أخبار عاجلة

قصائد تحت الحصار

تعيدني أيام الحصار والدم والقتال في غزة الأيام إلى أيام الحصار المديد في بيروت 1982عندما جرد شارون الذي لا يزال ساردا في غيبوبته حملة عسكرية ضخمة هدفت إلى استئصالنا كمنظمة تحرير وفصائل من لبنان والجنوب اللبناني …كنت أقيم في منطقة الفاكهاني مع زوجتي وابنتي, ورغم القصف الكثيف للفاكهاني والتي كانت المقر المركزي للمقاومة . فقد استطعنا الصمود ثلاثة أسابيع, إلى أن اخترقت قذيفة إسرائيلية الجدار الذي أنام تحته عادة وأحدثت فجوة كبيرة ونشرت الشظايا والغبار في غرفة النوم , ولكنني لحسن الحظ لم أكن هناك ولكن عندما رأيت آثار القنبلة لم أجد بدّا من البحث عن مكان آخر, وكان بيت شقيقة زوجتي في منطقة حمد التي لا تبعد كثيرا عن الفاكهاني ولكننا لم نمكث هناك إلا بضعة أيام .والى أن رأيت احد قادة فتح الذي دبر لي غرفة ممتازة في منطقة الحمراء قريبا من فندق الكونكورد -و الذي كان مقرا للصحفيين العرب والأجانب- فأحسسنا في تلك الغرفة الواسعة بقدر من الأمان, كنت مع زوجتي على حين التحقت ابنتي اليافعة إلى احد المستشفيات للمساعدة في رعاية الجرحى والمصابين …أما ابني البكر والذي كان لا يزال طالبا, فقد التحق باحدى الخلايا العسكرية ورابط مع رفاقه في عمارة مهجورة تطل على البحر, بانتظار الزوارق الإسرائيلية . كانت حربا رهيبة تدفقت الصواريخ والقذائف الإسرائيلية فوقنا من الجهات السّت ولكننا كنا قد قررنا الصمود المشرف الذي امتد ثلاثة أشهر, ولكن كان يجب في النهاية ان نخرج لأن بيروت لم تكن مدينة فلسطينية هكذا قال بعض اللبنانيين الأصدقاء, وربما كانوا على صواب . كان الموت يحيط بنا من كل جانب وفي مواجهة الموت, وربما دفعا له كتبت عددا من القصائد تحت الحصار, وكأنني أقوم بفعل حياة منذ الموت الزاحف المحلق فوق رؤوسنا …
1- العودة إلى الفاكهاني
لابد لي من العودة إلى الفاكهاني بين حين وآخر..
فلدي زهور علي أن اسقيها…
وكتب لأنفض الغبار عنها
واسطوانات لأستمع إلى صمتها
لا بد لي من معرفة ماذا حل بسرب حمام جارنا
أبي سعيد وهل لا يزال يتدبر أمره بعد
أن طوقت الحرب بأهله …
لابد لي من معاينة الظلال
ومعرفة مصير الكناري
أتراه لا يزال يقطر اللحن الأخير أم تراه مات
عطشا واشتياقا
j j j
يقولون.. القذائف
من يبالي بالقذائف
يقولون.. البوارج
والمدرعات… والمدافع
وطائرات الاف ام..
أف …
من يبالي ؟
لا ينبغي أن يكونوا فخورين بذلك …
زهور
ظلال
موسيقى
لأستمع إلى صمتها .
2- تلك الحماسة
بصمت ننام …
بصمت كئيب
والحرب تتجول في زوايا المكان
جيئة وذهابا
جيئة وذهابا
لكن من يشكوا ؟
لا احد .
j j j
الحماسة التي ظلت واقفة بهدوء على هوائي
التلفزيون العادي بينما القذائف تمرق
من حولها سالخة جلد الهواء دونما رحمة …
الحمامة التي ….
تلك الحمامة …
3- لا يخلو الأمر
( إلى نزيه أبو عفش . )
لا يخلو الأمر من زيز يعزف في الليل..
صحيح انه ليس عبد الحليم حافظ …!
ولكنه زيز حقيقي يعزف في قلب بيروت
وهذا ليس أمرا يمكن الاستهانة به .
j j j
لا يخلو الأمر من تفاحة
صحيح انها عجفاء
ولربما تكون منبوذة في عالم التفاح
ولكنها تفاحة في الحصار
وهذا.. ليس بالأمر اليسير
j j j
ولدينا أربعة أرغفة من الخبز
صحيح أنني وسطت عددا لا بأس به من
المعارف للحصول عليها, لكنني أخيرا حصلت عليها
وعندما عدت بها الى زوجتي
فرحت بها فرحا عظيما
كأنما عدت بأربعة رؤوس
من جنرالات شارون .
j j j
في حوزتنا أيضا بضع
زجاجات من الماء المالح
حصلنا عليها بالوقوف ساعة كاملة في طابور الماء
مر أفندي ورآني وخجل
أما انا … فلا اخجل أبدا …
j j j
أيتها الشمعة يا صديقتي
نحن لا نشكو مطلقا …
اليس كذلك ؟
4- تأثيرات الحرب
( إلى جورج نادل مقهى الموركا في شارع الحمرا
من مقهى خليل (1) في الفاكهاني
الى الموركا (2) في شارع الحمراء
تغيرت الجغرافيا قليلا
و ارتفع سعر فنجان القهوة
j j j
تلك المرأة
الرصيف
و هذه الحرب
لا احد يستطيع سرقة أشيائي الصغيرة
مارس إله الحرب يا صديقي
ماذا سنفعل عندما تنتهي الحروب
5- سرير فارغ
كل ليلة اغتال رجلا يشبهني
في الصباح يخرج من رماده شخص آخر
j j j
لماذا الشمعة الحمراء على يميني
والسيد دارين على يساري ؟
لماذا كالفئران البيضاء تتراكض القصائد في
صدري؟
لماذا انا ابله الى ذلك الحد؟
j j j
سحبت وجهي من المدينة المفرجة
وعدت الى بيتي : وحشة القصيدة
-عم مساء ايها القابع في مكان ما..
اسيرا او شهيدا
-عم مساء ايها الليل
يا ظلي القديم
-عمي مساء ايتها المدينة الباسلة
– عم مساء ايها اللاشيء
يا اخي وحبيبي …
عم مساء ايها اللاشيء !
j j j
ليلة للقذائف
ليلة اللاشيء
ليلة للنوم …
يا لضحكتها …!
سكين من الحرير يشق قلبي
أرجوك الا تنظري الي هكذا , سيدتي,
فأنا اخاف من الحب .
j j j
عندما اقف فوق رؤوسكم طائرا
ما الذي لا اقوله لكم !
لماذا لا تفهمون ؟
j j j
هل كنت نائمة ام صاحية
عندما تسللت الى سريري!
ظل سريرك فارغا طوال الليل
يا للمسكين!
يا لضحكتها
سكين من الحرير يشق قلبي
أرجوك الا تنظري الى هكذا – سيدتي,
فأنا أخاف من الحب .
من ديوان «لا تشبه هذا النهر »
ملاحظة لا بد منها :
– أرى في حرب غزة الراهنة استلحاقا وامتدادا لتلك الحرب المجهضة في بيروت 1982 حيث اضطررنا الى الخروج بعد ثلاثة أشهر, وكان اخطر نقاط ضعف تلك الحرب اننا كنا في مدينة لبنانية هي بيروت والذي جاء ممثلوها من الحركات الوطنية واليسارية ليذكرونا- وان بشيء من الحرج- بهذه الحقيقة …
الآن غزة ليست بيروت … فهي فلسطينية ولن يأتي احد هذه المرة ليخرجنا مرة أخرى… هذه اخطر وأهم معركة في التاريخ الفلسطيني إنها في الحقيقة «أم المعارك» الفلسطينية وعلى نتائجها يتوقف مصير الشعب الفلسطيني بشكل نهائي … وانا متفائل جدا بالنتائج منذ الآن .
الهوامش
1 – مقهى في الفاكهاني .
2- مقهى في شارع الحمرا .
 
رسمي أبو علي
شاعر من فلسطين

شاهد أيضاً

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع …