أخبار عاجلة

قصص قصيرة

الحلم
المطر يتساقط بغزارة, والريح تزمجر بعنف متحدية البشر للخروج, والصقيع ينشر جناحيه على كل الأشياء.. السيارة تلتهم الطريق التهاماً محاولة إبعاد الشعور بالبرد, وإذ بأشباح بشرية تسير على قارعة الطريق والإرهاق واضح في طريقة مشيتها.. لا شك أنهم من أولئك العاطلين عن الذين يأتون طلباً للعمل.. يا إلهي إنه جنون بشري في سبيل الحياة.. هكذا نحن نُلقي بالحياة في مهب الريح من أجل الحياة ذاتها.. الصقيع رهيب.. والموت رهيب.. لا شك أن الصقيع هو رسول الموت للخارجين من بيوتهم لأحضان الوحش الذي لا يرحم.. كيف أفكر بالصقيع والموت, وأنا هنا في سيارتي والدفء يلف بي.. لا شك أني حسّاس.. لم أكن أعلم بذلك سوى الآن !.. هذا أفضل على كل حال بالنسبة لي.. ولكن ماذا يهم أن أكون أو لا أكون, وهم هناك في الصقيع يعانون.. لا شك أن الأمر يحتاج إلى تقديم العون لهم.. آه لقد تذكرت, معي بعض الأرغفة وقطع الجبن, لا شك أنها قادرة على هزيمة الصقيع والموت أفضل مما تفعل مشاعري.. فالموت لا يهزمه سوى الخبز.. ما أجمل ذلك !! الموت يولي الأدبار أمام أرغفة الخبز.. هذا رائع .
توقفت السيارة.. فُتح الباب.. أخرج أرغفة الخبز وقطع الجبن ووضعها على قارعة الطريق, وتابع السير.. أتوا بكل السرعة التي يملكونها.. تجمعوا يتصارعون على الخبز.. يتصارعون كالحيوانات الجائعة, فجأة إذا بسيارة تسير بسرعة قادمة يبدو أن سائقها لا يتحكم فيها, وإذا بالأرغفة تتطاير في الفضاء, والجثث البشرية ممتدة أيديها, والرؤوس مملوءة بحلم قطعة خبز وجبن .
حــالــــة
ما بقى إلا القليل لتكتمل الدائرة, ولتطبق على طرفي علامة الاستفهام منهية ألم وطأة السؤال, ما عاد هناك من مفر, لابد من اكتمال الدائرة, فما فائدة الدائرة المفتوحة للريح والرمل سوى أنها مرتع خصب للأوساخ.. الدائرة المقفلة تمثل النقاء.. المقفل هو ما أبحث عنه.. المقفل هدوء, سلام, أمان.. أقفل باب حجرتي لعلي أظفر بالهدوء, أستلقي.. أغمض عيني.. أقفل نوافذهما.. أحدّق في نفسي.. أبصر أطيافاً مشوهة.. تأخذ في التراقص.. ألهث بحثاً عن معرفة تفاصيل ما أبصر.. عبث ما افعل, فما من مرة استطعت فيها الظفر بما يريح أعصابي المتعبة.. طرقٌ عنيف.. صياح.. الأطياف تتحول إلى شررة كهربائية تكسر النوافذ.. تهرب.. أفتح عيوني.. الطرق يثقب رأسي.. الصياح يأخذ بعنقي, يسحبني, يجرجرني, يفتح باب الغرفة.. ابتسامة كعلامة استفهام تصدم نظري.. صوت يثقب أذني.. يشدني.. يرفع يدي.. يفتح الباب يجلسني أمام الطعام, يأخذ الأكل ويضعه في فمي.. أصحو.. أندهش مما حدث لي.. أعود بسرعة أقفل الباب.. كيف المفر مما حدث ويحدث ؟ كيف أفر من قبضة حفنة نقود و أوهام ؟ كيف أفر بأحلامي وأنفاسي ؟ إنني أختنق.. تقول صديقتي « ليست مشكلة «.. لا.. إنها مشكلة أن أشعر مدى الحياة بأن العيون تشير إليّ, تنبذني, تركلني بإطباق الرمش دون ابتسامتي.. إنها مشكلة أن أتحمل أنفاس النقود والأوهام, وأتركها تجوس خلال جسدي وتتغلغل خانقة أنفاس حلمي الصغير, كابوس ما أشعر به.. آهٍ كم أتمنى أن ينقشع.. ما الفائدة ؟ ليس ثمة حل إلا عندما تكتمل الدائرة, وتطبق على هذا الكابوس ليهرب هذا الحلم إلى فضاءٍ رحبٍ أتنفس فيه بعمق بدل هذا الاختناق المزعج.. ما بقى إلا القليل وأركل الكرسي بقدمي والأوهام أوسمة على صدورهم الفارغة من الحلم.. اكتملت الدائرة.. ها أنا أفر بحلمي وأنفاسي.. انفلتت تنهيدة مكتومة وتدلى الجسد .

ثقــــــة
( 1 )
وضعت المرأة العجوز الورقة المطوية بحرصٍ وانتباه على الأرض.. قامت بحفر حفرة عميقة ثم ردمت الورقة, وتمتمت بكل ثقة ( هذا الحجاب كفيل بحماية محصولي من الخطر الداهم ) ؛ إنه حجاب الفقيه « منصور « الذي لا يمكن الشك في قدرته الخارقة.. نهضت والإحساس بالارتياح يلف جوانحها.

( 2 )
تجمعوا ليتشاورا حول الخطر الداهم لمحاصيلهم.. طرح كل واحدٍ منهم طريقة لمجابهة الخطر « اختلفوا «.. تصايحوا.. أمسك بعضهم بخناق بعض.. لم يصلوا في النهاية إلى حلٍ للمعضلة.. تفرقوا متفقين بأن ثمة خطراً داهماً لا شك بأنه سيحل بمحصولهم .

( 3 )
في اليوم التالي قضى الجراد على جميع محاصيل القرية, ما عدا محصول المرأة العجوز .


سمير الشويهدي *

شاهد أيضاً

ورش إبداعية تحت القصف

وجدي الأهدل * يولد الإنسان موهوباً بالفطرة، ولكن هذه الموهبة في حاجة إلى الصقل كالسيف …