أخبار عاجلة

قصائد جديدة

صلاح فائق *

اغضبُ حين أتذكر. أنا رجلٌ غير نافع،
لم أتعلم من الطبيعة
درساً لتجميل غرفتي، توجيه الآلاف
من النمل تسكنُ مطبخي ،
لتطرد اسداً يتشمسُ خلف بيتي،
كتابة افتتاحية عن فقراء
يتضورون جوعاً، أراهم يلحسون
ذكرياتهم تحت غيومٍ مسرعة
إلى بلدٍ بعيد، او أشارك أوهام محتفلين
في حديقةٍ: احبّ الوقوف
أمام جمهورٍ وابدأ بهجاء ضد الزمن الذي أكل أصدقائي، واحداً
بعد آخر، وضد سلالٍ فارغة لريفيات، ضد أبي الهارب من دائنين،
ضد جبالٍ تثرثر حولي، ضد شجرةٍ تستفزني ثم تدعي بانها تمزح معي،
ضد عصفورٍ بنيتُ عشّاً له في شرفتي،
نادى أنثاه، دخلاهُ ولم يشكراني،
وضد الموت وهو يراقبُ كلبي الغافل،
بدونه حياتي خاوية، وعليّ أن أملأها
بمحاربات، بكتبٍ لا يقرأها أحد، بثعالب،
ضد نفسي وانا اتطلعُ من شباكٍ
لأراها تنبشُ، مع مهاجرين،
في مكبّ هذه البلدة .
j h j
عندما لا أفعلُ شيئاً، اعدّ ما عندي في البيت ـ
صحون، ملاعق، مناضد، مقاعد، مخدات،
احجار من شواطئ، كتب، وفي كل مرة أجد
جديداً منها لا أدري من أين،
احملها الى مكتبةٍ عامة
لا يزورها أحد، او اذهبُ للتجوالِ
متفادياً ارصفة هذه
المدينة وحيواناتها المبعثرة
في الملصقات. فهي كلما رأتني
تسخرُ مني وتشتمُ مارّةً يهربون
من حرائق. اليوم، وانا
امشي إلى المحيط، وجدتني
فجأة خلف الشاعر رامبو، على مبعدة
خطوات ـ جيدٌ ان أراهُ اخيراً خارج اثيوبيا،
بلا عكاز ولا
آلام ساقين، مثلي، واظنه جاء ليتضامن
معي ببضع كلمات
فقد فهمَ من قصائدي عزلتي
في بلادٍ جسورها مهدمة، رغبات
اراملها مشتتة بين ذئاب
ـ شكراً لك، أصرخُ واعرفهُ سمعني
وقبل ان يستديرَ او يلتفتَ ،
اتبعُ طريقاً آخر وأصادفُ هناك موتى
عراة يجمعونَ أصدافاً
وغراباً يقطّعُ اوتار قيثارةٍ لشاعرٍ نائم .
j h j
هذا يومٌ سقيم، يليقُ بقادةِ جيوش،
بنساء بدينات
بلا ضفائر. ليست هذه بداية قصيدة
لي ولا لغيري
انما هكذا أغني الآن وانا تحت
مياه شلال وهناك
اشجارٌ تتطلّعُ إليّ، لذا اتعرى واعرفُ
ان هذه المياه
تندفعُ الى سجنٍ ليس فيه أحد ـ هربوا
الى حقول كرومٍ
مع سجّانيهم، بعضهم اتجه نحو تلك
الهضبة ، مرتدين
معاطفَ خشنة ازرارها اسنان ضباع.
هناك اكتشفوا رملاً
في أدمغتهم، صرخاتهم، وفي عطورٍ
من خليلات .
يومٌ سقيمٌ أقول، لأني أعدّ أضلاعي
فأجدها ناقصة مرة
اخرى وقبل أن أغضب، يمرُّ برقٌ
امامي ويطاردُ غزالةً
فافتح لها بابي وانصحها ان تختفي
في السقيفة. ينزل
البرق فاذا هو انليل، إله الهواء، ادعوهُ
ان لا يطارد حيوانات
هذه الجزيرة وباقي البلدان ايضاً
وان يهتمّ بسكان بابل
ويلوّحَ بمشعلٍ في الليل لسواق الشاحنات
او يشارك في
مظاهرةٍ يقودها عميانٌ لإنقاذ قرويات
من إطراء مبتذل واعرض
عليه أن يمثل في غرفتي نصه الوحيد او شيئاً من كلكامش
بعيدا عن جمهور واضواء ـ اللامرئي وحده سيكون معي
لكنه لا يقبل عروضي ويختفي .
أعود إلى غرفتي، اصعدُ
إلى السقيفة، فلا اجد تلك الغزالة .
j h j
نعم أميلُ اليك، لا أدري لمَ .
لستِ مقدسة ولا متشحة بضوء القمر. كنتُ افضلكِ
راهبة معبد لأغريكِ بكلماتي وغنائي. تحبين البيت،
مثلي، بلا أثاث تقريباً، عدا سريرٍ
من قصب وعليه
تضحكين عندما اقرأ لك قصيدة لي،
او في حضيرة
ماشية .
ـ اخبرني عن تاريخك الشعري
ـ كتبتُ قصائدي الاولى في كهف.
قرأت بعضها على
اشجار، أخريات عند امواجٍ تهدرُ،
فلم تسمعني جيداً
كما أظنّ. انتهيتُ تلميذاً فاشلاً،
لكني حققتُ ما اردتُ
وهو ان اضحك واضحك، كما انتِ الآن
ـ جميل . أحبّ أن اجلسَ على ذلك الحصان، ارفعني
أرجوك. احملها الى اسطبلِ، أمسّدها،
أتشمّمها ثم أغني :
اعرفك تحبين رطب بلادي، يحسدني لصوص مقابر ومزارات
حين يرونكِ معي. أقولُ لهم لستِ امرأةَ بلا نظير، لا يوافقون .
أريدُ أن نبتعد، ابعدَ فابعد
إلى أرض فقمات وايائل وفهود
أميلُ اليك ولا أعرف السبب .
j h j
أتسكعُ في مطار، لتمضية الوقت بين جدران
هذا بعد أن استهلكتُ غضبي امس بقرع نواقيس البوذيين
بعد منتصف الليل في معبدهم الذي افكرُ بحمله الى منطقتي
اظنهم سيتفهمون ذلك ويبتسمون.
جلستُ عندهم وغسلتُ نهراً
في رأسي، ملأتُ بمائه طوابق
ذكرياتي المائة ولكي افسح
في المجال استدراج سحرةٍ نحوي.
الأفق على مبعدة خطوات
مني، بيننا صخور ضاعت حولها أوراقي، تركتُ عليها معظم
عمري من انصاف احداث منها
انقلابات وطردي من بيت بعد
آخر لأسباب لم يفصحوا عنها
ولم أسأل انا ايضاً، حياةٌ كثيرها
هواء قديم، مع اني ما زلتُ أحلمُ
بحصولي على فأسٍ لأهشّم بها
رموزاً خربت تواضعي وآمالي،
لكن لا أحد يسمعُ صرخة في منفى .
j h j
مساء آخر وشاعرٌ يختمُ يومه بتجوالٍ
في ممرات وأنفاق،
يلحظُ غيوماً واقفة خارج بلدةٍ تحدّقُ
في رعاةٍ يحتضنون
أشجار زيتون. هذه كلماتٌ، صورٌ، لا تنقذُ
من يغرق
ولا تواسي مهرجين حزانى.
إلى هنا اتمنى اصدقائي،
حفاةً، أن يصلوا ومن افواههم
تتدلى مفاتيح. سوف
اراهم بعينينِ مغمضتين
لأني متقشف ووجودي احتمالات
كتاباتي ازقة فارغة لا يريدها أحد.
في نصفها الثاني
أحدهم يوزع قمحاً مسرطناً على امهات.
هنا ، في الماضي ،
صادقتُ يماماتٍ بالوقوف امامها
وقراتُ بفم خفيف سرداً
عن ممرضةٍ تغني في مستشفى.
مع استمراري قراءةً
بدأتُ اسمعُ، من هنا وهناك،
ثناء وكانت شجرة تكرر
أعدْ، أعدْ، ولم أعد .
j h j
يومٌ آخر من تداعيات في رأسي وأطرافي
عن فجرٍ يشبه مغنية صلعاء تبكي في
باحةِ فندقٍ مهجور .
لا يرى هذه الصورة الشعرية
من يبحثُ عن ملاذ
j h j
كي تساعدَ انساناً حائراً، مثلي،
تسلّلْ الى ذاكرتي
اعدْ ترتيبها كالآتي ـ بعثرْ، هنا وهناك، مقاطع من
قصيدةٍ حول حصادٍ قديم ادارتهُ أمك،
وعن موسيقيين
يترنحون في ثكنة، عن كلابٍ تدفعُ،
في شركة كهرباء،
فواتير الاشهر الاخيرة، وعن دروبٍ
تؤدي الى مناجم
للفضة ولا يعرفها غيرك
j h j
هناك مطرٌ يطاردُ حراس سجن،
ومهرجٌ يشتمُ باعة مظلّات أما معبد للتاويين.
ليس هذا مرئياً ايضاً
لمن يطرقُ أبواباً، سائلاً عن ملاذ
j h j
تعلّمْ هذا مني ـ لا تنصحْ من يريد ان ينتحر
ولا تمنعه. قدّم له معطفكَ ليستمع
الى اصوات
غريبةٍ فيه، كتاباً عن مجرات،
وعن شعراء يمزقون،
في شرفاتهم، وقت الفجر، مجلاتٍ وصحفاً .
قل له ان النسيان ليس ملجأً،
وانما غرفة لتسجيل
شكاوى فقمات. اسرد عليه عن أجمل
يوم في حياتك
عندما قدمت لك اختك نبيذاً ثميناً،
مسروقاً من كنيسة
وحين أخفيتَ آلاماً سريّةً فيك كي لا يعرفها جيرانك
وحتى جسدك. اذا سالكَ من اين تأتي
هذه الجلبة ؟
ـ اشجار تزحفُ لتشرب ماءً ملوثاً
من نهرٍ غرقَ فيهِ،
مساء امس، خريفٌ وكان يهربُ
من آلاف السلاحف
اجبهُ وأنت تضحك .
j h j
عارٌ على مدينتي اذا نسيتني: اشهرُ متبطلٍ في
ازقتها، مطقطقاً مفاصل أصابعي،
مثل راقصٍ
متقاعد ، عند المجرى الفارغ
لجدولها الشتوي،
تماماً كما يفعلُ الملّاكون حين يتعبون
من تسكعهم
المسائي. مكان بهيج ، يليقُ بمن ينامُ
طويلاً او
يواصلُ حياته الفاشلة ـ يلبسُ بطانية
عند بداية
الشتاء ويعلنُ بفمهِ الارستقراطي الشاسع، رفضه
لأي عمل او وظيفة .
مجداً للصوص مدينتي وهم يعثرون
على رسائل
غرامية لعشيقاتٍ بدينات. من أجلهم،
ولهنّ ايضاً
ينبغي تمزيق الأعلام والرايات في كل البلدان،
تحرير أسرى، حرق أفلامٍ جنسية،
وحضور مأتمٍ
لإحدى السفن التي احترقت البارحة .
هناك حملتُ دائماً في جيبي الخلفي منشورات
ثورية، متنقلاً من منطقةٍ إلى أخرى، وحيداً
كما قائدٌ منبوذ .
أراهم الآن ـ فيلقُ لواطيين سكارى يغنون،
فيندفعُ مرابونَ من وراء مناضدهم الثمينة
ليغلقوا شبابيك بيوتهم، يقفلوا الأبواب،
ويطفئوا مصابيح الغرف. ذات مرة،
وأنا أراقبهم،
مددتُ يدي اليمنى لألتقط من جيبي بعض
التوت المجفف، لكني عثرتُ على عقربٍ ميت .
كنتُ ايضاً نشطاً في سرقة وثائق المجندين
الجدد وحرقها، وكانت هذه مساهمتي ضد
الحروب والمجازر في الأرياف .
عارٌ عليّ اذا نسيتُ مدينتي
j h j
ما زالت عيناي تجولان في ضواحي مدينتي
اسمعُ من حديقتها الكبرى،
واسمها أم الربيعين،
حواراً بين زهرتين عن الندى وقت الفجر
j h j
انا اشبهُ شكسبير. هذه حقيقة
لكنها ايضاً من أغلاط الطبيعة
j h j
سمعتُ صافرات سيارات إسعاف
اندفعتُ الى خارج بيتي لأرى ما يحدث
وجدتُ ممرضين يحملون تمثالاً ينزف
من رأسه :
كان واقفاً منذ سنوات وسط حديقةٍ
تطلّ عليها شرفتي
علاقتنا وديّةً كانت دائماً
j h j
سقط تابوتٌ، أمامي، من عربة نقل الموتى
خرجً الميت، وقفَ في ملابسه الانيقة
ولم يكن مصاباً بأي جرح
j h j
وصيتي الأخيرة: لا تنقلوا كلبي بعد رحيلي
الى مأوى لقتل الحيوانات المريضة والمشردة
اتركوهُ عند المحيط، فهما صديقان
j h j
اخيراً تقاعدَ صديقي، غاسل صحونٍ في فندق
اهديتهُ، في هذه المناسبة، إحدى مجموعاتي
اليوم، صباحاً، استلمتُ رسالةً منه
يشكرني فيها ويعترفُ بانني اتكلمُِ شعراً
مثلما تتكلمُ مؤخرته في السياسة :
أي ثناء رائع .
j h j
انا مصابٌ بذعرٍ دائم من النقاد
حبي لصيد السمك يساعدني وشرب النبيذ
مع قراصنةٍ من جزرٍ أخرى، ومع جارٍ لي
حصلَ على ميدالية أفضل لص
j h j
من سيتذكرني بعد رحيلي ؟
ربما بيانو شقتي القديمة ـ كنتُ ازيلُ
غباراً عليه
يرهف السمعَ حين اتكلمُ معه بمودة
واضع عليه باقة
وردٍ ، احياناً، وقت الفجر. هناك ايضاً كومبيوتري وعملنا معاً لسنوات
اعتز به لأنه من رفاق هذا الفضاء اللامرئي، ومؤكدٌ سريري
لن ينساني، معه أغطيته، المخدة وغيرها .
سيحضرُ بعض الاصدقاء
القدامى موكبي، دفني
لكنهم سيأتون ليلتقوا، بعضهم
مع البعض الآخر،
بعد فراقهم لزمن طويل: موتي
سيكون سبب هذا اللقاء .
j h j
لنتمتعَ اولاً، فالشمسُ هنا ،
كذا نسائم هذا المحيط
غنّي لي ، حتى بصوتٍ واهن
ولا تكلمينني اليوم عن
مخاوفكِ من الامراض والضرائب.
افتحي قميصك لي
ومن اجلي .
عليكِ ان توصدي بابكِ في
وجوه جيرانك
لتسببي لهم، ربما،
نزيفاً او بكاءً .
ليطمئنوا، سالفقُ حكايا تسرهم
عن هذه المدينة :
تجربتي ليست قليلة في سلب سياحٍ
خلف كنائس وحانات

‫*‬‬‬‬‬

اعرفْ الكثير عن النساء المتبرجات، لهفتهنّ للرقص
مع سماكين . بطريقةٍ ما، سأتعلمُ هذه المهنة ، في
مدرسة او من قرصان. احبّ ان اشبعَ رغبتي المقموعة
منذ نصف قرن وسوف لن ابكي في مقصورة الاعتراف
ولن الوم الشتاء لأنه جعل شفاههنّ شاحبة ومستاءات
من قطارٍ عاطلٍ ألغى مواعيدهنّ، وحتى مني، بسبب
سنجابٍ أرغمهُ، هكذا يتوهمنَ، أن يرتّب فراشي بعد كل ظهيرة

‫*‬‬‬‬‬

رغبتي كانت، في شبابي، اصيرَ عدّاء مسافات طويلة
بدأتُ اتدربُ لسنة وذات صباحٍ ارتطمتْ قدمي اليسرى
بصخرة، ليضعَ حدّاً لطموحِ رجل مجنون. منذ ذلك اليوم
اخرجُ في الشفق، اجلسُ على تلك الصخرة وانتظرُ
عندليباً ليغرّدَ لي .

‫*‬‬‬‬‬

في أقاصي الليل، الفّ روحي ببطانية وأنام، لكن
مشاهد نيران كركوك وقت الغسق مازالت تهتكُ هدوء
أواخر ليلتي: مظلمةٌ اماكن افراحي القديمة

‫*‬‬‬‬‬

أعجوبةُ تخلصي من مستشفى، ووقوفي في موقف سيارات
النقل لأقرأ من قصائد شبابي. اليوم فوجئتُ في احداها
عثوري على حديقة لقائي الاول مع الحبيبة التركمانية

‫*‬‬‬‬‬

لتكن لك عذوبة الفم الذي لا يتكلم
هكذا تتعلمُ كيف ترفعُ جفنيك نحو اغصانٍ عالية
لشجرة صنوبر، حيث يسكنُ عازف كمان
يسردُ مساءً ما فيهِ على غرباء وهاربين، يختبئونَ هنا
منذ أعوام .

‫*‬‬‬‬‬

أنامُ جالساً وقت الشفق، او واقفاً مثل فيل
هذا بعد ساعاتٍ من القراءة والكتابة في كهفٍ متخيل
وبعد رجوعي من تسكعٍ خارج كركوك، التقي كل مرة
يوحنا المعمدان وهو يغسلُ حصاناً في جدول .

‫*‬‬‬‬‬

اسكنّ في بيتٍ من صوف. اثناء الليل
القي بعض افكاري من شباكها الى زقاقٍ مظلم .
انا متعبٌ الآن بعد ان طاردتُ في ضاحية، مع لقلق ،
أحد جباة الضرائب. لم نقبض عليه: اكتشفنا رباطاً
يشدنا الى نجمة بعيدة، يسحبنا كلما منه اقتربنا .
فهمتُ من طيفٍ عابر ان مدينتنا تستعدُ لاستقبالنا بالرقص
والأهازيج .

‫*‬‬‬‬‬

لتجعلَ ذاكرتكَ جريئة، وتخفي عنك الكثير،
عليك أن تصهلَ في شرفتك، حين ترغبُ استعادة كلامٍ
ضاعَ في اكشاك الهاتف، بعد أن صارت مباول لسكارى الليل

‫*‬‬‬‬‬

بعد 25 سنة سأموتُ أثناء نومي
هذا دافعي للكتابة منذ أعوامٍ طويلة، لكن
ما بقي لي من زمن، لا يكفي لأتجنب اعداد تماسيح
ومواكب مرابين في طرقٍ وازقةٍ اتجولُ فيها كل يوم
وتحيطني احياناً سحبٌ او ترافقني .
كي اتفادى هذا كله، عليّ أن أتحامقَ، اتودّدَ الى
شجرة زيتون من اجل زيتٍ وظلال، انتظرَ من يحيل
مائي إلى خمر، واذهبَ خفيةً فجراً الى مكتبةٍ املكُ
مفاتيح بوابتها اللامرئية .

‫*‬‬‬‬‬

عندما استلم راتبي التقاعدي، نهاية كل شهر
اقتني كتباً ولا اقرأوها. ربما لان شعري طويلٌ
ومسدلٌ ولا يسمح لي. افرحني قبل ساعة
عندما تنحى جانباً لأشاهد مظاهرة تماثيل وسط
احدى ساحات المدينة. مطالبهم كثيرة كانت، لكني
مع ذلك، تضامنت معهم .

‫*‬‬‬‬‬

مسرورٌ منذ مساء امس ـ عثرتُ عند باب حافلة قطار
على مظروفٍ يحتوي ألف دولار. قناعتي أن مجهولاً
ترك هذا المبلغ لي لسبب لا اعرفه بعد .

‫*‬‬‬‬‬

منذ ربع قرن لم أشتر ملابس جديدة : اعرفُ
كافة محلات بيع الملابس العتيقة . أحذيتي
ليست منها ـ يتبرعها لي معبد للتاويين نهاية كل عام .
في هذه المناسبة يدعونني إلى مأدبة نباتية، وبالطبع اوافق

‫*‬‬‬‬‬

أقيمُ في قبو منذ اشهر، ما يجعلني اشعرُ ليلاً باني
في معبدٍ او سرداب سرّي. من أفراحي القليلة هنا
حصولي ، من قراصنة ، على برميل نبيذ واحفظه لضيوفي
ولصوصٍ قد يأتون قبل الفجر. وسائدي من ريش نعام .
مكاني جيدٌ للاحتماء من دوي الطائرات، خصوصا المقاتلة .
لا شيء في الخارج سوى الهواء ونحيب ثعلبٍ اسمعه ولا أراه ،
حين يعمّ الظلام .
هنا ملاذي من حراس المنارات ولا احد يكترثُ بي. شخصياً
اتفادى زيارة المدن، الأرياف، الجبال وكهوفها ، ولي مرآة كبيرة
الحظُ فيها اشخاصاً التقيتهم قبل أعوام، يتحاورون معي احياناً
او يضحكون. وهناك صديقة تزورني في نهاية الاسبوع ومعها فواكه .
هذا كله يمتعني .

‫*‬‬‬‬‬

نسيمٌ يدورُ حول رجلٍ يحتضرُ في قارب
كنتُ أحومُ فوقهما، في طيراني وقت الشفق
لم اتدخل لإنقاذه لثقتي بالمعجزة الشفائية للنسيم .
عدتُ بعد ساعة، وجدتُ الرجل وسط الامواج يسحبُ
شباك الصيد وكان مسروراً بما حصل عليه اثناء الفجر

‫*‬‬‬‬‬

قردةُ جزيرتي، حين تحسّ بان نهايتها قريبة،
بسبب الشيخوخة او مرض، تتجهُ إلى سفنٍ تكادُ
تغرقُ ، او محطمة عند ساحل، وتموتُ هناك

‫*‬‬‬‬‬

شاهدتُ ، بناظوري ، بحّاراً هائجاً وهو يستمني
تحت شجرة جوز الهند . فجأةً ، سقط واحدٌ منها
على رأسهِ تماماً ، ترنّحَ ، انهارَ وأظنهُ مات

‫*‬‬‬‬‬

عند عودتي من العاصمة إلى جزيرتي
لوّحت لي سيدة جميلة، لم التقيها
قالت: اشكرك جداً، ولم أفهم السبب
حصلتُ منها على عناقٍ وقبلتين ونسيتُ ان اشكرها

‫*‬‬‬‬‬

ما حدثَ للشاعر ازراج عمر
‫*‬‬‬‬‬
وهكذا، للمرة الأخيرة، ارتقي منصة القراءة
افاجأ القاعة فارغة من اصدقاء ومعجبات
افكّرُ : هذه فرصة مناسبة لأسردَ كل جديد لي .
ما ان أبدأ، حتى اسمعُ تهكماً، هتافات،
شتائم. أقولُ: يمكنكم السخرية مني، نقدي
والتعبير عن عدم رضاكم حول قصائدي. هذا حقّ
من حقوقكم. لي الحق ايضاً، مثلكم، أن اواصل
قراءتي. قبل ان يتمّمَ قراءته، نظر الى القاعة، فوجدها
فارغة كما في البداية. استمرّ حتى تعطّلَ المكرفون
وانطفأتْ المصابيح

‫*‬‬‬‬‬

أثابرُ، بين فترةٍ وأخرى، على زيارةِ تماثيل حدائق مهجورة
حاملاً لهم قنينة نبيذ، اسرقها من محفلٍ لسماكين وخفر سواحل
هناك، قرابة الظهيرة، امجّد أرواح أصدقائي
ثم اعودُ إلى غرفتي ومعي قصبةٌ لأصنع منها ناياً لنفسي او
اهديها إلى أحد الرعاة من هذه القرية

‫*‬‬‬‬‬

اعرفني وسيماً، حاقداً على مدراء المصارف والاحزاب الثورية القديمة
لكني ، حين وقعتُ في أسر أحد الدببة، عاملني بلطفٍ وسمحَ ،
بعد مأدبته الفخمة تكريماً لي، ان اقرا قصائد عن حناني لصخور
الوديان واحجار القرى وعن صفقتي الأخيرة، التي فشلت، مع روحي

‫*‬‬‬‬‬

إنه الصباح مرةً أخرى . حديقةٌ شاسعة اراها من شباكي
تستلقي وسط بيوتٍ وأكواخ، وهناك ثورٍ يلتهمُ من خضارها
يتلفتُ بين وقتٍ وآخر، ربما ليطمئن
في المشهد ايضاً امرأةٌ تدفعُ عربة زوجها المقعد، يتطلعُ
الى الثور. هي تنظرُ إليّ وتبتسم .

‫*‬ ‬‬‬‬
تكتبُ قصيدةً قصيرة لأنكَ تحنّ الى اشخاصٍ هنا وهناك
هذا اسلوبك لتتفادى عزلتك : تجول معك وتصاحبك اينما انت
معاً ، اثناء الكتابة ، تصيرانِ لصّاً يلملمُ ، بسرعة ، ما يعثر من
خراطيش رصاصات، ربما قضت على حيوانات عمال او جنودٍ
في زمنٍ ما ، ويخفيها . حين اتذكرُ هذا، يعرقُ جبيني حتى
في الشتاء

‫*‬‬‬‬‬

احبّ ان أحطّمَ ، وقت الفجر ، زجاج بعض النوافذ في زقاقي القديم
اطلقَ ، من بعض قصائدي ، لصوصاً بين البيوت
ثم اراقبَ ما يحصلُ بعد ذلك

‫*‬‬‬‬‬

اشعرُ انني عربةٌ وانقلُ، منذ نصف قرن، اثقالاً لا أدري من اين
الى أين . وحده الطريقُ واضحٌ بين حاجبيّ وبعضاً من غبار متظاهرين
مرّوا قربي قبل قليل .

‫*‬‬‬‬‬

‎فجاةً ، فجر اليوم ، استيقظتُ على صراخٍ طويل،اقصدُ ايقظني ذلك الصراخ . بحثتُ عن الصارخ تحت،سريري ، في المطبخ والحمام ، لم اجدهُ . ليس هنا غيري،لو كان لعثرتُ عليه . ايمكنُ لغرفةٍ ، لسبب ما ، ان تصرخ ؟نيمكن ، تقولُ قناعتي . رغم اني احبّ غرفتي وعلاقتي معها ،كانت ومازالت جيدة ،هذا كابوس آخر ، اقول لنفسي، لأنكِ لستِ معي. كل شيء،هنا ، ملابسي ، كتبي ، حذائي وعكازي الجديد . على منضدتي،كتب شعرية سرقتها من محل مخصّص لمساعدة الفقراء
‎ اذن كنتُ محظوظاً لانك لو كنت معي،لما استطعتُ ان اعبىء جيوب معطفي بتلك الكتب
‎نظرة واحدة منك ، كانت تكفي لإعيدها إلى مكانها،وانا ابتسم بخجل، ذهبتُ إلى ذلك المحل بعد خروجي ، غاضباً ،من المركز الصحي، حيث سرد لي طبيبي مشاكلي الصحية، وهو يحدّق في شاشة كومبيوتره، مضيفاً امراضاً جديدة،الى القديمة ‫.‬ ،هناك تخيلتكِ معي والطبيب يبتسم، لأنكِ معي  ،ويقول بان كل شيء على ما يرام ،اظنّ غيابكِ شجّعه ليواصل ادعاءاته في خصوص امراضي ‬‬‬‬
‎ القديمة تتعلق بقلة الدم في جسمي،والجديدة حول خدرٍ يشملُ قدميّ ،والساقين حين امشي لميلٍ او اطول ،اكتبُ هذا كله على سطح بحيرة ،مرتدياً قبعةً خفيفة وجهازي العصبي معي،ويبدو متوتراً قليلاً ،لو انتِ معي لما كتبتُ هذا ، ولا نشرتهُ هنا او في مكان

*

‎انا وصلاح فائق كنا لسنوات في حوارٍ واختلافٍ دائم
‎اقتنعنا في النهاية ان الاختلافَ غنى
‎على هذا الاساس نعودُ الى الحوار من جديد كل مرة
‎الزمن الذهبي في علاقتنا هي عندما أكتبُ قصيدة ‫:‬‬‬‬‬
‎ يسودُ سلامٌ بيننا أ حتى انه يرتّبُ قهوتي الصباحية
‎ويسالني حين يذهبُ إلى السوق، او ليتركني لوحدي
‎ان كنتُ احتاجُ شيئاً ؟

*

عليك أن تضع الكثير من الأبدية في قصائدك
كي لا تنفد طاقتها التعبيرية، والتدميرية ايضاً
خلال سنوات قليلة مقبلة .

‫*‬‬‬‬‬

‎تعلمتُ الانتظار امام سجنٍ
‎متلهفاً أن أرى ذراعي اليمنى تلو‫ح لي من زنزانة‬‬‬‬‬
‎قضيتُ أوقاتاً امام صيدليات من اجل قنينة فاليوم مجاناً
‎ولم اتذمر من البرد ‫.‬‬‬‬‬
‎ لهذا كله قررتُ ترك كتابتي مفتوحة
‎ ليدخلها من يشاء او من يحتمي من صراخ طائرات
‎كآبة سواق السيارات، ومن كهنةٍ غاضبين
‎يكنسونَ امام كنائسهم ساعة الفجر، امامهم حاقنو إبر
‎يضطجعون ويهذون بين نسور جائعة ‫.‬‬‬‬‬
‎احبّ هذا كلّه ‫:‬ لا احدَ يستسلمُ لقدرهِ‬‬‬‬
‎ولا لأقاربهِ المسنّين‫.‬ من اجلهم ، لهم وحدهم ‬‬‬‬
‎اتكلمُ كما أريد ‫.‬ ‬‬‬‬
‫*‬‬‬‬‬

‎اذهبُ مشياً، وانا غاضبُ، إلى ساحة لمصارعة الثيران
‎لأشتم المصارعين ومساعديهم، الجمهور والثيران ايضاً
‎ادخلُ الساحة، أجدها خالية تماماً، لكني اسمعُ تصفيقاً
‎متواصلاً وهتافات بلغةٍ لا أفهمها، فاهربُ

*

‎وحدهم الندل في المطاعم والمقاهي
‎يعرفون قيمتي الشعرية، وهذا يبهجني

*

‎ينبغي أن تهاتف أعداءك، بين فترة واخرى
‎اذا احتجت مظلّة او نبيذاً عتيقاً من كنيسة

*

‎انا ملاذ هاربين من سجن، بحّارة غرقت سفنهم
‎وقطيع ذئاب تنتظرُ كل ليلة امام بيتي

*

‎اخرجُ من بيتي في الصباح الباكر ولا اعرفُ إلى أين، تلهمني نفسية الشعر. بعد دقائق اجدني عند المحيط،انه الوقت الملائم لشربي من مائه المالح . اشربُ ايضاً،بعد الظهيرة من جوز الهند وفي الليل من ينبوعٍ يتدفق، من إحدى قصائدي

‎اخرج من بيتي لا اعرفُ ، في كل الاوقات ، الى اين،روحي في عذاب: خانتني رياحُ بلدي القديم . ساعودُ،لانتقمَ منها قبل نهاية حياتي، وسانهيها هناك

‎اخرجُ من بيتي واعرفُ الى أين. اصلُ محطة قطار،ترى الهواء مازالَ ينتطر، ومنذ سنوات ،اتركهُ ينتظر . امضي حائراً ، البردُ يحيطني،وعلائمُ شيخوخةٍ مبكرة
*

شاهد أيضاً

عَارُ «السِّيرْ إدوارد فاريل»

محمود قرني * 1 السِّير “ إدوارد فاريل “ ما زال يشعرُ بالعار يدُه المرتعشة …