والانطلاق وهو الهوس المعبر عن أشجان الطفولة الخالصة وأحاسيسها المرتبطة بعالم الطبيعة وأسرارها، أليست الأنثى أشمل وأغمض وأثرى أسرارها، فإن كانت الطفولة صورة يناعتها الأولى فالنضوج فاكهتها السحرية وهذا ما يفسر حضور الشاعرتين بطفولة بودليرية عابثة فوضوية تلهو بالنظم والأعراف كما تلهو بالدمى التي تستلذ بجمالها مثلما تستلذ بتخريبها فالطفولة حالة انوجاد حلمي متساوي التقاطب فهو مرتد زمنيا ومتصاعد في الآن معا حيث لا يتساوى الماضي بالمستقبل الذاكرة بالحلم . تقول كلود دوبورين مستعيدة من الطفولة ذرا حيواتها الحلمية :

(يا إلهي

خذني

امنحني من الندى ما يكفيني

ومن العطش ما يكفيني

أريد الا أكون سوى طفلة حزينة

 تنظر الغروب ينطفيء

في صفاء أصابعها)

ولنقرأ فضاء معنى هذا السياق في لوحة بليغة الجماليات لغادة السمان التي تكشف عن طفلتها المخبوءة في عمق نضجها:

(تلك الطفلة

وجدت نفسها فجأة متنكرة داخل جسدي

 متنكرة داخل عمري واسمي وشهرتي

 ساقطة في شرك أدواري

 تجلدها أمزجتي الزئبقية وحكاية حبي

الغامضة

لكنها لا تزال كل ليلة

 ترب مني حين أنام

وتفتح باب الكهف

لتهرول وحيدة في كوكب الحلم

دون أن تصل الطريق الى القمر)

يمكن ملاحظة تقابل عناصر اللوحتين وبناهما المعنوية والشعورية واللونية وآلية تكونهما الدرامي فثمة التقاء خصيب بين ذاتي الشاعرتين واشعاعهما الروحي ورؤيتهما الوجودية ، يتمركز في يقظة انوجاد حر متمرد يستعيد انوجاد البحر الثائر اللامنضبط إلا الى نظام الأزرق المطلق تتمنهجه الشاعرتان : غادة السمان المبدعة العربية التي أشعلت قامتها الأدبية الفريدة والخاصة في حركة الكتابة العربية بامتيازات متعددة وقد لقيت استقبالا ممتازا من القراء والنقاد والمبدعين ، فها هو يوسف ادريس أحد رواد الابداع القصص يشهد (أن غادة السمان أفصح الكاتبات العربيات لأن لها أبجدية خاصة بها ولها القدرة على بالعزف بالكلمات في سيطرة طافية تدهشك خصوبتها وتفردها).

أما الشاعرة كلود دوبورين فقد وازت متوأمتها بالبحر استقبالا وتميزا فها هو الشاعر الرئيس ليوبولد سيدار سنغور يقول : (إن أشعار كلود هي أزهار ناضجة ورائعة ).

لابد من القول أخيرا أن مذهبنا في القراءة السالفة محاولة لتقري فصليتي توأمي زهرة بحرية تلتقيان في ثيمات ما، لا الاقتفاء والتماثل أو التأثر.

إشارات :

* مصدرنا اهتما عن الشاعرة كلود دوبورين – الاشعار والسيرة الذاتية : مجلة الآداب الأجنبية – مختارات للشاعرة الفرنسية طرد دوبورين ترجمة المصطفى أجاهيري / العددان 46- 47 السنة 13 / شتاء ربيع 1986 .

* * مصادرنا عن الشاعرة غادة السمان

 أ – ديوان عاشقة في محبرة

ب – رسائل الحنين الى الياسمين

جـ – قضايا عربية في أدب غادة السمان / حنان عواد – دار الطيعة بيروت 1989 .

 
 
خالد زغريت (شاعر من سوريا)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …