أخبار عاجلة

قناع غابرييل غارسيا ماركيز

إحساسي بنهاية الفاصل الأخير من أغنية القرن العشرين عظم توقي الى خيال بشري يبرمج المستقبل الغامض للمسيرة البشرية، خيال أسطوري مرح، انشطاري عنيف، يلحم الشفاه المرتجفة بالحب المتناقص في الغدد والأعضاء والملامسات. لابد أني اقترحت الروائي الكولومبي غابرييل غراسيا ماركيز وسط ارتعاشات التوقف الوشيك لأغنية الانسان. حلق هذا الكاتب الخرافي أمامي فجأة كنسر هندي وابتعد عن الأرض، مخلفا حاكيا حجريا تتحشرج على قرصه اسطوانة تدور ببط ء شديد، في بوابة (خان العالم ). لم يدم عجبي، وهل يدوم عجب بستاني من اختراعات ماركيز التي يصطفيها أسلوبه لعرض أنواع نادرة من صور الحب، وصور الانقراض والمسخ، في ظل أجواء اليوتوبيات الهجينة والمروح الكولينيالية؟

قد تكون هذه بداية موفقة لعرض الطريقة التي اخترت بها قناع ماركيز، ذلك لأن الاختيار قد جرى في ظرف أشد قتامة من أي ظرف إنساني آخر. كان أمامي جدار طويل، تخلف عن كارثة نووية، تمتد أسفله مساحة خالية من أية إشارة على حياة سابقة، سوى وجوه بشرية ارتسمت على الجدار المتفحم لسبب ما. فالجدار كما يبدو من الأنساب القليلة التي تركتها يد الكارثة، والوجوه المتجاورة من طرف الجدار الى نهايته آخر الوجوه التي لمحت الكارثة. تعرفت على وجهين فقط، أحدهما لفونترغراس والآخر لماركيز، أما المجموعة الأخرى من الوجوه فقد أدى تصدع الجدار الى تشوهها. واذ كنت أحدق مليا في وجه غونترغراس، تداعى الجدار، وانطلق ماركيز في الهواء الساكن.

كذلك تراءى الجدار، وأنا مصيب في حدسي، لعيني ماركيز، فذهب وألقى خطابا في اجتماع تضامني مع ضحايا هيروشيما. فإن لم يشاهد ماركيز جدارا بهذا الوصف، فلعله شاهد حاجزا في مسرح خيال الظل ترتسم عليه الوجوه المتراقصة، ولعله حاجز قام في ظل خياله الوسيع، كما قام جدار الكارثة في ظل خيالي. مثل هذا الحوار، الحاجز، بين العصر الحجري والنووي سيسقط أخيرا، وستتوقف أغنية الانسان الطبيعي اللاعب بمجازات الحب، لتبدأ حشرجة الانسان الآلي اللاعب بأزرار البيانو الذري. الشيطان يهبط من لغة الجسد الى كنايات العناصر

المشعة. ترتني : الاسم الشفري لتفجير أول قنبلة ذرية، الولد الصغير : اسم أول قنبلة يورانيوم ألقيت على هيروشيما، الرجل السمين : اسم أول قنبلة بلوتونيوم ألقيت على نجازاكي، جبل الحديد : المركز السري تحت الأرض لوضع الخطط الهجومية الاستراتيجية.

انحشرت هذه الكنايات بين فواصل الأغنية الأخيرة لتجعلها مرعشة Thriller بتعبيرات صوت مايكل جاكسون، وزرقاء Blues بألحان الروح الملتاعة للأم الزنجية الكبيرة في هارلم. أدى هذه الأغنية فريق كوني يمثل أجناس الأرض، تخلى عن أجهزة الصوت الالكترونية وأجهش بترددات الأسطوانة الحجرية التي سجل عليها ثلاثة أجداد عراة متباعدين أغنيتهم بعد أن استقوا ألحانها من أعماق الأرض. كان أولئك قد الصقوا آذانهم ببطن الأرض المكور فتناهت اليهم الاقات الواهنة لجنين جبل الحديد كهدير معدني يقترب حثيثا من قشرة الأرض ليفجرها نثارا في الفضاء الفسيح، منذ العصر الجليدي، والانسان الشمسي يفني فواصل اللحن المتآلف القادم من الأعماق، وخلال دوران الأسطوانة البطيء اتسع الشرخ الذري فيها، فانقسم البشر الى كيانات كبيرة وأخرى صغيرة، وتنافرت الأصوات المنسجمة وازداد التباعد بين الكنايات والرموز. ما كان يحسه المنشد الأول احساسا عميقا يتصاعد من خلاياه المتفتحة على أعاجيب الكون وجمال الطبيعة ويملأ حنجرته بالأنغام الهامسة، خفت في الأصوات الجهيرة المتضامنة مع صوته، وانقادت الأصوات تدريجيا الى ترديد لحن مبرمج في صندوق موسيقي كبير تتحكم بمفاتيحه أصابع الكيانات الكبيرة، الأصابع التي تختفي في الضباب الخانق فوق أنهار التايمز والدانوب والفولغا والسين والمسيسبي. كان ذلك التلاعب بألحان الحناجر المنسجمة شبيها بتلاعب العقول الغبية بتوازن الالكترونيات والنيوترونات المتآلفة في ذرة سابحة بهدوء في فجرها الكوني الصغير، فانفلقت النواة السابحة في سديم مشيمة الذرة عن مخلوق مشوه، نشرت ولادته التماعا رهيبا، وشذى مدوخا غطى ناطحات السحب وتمثال الحرية وبرج ايغل والبربور واللوفر وجوجنهايم والميتروبوليتان والارميتاج والكرملين والبيت الأبيض، طفل حطم في اندفاعه أقواس النصر ونصب الشهداء وتماثيل العظماء، وداس على يوتوبيات توماس مور وفرانسيس بيكون وجول فيرن، شيء تدلى

كوطواط بين ديكورات أفلام فرانسيس كوبولا وستيفن سبيلبرغ، صلصة مقلوبة في لاوعي اينشتين وبور وبلانك وهينزبرغ وشرود نكر وديراك واوبنهايمر وفير مي، وعشرات من صناع نهاية التاريخ. سينتهي الفاصل الأخير من الأغنية، كورال الأولمبياد الذي يتسرب من الشقوق الخطيرة في القشرة اللازوردية المغلفة للبيضة الأرضية. أنذاك يكون خطاب ماركيز قد انتهى، وحلق النسر بعيدا عن الاشعاع القاتل.

في السادس من أغسطس عام 1986 ألقى غابرييل غارسيا ماركيز خطبة في اجتماع عالمي لمناسبة ضحايا قنبلة هيروشيما، رسم فيه الصورة المظلمة لحاضر الانسان ومستقبله في ظل السيطرة النووية للدول الكبرى، وأعاد الى الأذهان احتمالات ما بعد الكارثة، وأرجح هذه الاحتمالات أن الصراصير وحدها ستكون شاهدة على حضارة الانسان بعد أن يحل ليل أبدي بلا ذاكرة. طرح ماركيز أسئلة ولم يتلق عنها جوابا، مازال فقط يملك حق التحذير والمبادرة والاقتراح وتوجيه الخطابات الى انسان المستقبل أو الى حيوانات المستقبل، وقبل كل هذا هو يملك حق التخيل. ولم يجابه ماركيز الاعتراض على فنطابه، إذ لم يعد أحد يسمع خطابات التحذير، فالبشرية المعبأة في مؤسسات أممية تتمتع بما يبدو ظاهريا ضميرا موحدا، فيما هو يتمزق داخليا ويتعذب شعورا بالذنب لصممه أو تغافله. الضمير العالمي في أبسط حالاته ضمير أساطيري، ضمير آلهة يتشفى بعزلة الممسوخات المعذبة في كهوفها وأقفاصها وهي لا تستطيع دفع المصير الذي الت اليه، أو مقاومة القوة التي مسختها. وفي أية لحظة ستستيقظ القرود والذئاب والصراصير والفئران والديناصورات من سباتها الجليدي الأول، لتسخر من بلاهة السادة البشريين في نبوءة العصر الجليدي الثاني. مستقبلذاك ستغالب الحيوانات ضحكها وهي تصفي الى خطاب غريب مسجل داخل كبسولة تائهة قذفتها الأمواج على الشاطيء المقفر. تحمل الكبسولة صورة الكائن المسمى (ماركيز) الممسوخ في صورة بشرية، وقد أرخت بتاريخ العام الذي ألقى فيه خطابه : د،أن نتعهد هنا والآن بأن نصمم ونصنع سفينة ذاكرة قادرة على أن تعيش رغم الطوفان النووي، تكون على شكل زجاجة مغلقة ترمي في محيطات الزمن، ذلك لكي تعلم بشرية الغد الجديد، بفضل شهادتنا، الأشياء التي لن يكون بوسع الصراصير أن ترويه لها، تعلم أن هنا في ماضيها حياة مجيدة، سرعان ما سادها الألم والمعاناة، وهيمن عليها الظلم ولكن تعلم أيضا أننا عرفنا الحب وكنا حتى قادرين عل تصور السعادة. ويجب أن تعلم الانسانية المقبلة، وتعلم ذريتها الى أبد الآبدين، أسماء المسؤولين عن كارثتنا التي حلت بنا.. وكم ظل أولئك المسؤولون أصما، أمام إلحاحنا للوصول الى السلام، وأمام رغبتنا في عيش أفضل الحيرات الممكنة، ويجب أن يعلم المقبلون الى أبد الآ بدين كنه الاختراعات الهمجية، ونحوى الغايات التافهة التي تضافرت لمحو الحياة من هذا العالم الذي نعيش فيه". هكذا تلكم غابرييل غارسيا ماركيز، آخر الكائنات العاقلة، المتنبئة بمستقبل مشؤوم.. ضجت الحيوانات في الضحك وهي تتقاذف الزجاجة على أرض الجزيرة الجليدية.

كنا – نحن البشر السابقين – قد ضحكنا يوما عام 1962 من تخطيط ساخر (كاريكاتير) نشر بعد أزمة صواريخ كوبا، ويجمع التخطيط قردين يتساءل أحدهما عن السبب الذي تبدو فيه الأرض، التي ورثاها، على هذه الدرجة من الخراب والتجرد من أية حياة نباتية أو حيوانية. يجيب القرد الآخر : كان ذلك بسبب شخص اسمه خروشوف، رفض أن يتنازل عن كبريائه الروسي ويسحب بضعة صواريخ نصبت على جزيرة اسمها كوبا، كما طلب منه شخص أمريكي منافس يدعى كيندي. هذه المرة سنتخيل رهطا من الحيوانات الهجينة التي نتجت عن طفرات وراثية، تشبه القردة والفئران والصراصير والديناصورات، وهي تتفحص زجاجة ماركيز، بعد كل دورة شريط سجل عليه خطاب يقترح فيه رجل على شركائه الأرضيين صنع كبسولة ذاكرة مستقبلية تنبيه الآتين بعدهم بما خلفوا من امجاد زالت تماما بزوالهم.. ضحكوا حتى استلقوا عل ظهورهم (كما كان يقول أسلافهم العقلاء).

كان ذلك النسر العجوز – ماركيز – المحلق في الأعالي قد شاهد كرة انفجار هائلة تتصاعد من الأرض، وتكاد تصل الى جناحيه فأصابه الذهول والارتباك لهذا المنظر العظيم الهول لأمة الأرض. كان محظوظا لأن الأم المخترقة قد لفظته ممسوخا الى الأعالي، قبل أن ترتج بالصاعقة المدوية، وقد سمع الدوي من أبعاد شاهقة، كما نمشي بصره الحاد التماع حارق. كانت قد قالت له :« يا بني، يا بني العجوز، باسم البشرية المغلوبة على أمرها أمسخك نسرا، فاصعد وخذ معك خطابك. لقد سجلناه ووضعناه لك في زجاجة كما طالبت، ولكن لن يتسع لك الوقت لأن تلقيه في البحر، فبعد الكارثة لن ترى جبلا، ولا بحرا، ولا غابة. لا أوراق ولا أقلام ولا طابعات. اصعد قبل أن تتحطم روحك، وتحترق ذاكرتك، وتنطفيء عيناك، سيتلاشى كل شيء يا ولدي، والأن حلق أيها النسر، ولا تلفت عنقك الى الأسفل أبدا".

وفي الحال تحولت ذراعا ماركيز الى جناحين، وأصابعه التي خطت أروع القصص ال قوادم في كل جناح، ريشات ملونة، أدركها وهج الانفجار البعيد فسلبها ألوانها، وأتى على بصره فأطفأه. تاه النسر ماركيز في السموات وسرعان ما أصاب التشويه والجفاف جناحيه، واستحال الريش الى قصبات يابسة، وتراخت مخالب قدميه فأفلتت الزجاجة، وشعر النسر بدنو النهاية. الى أنه بقي يطوف حول الأرض المحروقة، بدفع ذاتي بطيء، مرتبطا بالكوكب البعيد الذي غادره.

استغرق سقوط الزجاجة من قدمي ماركيز الى الأرض سنوات طويلة، بردت خلالها الكرة المنفجرة (حطم الانفجار نظام الزمن الأرضي، ومسحت الاشعاعات من الذاكرة الجديدة أي ذكرى أو أثر من نظام لغة الماضي، لذا فإني أستعمل في استحضار قناع ماركيز ما حافظ علية نظام الدفع الذاتي للكون من سميات وأفعال ماضية ) ونبعت المياه من الصخور المتجمدة، واخططت بالمطر النووي فنشأت البحار من جديد، وحينذاك جرفت السيول الزجاجة الى البحر، فأخذتها المياه الى مكان على ساحل مجهول في الكوكب القديم. قلبت المخلوقات الجديدة (التي لا يعرف مدى تطورها، أو أعمار نشوشها)

الزجاجة وتمعنت في صورة الكائن الانساني المطبوع عليها، قبل أن تنتزع سدادتها. وما إن مس الهواء الشريط في داخلها حتى دار مشتغلا بذاته. كانت الزجاجة بذاتها جهازا كاملا للصوت، الصوت البشري ذي النبرات المتلاحقة، وقد بدا غريبا على أسماع الحيوانات، ثم بدأت تتذكر نبراته وتفك شفرات مقاطعه، لأنها كما توقع خيال ماركيز الذي لا يخطي، متلقيا، حتى بعد كارثة نووية، كائنات عاقلة -أكثر تعقلا مما توقع فعلا – قادرة على تفهم معنى خطابه (وبعد ذلك ستكون شفرات الخطاب مفاتيح لفك شفرات خطابات بشرية لم تعاصرها الحيوانات الجديدة ). يضاف الى ذلك فهي ليست كائنات مسالمة أو شريرة، أو أنها أقل أو أكثر شقلبة من حيوانات الأمس، ولن يستدل من سلوكها ما ستفعل بهذه الزجاجة بعد أن تنتهي من الاستماع اليها. أصغوا الى الشريط الذي أعادت الزجاجة تشغيله مرة ومرة ومرة. ذهلوا في المرة الأولى، ثم انتشوا وسروا، وبعد التشغيل الثالث قهقهوا. ضحكوا بجنون (هذا ما كنا نقول عن سرورها) وتقافزوا وتراشقوا الزجاجة، بداوا يفقهون قصور تصور بني البشر عن الغد الجديد.. الحياة المجيدة التي لا تستطيع الصراصير روايتها: أبد الآ بدين ! الاختراعات ! ما فائدة هذه الاختراعات اذا كانت قد دمرتكم أيها البشر؟ ضحكوا، ثم سكنوا، وانخرطوا في البكاء (البكاء حقا).. أيها السادة، كم أنتم بائسون. لم تكونوا تدركون إلا قليلا. الأبد، المجهول، الكارثة، الغد تتجاوز علمكم. لم تكونوا قد حصلتم إلا على أبجدية رسمت لكم النهاية المحتومة. كان خيرا لكم الا تتعلموا حرفا واحدا يخص المستقبل، لا في مدرسة ولا في كتاب، كان عليكم أن تفهموا لماذا خلقت الأرض، وما يعني شروق الشمس وغروبها. كان ينبغي عليكم أن تتعرفوا حقيقة أنفسكم. كنتم ذرة ضئيلة في سائل الحقيقة الذي يغلف الكون المفكر نيابة عنكم. لم تكونوا- حقيقة – سوى لحظة عابرة، قطرة من السائل المفكر – فكرتم بالزمن إلها صخريا لا يدانيه الزوال، فنحتم في سفوح الجبال وجوها لكم. وهأنذي نقطة صفر الانشطار النووي قد جمدت المعنى الوحيد لما يسمى زمنا لا نهائيا في عصوركم الذهبية. يا للأغبياء: ما هذا الذهب الذي تتحدثون عنه ليل نهار، وطوال زمنكم القصير؟ ذرة رماد أكثر قيمة من أطنان أثمن معدن في أرضكم.. أرضكم أم أرضنا أيضا؟ يا للمفارقة العجيبة : نحن أيضا على هذه الأرض، لكنكم كنتم تتصورون أنفسكم شعوب الأرض المختارة التي لا تبيد، ولا تخلفها شعوب. هذا الصوت يقول إنها أرض.. أرض.. لكننا ونحن نصدق خطابكم لن نثق بهذه الأرض.. نحن نبوءة.. نبوءة لن تقع. المخلوقات الجديدة لا تؤمن بالنبوءات والمخترعات والأزمنة.. بهذه التفاهات التي صنعها جنسكم.. الجنس المنقرض. لن نعيد صنع هذه الاساطير.. أسطورة.. كلمة ذات رنين ساحر.. نحن أسطورة نشوء تطوري مختل بحسابكم. هذه هي الأسطورة، أو الحقيقة، الوحيدة التي يجب أن نؤمن بها.. أنتم ونحن.. هنا. (هكذا تدفق الكلام من فم قرد يبدو أصفر القرود عمرا، مخاطبا الزجاجة التي تضمنت خطاب ماركيز).

بعد أن بردت الأرض، عقب الانفجار النووي الكبير، تقلصت الى حد أصبحت فيه مغمورة بالماء كليا، فقد كانت أشبه بصحن مفلطح يتأرجح ويترنح، كذلك الصحون التي يديرها المهرجون في سيرك الماضي على رأس عصا، وكانت الحيوانات تعيش على الحرف الدائري للمحن. جمعت مخلوقات المستقبل (الماركيزية ) أشياء كثيرة من آثار الأرض القديمة، ووضعتها في متحفها التذكاري، زجاجة ماركيز أثمن ما فيها، وال جانبها زجاجات وأفلام ومحاضرات وكتب، نماذج من الثرثرة المسجلة بالصوت الانساني الذي استمر بالحياة بعد الكارثة. (وشيئا فشيئا سيحل هذا الصوت في أدمغة المخلوقات الجديدة، فيحمل اليها الغرور الذي يسمى بالرغم من معرفتها له : اختراعات جميلة ). فئران غونتر غراس ليست قبيحة جدا، وهوا صير كافكا، وخنازير جورج أورويل، كليلة ودمنة، الحمير والببغاوات والكلاب أجمل من غريتا غاربو وبريجيت باردو ومارلين مونرو وهادونا.. هذا شي ء أكيد (تنخر الخنازير وتضج الصراصير) لكنها كانت أنواعا خنثية، أكثر خصبا، وبعد سنوات تكاثرت الى حد أصبح فيه الكوكب القديم أصفر من صحن في مطعم. لم تتعرض للمرض أو الهرم أو الانقراض السريع، ولم يضايقها أن تستمع الى الأصوات الملحاحة في أشرطة التسجيل العديدة.. الضاجة ليل نهار بالشكوى.. نريد أن نبقى بشرا.. نريد أن نمارس الجنس.. نريد أن نرقص.. أن نعود ذكورا واناثا كما كنا جنسين منفصلين.. شعوبا وقبائل.. أزواجا.. نريد أن نحيا.. نفني ونكتب ونجني المال والحلال.. نريد أن فحارب ونسافر ونبني ونهدم ونصنع السلاح.. نريد.. نريد.. وسر عان ما يطو البكاء والصراخ، وتختلط نبرة الرجاء بنبرة الندم، وصوت الحب بالتهديد والبغضاء والطمع والفصل العنصري والجنسي والعرقي..

الصراصير التي لا تعرف النوم، والفئران المسترسلة الشعر، والقردة العارية الجميلة، والثعابين الزاهية الملمس، والخنازير الداعرة الشبقة، كل الحيوانات المدركة لمصير الانسان ومصيرها، شاركت بالغناء مع كورال الأغنية الناعقة، واكسبت نبرتها المشتاقة الى الاستمرار في الحياة، بالرغم من أنها أصبحت تخشي الاندماج كليا بأغنية الانسان، وأنها في طريقها الى (تمجيد) الأدوار التراجيدية لتاريخ أفراده، والدخول في الأسطورة التي لا تريد أن تؤمن بها عن المجد على الأرض والمجد في الأعالي، والشيء الوحيد الذي كانت تجهله حقا هو موقع هذه الأعالي، فقد كان الصحن يتأرجح ويتقلب بها أسفل وأعلى، في حين أن الفاصل الأخير من الأغنية كان يطو ويطو.

وهناك في الأعالي، كان النسر الأعمى ماركيز، مستمرا في الدوران حول الكوكب المترنح، تتصاعد الى أسماعه فواصل الأغنية، فيحاول تذكر كلماتها، ولا أحد يكترث الى هذيانه، أو يمنحه جائزة على اختراعات الحب التي واصل تخيلها في طيرانه..

* فصل من كتاب "حديقة الوجوه "

 
 
 
محمد خضير (قاص من العراق)  

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …