صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

لا دمعة لا توبة 

نحن في بيروت، في العاصمة الشلال، في رحاب الخصب والحقول المزهرة . في أوائل السنوات حيث الرخاء وحيث النزهات وحيث ألوان اللجين  والكؤوس لا يخلو منها الذكاء والضوضاء والقبلات والمعادن والفضة واصطدام الزجاج بعضه ببعض.
ونحن آنئذ وكل شخص وكل واحد من العصبة ، من هؤلاء الأقلام المزدحمة ، بين اليمنة واليسرة ، وبين الدعاء والبركات .
ونحن الشعراء أو المؤلفون أو الذين تراكموا سنابل وسنابل وأغصان زيتون وعليها الحمائم ، وهناك طبعاً حمامة واحدة تحمل العلامة والبشرى. وهناك اليمامة لا تفارق الشجرة ولا السروة ولا الحاجز الحديد الذي يمسك الشرفات ، ولا شعرة ولا أحد سيسقط ، ولا أحد سيغلط . وكأن الصواب هو التحفة ، وهو السمة وهو الطابع لدى الجميع ، لدى الفئات من جماعة القلم ومن أسرة الريشة ومن المخيّلات التي تأخذ القصائد وتدفع الشعراء إلى المقام الأوسع . وكأن الخلاص كان موجوداً في بيروت ، وكأن اللقاءات الكبرى والصغرى هي له ولا مشاعر مضادة ولا ما سيحدث العكس ، أي أن نوجد الطريق ، أن نوجد الرياح اللطيفة ، وهكذا نكون الصالحين ونكون على مقربة عن كثب من مثاليات الكتاب ، أو الكتب المفتوحة ناهيك بأنها من المقدسات . ونكون غرزنا في التراب في الورقات البيض ، ما نطمح إليه ، ما يتسابق له كل الذين ينتمون إلى الفتوحات وأن يجعلوها في جوارهم ، في جوانب المسائل وفي رأس اللائحة ، وفي اليقظه ومتعة المنامات . وربما أكثر من هذه الحدود ، كنا نصرخ وكانت البراري تصغي إلى هؤلاء ، تصغي إلينا . وذلك أن الذين يصنعون الأمر الجلل والأمر المنبثق من الذات ، هم الطليعة في العاصمة اللبنانية في تلك الأوقات المتاحة لهم . وهم كأنهم حين يحفرون إنما يحصلون على الهبات ، على الكنوز وعلى جرار السمن والعسل .
وواحد من القوم ، من المثقفين والنازعين إلى أن يشعلوا النار ، كان توفيق صايغ . وفي لُب المعارك الحلوة او المرة ، وفي وسط اللهاث والاندفاع إلى أي غاية ، كان هو وحضوره الذي يراوح بين صمت وكلمة ، وبين صديق وآخر  ، وبين لمحة وأخرى، وبين ليل ونجوم ، وبين أصدقاء هم الكرام ، وبين كأس تدور وثورة تروح تظهر في تلك الحقبة ، في هاتيك الجلسات .
وتوفيق حينما تسلم مجلة ” حوار ” ، كان ينفتح على الذين حواليه ، حتى قال لي أنه يريدني أن أكتب له . وجعلني تحت طاعته وثقته بي ، أي أن أكتب له أي كتابة . وأنه يفتح لي صدره وأوراقه وأبوابه لأكون عنده إسماً في النصوص التي لديه ، والتي ينشرها والتي ينتقيها . وكان توفيق ذلك الصديق الذي بدا لي في ثوب من ثياب الحاجة ، في فن  من المؤانسة هي لديه تبدو حيناً بدراً في سماء الأرض وحيناً هي في خفاء وفي ظلمة عابرة .
وتراني أقول عنه أنه والخطيئة على صحبة وعلى رفقة . وأنها الخطيئة الكونية الأزلية ، وليست ألا حافزه أن يرعاها وأن تكون له مثل القطة ، ويحاول أن يرعاها وأن يداعبها وأن يلامسها وكأنها في بيته على الكنبة والأرجح أنها في نفسه وفي قصائده . وهي الوجع وهي الآلام وهي المحطة منها ينطلق ومنها الحنان في يديه وفي جسده وفي الغنائية الصارمة تنبعث من وجدانه ومن صداح العصفور الذي في القفص وفي محض الحرية ، ومن الحية  الملهمة عبر موسيقى هي الفحيح ، وهي الجرح الذي يستلقي على الطاولة ليفحصهم الفاحصون ويراقبه من عنده الواجب وعنده النظرة التي تثقب الجدار .
وتوفيق ، لهذه الأسباب التي اجتمعت ضده اناً والتأمت لتكون معه إلا هنيهات ، هو الذي جلب الأنين السكران من ذاته ومن فرط الجمرة واللهيب ، إلى ديوانه ، إلى قصائده . وإذا بها هذه الأبجدية المسمارية من قوة التأثير وطاقة الإحتمال ، تنفلش على الجملة عنده وعلى السياق وعلى كل المساحة وكل الأنشودة التي يتركها على العواهن ، على ازدحامها الكثيف ، لتكون الشهادة له أنه يحتوي الطبيعة التي تتناقض والتي ترمي ما ترمي وهي كأنها لا تدري عمق المصيبة .
وتوفيق أيضاً في أعماله الكاملة ، لا يبكي ، ولا دمعة في نواحي القصيدة وفي أطرافها . وهنا على غير ما يفعل سواه ، يغرق في اللغة العربية ، في مطلق صفاتها ، وعلى الأخص في بلاغة الحزن وفي المشرحة حيث هي كأنها القتيل ، وكأنها لا يشاء أن يخلصها من عذاباته ، من صياحاته ، وكأنما هذا الشاعر ديك في المقاطع الحديثة وكأنما هو أضاف وزاد وأعطى هذه اللغة صداها المتين . بل انه إخترع لها لبوساً من الكلام الصارم   ، ولا يدخر من أجلها أي صيغة وأي سوار وأي خاتم من خواتم الملوك والجبابرة .
وأرتعش لتوفيق ومع توفيق ، وكنت في جريدة ” النهار” عند وفاته ، أطلقت عليه أنه الفهد . وأرتعش الان وأنا في صدده ، وعلى مركبه ، وعلى البحر الذي كان عليه ، لكونه سارع إلى الشاطىء ، شاطىء الغروب ، ولم يقل توبة أو كلمة قبالة الشمس التي فارقها وفارقته ، ولم يقل عتاباً  بل غنى العتاب والهجران والناقص من الحياة ، ومن جعبة السهام . وكأنما في حضرة الشعراء ، بين بحر موزون وبحر بلا أوزان ، هو قبطان ويدرك أن المرساة اختفت . وكيف يختفي وهو أيضاً قرصان لم يأخذ سوى العوسجة ومنح وقدم اللؤلؤ إلى العاشقين وزمرة الأحباب .


شوقي أبو شقرا

شاهد أيضاً

تأملات حول السينما السودانية

منذ عُرضت الصور المتحركة لأول مرة، في القرن التاسع عشر، على يد الأخوين أوغست ولويس …