أخبار عاجلة

قصص

الى القاريء

أسماني صاحبي "الهامة".

وصار يكتب الاسم كثيرا في أوراقه، حتى ظننت أن روايته ستكون عني.

لن أطيل، فأنا تلك الكلمات التي تظهر عادة في البداية بصيغ مختلفة لتؤكد كلها "إن كل ما في العمل لا يمت للواقع بصلة، وأي تشابه فهو محض مصادفة أو من وحي الخيال".

قد يتغير موقعي، وقد تتغير الكلمات، لكنني في النهاية أؤدي مهمتي بكل معانيها: إفهام القاريء عكس ما أريد، وجعل صاحبي يعمل حتى النهاية، وابعاده عن المساءلة والتحقيقات.

أوجد أنا ليعبرني الجميع سريعا أو يطووا صفحتي ربما دون نظر.

إن صدقت ظاهري فهذا يعني أنك وقعت في الفخ، وان كذبتني فأنت متواطيء مع صاحبي وكلاكما يكذب.

ممثل يؤدي نفس الدور في كل مرة وان اختلفت ملابسه وتعددت المسارح التي يتبدل فيها. لكن بماذا أنطق إذا خرجت عن النص، وهجرت كل المسارح التي أدفع اليها لأصبح في مكاني الذي أختاره وأستعيد صوتي الذي لا أعرفه ولم أسمعه من قبل لكنه ظل حلما لم يكل عن التشبث بي.

صاحبي يلازمني أو يقاربني منذ فترة ويضغط على حروف بسن القلم، ويفكر: أأصبح وسيلة لفك عقدة لسانه ؟ ينظر الي، الى من أختاره ليروي حكايته ويكتب:

"أي راو هذا الذي اخترته وأسلمته دفة الحكي؟ راو كلما تقدم في حكيه يفتح أمامي أبوابا جديدة لم أفكر فيها أو ترددت كثيرا في فتحها. راو بدلا من أن يكون أداة طيعة في يدي أصبح هذه الأداة التي ملت دورها كوسيلة، وأرادت أن تحيا وتتحرك وتتنفس وتلعب وتغير وتبدل وتشطب وتجعلني مصفيا لحكاياتي وقد صارت في حوزة من يريد أن يعيش كما لم يعش من قبل، لحما لم ينطق ولم يوجد من قبل ".

ربما لن تصدق ما أقوله، بما أنني أنفي أية صلة لي بالواقع وبالحقيقة. وربما في رحلتي الى صوتي – الحلم، سأخطيء وأتوهم وأتخيل وقد أكذب، لكنك على الأقل في النهاية ستكون قد سمعتني ولم تسمع صدى صوت ليس لي.
أوراق

يحكى – ولا أعرف العهدة على من – أنهم حينما شرعوا في حفر الأرض لاقامة هذا البناء، ظلوا يعثرون على أوراق مدون فيها أيامه القادمة، وانهمكوا في قراءتها مهملين ما يجب عليهم من أعمال.

وما إن فرغوا حتى أسرعوا ليتموا البناء ويقدروا على مشاهدة ما قرأوه، وربما ليصححوا ما سيخالف النص، أو يكملوا ما يجدونه ناقصا.

يحكى – ليس لي أو لكم – حتى أضيئت القاعة وبدأ الجميع في الانصراف صامتين.
الوصاف

لا أعرف أول من أشاد بقدرتي على الوصف.

ما أعرفه هو دهشتي كلما تكررت تلك الاشادة وكأنها ليست لي، بل لأحد آخر، بارع في وصف ما يرى، أحد آخر يخطئونه دائما ويعتقدونني هو. حتى قاربت في وقت من الأوقات على تصديقهم، وافتعال تلك المقدرة والحذر من أن أخيب ظنهم أو أجعلهم يشكون أنني افتقدتها.

"أوصف لهم اللي حصل "

جملة سمعتها كثيرا، وتقال ممن يرغب في أن يلم السامعون بكل ما حدث، ويردد أثناء كلامي: "بالضبط. هوه كده سليم". ويقاطعني ليحثني على إظهار أهم ما في

"قل لهم يعني شكلها- شكله – كان ازاي"

عندها أصبح من يخطئونه وأبدأ في تمثله وتذكر ماذا كان سيقول لو كان هنا، وأجدني وكأنني صرت جالسا بين السامعين أصغي لهذا البارع في الوصف، وأتمنى لو أكونه وأنطق بـ "بالضبط هو كده ".
بشكل عابر

رفض كل النصائح التي قدمها له الأصدقاء، والتي أظهروا أثناء بوحهم بها كل مشاعر الخوف عليه والرغبة في أن يكون أحسن وأفضل، ولم ينتبهوا – ولهم الحق في ذلك – أن كل هذه المشاعر هي السبب في رفضه، وعدم اقتناعه بأية منها، ربما لو قالوها بشكل عابر أثناء حديثهم عن انسان آخر، لو قالوها بكلمات مناغمة في بعضها بعضا حتى تكاد الا تفهم، لو قالوها بشكل يشعره أنها خرجت عفوية دون قصد، دون رغبة في أن يسمعها لو قالوها هكذا – ربما – كان تفهمها واقتنع بها، بل ونفذها في الآن نفسه.

المهم رفض كل النصائح، وأبعد عنه أية نصيحة تنبعث من داخله ويظنها متماسة مع نصائح سمعها من قبل أو قد يسمعها. وصار ينتظر "جملة" تجذبه اليها فجأة بدون موعد أو توقع. جملة كلماتها تبحث عنه في الأماكن التي لا يرتادها إلا نادرا.
غياب

متمليا في الرقعة الخشبية ظل زمنا، يحاول استعادة خلق أتاه دون وعد بالمكوث.

تراصت القطع في غير انتظام بأحجامها التي لم يشذبها ويغمرها ضوء لم يحاول أن يبحث عن مصدره.

لم يقدر على كتابة أصول اللعبة في لحظات تكشفه لها. مأخوذا كان ليس برحابة ما تطويه من أحلام بل بحصائر من سيلعبونها.

في جلسته هذه التي طالت – وستطول – تتبع الأيدي محركة البيادق والأحصنة والفيلة والملوك والوزراء وطالما ترقب النهايات دون أن يدركها.

ينغمس كل هذا في الغياب، ويعود هو محاولا استعادة قدرته على تحريك تلك القطع، وقدرته على أن يكون مثل من سيأتون ويرثون عنه لعبته، قدرته على أن يدحض النسيان بامتلاك مفاتيح ما. يسمعهم في وقت سيأتي يرددون الاسم، ويجد نفسه ينتظر دوره في المنازلة دون أن يكشف لهم عن جهله بما يجب فعله.
سماء

وظل هذا القفص الصغير منزويا في ركنه، وأسلاكه متداخله تقطعت وبدت فرجات تتسع مع مرور الزمن.

وهم من حوله دائبو الحركة، يستخلصون النافع مما كوم في الشرفة، ويخرجون الباقي للبيع. منذ متى، وهم يفكرون في إخلاء البيت من تلك الأكوام التي تمتد أسفلها طبقات تراب تكثف عند التقاء الأرض بالحائط، وتتوزع فوقها قصاصات ورق وأقمشة وبقايا خيوط قد تعلق بما يطوها. اقترب من القفص وصاح فيهم أن يعيدوه الى مكانه أو يضعوه في غرفته. لم يمر وقت طويل وظل هذا القفص منزويا في ركنه وأسلاكه المتداخلة تقطعت وبدت…

بينما هو باق يذود عنه وعن طيور لم تزل.
 
 
منتصر القفاش (قاص من مصر)

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …