أخبار عاجلة

قصص قصيرة

حمود سعود*

l صيّاد قُريات
صياد قريات يمسك بسمكة السرد التي تركها أحد أجداد بيسوا، تركها بعدما بدأ السأم يتغلغل إلى روحه، هذا الجدّ كان قائدا في الحملة البرتغالية التي تحدثت عنها كتب التاريح، هكذا قرر أن يعيش في قريات بعدما أكمل حصته من حفلات الدم في أهل قريات، وبعدها بدأ يسمع باسم ناصر بن مرشد، قال في نفسه: سأترك المكان لكي لا أعطي هذا القائد فرصة بأن يتلذذ بلحظة النصر، ولا أن تجرح رماح أحلامه دمي.
في الليل، ومن على قلعة الصيرة التي ساهم هذا الجد البرتغالي في بنائها، هرب في قارب صيد إلى حضرموت، تاركا خلفه سمكة السرد وقبر حبيبته، الحبيبة التي تعرف عليها في إحدى مدن الهند الساحلية في إحدى رحلاته إلى هناك لتفقد أحلام الكنيسة.
كتب التاريخ لم تذكر ماذا فعل القائد البرتغالي في حضرموت. لكن السمكة التي أمسكها الصياد في ساحل قريات سردت هذه الحكاية للصياد الذي نام في القارب، الذي وجد متحطما في سواحل اليمن.
l رصاصة في القلب
سيخرج عمّالُ مصانع الذخيرة والرصاص في السادسة مساءً في موسكو وبرلين ولندن وواشنطن وتل أبيب وفي كل عواصم الوهم والحداثة، سيذهب بعضهم إلى أطفاله، وبعضهم إلى عشيقاته، وبعضهم إلى الحانات، هم لا يتذكرون كم رصاصة ولدتْ في المصنع في ذلك اليوم، ولا أين ستنام صناديق الذخيرة؟
من كان في الحانة يحاول أن يطلق المزيد من النكات لينسى رائحة الرصاص، ومن ذهب إلى عشيقته يدفن تعبه في الأحضان الناعمة، ومن ذهب إلى أطفاله يحاول أن يقرأ لهم القصص التي تحكي عن السلام والحب.
ولكن هل حقا هم لا يتذكرون كم رصاصة ولدت في يومهم ذلك؟ تسافر الصناديق برا وبحرا وجوا، سرا وعلانية، إلى الموانئ والمطارات التي يديرها القتلة، وقبل أن ينام العمال الذين خرجوا في السادسة مساءً، يكون الرصاص في البنادق، وقبل أن يضع العّمال رؤوسهم في وسائد الليل، ستكون بعض الرصاصات قد اخترقت أرواح أطفال في صنعاء والحُديدة وفي دارفور وغزة وقندهار وحلب وبغداد وأوغندا، الليل يستر القاتل والقتيل.
السادسة صباحا، سيذهب العمال إلى مصانع الذخيرة وهم لا يعلمون عن أحلام القتلى، سيخرج المشيعون إلى مقابرهم. يفتح الحارس باب مصنع الذخيرة هناك، ويفتح الحارس باب المقبرة هنا. في اليوم التالي سيحتفل العمال الخارجون من مصانعهم بعيد العمال، ويحتفل القتلى بعيد الشهداء. لا العمال ولا الشهداء يتذكرون كيف خرجت الرصاصة من الأرض إلى القلب.
l جنازة فوق الجسر
هل ثلاث دقائق وخمس وثلاثون ثانية قادرة أن تختزل اللحظة السردية المكتنزة بالحلم، من إشارات وزارة الرياضة إلى جسر وادي عدي، أرى ما يراه الحالم، أرى جنازة عزان بن قيس تخرج من إشارات وزارة الرياضة، يتبعها جمع مختلف من البشر، أصحاب عمائم، حراس بيت الفلج، ضباط إنجليز متقاعدون من حروب طاحنة، هنود، ورائح توابل، إيرانيون يرددون أناشيدهم، برتغاليون يحملون الطين من روي إلى قلعة الجلالي، وخيانات. تتوقف الجنازة بالقرب من الإشارات جهة الغرب، تحت الأشجار، وفوق الأشجار حطت غربان وطيور مهاجرة، في الضفة الأخرى من الشارع كان مركز الشرطة يراقب المشهد باستغراب، وفي الدقائق التي استراحت فيها الجنازة والمشيعون، خرج جمع من البشر من كنائس ومعابد روي من الجهة الغربية، لم يعرفوا من الميت وإلى أين تتجه الجنازة لكنهم تبعوا الجنازة لأن رائحة الموت وحّدتهم.
يحدّق المشيعون في وجوه المصلين الخارجين من كنائسهم ومعابدهم، يتبع الكل الجنازة، عبرت الجنازة إلى الشارع، توقفت السيارات تحت الأشجار، عمّال تحت دوّار الأوكيسنتر كانوا يأخذون قيلولتهم، تركوا غفوتهم وتبعوا الجنازة التي لا يعلمون من تحمل في الطارقة الخشبية.
في وسط دوّار الحمرية عاملٌ يحاول أن يلتقط صورة لنفسه مع الورد الذي زرعته البلدية، عبور الجنازة والمشيعين أفسدت الصورة التي كان ينوي إرسالها إلى خطيبته في كيرلا.
الجنازة والطارقة والمشيعون يمضون إلى جسر وادي عدي، حيث يقف حارس مسقط فوق الجسر ببندقيته، المرضى في مستشفى النهضة شدّهم المشهد، خرجوا من غرفهم، بعضهم خرج بالأجهزة الطبية، وتجمهروا أمام بوابة المستشفى ليشاهدوا الجنازة، لا أحد يعلم من بداخل التابوت.
طلب حارس بوابة مسقط من المشيعين فتح التابوت، ليتأكد بأن الرجل الميت هو عزان بن قيس وليس شخصا آخر، الكل يريد أن يفتح التابوت، الضابط الإنجليزي هو من فتح التابوت، ولم يجدوا أحدا داخله، الكل يقف فوق الجسر مندهشا، أين ذهبت جثة عزان بن قيس؟
الكلُّ يتهم الكل، همسات من هنا وهناك تتهم البرتغاليين بتهريب الجثة مع الطين إلى القلعة، والبعض اتهم المصلين الخارجين من كنائسهم ومعابدهم بسرقة الجثة.
l ظلال
في الجدار رأيت ظلّ إنسان، لا أعرف اسمه ولا شكله، رأيت في الظل يد الرجل تحرّك الشاشة فيتحرك الكلام والذكريات والصور والأحلام، من رأس الرجل خرج دخان كثيف، احترق الكلام الذي كان يمشي في الشاشة التي يمسكها الظلّ واليد. بعدها وقف طائر صغير على الجدار، نظر إلى الشاشة والظل. سقطت الشاشة من يد الإنسان الظل. من رأس الإنسان نبتت شجرة، طار الطائر من الجدار إلى الشجرة التي نبتت في رأس الإنسان الظل. لم أشاهد الإنسان، الحاجز الزجاجي فصل عني الظل والأصوات التي كانت تحدث في الجدار.

شاهد أيضاً

فـي الطريق

محمد الشارخ * لا يوجد على الإطلاق ما يدعو لتذكره… منذ أكثر من عشرين عاماً …