كلمة رئيس التحرير

لا تستطيع مجلة ، أي مجلة وربما في أي مكان ، ان ترسم ملامحها وتحدد وجهتها منذ العدد الأول أو الثاني، لكنها تحاول أن تقدم المؤشرات الأولى لطموحها ووجهتها عبر الدرب الثقافي الطويل والصعب . وليس من التهويل في شىء إذا قلنا أن اصدار مجلة ثقافية بطموح يتوسل الجدية والابداع، والتنوير هو دخول في مغامرة على نحو من الانحاء، مغامرة البحث والا سكة والسفر خارج المألوف والمنمط والمستهلك وهو ما تعكسه ردود الافعال المتباينة تجاه المجلة منذ عددها الأول. ردود أفعال من قبل كتاب ومؤسسات وصحافة ومن فئات مختلفة تتراوح بين الاحتفاء وهو الغالب وبين النقد الحقيقي المسؤول الذي نصغي اليه ونستفيد منه وبين الهجوم الواعي لأهدافه. والهجوم الجاهل والعدائي، حيث أن هناك دائما رأيا مسبقا ونمذجة عمياه لا سبيل الى نقضها، مع غض النظر عن المجلة وأهميتها ومستواها. ومثل هذا الدور التنويري والتحديثي، في مناخ شتى، رغم كونه أصبح بداهة ، تظل بداهة متجددة السجال والمراجع والمعطيات، ضمن شروط واقع خاص ، ونظل بحاجة للرجوع اليها والنقاش حولها ربما في الوطن العربي قاطبة، ما أحوجنا للرجوع إلى الكثير من البدهيات وتفحصها من قبل مثقفينا ومفكرينا بتبيان السياقات المتعددة لمنشئها وتاريخها ومسارها، في زمن شهد انفجار كل المفاهيم والرؤى التي سادت برهة وأفضت الوقائع والتاريخ بها ويغيرها الى العطب والهلاك .

نزوى منذ بداياتها الأولى حاولتْ أن تشكِّل منبراً مفتوحا لجميع الكتاب والأدباء من مختلف الأجيال والأماكن والتوجهات الإبداعية والجماليّة بمقترحاتها وأفكارها، أي تلك الخارطة الموّارة بالتناقضات الحميمة، بالمحبة والضغينة والصراع.
أسماء متحققة أخذت حيِّزاً من الشهرة والإنجاز، وأخرى واعدة، في الطريق الى شغل حيّزها الخاص.. وهكذا…
منذ بدايتها (أربعة عشر عاماً) حاولت أن تكون هذا المنبر الذي يلتقي فيه الأصدقاء من كل مكان لقاء الابداع والحريّة، مهما كانت الالتباسات والمعوقات التي عادة ما تواجه أي عمل ينحى هذا الاتجاه، خاصة إذا كان في مناخ ما زال في طور التأسيس على صعيد الثقافة الحديثة وأسئلتها الإشكالية وواقعها المدني. في هذا السياق، حيث الحداثة والعلمانية قرينتا الالحاد والمروق.
هذا المناخ الذي لا يعرفه إلا من خَبر مرارتَه وعنْفَه المدلهم.. المحرر المسؤول والفني والعامل في إطار المجلة من أجل استمرارية إصدارها الفصلي، ليس إلا مسؤولاً عن تنظيم مواد الأصدقاء، الكتاب والشعراء، على مساحة المجلة حسب «الخطة» الموضوعة للأعداد المتعاقبة.. انه منظِّم حركة مرور المادة ليس أكثر.هناك من يتوهمها «سلطة» وتلك هواية لدى البعض. السلطة هواية جماليّة ، غرام وعشق وهيام، حتى لمن لا يملك من أمرها شيئا. حضور وهمها يتطاول على من يمتلك سدتها الواقعية وعناصرها. البعض الآخر يحدق في رعب الموت وعبور الكائن، فلا يرى إلا سلطة العَدَم..
وهذه (هواية) أخرى، إذا وحّدنا الهواية بالهاجس الأساسي للذات والمصير..
نحاول التحرير والنشر من غير شلليّة ولا محاور ولا طموح إحداث انقلاب في وضع الثقافة والفن، دعك من المجتمع.من يكون على رأس (منبر) في الوسط الثقافي (العربي خاصة) مهما كانت محدودية تأثيره، عليه أن يفكر بالخروج من هذا المضيق، بأقل الخسائر فداحةً وجراحاً.مضى ذلك الزمن الذي تشكل فيه المجلات تيارات تزعم خلق تغييرات مفصلية في سياق الأدب والتاريخ.

اترك تعليقاً