أخبار عاجلة

قراء أولية لديوان( فتنة الأقاصي)

تواصل وفاء العمراني كتابة الشعر منذ أزيد من عقدين وتقترح علينا القصيدة تلوا لأخرى والديوان بعد الديران بوفاء وشغف وبكبرياء كذلك نعم بكبرياء. فصورة وفاء العمراني اقترنت لدى العديدين بفكرته ما عن الكبرياء، كبرياء المرأة العربية وخاصة حينما تشاء الصدفة الجميلة أن تكون هذه المرأة شاعرة .

"فتنة الأقاصي" هو الديوان الثالث لوفاء العمراني بعد "الانخاب " و"أنين الأعالي " وهو ديوان جاء ليفتن القاريء المغربي والعربي وجاء لجعله ينبهر ويدخل بكل انقياد الى ملكوت الشعر والجمال فالاخراج الاستثنائي الذي حظي به الديوان واقترانه بشريط صوتي آسر يقدمان لنا الدليل على هذه النية المبيتة .

"فتنة الاقاصيط يتوزعه ملمحان اثنان ، المللح الأول هو الحسية الطاغية على صوره ، ويتعلق الأمر بحسبية من نوع خاص ، حسية روحانية إن جاز التعبير وقد يكون لذلك علاقة السجل الصوفي الذي اشتغلت عليه طويلا الشاعرة وفاء وهذه الحسية تفرض نفسها على المتلقي عبر عدة مستويات فمن جهة هناك حضور متكرر في مجموع القصائد لموضوعة الجسد ، الجسد قلعة الهودج " (ص 108) أو "كلما استعتمتك أنارتني لك هاجرة الجسد" (ص 17) كما يأتي الديوان بإضافة جريئة وذات دلالة هي وصف الجسد الحبيب /الرجل والتغزل به : «رغبة مجنحة عريه / نافورة عشق /خفقه لم صفصافة شدو ضمته / حنو عنت يشظيه الصفاء مسته /لقبلته المذاق المستغرق للفكرة / عسل حبيبي/ واسمه عناق الشفتين على أحل قصيدة " (ص 17) . ويرى الشاعر شاكر لعيبي في دراسة بعنوان : «الشاعر العربي بوصفه دونجوانا" ثمة نصوص ومجاميع (أمجد ناصر، عبده وازن ، وليد خاز ندار… مثلا/ لا تركن سوى الى ايروسها العادل في مغامرة النص ، يصير الايروتيكي في هذه الأمثلة بمثابة احتفال بالتفاصيل الحميمة ، لكن الجسدية بسعادة حسية أو مطلقة الحسية لا تركن . لكي تكون صافية وشعرية سوى الى الشعر. إنها مكتوبة ومكتوبة بما كان يريد النص /الأب نسيانه ، وما كان المجتمع يحاول طهره وما يسعى الظلاميون الى تحويله الى شيء مدنس" (1) ويبدو أن " فتنة الأقاصي" ينحو هذا المنحى ويقدم كشوفات في هذا المجال .

وبارتباط مع موضوعة الجسد، نجد موضوعة ثانية ذات حضور أساسي في هذا الديوان هي موضوعة الشهوة : "شهوة قصية لا تدرك " (ص110) أو الرغبة : "الرغبة عتاقة نيزكية " (ص 77) بالاضافة الى تحقق هذه الرغبة وترجمتها الى مشاهد عشق فاتنة بين حبيبين "نتدافق / نتراشق / فنمنح / نتسلق فجر الحواس / نمارس ثورة الماء" (ص 56). والماء هو الآخر عنصر يتكرر ذكره في الديوان لما له من ارتباط بفكرة أو موضوعا الخصوبة التي تشع من ثنايا القصائد :"بيني وبين الماء صداقة لا تنسى" (ص 42) . ويمكن أن نلاحظ كذلك أن انسياب اللغة الشعرية وتأنقها وكدت أقول تعطرها، وكذا غموضها اللذيذ والذي يدفع الى الشرود والى معانقة لحطات سكون نادرة عناصر تقوي من الحسية الأنثوية لقصائد الديوان ويجعل وقعها أمتع .

الملمح الثاني الذي يستوقفنا في ديوان "فتنة الأقاصي" هو النزوع الحكمي الذي يلف مجمل القصائد، الحكمة باعتبارها خلاصة لتجارب قسوى أو أليمة ، وباعتبارها إضاءة جديدة لشأن مألوف أو أصبر مألوفا بفعل التعود عليا. في قصيدة "عدم صديق وآخر لا" نقرأ : "السهاد سؤال الليل المحير / العادة جواب غير ناضبى ". وفي قصيدة "كينونة يقظو" نقرأ : "من أعالي الجبال / تروي ظمأها البحار" . أما في قصيدة  "ضاج بي ايها الحب _ضاجة بك ايتها المسافة " فتواجهنا هذه التساؤلات المتناسلة من بعضها البعض :"ما الحقيقة ؟/ ما المجاز؟ / ثبات العاشق أم تحولات العشق ؟/ مشكاة السفر أم غبار المسافر؟/ سر الحرف أم أسرار العارف ؟".

وهذا النزوع الحكمي مرتبط بالمللح الأول الذي وصفناه بالحسية الروحانية . وهو يمت بصلة قرابة للتراث الصوفي الذي يطمح الى اشراك الملتقين (= المريدين ) في بعض رؤاه وعبره . ولكي نقبل هذه الحكم ونتمعن فيها تتعمد الشاعرة أن تفرض علينا عنفا خاصا وغواية قد يصعب مقاومتها إذ تعلن علينا كبرياءها ولا تخفي عنا اعتدادها بنفسها وذاتها وتحرص على تذكيرنا بشعور بالمرارة يفرض نفعمه عيها وتسعي بعناد، لتناسيه ومقاومته :"لست الى الحاضر في انتماء / خفيفة / حرة / حتى من الحلم / اعتادني هذا الرحيل- لم أعتده / أنت وحدك الحقيقة الأوفى / أيها الألم " (ص 96)، وفي قصيدة "صلاة الغائم " تجد كل هذه الكلمات مجتمعة لوصف الذات الشاعرة : الشموخ ، العلو، الاستحالة ، الاستعصاء، الوفاء، الفرادة ، أما مع قصيدة "للآتي أنا منذورة " فننتقل الى مستوى أعلى وأسمى "يساورني الله / كأن لم ينبضني في هذا الغمر / سواه " (69) .

الإحتفاء بالذات إذن والاحساس بالتفرد حاضران بكثافة في هذا الديوان رغم ما يستتبعهما من احساس بالألم وبالوحدة ، غير أن هذه الوحدة هي من النوع المنتبى والممتع لأنها مختارة بإعوار وليست مفروضة : «من علوها ووضوحها لم غامضة هي الشمس /و… / وحيدة » (ص ا 10) . ولعمري تكون هذه المقاطع هي أقرب تعريف يمكن أن نعطيه للذات الشاعرة وللشعر نفسه .

* وفاء العمراني ، فتنة الأقاصي (ديوان شعر وشريط صوتي) دارا لرابطة ، البيضاء 1997 ، الطبعة الأول والأرقام بعد حرف (ص ) تحيل على الديوان .

1- مجلة ابواب ، العدد 11، شتاء 1997.

 
عبداللطيف البازي (كاتب من المغرب)

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …