أخبار عاجلة

كل الطرق تؤدي إلى……..

ترعبني- وأنا أمشي- فكرة أن أسحق حفنة نمل جاءت تحت حذائي سهوا.. منذ طفولتي أعيش في حلم لم أفهمه "أسافر فيه الى روما، أغازل النساء وأرمي بنفسي الى بحر شاسع لا تتوقف أمواجه عن ضرب ساحل صخري".. وأنا- في حلمي- أضحك، ذلك انهم يكررون في السينما والمجلات وكذلك في القصائد والمغازلات : كيف ان الدروب تؤدي جميعها صوب "روما"!

لم تبق عندي سوى "الساعة الخامسة والعشرون" و "الحب في زمن الكوليرا" ذلك هو الزاد الذي يشفيني من الجوع والملل.. اكثر من عشرة آلاف كتاب مضت الى "تنور" الحياة واختفى بعضها في حقائب الثياب، ربما اكلتها "العتة" او رمتها الزوجة الى شارع المتنبي، تباع ثمة بثمن بخس دراهم لا تشفي من الجوع.

لا يهم كل ما فات، الكتب تؤدي جميعها الى الكآبة، والليلة لا احد معي غير "جيورجيو" وماركيز، اصحو على مخدة "ايوهان موريتز" وأنام على دموع "فلورنتينو اريشا" ثم اقفل التليفزيون على اجمل اغنياته عساني أحفظ – عن ظهر قلب – ما جرى للسيدة "فيرمينا داثا". لكن الرصاص يتخبط في الجانب الثاني، اسمع الصراخ وارى الجروح، امشي لصق الشظايا التي ترفض ان تواني، أحمل في روحي عطر البلاد التي رحلت اليها ذات يوم، والبحار التي قطعتها، والنساء اللواتي رقصن علي فراشي.. أتذكر المطارات التي أمطرتني بوابل من الذكريات، المحطات التي حط فيها قلبي وانتظرت عند بواباتها أحب حبيباتي.. كل رصاصة أسمعها الليلة توازي- عكسيا- ليلة هناك، في تيريستا، او برشلونة، كل شظية تنزلق الآن فوق الرؤوس تتشظى- باتجاه معاكس – عن رحلة نحو ددرومادد او خمرة شربتها ذات مساء في مدريد..

يا لهذا الرصاص الكثيف، كم مرة اعادني الى "مامايا" وكم مرة رماني على رمال "الاسكندرية" وزاحمني لصق نساء "بيروت".. كل ما جرى صار محض حلم يطير كما العصافير، يترك عش رأسي ليذهب صوب السلام، هناك حيث يمكنه ان يلملم اوراق الشجر ويغفو قرب عصفورته الحلوة.. لم يبق لي- بعد طيور لندن – غير الحروب، ما ان اقول وداعا لحرب حتى أقول : أهلا بأخرى.. يا لتلك الحمامات وهي تحط على يدي دون خوف، يا لهذا الخوف الذي يجثم على صدري ويرفض ان يطير!

×××

ترعبني، وانا امشي بين ادغال الرصاص، فكرة انني احمل هذا السلاح، ما ان يراني جندي من الطرف الشرقي حتى يذبحني فورا.. لا جدوى من الذخيرة التي أحملها ولا "الرمانات" الخمس التي اطوقها بحزامي.. اعرف انني لن أقتل ولا نملة واحدة.. لهذا سأموت دون ريب عند اول هجوم وامام اول جندي يجئ من هناك، لا فرق بين موت عند شاطئ القيامة او موت يجئ في طوفان الاخطاء. كل الطرق تؤدي الى المجزرة، وسبحان الذي لا يموت هنا، وقد سقطت نصف ذخيرة الدنيا قرب ساقيه؟ ينبغي للمرء ان يفترض الموت مسبقا، حتى اذا ما جاءه الموت وجها لوجه يسلمه النفس ويبتسم.. اذ ما جدوى ان تحيا في حرب لتموت في حرب أخرى؟ الروح تطفو على ساحة حرب اطول من جميع كوابيس الدنيا، وانا في غمرة هذا الموت الرهيب مازلت اخاف على حفنة نمل قد أسحقها- خطأ- تحت بسطالي الثقيل.

لا اثر للشمس في هذا "الجب" الذي نحن فيه، كنا خمسة فقط، يذهب الاول عند الفجر، نعرف ان الفطور جاءنا صحبة "عبدالفتاح".. نمسك البنادق بقوة، برغم ان الظهيرة اقتربت ولابد من ان يمضي "محمود" بمفرده، لا طعام دون مغامرة مع الرصاص والقناصين والعقارب.

ينام على مخدتي "كونستانتان جيورجيو" بعد ان تعب من معسكرات الاعتقال، انظر اليه وانتظر خلاصي من القارعة، سنة اثر سنة، وأنا انتظر، بينما يستمر "جارسيا ماركيز" يتأمل في نهر "مجدلينا العظيم" ليحكي لنا اطول قصة حب في العالم..

عند الثامنة مساء، يجئ دوري، ابتسم أمامهم واقول "وداعا" كما نطق بها عبدالفتاح فجرا، كما قالها محمود عند الظهيرة، لا احد يدري متى يموت، انها نزهة من نوع عجيب، اذا اختفت الافاعي سيظهر القناص، وان ابتعد القناص تجيء العقارب، وان اختفى كل شيء، ستأتي الرمال على شكل عاصفة تجتاح الروح والثياب معا. امشي دون خوف، منذ طفولتي اسمع جدي يقول : ان الموت حق، لماذا الرعب اذا كان الموت سيجيء عندما يشاء الله؟ وانا منذ عشرة اعوام اخوض حروبي الجميلة تحت بارات "كونستانسا" وأبعث الرعب في نساء "يوركشاير".. يلذ لي تمثيل "السفاح" تعويضا عن النمل الذي أخاف ان أسحقه – سهوا- بحذائي، أمشي دون خوف في ليالي "السان دونيه" أبحث عن سجائر "المارلبورو" في زحام "سان ميشيل" واخوض بقية حربي مع آخر امرأة مازالت – هكذا- تنتظر الزبون الاخير في "الحي اللاتيني" أو آخر رجل ينفث دخان سيجارته وهو يأخذها صوب غرفته الفقيرة.

عشر سنوات، اعبرها في لمح البصر وانا أدخل عليهم بقامة فارعة تمتد حتى سقف الخندق الذي نحن فيه، يضحكون مني، بينما تزاحمني ذكرياتي:

– يا رجل، الرصاص لا يمزح ابدا.

ابتسم معهم، انهم اجمل الناس في هذا المكان المهمل المرسوم قرب رابية لا يدري بها العدو:

– يبدو ان الرصاص يعرفه جيدا.

لا أريد تسمية الجانب الثاني (بالعدو).. هم يقولون ذلك، وأنا لا اعترض، لانني أبدا ما نطقت بشيء طوال الشهور السبعة التي مشت على جلدي وفوق ثيابي، انا مزحوم الى عنقي بذاكرة ليست غير ارشيف يحوي ملامح النساء اللائي مررن في حياتي، وبعض من شوارع "مونمارتر" و"الشانزليزيه" مع رشفة بيرة احتسيها رفقة شعراء الجوع والتشرد، ربما احتفظ بصورة عند أعلى "ايفل" وثانية في "موفمنبيك" وقد اجلس ذات يوم في "مقهى لينوا" وأنام في موتيل "جراند بالاس" احتسي دموعي على ذكرى امرأة قالت : "كلا" مرة واحدة، اذا بها تصرخ "اين أنت ايها الحقير" ثم تأخذني الى بحر جنوني خارج الشظايا وعلى بعد الف رصاصة من الخندق الذي اذبل فيه.

تتكدس سنوات عمري في لحظة خاطفة، اسمع صوت بكاء- هنا- ولم أنطلق بشيء، عندما يبكي الجنود في ليل الخنادق ينهمر الصمت فوق النفرس.. البكاء مقدس عندما تجلس بين اخاديد الجحيم.. الشجاعة أمام نزيف النار هي في ان تكف عن الذكريات.. قل مع نفسك فورا: لا شيء يسمونه "البحر" وليس من مكان اسمه "أثينا" ولا اظنني يوما ذهبت الى "روما" مع ان الطرق جميعها تؤدي اليها.

طرقي كلها تصب في الزاد الذي تبقى، طوق نجاة من التهلكة التي رعونا اليها، جارسيا ماركيز يحكي قصة "فيرمينا داثا" عن حب دام أكثر من خمسين سنة، وانا اجلس في الشهر الثامن، انتظر الموت في اية ساعة، بينما يغازلني "جيورجيو" وهو يقص لي خيبات "موريتز" فأهمس مع نفسي (أنا لست الخائب الذي قد يظنون، وكذلك لست البطل الذي يعتقدون ).. هناك من يرعبه الذهاب الى مطبخ الرابية، الطعام ما عاد هو المشكلة موازاة الشظايا وبنادق الرصد والافاعي، كنت وحدي من يتبرع بالذهاب صوب المؤونة، محساني اتمكن، وأنا في طريقي الى هناك، من قراءة ثلاث صفحات من "الساعة الخامسة والعشرون" فربما أعثر على بعض ما جرى لذلك المسكين "ايوهان" وهم ينقلونه من معتقل الى معتقل دون ذنب سوى أن زوجته كانت على جانب من الجمال واراد (أحدهم ) ان ينالها في غياب زوجها الذليل. ذلك نفسه ما جرى أيام حروبنا الكثيرة، لا احد يدري كم عدد الذين يجرجرون الى التهلكة حتى يتسع المقام لمن لا مقام له.. الحروب هكذا شكلها، وهكذا ستبقى الى يوم يبعثون، لعبة بين رجل يربح كل شيء، وآخر لابد ان يخسر كل شيء.

– عليك ان…

وليس على سواه غير الأوامر، لذلك ينبغي – ابان الحروب – رفض الزواج من امرأة حسناء، فهي- دون ذنبها- ستكون القاتل نيابة عمن يصرح بالقتل.. والطرق كلها ستؤدي الى ساحة المعارك، من مطحنة هنا الى مجزرة هناك، عادة ما يكون خلفك من يقطع ايامه ولياليه، في مطحنة اللهاث على فراشك الملوث بخيانتين : وطن تريد ان تحميه وزوجة كنت تحبها!

ما الفرق بين "ايوهان موريتن" ومشات الرجال الذاهبين عنوة الى الحرب؟ الطرق جميعها تحت الشمس، إلا درب هؤلاء المرغمين على القتل، حياة مرسومة بالدم، وظلام حالك لا قرار له، نزول الى الصفر.. اكياس رمال، طبقات من الثلج في عز الشتاء، ثلج يذبح الشرايين ويشقق الاوردة، طبقات من النار في منافض الصيف، نزول سريع

جدا الى الصفر.. الملامح الاولي تختفي، نقترب الى حالة من حالات الكلاب، نباح يقطع شهوة الامنيات، نباح يفعلي شكل المستقبل حتى نكاد لا نرى غير رقاب مقطوعة واشلاء تطير كما الدخان بين رماد الصحراء.. بينما تجيء الشمس مبكرة ولا احد منا يشبع من النوم.. الحراسة تعني ان نكون (أربعة أربعة ) في حالة من اليقظة.. واحد صوب مكان العدو- شرقا- والثاني يمكنه ان ينطق بذكرياته – شمالا- وهو يدخن سيجار ته بشرط اخفاء الجمرة بين اصابعه، بينما الثالث – هكذا كان طوال الحرب – لا ينطق بشيء ولا يسمح لبقية الجنود طرح أي سؤال عليه.. الرابع يحب السجائر اكثر من غيره، لكن الخوف تسلط فوق رأسه وصار يحتفظ بعلبة السجائر طوال الليل دون ان تمتد أصابعه اليها.. الخوف كان هو السيد القائد على مجساته ورغباته المدفونة خلف القميص.. انظر اليهم :

– الليلة، اطمئنوا، ليس من احد سيأتي نحونا، وليس من أحد سيذهب منا.

– اراد المقاتل الرابع ان يصدق هذا الكلام، اذا به يمد اصابعه نحو سجائره.. اشعل واحدة بهدوء غامض لذيذ، واعطي بقية الرفاق سيجارة لكل واحد منهم، قلت له :

– هذا فضل كبير أيها العزيز.

هز رأسه وابتسم امامي دون ان ينطق بشيء، الكلام يفسد الاشياء الجميلة طبعا، ترعبني وانا انظر الى رجل مرعوب كهذا، فكرة ان الحياة يمكنها ان تنتهي على حين فجأة، محض رصاصة من قناص ماهر ولا شيء بعد ذلك غير القبر.

قبل دخولي الى قبري، لا اريد غير ارشيف صفير أكتب فيه بعض ما جرى في السنوات العشر التي مرت على جلدي وانا اغادر لبنان في طريقي الى "فونتانا دي تريفي" نافورة الامنيات التي اخبرتني ان الحرب ستأتي مرتين، وان اصابني اليأس منها تكررت ثلاث مرات.

×××

عند سياج "سان جراسيان" اجلس وحدي، في تلك البلدة التي لا محافظ فيها، اشرب "الكابتشينو" واضحك من اسماء لم تسمع بها جدتي، واقول بيني وبين ضلوعي:

– نم هادئا ايها الحمار أكن ينبغي عليك الرجوع الى الجحيم؟

ماذا تريد اكثر من شوارع مرحومة بالفرح وفم يشبه الشهد يلهث باسمك؟ ها أنت في داخل اللذة مثل أي مواطن فرنسي سعيد، معك الفراش الطائر والنساء والخمرة وحزمة كبيرة من النقود، امامك القناة الرابعة – مجانا- تشاهدها بعد حرب لا أحد يدري متى ستنتهي؟ فماذا تريد ايها البغل المحنط بالحماقات؟

كل الطرق تؤدي الى السعادة، وانت رأيتها عشرات المرات.. كم مرة اخبر وك – بالله عليك – ان تبقى؟ أعني، كم مرة اخبر وك (أن تحيا)؟ لكنك لم تكن غير دجاجة مضحكة.. دجاجة تموت وعيناها على المزبلة.

– يا رجل، الا تتعلم أبدا؟ العالم كله يتغير، وانت وحدك من يمشي عكس اشارات المرور.. ماذا دهاك؟ الطرق كلها تؤدي الى السلام، وطريقك وحده الذي يخطو الى الحروب، الا تريد أن تنفع نفسك مرة واحدة طوال حياتك؟ أجل، كل الطرق تؤدي الى الجمال والمتعة والأمان، لكنني مشيت في أوهامي الى آخر الشوط.. والآن

– في هذا المكان الموحش الرهيب المملوء بالانين وبالحنين – اعود مرغما الى "حلمي" الذي طالما سافرت فيه الى روما.

×××

تركت ورائي "سان جراسيان" تبكي طيبتي وأخطائي، ثم نسيت ««نابوليدد مباشرة بعد صعودي الى البحر في طريق العودة، كنت قد عثرت حينها على "صوفيا لورين" في سينما "ميترو" وهي تبحث عن "مارشيلو موسترياني" عبر آلاف الاميال من عباد الشمس.. أذرف الدموع عليها، انا المراهق الذي ابتعد- منذ عامين – عن الاربعين.. عيني عليك "صوفيا" لو انني تزوجتك منذ عشرين سنة لما نشبت حرب الخليج.. ذلك اننا- معا- ذات مساء شربنا القهوة تحت قوس النصر في باريس..انا اعرفك تماما، أما أنت، ماذا أقول عن البروجكترات التي تلهب عينيك، والكاميرات التي سرقتك مني.؟. ادري- برغم أنفي- انني عائد الى حروبي وانني شئت هذا أم أبيت، سأموت في واحد من أيام الاسبوع، وان لم أمت هكذا، سيذبحني أول جندي يجيء منهم، يسخر من سلاحي المفلق ويمزقني بمشات الشظايا قبل ان انطق ان لا اله الا الله.

كانت الطرق جميعها تؤدي الى السعادة، وأنا مضيت، كما في حلمي، نحو "روما" أصحو على رحيق "بياتسا دي نافرنا" واحتسي النبيذ في مطعم "هيجو" واصرخ كما في المجلات والقصائد، كما في السينما والمغازلات : ان الطرق كلها تؤدي اليك يا روما.. أصرخ عند سلالم "بياتسا دي اسبانيا" بصوت عربي يشبه الصهيل :

– كل الطرق تؤدي الى روما..

سعيد بنفسي وأنا اسمع الصدى يقول ما اقول :

– كل الطرق تؤدي الى روما.

– ترى أين روما؟

– ولماذا رجعت الى الحرب ايها الحمار الجميل؟ قلت لهم :

– جوابي يكمن في السؤال، أنا الحمار الجميل الذي عاد الى مسلخ الموت، لم أتعلم الغدر مطلقا، مع انني غادرت بلادي عشرات المرات. داخل "متحف الانسان" لم أعثر على أي جزء من وجهي، قلت وداعا يا ليل باريس، يا أحلى ضياءات الكرة الارضية.. ورجعت فعلا صوب الخندق الذي أجلس فيه الآن، لا أحد منهم يفهم هذا الشبح القادم من غابات "برلين" يرفع رأسه بين الرصاص والافاعي والقناصين.. من اجل من، ولماذا؟ ها أنت وحدك في الجنون، بحيرة من التماسيح تزحف نحوك في الليل كما في النهار، من اجل من يا رجل؟ اذاعة "مونت كارلو" تبعث اليك بأغنية أنت وحدك من يدندن بها، وحدك من يتذكرها.. والسيدة "فريدة الشوباشي" تعتذر الليلة منك، برغم انها لم تكذب أبدا عندما قالت : بعد رجوعه الى الحرب، أيقنت أن "….." وحده الذي يحفر قبره بيديه.

ابتسم تحت وابل من القنابل.. ما نفع البقاء حيا اذا كانت الدنيا- من حولك – قد تغيرت ألف مرة؟ واذا ما عدت ثانية الى حياتي وثيابي وخمرتي ونسائي، ماذا سأفعل في حرب السنة التالية او حرب السنة التي تليها؟ أسواق الاغراء أغلقت أبوابها في وجهي، نتسابق في الانين مثل أرانب مذمومة، لا احد يلتفت الينا، وليس من أحد يهمه أمرنا، مجرد كلاب سائبة في محيط من الرمال؟ أين الكاظمية؟ أمازالت تكظم غيظها؟ أين المتنبي؟ صار محض شارع للفقراء والشحاذين وباعة السجائر بالمفرد.. أين باريس وروما ومدريد؟ تمزق جواز السفر وصرنا نكتفي بممر واحد نتمزق فيه، كفت الطائرات عن الطيران، وصارت "بغداد" على كف عفريت، نهتف للعفريت ليل نهار حتى نضمن ما تبقى من حياة ملوثة بالدخان والحنطة السوداء.

سافر الأذكياء، ولم يبق عندنا غير الشعراء.. مجدا لهم على تلك القصائد العصماء التي تطول وتمتد وتكبر بمستوى ما يطول ويمتد ويكبر عش العفريت :

"سلام على مسرى خطاك فلم تزل"

"بخطوك اني سرت تنعقد البشرى"

أمشي حافيا – كما فعل مالك المطلبي في التيتوال – وقد أخلع بنطلوني في شارع ديجول مادامت الحرية تعني "أن تفعل ما تشاء بشرط أن يكون الآخر في أمان" وهأنذا افعلها فعلا، وليس من أحد يلتفت صوب مكاني، مجرد (صفر) في الشارع يريد ان يصبح رقما أكبر..

نزعت ملابسي واشتريت سواها، تذكرت ذلك الرسام الكربلائي، يأتي اليه السياح من هلسنكي وبكين وميلانو، يأخذون اجمل ما كان يرسمه.. واذا ما غادروه – وقد رأى النقود بين يديه كما المطر- صار يبكي ما باعه من نساء وكلاب وشناشيل وأسواق وخيول..

يا لتلك الكلاب التي لا يرسمها سواه، والخيول التي تسابق الريح في لوحة صامتة، يوشك الكربلائي ان يركض خلفهم، يصرخ بهم : اريد نسائي وشناشيل محلتي.. لكنه يحتسي الخمرة حتى الشلل، ثم يستيقظ ثانية ليرسم الأسواق والكلاب والنساء والشناشيل.. هذه المرة صار يرفض رسم الخيول، فقد زاحموه على صهيل كاذب ما عاد من أحد يسمعه حتى الآن، خرجت الخيول الاصيلة من اللوحة، هي تصهل – بحنجرة جوفاء- في باليت المزورين الذين أرعبهم ذاك الجموح الخارق !

نعم، لا أثر للشمس في هذا المساء الجميل.. السجائر سارت هي الفردوس الأول.. حفنة من الدخان السري تتصاعد نحو الغيوم، وليس من اثر للجمرات، النجوم تبتسم لكل واحد منا، وما من أحد يمكنه الليلة ان يصدق كيف يكون الموت هكذا قريبا من أصابعنا؟ ذلك ان العدو، كما يطلقون عليه، قد يفكر- ذات ساعة من الزمن – أفضل منا، ربما يمكنه محو حياتنا على حين غرة.. لكننا مازلنا نضحك وندخن السجائر بلذة عظمي، كنا قد اعطينا الموت أكثر من حق واحد للتصرف كيف يشاء، ومن هنا صار "الوهم" هو الشجاعة التي نلبسها مع الثياب.

وبرغم انهم مازا لوا يدخنون ويضحكون، ما كان من أحد معي غير السيد "ماركيز" الذي اطلق الرصاص الخلب على شوارع "ماكنرو" واعطى لنفسه الحق في رسم خارطة ثانية لممرات المدينة وتاريخها وجيوشها مادامت "رائحة الجوافة" مازالت تعبق في أحراش "كولومبيا" وعند ساحل "مجدلينا" العظيم.. لا أحد معي- برغم الصراخ الهستيري الذي أسمعه وأراه – غير هذا الماركيز الكبير وهو يقف عند الصفحة (307) مع ""فيرمينا داثا" و "فلورنتينو اريشا" وهما يقطعان البحر ذهابا وايابا حتى نهاية الحياة… ولا مناص من ذلك كله مادام "الحب في زمن الكوليرا" لا يأتي الا مرة واحدة فقط !

×××

حقا، ما كنت أرى من أحد معي غير قريني "كونستانتان جيورجيو" وهو يفرض على بطله الذليل المهزوم "ايوهان موريتن" ان يبتسم، ويبتسم، ويبتسم، لتظهر الصورة في ملفات "الصليب الأحمر" أكثر جمالا.

انه يفعل ذلك – مثلي- وأنا ابتسم الآن – كما ترون – لئلا يقال عن قصة كهذه : انها غير صالحة للنشر.. انني ابتسم، وابتسم، وابتسم، أما دموعي، فهي لا تظهر في الصورة طبعا، لانني على يقين، سواء بكيت أو ابتسمت، ان الطرق جميعها انما تؤدي الى… المشنقة.
 
عبد الستار ناصر (كاتب من العراق)

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …