أخبار عاجلة

كلمة العدد

حول الخطابات الشعري الراهن

 يكثر الحديث كتابة وشفاهية ، حول الكيفيات المختلفة والمتعددة لكتابة النصوص الشعرية وغير الشعرية ، كل له طريقته ومنحاه في الكتابة والمقاربة والدخول المغامر أو المحسوب في طقوس اللحظة الكتابية بالغة الالتباس والتعقيد والتجلي .

تمثل القصيدة هو تمثل للعالمم والأشياء والموجودات في راهنها وحركتها المرتبطة بتاريخ وذاكرة ، بشكل صريح على نحو ما، أو مضمر في جسد النص وثنا ياه ، كونها لحظة ارتطام بالذات وتشظيها وشتاتها في الوقت نفسه ، الذي هو ارتطام بالمحيط والعالم والأشياء مهما توهم الشعر في اجتراع القطيعة والانفصال ، تظل تلك العلاقة الصراعية والمتوترة مع التاريخ على صعيد التفاعل والتواصل الإبداعيين .

هذه الذات الشاعرة بما تحسه وتلتقطه وتختزنه ، يتم بداهة تحويله الى شكل شعري. هناك مشاهد محفزة على القول الشعري والإبداعي عامة ، ورؤى وانبثاقات حياتية وذكريات ووجوه وغياب ، تلعب المخيلة دورا حاسما في اقتلاعها من كينونتها الأولى الى مصير آخر ومخلوقات أخرى تكتسي ملامح مختلفة ، بفعل المخيلة وسطوتها الباذخة .

لكل طريقته في التقاط وتخييل اللحظة الشعرية واستقبالاته الحسية والشعورية المختلفة .. هناك من يركن الى رؤى ومعارف مسبقة تنشط فيها الذاكرة والوعي على حساب التقائية والطبع و" الغريزة " ، لحظة ميلاد القصيدة وتفجراتها الأول .وهو أمر له مخاطره ، ومن جهة مقابلة أو متداخلة ، نجد أن الذاكرة والمخيلة في إطار تلقائية الكتابة لا يبدآن من فراغ مطلق ، إذ أنهما لاشعوريا معبآن بأشياء قبلية ، مهما كان النزوع نحو التلقائية والمغامرة واستواء ذلك في نص . يبقى زمن الكتابة مشدودا الى ذاكرة . لكنها ليست فى ذاكرة جاهزة ، إنها قادمة من أنقاض وسديم . كل ما في الأمر ، محاولة لتخفيف ما تفرضه في أحيان كثيرة من عب ء ومنجز ، باتجاه أفق أرحب وأكثر طراء وحسية . ومحاولة إقصاء الرقابة الذهنية لصالح نص أقرب الى نفس إيقاع المعيش ومناطقه وهوامشه المهملة التي تترفع عنها البلاغات التقليدية . بمعنى آخر غزو الذات والعالم ومحاولة قهرهما بسلاح الخيال والإحساس أكثر مما هو بسلاح الثقافة والمعرفة . ومن الطبيعي كما أعتقد تبقى هناك كتابة ثانية يأخذ فيها الوعى نحوا من الرقابة والتشذيب ، وهذا ما لابد منه إلا بتبني كتابة أوتوماتيكية مضى عهدها وبقي بريق مغامرتها الذي لا يمحى.

ربما لا يستطيع أي شاعر الجزم النهائي حول الملامح التي تميز نصوصه وتجاربه عن غيرها من مجايليه خاصة وان ميز بعضا منها. وهي لا شك موجودة . فكل شاعر حقيقي بملامحه وخصوصياته التي تمتد من التكوين والطبع ، الى البيئة والحياة بأقانيمها المختلفة التي تنبني منها مفردات اللغة وآلياتها. مهما تقاطعت طرق التعبير والرؤى في برهة شعرية معينة ، مثل التي نعيش على سبيل المثال ، نتيجة للتجارب والمرجعيات المشتركة ، واقعا وقراءة ، والتي تشكل النوازع المختلفة كأثر مشترك لأسلوب المرحلة .

وفي هذا السياق لا يمكن الادعاء بأن فلانا أو القصيدة الفلانية ، هما البداية المطلقة لأسلوب أو اتجاه أو مرحلة ، والا دخلنا في دائرة لا فكاك من لانهائيتها وعقمها وتكرارها زمانا ومكانا، بحيث سنعرف أن تلك البداية سبقتها بدايات وارهاصات وتجارب مختلفة المنازع والمشارب ، من رامبو حتى بدر شاكر السياب . بديهي أن هذا التصور لا يسلخ صفة التأسيس بالمعنى النسبي، والقوة والأسبقية للبعض دون الآخر وانما بنزع صفة الإطلاق والتي تفضي الى الادعاء المتضخم من غير معنى..

في الزمن العربي الذي نعيش ، والذي بلغ أقصى فظاظة ممكنة في سلخ حياة الكائن يوميا، قادت الحروب والهجرات ومظاهر التخلف الأخرى، ـ في غياب أي مشروح حضاري حقيقي، ــ قادت هذه المرحلة في تجليها الشعري والتعبيري، الى صحراء انعدم فيها حتى بريق السراب ورحلت الأوهام السعيدة الى غير رجعة ، ووجد الشعراء والكتاب العرب ، أنفسهم عزلا أمام الأقفار ومخلوقاتها (ليس بالمعنى النيتشوي طبعا) التي هي بحاجة دائمة الى القربان والفريسة . صار الشعر والأدب ملاذا للذات من فنائها السريع أو تماهيها مع القطيع . وصار الغياب القسري أو في شكله الاختياري المرير، هو ` المحرك الأساسي للمخيلة الشعرية والكتابية : غياب الأوطان الأول غياب العائلة . غياب الأصدقاء ، غياب الحب . غياب الطفولة ، غياب الغياب وانخلاع الوجوه والأماكن وقذفها في عتمات المجهول والبعيد.. أي أن هذه الرؤي الكابوسية التي فرضها تاريخ بعينه على نفس ممزقة بطبيعتها، صارت فضاء الكلمات ، التي تلف سحبه القاتمة النصوص بأكملها في الشعرية العربية الجديدة ، بما تقتضيه من سياق اختلاف في مألوف اللغة وأنماط التعبير، يذهب فيه الشاعر والنص مذاهب ، تمتد من النصر المكين المستند الى  نسيج لغة حية ومشعة بطاقتها الدلالية المفعمة بدعاء معيش قاس وتجارب غنية ، ومن استيعاب لآليات عمل اللغة وتاريخها..، الى لغة ونصوص تتسم باستعراضات لفظية ، الى غرائبية مفتعلة ومقحمة ، تفض بالضرورة الى الخواء والمجانية والعوز الروحي المدقع . وهي مسائل لا تخطئها عين القاريء اللماح فيما ينشر ويقرأ على خارطة الشعر العربي برمته .

وليس أقل مجانية وسذاجة من ذلك الشعر الذي يكتبه شباب في البرهة القائمة ،. يحاول استعادة مجد المنابر وصراخها وجمهورها الجاهز سلفا والمرتب على رفوف الكتابة واللغة . الكتابة تحت إلحاح هذا الهاجس  إن كان لها من مبرر في السابق ومن سياق يبدو طبيعيا آنذاك ، ففي الراهن تبدو مضحكة وقاتلة للشعر ومستمعة عل السواء. لا نأخذ في هذا السياق استجابة جمهور بعينه أو عدمها، وانما جوهر العملية الشعرية ، التي أفضى بها الزمن وخط الرؤى والأشكال الى وقائع جمالية وتعبيرية ذات طبيعة مختلفة تماما . مهما كان نقصانها وعدم اكتمالها، كونها انحرافا عن المركز واكتماله المتوهم ، بالمعنى المعياري المسبق الذي يقرأ البعض الكتابة في ضوئه الصارم . هذه الكتابة أو هذه النصوص خلقت خلخلة في المفاهيم والممارسات الشعرية المتعالية والمحمولة على ذات وتاريخ شبه كليين ، متناسية أو مقللة من قوة المحاضر وجذر يته في الممارسة الإبداعية الجديدة التي تتناسل أسئلتها وهواجسها من قلب الواقع والزمن والممارسة المتغيرة .. فإذا كانت للخمسينات أسئلتها الخاصة حول الحياة والمعرفة والكتابة ، فسياق هذه الأسئلة أصابه الكثير من التصدع والتدمير، ربما بحجم ما أصاب الحياة العربية وصار خاضعا أكثر للمساءلة والشك والاحتمال ، والشعر العربي في كل مراحله حتى الراهن منه ربما هو المؤشر الأبرز لمثل هذه التغييرات والتحولات .

منذ بدر شاكر السياب ، الذي نحتفل بعيد ميلاده السبعين ، إذا صحت كلمة "عيد" بالنسبة لهذا الشاعر المأساوي الذي لخص بكثافة- في جسده الذي هشمه المرض والإعياء والافتراس ، قطعة قطعة حتى الاضمحلال النهائي، أو في كتابته التي دشنت النقلة النوعية في الشعرية العربية _ لخص بشكل مبكر ما ستؤول اليه أوضاع الحياة العربية والكتابية . فمنذ تلك الفترة التي رمى فيها السيا ب وأقرانه حجر الصدام باستجلاء الأفق الجديد، ما برحت الأسئلة الصعبة بقلقها ألذي لا ينضب معين تجديده وهواجسه وخروجاته .

في «نور سة الجنون "، منذ سبعة عشر عاما بدمشق كتبت المقطع التالي :

فى الشارع المطرز بالبنادق

والحدقات المرية

كانت غيمة تركض في خريطة أعضائي

غيمة المتذكر الشرس

ركان رامبو والسياب

بمزقان خرائط الكون والقانون

ويعلنان  العصيان المقدس .

ايتها الأشياء الأليفة

ايتها الأشياء المتوحشة

امنحيني بعض حنانك

لأستطيع النوم هذه الليلة .

ترى الى أي مدى أعلن السياب ، العصيان المقدس على قوانين الشعر وتقعيده المتوارث عبر ذاكرات .وأحقاب ؟

الأكيد أنه العلامة الأبرز في اختراق هذا الحائط الصلب صلابة الأزمنة والقيم المتراكمة في الوعي العربي ومفاهيمه وذائقاته ، فاتحا للأجيال بعده ذلك الفضاء لذي ما فتئت تتسع أمداؤد وأقاصيه .

 

سيف الرحبي

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …