أخبار عاجلة

قـراءة فـي «سيميائيات النص الشفاهي فـي عمان»

نسعى في هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية لكتاب «سيميائيات النص الشفاهي في عمان(1)» للمؤلفة عائشة الدرمكي، من منظور معرفي، يتوسل خطاب نقد النقد. يتحدد موضوع القراءة في استكشاف استراتيجية الممارسة السيميائية في الكتاب. ما طبيعة المتن الذي يحدد الموضوع السيميائي ؟ ما هي الرؤية المعرفية/ الفكرية التي تحكم تصور الباحثة للثقافة الشعبية؟ وما هي الاستبدالات المعرفية الجديدة التي يؤشر عليها الكتاب في سياق تطور الممارسة السيميائية العربية؟
نحو سيميائيات موسعة
يبدو جليا تميز الممارسة السيميائية لدى المؤلفة في كتاب «سيميائيات النص الشفاهي في عمان» بتعدد المتن المستهدف، الذي يتكون من خطابات متنوعة، لفظية وغير لفظية، لسانية وغير لسانية، بل يتوسع ليشمل ممارسات اجتماعية دالة، تنتجها التجربة الإنسانية مثل ظاهرة الاحتفالات الشعبية، وفن النيروز وظاهرة الأزياء والملابس وفنون الأداء والموسيقى». وبناء عليه فإن هذا الكتاب سيعنى بدراسة نماذج من نصوص الأدب الشفاهي في عمان، انطلاقا من قدرة تلك النصوص على البقاء، وهو ما يأخذ شكلا شفاهيا كالحكاية أو الفن أو السلوك المعتقدي القائم على التواصل والفعل المنطلق والمتأسس من التخيل القصصي.(2)
هذا الامتداد للمتن من مجال اللغة اللساني إلى مجال الثقافة السيميائي (الممارسات الاجتماعية الدالة) يحقق في نظري أربعة أهداف:
– أولا توسيع الموضوع السيميائي دون اعتبار للسنن الذي يوظفه الخطاب (اللغة، الصورة، اللون، الحركة، اللمس…) ولأشكال تجليه الخطابي (قصة، أسطورة ، حكاية شعبية، فن النيروز..). فما يهم المؤلفة من منظور سيميائي هو تحليل دلالة الظواهر السيميائية، بغض النظر عن تنوع أشكال تعبيرها. وما يفسر هذا التحيز للدلالة على حساب شكل التعبير، هو أن السيميائيات كمنهج للتحليل تصدر عن تصور كلي للدلالة. «تفترض سيميائيات مدرسة باريس وجود بنيات كونيةUniversal تكمن خلف المعاني وتحكم إنتاجها… ولهذه السيميائيات هدف واسع، حيث تسعى إلى استكشاف توليد generation الدلالة، أي دلالة. ليس فقط دلالة الخطاب المكتوب، بل الدلالة في كل مظاهرها، وفي مداها الكامل. وبهذا التصور، تشمل السيميائيات كل حقول وأنظمة الدلالة، مثل الممارسات الاجتماعية والعمليات الدالة، وتنظر للنص، كيفما كان نوعه ، كوحدة مستقلة. وهو متماسك داخليا.(3)»
– ثانيا تجاوز الحدود الفاصلة بين ما هو لساني وغير لساني، خاصة وأن بعض العلامات تتميز بطبيعتها عبر اللسانية المتداخلة. فاللباس- مثلا – باعتباره علامة، كما تؤكد المؤلفة استنادا إلى سيميائيات «بارث»، لا يمكن إدراك نسقيتها إلا وفق سنن متداخل. «فهو يعتقد (بارث) أن إدراك النسقية السيميائية للملابس يعتمد الوعي بخصوصية تمظهراتها، فبين مظهرها المكتوب (الوصف اللساني للباس)، ومظهرها التقني ( اللباس الواقعي)، أو الأيقوني (اللباس المصور)، تتولى المحولات وصل هذه المظاهر المتباينة، وتقديم صورة لهذا النسق عبر التحول من مظهر لآخر، إذ تأخذ هذه المحولات تارة شكل تصميم أنموذجي يسمح بتحويل اللباس الواقعي إلى لباس مكتوب، أو شكل (عائدات) تحيل متعلم الخياطة مثلا إلى الانتقال من اللباس المكتوب إلى اللباس المصور(4).»
ثالثا، تجاوز الحدود المعيارية الفاصلة بين ما هو أدبي وغير أدبي، وبين ما هو ثقافي وشعبي. «لقد كان الدارسون إلى عهد قريب يحصرون اهتمامهم في الأثر الأدبي ليتبينوا خصائصه البيانية من حيث اللفظ والمعنى، ثم أدركوا أن هذه النظرة قاصرة، وأنه لا سبيل لفهم هذه الآثار الأدبية فهما صحيحا والحكم عليها حكما سليما يقدر ما لها وما عليها، إلا إذا وصلوه بالبيئة المادية والاجتماعية التي ولد فيها وترعرع في كنفها. والآثار الأدبية مثل سائر الآثار الإنسانية ، بل مثل سائر آثار الحياة الطبيعية، تتفاعل مع بيئتها فتتأثر بها وتؤثر فيها، ولذلك قيل أن الأدب الشعبي أدل على بيئته من أدب الخواص وأشباه الخواص.(5)»
– رابعا، توسيع ميادين التحليل السيميائي خارج الحقل الجامعي الأكاديمي المتخصص، لينفتح على الحقل الاجتماعي الثقافي وعلى حقل الممارسة اليومية والحيز العام. فالمتن المستهدف في الكتاب لا يقتصر على الخطاب المكتوب، كما لا يقتصر على الخطاب الأدبي، وإنما يتشعب لينفتح على ممارسات اجتماعية دالة خاصة بثقافة محددة، تعكس أنماط عيشها وسمات أنساقها الثقافية.
من زاوية تصنيفية، يمكن أن نميز في هذا المتن بين خطابات أدبية وفكرية ( الحكاية الشعبية، القصة، الخطاب الأسطوري) وأنماط من الممارسات الاجتماعية والثقافية الدالة (عيد النيروز، الموسيقى، اللباس، الألوان..). بهذا الامتداد في حقل الموضوع، تورط الباحثة الفعل السيميائي في كل شيء حامل لمعنى في إطار ثقافة معينة، لتثبت شمولية المقاربة السيميائية، وعدم اقتصارها على النص الأدبي وخطابات الثقافة العالمة. هذا ما تؤكد عليه السيميائيات التي تنطلق من رؤية كلية وشمولية في تصورها لمفهوم الدلالة. ولذلك تتحدد سيميائيات الدلالة كنظرية لكل اللغات وكل أنساق الدلالة . وبهذا التصور الكلي، تحتوي الدلالة السيميائية كل حقول وأنظمة الدلالة في اللغة والفعل والحياة.
تجاوز المعيارية:
تكمن أهمية توسيع ميادين الفعل السيميائي في نظري، كما يتجسد في كتاب «سيميائيات النص الشفاهي في عمان»، في كون هذا التوسيع الثقافي يمثل اختبارا للنظرية السيميائية، لأنه يضعها على مستوى الممارسة في مواجهة إرغامات المتن السياقية والثقافية، بحيث يجد السيميائي نفسه مدعوا للتفكير في كيفية مواجهة الغرابة الثقافية للنص المستهدف. لا يمكن تجاوز هذه العتبة الثقافية ، إلا بالتعامل مع المنهج السيميائي برؤية نقدية، تستحضر ما يطرحه النص من «بنيات محلية» تخص شعريته اللسانية والثقافية ، في جدل السياق والنص.
نعرف أيضا أن مجالات تطبيق السيميائيات في العالم العربي في سياق التكون، تأسست تصوراتها النظرية والابستمولوجية على متون النص الأدبي، منطلقة من داخل السياق الأكاديمي الجامعي. أشير في هذا الإطار إلى كتاب رائد ومؤسس للباحث محمد مفتاح «سيمياء الشعر القديم». ثم توالت الأبحاث السيميائية العربية مركزة على الأجناس والخطابات الأدبية (الرواية، الشعر، القصة)، وأذكر هنا على سبيل المثال أعمال الباحثين عبد اللطيف محفوظ، سعيد بنكراد، عبد المجيد النوسي، عبد الرحيم جيران..
ما يوحد الممارسة السيميائية في هذه الأبحاث المؤسسة، هو أنها حصرت ميدان تطبيق التحليل السيميائي في مجال محدد من الثقافة هو مجال الثقافة العالمة، اي الأدب الرفيع المعتمد من المؤسسة الأدبية. من هذه الزاوية أرى اقتحام التحليل السيميائي في السياق العربي لموضوعات ونصوص الثقافة الشعبية، يمثل مرحلة جديدة في التطبيقات السيميائية العربية. ويكتسب كتاب «سيميائيات النص الشفاهي»ميزته التحليلية من انخراطه في هذا الميدان الجديد للسيميائيات الثقافية. أقصد ميدان الثقافة الشعبية. وهذا يشكل توسيعا للموضوع السيميائي ولميادين التطبيق السيميائي داخل الحقل الاجتماعي والثقافي للفنون الشعبية.
لقد ظلت العلاقات بين التخصصات الأكاديمية والثقافة الشعبية متوترة، بحيث عانت الثقافة الشعبية مما يمكن تسميته «العجرفة الأكاديمية»(6)، ويعود سبب ذلك إلى تقسيم هرمي يعتبر العمل الأكاديمي حقلا معرفيا متخصصا ، وأن الثقافة الشعبية ميدان إنتاج رخيص لا يرقى إلى مستوى القيمة الأدبية الرفيعة، وبالتالي لا يستحق أن ينال علامة الاعتماد الأدبي.
إذا كانت الثقافة العليا تأسست على فكرة المعيارية، متمثلة في ترسيخ فكرة «تميز العمل (الفني أو الأدبي) وعبقرية أعظم منتجيه(7)»، فإن تحيز كتاب «سيميائيات النص الشفاهي في عمان»لفنون الثقافة الشعبية، يتفق بشكل وثيق مع فكرة «نقد المعيارية»في الدراسات الثقافية، «التي تفيد بما يلي: المعيارية هي عبارة عن مجموعة من النصوص، والأعمال الفنية،…إلخ، التي ينظر إليها تقليديا على أنها تمثل أرقى منجزات الثقافة، والتي غالبا ما تجري مناقشتها ونشرها على أنها كذلك ضمن المؤسسات الثقافية والتربوية ذات المكانة الرفيعة. لكن الثقافة المنتظمة حول أعمال معيارية منتقاة بعناية غير قادرة على أن تضفي قيمة كاملة إلى ما يقع خارج المعيارية. فالمسألة ببساطة ، هي أن التدريب والمعايير والمواقف، التي تتضمنها، تشكل ثقافة الطبقات المتوسطة(8).»في هذا السياق النظري تكمن أهمية كتاب «سميائيات النص الشفاهي»في كونه يتجاوز هذه المعيارية الأكاديمية، ويعيد الاعتبار لفنون الثقافة الشعبية، حين يكشف دورها الإبداعي ، حتى ضمن التقليد، ويكشف وظيفتها الرمزية «في التعاطي مع المقولات الدلالية والأبعاد الأنثروبولوجية للإنسان (9)».
إن الثقافة الشعبية كما بينت بعض الدراسات الاجتماعية والثقافية، ارتكزت في تكونها على السخرية والاحتفالات والطقوس في مواجهة ثقافة نخبوية أرستقراطية(10)، وكما وضحت الباحثة بالتحليل، الفنون الشعبية وإن كانت تتميز بطابعها المحافظ، فإن زمنيتها الخاصة الاحتفالية تسمح ببعض الحرية في التحرر من التقليد، بوساطة عمليات التعديل والإضافة والحذف التي تلحق الأصل (التقليد) في زمنية العرض الفني. «وإذا كان الأرشيف شكلا من أشكال النسيان، يعمد إليه المجتمع لإتاحة الفرصة أمام الجديد من المعارف والأفكار ليشغل مكانه، فإن ذلك يقع أيضا بالنسبة للموروث الشفاهي ولكن بصيغة فيها إبداع وابتكار. وذلك عن طريق إمكانيات الحافظ والراوي في إعادة إنتاج المحفوظ بتجديده، بالإضافة أو النقص أو التعديل…وهو تقليد اقرب إلى التجديد، بل إن التقليد الحقيقي والمحافظة هي في عمقها ليست إلا تجديدا وابتكارا، إذ لا قديم يستطيع الاستمرار، دون فعل التجديد فيه وإعادة الإنتاج لمواده وعناصره ومقوماته ، وهو الأمر الذي تسمح به الذاكرة والحفظ والرواية الشفاهية، ولا يسمح به المكتوب إلا عن طريق التأويل.(11)».
تبرز المؤلفة مظاهر التجديد التي تلحق اللباس التقليدي بوصفه علامة سيميائية، فتكشف عملية التعديلات الأدائية التي تلحق بنيته الأصلية في زمن العرض الفني، بوساطة عمليات الإضافة والحذف والتعديل. «فاللباس الذي يرتدى في الفنون عامة هو لباس يحمل طابع المجتمع من حيث كونه معروفا ومتفقا عليه مسبقا، إلا أنه سيحمل طابعا خاصا، إذا ما لبس في الفن من حيث أنه ستجرى عليه تعديلات أو إضافات أو حذف لأحد عناصره، ليبدأ في تشكيل ترميزات جديدة لم تكن موجودة من قبل، فإذا نظرنا إلى اللباس في (فن الرزحة) على سبيل المثال، فإن الزي الذي يرتديه المؤدون هو نفسه الذي يلبسونه في الحياة العامة ، إلا أنهم يضيفون إليه أدوات ملبسية من أنواع من العصي أو الأسلحة القديمة ذات الطابع العسكري الذي يحيل الجسد من ناحية، والدلالة من ناحية أخرى إلى فضاءات مختلفة، والقول نفسه يقال في (فن المدار)، مثلا كونه فن تشترك فيه النساء(12).»
هذه الرؤية المعرفية المتحررة من المعيارية الأكاديمية، هي التي تفسر اعتبار الباحثة للفنون الشعبية فنونا منتجة لدلالات جديدة، لا تخلو من روح التجديد والإبداع. إنها فنون رمزية «فهي ليست تقليدا جامدا للطبيعة، وإنما هي تحوير لها.(13)». إن تفصيل اللباس الأنثوي المتوارث مثلا، يخضع لسلطة الرقابة المجتمعية، بحيث يفرض أن يكون ممتدا ويغطي كل جسد المرأة، لكنه عندما يغادر الزمن الاجتماعي، وينتقل إلى المشهد الاحتفالي الفني، يخضع لزمنية الأداء والعرض، التي تفرض على تصميمه وارتدائه تعديلات تلائم العرض الفني. ففي فن «الحمبورة»، يخضع لباس النساء المؤديات من الناحية البصرية لتعديل يناسب حركة الأداء، بحيث تستطيع المرأة المؤدية الحركة دون عائق ملبسي قد يتسبب في فشل الأداء أو إحباطه. «فنجد أنهن يعمدن إلى ارتداء الملابس الفضفاضة أو الطويلة من ناحية، ثم يحتلن عليها ببعض الربط أو الطي حتى يسهل عليهن الحركة.(14) «هكذا، نستنتج أن الفنون الشعبية تتيح للجسد أن يتحرر ولو جزئيا من السلطة، بفعل شعرية الاحتيال الفني التي تتيح إجراء تعديلات على اللباس التقليدي، من أجل إتاحة حركة سلسة للجسد الأنثوي. وهذه التعديلات التي تفرضها شعرية الاحتيال «قد لا تحتفي بالجماليات من حيث طريقة الربط أو الطي، إلا أنها ستنقل الملبس من شكل إلى آخر من الناحية البصرية، وهذا الشكل الجديد سيحيل إلى دلالات جديدة.(15)»
لا يتعلق الأمر بتعديلات تقنية يستلزمها الأداء الفني فقط، بل إن تأويل هذه الدلالات الجديدة المنبثقة في صيرورة الأداء الفني، يكشف أن العرض الفني يفرض تعليقا مؤقتا للسلطة الأبوية التي تميز المجتمعات المحافظة، حيث يفرض قلبا في أدوار الرجل والمرأة المنمطة اجتماعيا، يسمح للمرأة في المشهد الاحتفالي للفنون الشعبية أن تتصدر الموكب الاحتفالي. كما أن بعض الفنون تتركز المكونات الأدائية فيها حول التشديد على رمزية المرأة. ففي «فن الشوباني» بمحافظة ظفار، الذي تشارك فيه الفتيات الصغار بالأداء الحركي، وهن يرتدين الملابس الجديدة الفاخرة والحلي، بينما يرتدي الرجال ملابسهم الاعتيادية، تشكل «العلامات الملبسية هنا شفرات ثقافية تقدم إطارا من الدلالة الضمنية تنتظم في تقابلات بين علامات ذات بعد تعييني براق من الناحية الجمالية المتمثل في ملابس الفتيات، وعلامات ذات بعد تعييني خافت متمثل في ملابس الرجال. هذه التقابلات تشكل دلالات ضمنية في رمزية الفتاة بوصفها ذاتا مشاركة في إنتاج العلامة (الفن) ورمزية الملابس التي تحيل إلى الفرح والغبطة وسط اعتيادية الحياة التي تحيل إليها ملابس الرجال(16)»
إن أهمية هذا التوسيع للموضوع السيميائي في الحقل الاجتماعي والثقافي الذي تغمره العلامات سواء باعتبارها سننا للدلالة أو التواصل، وما يترتب عليه من امتدادات اجتماعية للسيميائيات في حقل التجربة الإنسانية الممتدة، تتمثل في أنه يورط الفعل السيميائي في الأسئلة الشائكة التي تطرحها الثقافة، أسئلة التعددية الثقافية والهوية والتراث والجسد والتمثيلات والغيرية. وفي هذا السياق يمكن للسيميائيات أن تقدم حلولا معرفية لمجموعة من الأسئلة الاجتماعية والثقافية من المنظور الابستيمولوجي. وعبر المدخل المعرفي يمكن للسيميائيات أن تساهم في التشييد الاجتماعي للأنساق المعرفية والثقافية.
من النظرية إلى النص
إن اختيار منهج ليس مجرد لعبة تقنية أو إجرائية، بل هو مسألة استراتيجية تتعلق بالاختيارات الفكرية والتحيزات الاجتماعية للذات، لذلك نرى أن توظيف الباحثة عائشة الدرمكي للمنهج السيميائي في مقاربة نصوص من الثقافة الشعبية العمانية الموروثة، هو اختيار فكري قصدي يعكس تحيزا معرفيا وفكريا للحداثة.
تؤكد الباحثة بهذا الاختيار لمنهج حديث يتميز بالصرامة العلمية في مقاربة نصوص تنتمي للموروث الشعبي، على ضرورة تجديد الرؤية للتراث الشفهي، وذلك بتجديد أدوات التحليل و تعديل منظورات التأويل. تبدو أهمية تطبيق المنهج السيميائي في ميدان الثقافة الشعبية ، في تحويلها إلى علامات دالة، لا ينظر إليها من زاوية وظيفتها النفعية، ولكن باعتبارها مستودع توليد دلالات رمزية ، تمنح معنى لوجود الإنسان. «وحينها فقط تتخلص الأشياء من بعدها الوظيفي، لكي تصبح خزانا لكمية هائلة من المعاني التي تشير، خارج وظيفة التعيين أو ضدا عليها، إلى مواقع متنوعة داخل الامتدادات الرمزية اللامتناهية للكائن البشري في كل ما يحيط به. وذلك هو الحد الفاصل بين «الوظيفة»و»المعنى»داخل ما يؤثث الوجود الإنساني، اي ما يميز النفعي المباشر وبين التحديدات الرمزية اللاحقة(17).»
وهنا لابد من التنويه بالجهد النظري الكبير، الذي قدمته الباحثة، المنفتح على نظريات ونماذج لسانية وسيميائية وتأويلية متعددة، من أجل استكشاف دلالات الفنون الشعبية في تمظهراتها المتعددة بالثقافة العمانية الشفاهية. إنه يمنح القارئ غير المتخصص مداخل معرفية متعددة: سيميائيات الدلالة، سيميائيات التواصل، سيميائيات الثقافة، سيميائيات بورس، سيميائيات القراءة عند أمبرتو إيكو، والنظريات اللسانية الحديثة، ونظرية الرمز عند كاسرر… وتفسر الباحثة هذا الاختلاف والتعدد في مناهج ونظريات تحليل النص الشعبي باختلاف رؤى الدارسين ومرجعياتهم النظرية والفلسفية واللسانية.»وعليه فإن استراتيجيات التحليل والتأويل القرائي للنص الشعبي عامة تختلف باختلاف رؤى الباحثين ومدارسهم النقدية واللغوية، واختلاف هذه المنهجيات يتيح اختلافا في علاقات القراءة بالتراث والذاكرة. وعليه فإن القراءة المنهجية هي المرجع عند الحاجة إلى الاحتكام أو إلى تحديد مناط الاختلاف في القراءة والتأويل18.»
غير أن ما يجدر التأكيد عليه هنا هو طبيعة الفعل النظري في كتاب المؤلفة. إنه لا يوظف بغرض التنظير وبناء خطاطات تجريدية عامة وقواعد كلية، ولكن بهدف خدمة التحليل والإجراء التطبيقي. يؤدي وظيفة براجماتية، تتحدد في رسم الإطار المنهجي للموضوع المستهدف، من زاوية تحديد منهج المقاربة وأدوات التحليل. وهذا يعطينا فكرة عن المسار الذي قطعته السيميائيات في العالم العربي.
(البقية بموقع المجلة على الانترنت)

إذا كانت مرحلة البدايات في الثمانينيات التي يمكن وسمها بمرحلة النظرية وبناء النسق، تميزت بالتنظير للسيميائيات في النقد العربي، والتأصيل النظري لنماذجها النظرية ومفاهيمها ومرجعياتها المعرفية، تبدو الممارسات السيميائية العربية في الوقت الحاضر، منشغلة بفكرة التطبيقات النوعية للنصوص وتحليلها واستنطاقها، أكثر من الاهتمام بهدف التنظير. وكتاب الدكتورة عائشة الدرمكي يعكس هذا التحول في المسار السيميائي العربي من النظرية إلى النص، ومن النموذج إلى القراءة التي تستنطق النصوص. وهذا ما يوضح أن مسار السيميائيات في العالم العربي دينامي وفي تحول مستمر، ويغتني بالتجارب العربية المتعددة.
إن هذا التحول في الاستراتيجيات الخطابية للسيميائيات في السياق العربي من فعل التنظير وبناء النسق، إلى فعل التطبيق وقراءة النصوص، يعكس تحولا في الممارسة السيميائية ووعيها النظري. بعد أن كان النص يحضر في مرحلة التنظير كوسيلة للبرهنة على وجاهة وصلاحية النظرية وعلمية التحليل، وهذا ما يفسر إعطاء المركزية لبناء النظرية على النص، أصبح النص في التطبيقات الحالية هو المستهدف، بغاية فهم خصوصيته وكشف شروط إنتاج معناه في ضوء السياقات الثقافية المختلفة، لا بغاية البرهنة على صلاحية النموذج.

على سبيل التركيب:
قدمت الباحثة عائشة الدرمكي في كتاب «سيميائيات النص الشفاهي في عمان»تطبيقات سيميائية وقراءات تأويلية لنصوص شعبية متعددة تنتمي للتراث الشفاهي في عمان. لم تهدف من هذه القراءات إلى الحكم الإيديولوجي عليها أو إخضاعها لمحاكمة أكاديمية نخبوية، بل إلى استكشاف الدلالات والترميزات التي يستبطنها النص الشفاهي في بنيته الدلالية العميقة، ولذلك اهتمت بدلالة هذه النصوص من وجهة نظر سيميائية، باعتبارها أنساقا دالة تشتغل بوصفها علامات منتجة لدلالات قابلة للتأويل، وليست مجرد أنساق محافظة، متوارثة من جيل إلى آخر، ومن ذاكرة إلى أخرى.
وفي ختام هذه الدراسة يمكن أن نوجز أهم الخلاصات التي انتهت إليها قراءتنا النقدية فيما يلي:
– إن تطبيق السيميائيات في مقاربة موضوعات الثقافة الشعبية ، وكما يستنتج من تطبيقات المؤلفة على نماذج من الموروث الشفهي العماني، يقودنا إلى تجاوز الرؤية الاستعمالية النفعية للثقافة الشعبية التي لا ترى فيها سوى استثمار نفعي. على النقيض من ذلك، تقدم السيميائيات بديلا معرفيا للرؤية الفلكلورية النفعية، يتمثل في اعتبار موضوعات الثقافة الشعبية استثمارا دلاليا يؤنسن الوجود الإنساني بالدلالات الرمزية. إن «العالم الطبيعي الخالي من اي استثمار دلالي، لا يمكن أن يتأنسن إلا من خلال تحويل الأشياء إلى علامات.19»
-تجاوز الغطرسة الأكاديمية ونقد نزعتها المعيارية التي تقسم الثقافة إلى ثقافة عليا وثقافة دنيا على أساس تراتبي، يعزز علاقات الهيمنة الاجتماعية. «مثل تلك النتائج لا تكون إلا بعد دراسات فاحصة للأدب الشفاهي في محاولة قراءته، فدراسة الأدب الشعبي فيها تصحيح للمنهج الأدبي بعامة، لما يتم فيه من تحديد مفاهيم جديدة للتأريخ الأدبي والتأريخ العام، وتأريخ الأثر وصاحبه، وبيان معنى التخصص الجامعي اللائق بالمستوى الثقافي اليوم حتى يقف الجامعي ودراساته العليا، وما يليها من نشاطه على دراسة هذا النوع من الأدب.20 »
-أهيمة الاعتراف الأكاديمي بالثقافة الشعبية، فالثقافة الشعبية تعبر عن زمنها، وهي ما ينتجه الناس إلى الناس، وهي تعبر عما نسكت عنه، أو نتواطأ على السكوت عنه. «فهذه الفنون والآداب من أهم مظاهر الثقافة االبشرية التي تتمركز حولها الدراسات الإنسانية والاجتماعية، لذا ينبغي دراستها دراسة شمولية واعية وعميقة، حتى نغوص إلى أعماق الذات ونفهمها.21»
-أهمية المنهج السيميائي في مقاربة الثقافة الشعبية، تكمن في كونه يحرر أحكامنا المسبقة حول الثقافة الشعبية، والصور النمطية التي نجمدها فيها، بحيث لا ترى فيها سوى مستودع للتسلية والفرجة الفلكلورية. إنها على العكس من ذلك، وكما وضحت الباحثة خزان للترميزات وتوليد الدلالات التي تؤنسن الوجود الإنساني، وهي أيضا منبع للتعددية الثقافية داخل الثقافة الواحدة، فاحتفالات الأعياد وتفسير بعض الحكايات الشعبية ، وأنماط اللباس تختلف من منطقة إلى منطقة في الثقافة العمانية. «إذ نجد أن الملابس تختلف بالضرورة بحسب الموقف والتحديد الجنسي والطبقة والتعامل والتنشئة الاجتماعية، لذلك فلكي تؤدي الملابس بوصفها علامات ينبغي أن يراعى فيها هذا الاختلاف.22»
-المعرفة النظرية هي المدخل الملائم لبناء تصور معرفي تنويري للثقافة العربية، يحررها من الرؤية الإيديولوجية المغلقة التي دأبت على اختزال مكوناتها الثرية في مفهوم موحد مغلق، شمولي ينزع إلى الهيمنة واستبعاد المكونات الثقافية المغايرة. لذلك لا يمكن في اعتقادي، أن نرسم سياسات ملائمة للتعددية الثقافية في العالم العربي إلا بتوسل المعرفة النظرية بمكونات الثقافة العربية في تعدد مرجعياتها اللغوية والثقافية والعرقية.
1 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي في عمان، كتاب نزوى، الإصدار الثامن عشر أبريل 2013.
2 عائشة الدرمكي، سيميائيات النص الشفاهي في عمان، ص:19.
3 Bronwen Martin and Felizitas and Ringham ,Dectionary of Semiotics, (London :Cassel,2000),p2.
4 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي في عمان، ص:23.
5 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي في عمان، ص:17.
6 سايمون ديورنغ: التعددية الثقافية، مقدمة نقدية، سلسلة عالم المعرفة،العدد 425، يونيو 2015، ص:310.

7 سايمون ديورنغ: التعددية الثقافية، مقدمة نقدية، ، ص:311.
8 سايمون ديورنغ: التعددية الثقافية، مقدمة نقدية، ص:316.
9 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي، ص:15.
10 سايمون ديورنغ: التعددية الثقافية، مقدمة نقدية، ص:311.
11 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي في عمان، ص:11-12.
12 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي في عمان، ص: 28.
13 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي، ص:30.
14 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي، ص: 36.
15 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي، ص: 36.
16 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي، ص: 34.
17 سعيد بنكراد: السرد الروائي وتجربة المعنى،المركز الثقافي العربي،2008، ص:10.
18 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي، ص: 18-19.
19 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي، ص:10.
20 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي،ص: 13.
21 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي، ص:13.
22 عائشة الدرمكي: سيميائيات النص الشفاهي، ص:24-25.


محمد بو عزة

شاهد أيضاً

من الخالدين أبومسلم البهلاني (ت 1920م)(1)

محمد بن ناصر المحروقي* ما هو الأثر الذي تركه “أشعر العلماء وأعلم الشعراء”: أبومسلم البهلاني؟ …