أخبار عاجلة

كُتاب القصّة الجديدة فـي عُمان يستبدلون القضايا الكبرى بما هو يومي ومُتدفق بالتفاصيل

في السنوات العشر الأخيرة، ظهر جيلٌ جديد من كُتاب القصّة القصيرة في عُمان، يمتلكُ زمام عوالمه وأفكاره ويتبنى لونه الخاص وعلاقته المُتغيرة باللغة والتقنيات السردية والمواضيع أيضا، ولذا فإن مجلة “نزوى” تنشرُ في هذا العدد ملفا خاصا يُسلط الضوء على الكتابة الشابة الجديدة في عُمان، والتي فرضت نفسها في السنوات العشر الأخيرة تقريبا، وإن كانت ـ هذه الأسماء – تتجاهلُ النشر الورقي غالبا، وتميلُ بطريقة أو بأخرى لأن تثبت وجودها عبر وسائل النشر الحديثة.
لزمنٍ ليس بالقصير ظلت القصة العُمانية تدور في فلك الأسماء نفسها، وتقترحُ نموذج الكتابة -المثال- الذي شكّل وعي أجيال متتالية، بينما كانت أسماءٌ أخرى تظهرُ وتختفي بذات السرعة. ومن الواضح أيضا أنّ القصة العُمانية بدأت بدون إرث أبوي طويل، وظلّ مثالها غربيا مُترجما أو عربيا خالصا بسبب الاحتكاك وفرص السفر القليلة.
ريادةُ القصة العُمانية تعود للكاتب المتنوع عبدالله الطائي منذ أربعينيات القرن الماضي، إلا أنّ القصّة العُمانية سادتها انقطاعات وعثرات، ولأسباب كثيرة لم تكن كتابتها فعلا تراكميا إلا عقب الثمانينات.
كما أنها انشغلت لردحٍ من الزمن بالتفاصيل التاريخية السياسية بالمعنى الواقعي كما مالت مواضيعها للاعتناء بالمواعظ الأخلاقية أكثر من القيمة الفنية، الأمر الذي أوقع البدايات الأولى في التقريرية والمباشرة. ربما لأنّ الاتكاء يقعُ بكامل حمولته على “الموضوع” أكثر من الذهاب إلى التقنيات الكتابية والألاعيب السردية.
واحتفى شطرٌ آخر منها في فترة لاحقة بالموروث الشفهي والحكايات الشعبية والغرائبية التي تبدأ بالسحر ولا تنتهي إلى قصص “المغايبة”، لما لها من وقع ودهشة، قد تصرفُ النظر عن مسائل أخرى مُتعلقة بالكتابة نفسها.
ولعل كثيرين ممن دخلوا مُعترك البحث عن تاريخ القصة العُمانية يشاطروننا الرأي أنّ التطور الحقيقي في القصّة القصيرة في عُمان بدأ في النصف الثاني من ثمانينات القرن العشرين، وقد تجلى ذلك على صعيد الشكل والمحتوى. ويمكننا القول بأنّ القصّة آنذاك بدأت شيئا فشيئا التخلي عن دورها التوثيقي أو الإصلاحي.
إلا أنّه من جهة أخرى كشف –هذا العقد من الزمان- عن كتابة غارقة في اللغة والغموض، إذ يصنع النص سحره من تلافيف اللغة والتراكيب الغريبة وكأنّه يقدح من ماء الشعر.
ولم يستمر ذلك كثيرا، فسرعان ما كشف جيل الألفية الجديدة عن كتابة تسعى لأن توازن بين اللغة والموضوع على حدٍ سواء فلا يرجحُ أحدهما على الآخر فيفتكُ به.
وليس لأحدنا أن يتحيز لمدرسة على حساب أخرى، فالمسألة تبقى مسألة ذوق، ولكننا نؤكد على أنّ “المواضيع ما دامت مطروحة على قارعة الطريق” كما يقول الجاحظ ، فإن الأسلوب هو ما يرجحُ كفة قصصٍ على أخرى.
وفي هذا الملف، لا يُمكن لنا أن نحيط بجميع كُتاب القصة الجديدة في عُمان، وإنّما البعض الأعم ممن يمكن أن يمنحونا مؤشرا أوليا حول الملامح الأساسية لهذه الكتابة التي تتمايز عن سابقاتها.
فمن خلال ما نرصده من نصوص تنشرُ في مواقع التواصل الاجتماعي أو في الصحف أحيانا، أو تلك التي تُشارك في الملتقيات الأدبية، نجد أنّ أغلبها يتراوح بين البساطة التي تعوزها الخبرة والدربة، وبين النصوص التي نضجت على امتدادِ سنواتٍ من الاشتغال المتواصل.
ولكن يبدو جليا لنا أنّ الكتابة الجديدة، تخففت من القضايا العامّة الضخمة، وانحازت للإنسان البسيط ومشاكله الصغيرة اليومية عبر تناولٍ يُغامرُ صوب الجِدة والابتكار.
كما تخلتْ أغلب النصوص عن “الشعرنة” الفائضة التي تضرُ بالنص، وانحازت لتحريك دينمو النص من الداخل ؛الأمر الذي يؤكد لنا أنّ الكتابة في جزء كبير منها “صنعة”، يمكن أن نبصر بريقها بمزيد من المراس والدربة.
وهذا ما ذهبت إليه الكاتبة «جويس كارول أوتس» عندما سُئلت عن الحالة المثالية التي يمكنها فيها أن تَكتب من الصباح المبكر وحتى الأصيل، فقالت إنّ على المرء ألَّا يتهاون أبدًا مع مسألة “المزاج الملائم”؛ لأن الكتابة بمعنًى ما هي التي تُوجِد “المزاج الملائم”.
علينا أن نؤكد بأنّ هذه التحولات ليست شأنا محليا بالتأكيد، بل إنه شأن عالمي وعربي أيضا، فالكتابة الجديدة تنتصرُ لما هو حيوي وحي في حيز الواقع الجديد، وتحاول من حين لآخر أن تتمرد على الشكل الكلاسيكي.
لطالما عانى الكاتب في عُمان من جغرافيته التي عزلته طويلا عن الكُتاب في المنطقة العربية وحتى في الخليج، وظلوا هامشا إزاء مراكز أساسية في المنطقة، بينما وكما يبدو فإن الجيل الجديد اختزل على نفسه أشواطا طويلة، فهو أكثر حظا في فضاء الكتروني يسمح له بالتواصل السريع وبأن ينظر لتجربته قياسا بالآخر، وأكثر من هذا فهو في زمن الكتب التي تصل إليه بضغطة زر.
المسألة ليست رهن التخلص مما هو محلي أو التشبث به، وإنّما الاعتناء بتقنيات الكتابة. إذ يمكن لقصصٍ تعجنُ نفسها بالجغرافيا وبالحكايات الشعبية – دون أن يكون هدفها الوحيد هو التوثيق- وإنما إعطاءُ “المعنى” للأشياء. ذلك حقا سيجعلُ منها أيقونة لا تنسى. وهو الأمر الذي لا يرومه شخص عام بالتأكيد.
في وقت تضاءل حضور القصة القصيرة عربيا، إزاء صعود الرواية انتاجا ونشرا وتسويقا، فإنّ القصة القصيرة في عُمان لا تزال تثبتُ مشروعيتها وحضورها، بل إنّها باتت تشتغلُ على إيقاعها ومواضيعها وتقنياتها بانفتاح أكبر، ولا زلنا نُراهنُ على أسماء تنتجُ قصصا تحملُ بذور إمكانيات ومخاضات لولادة كتابة جادة ورصينة.


الملف من إعداد: هدى حمد

شاهد أيضاً

جغرافيا بديلة

في اليوم الأول لسفري كان الجو ماطراً، ما زلت أتذكر الحشود التي تصعد إلى الطائرة، …