أخبار عاجلة

قصتان

صحوة

"لم تهب الخما سين بعد لأحقق نذرا قديما"

كنت أجالس حبيبي في حديقة عامة حين مر بنا مسن وأخذ يمسد على شعورنا.. ثم أوه.. لقد أخطأت معتقدا بأننا أحد أبنائه المفقودين..

تهرب فتاة صغيرة خجلا من منظرنا عاريين، تتساقط المواعين من على رأسها شيئا فشيئا، بينما كنا نغتسل من فلج قويتنا القديمة غير مبدلين بثلة مراهقين أمامنا يفرشون ألستنهم يلهطون التراب.

لن تنخفض حدة الازدحام في هذه الظهيرة، فالجوع قد شمر عن ساعديه فاغرافاه، لن يوقف صراخ العاملة الآسيوية في المحل سوى ركلة من سيدها.. من حذاء سيدها لتتوالى بعد ذلك قهقهات الزبائن.

تتبعنا الضحكات ذاتها ونحن نسير هادئين أمام بيت يتعالى منه صراخ وعويل.. إنه مأوى للمجذومين والمصابين بالسعار، نسرع الخطو.. نجري، نسابق الريح حين كانت القهقهات تقضم أظافرها بخيبة وخجل مصطنعين.

تظن أمي أنني في بيت جدتي وتظن جدتي أنني عند أمي..

"لم تهب الخماسين بعد لأخبرهما بالحقيقة".

 
ولهم حكايات

ربما سأنتحر الآن.. أمى الغائبة،، أبي الحاضر: ربما سأنتحر ربما بأقراص كثيرة، كثيرة، ألقيها في جوفي، لتراقص أمعائي ودمائي رقصة النشوة الأخيرة.

أيضا ربما سأقطعني أجزاء صغيرة ربما أتماسك ولا أخرج أنفاسا من أنغامي.. الآن.. ربما الآن.. الآن.

ودائما في ليلة صيف.. لأن هذه السنة حارة محرقة، ومع ارتفاع درجات الحرارة أثناء المساء، تصلني رسائل كثيرة لا تحوي سحبا ولا أنهارا.

غرف البيت كثيرة أيضا، في الصباح وفي عمق الليل.. ودائما الخنادق والملاجيء تنتشر هنا وهناك لكني اليوم والبارحة لم أجد مخبأ. لم أجد ساحة لم أجد ثغرا.

اليوم والبارحة كانت ملابسي مجتمعة تبكي حين سمعتني وأنا أعزم على الرحيل.. حتى لم أجد بيجامة واحدة للرحيل جميعها كانت مبللة.. وسريري.

أمي التي قالت أن الخياطة تنسيها أحزانها، وأن الخيوط الجديدة تنسج نفسها ببراعة،، وكل ما هو قديم يتهاوى تحت الابرة، أمي قالت أن أصبعها متشقق من أثر الوخز الدائم.. ذلك ما قالته أمي.. لكني كنت ضائعة.. فأمي لم تكن توجه كلامها لي.. بل لأختي الكبيرة.. أختي التي تخفي من الأسرار الجميلة في جعبتي ما يمكنه أن يجعل أمي تنسى اتجاهات الخيوط الجديدة والقديمة والابر والأطفال.. لكنني أصمت.. ودائما صامتة.

قلت لأختي- حين لم أقل لها بأنني لم أفش سرا واحدا لها، لكنها كانت تقهقه.. وفي شغل شاغل بعد أن ركنت كل ما تملكه وأعطتني إياه دون مقابل.. هي لم تقل ذلك، لكن أسرارها أخبرتني.

كل اخواتي انجبن أبناء كثرا، وحين أردت أنا أن أشتري فستانا قطنيا أصفر من محل كبير لابنتي الصغيرة التي ستأتي يوما ما.. كانت تنبت هناك نظرات كثيرة حولي.. نظرات غضب جم واستياء حاد… وفجأة قاسية.. أخذت أختي الفستان مني ورمته أرضا.. وقالت علي أن أتحل بالأدب في المرات القادمة.. هكذا قالت أختي وكل أخواتي، لكن أمي لم تقل شيئا.. وأنا بكيت.
 
مياسة الورس (قاصة من سلطنة عمان)  

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …