أخبار عاجلة

لحالات القصوى هي لحظة ميلاد النص

نصي مخادع كالقمر لأنه يحمل وهجا ليس له ، انعكس عليه فجأة شعاع مجهول فبدا الحرف مضينا بينما ظللت ألتهب من بعيد وكأن قدري أن أظل أعاني من كتلة النار تلك المقذوفة في أعماقي كلعنة إلهية قديمة .

لم أقرر في يوم من الأيام أن أصبح كاتبة برغم أنني كنت مولعة بالمطالعة منذ حداثة سني وأمارس فعل الكتابة بشكل مستمر.. ولكنني لم أكن أفعل ذلك بدافع إعلان نفسي سيدة للقول بل لحاجة داخلية ملحة ومبهمة ، كما أني لم أحاول نشر تلك "الحماقات" الأول ، ربما يعود الأمر الى تربيتي الصارمة حيث كان والداي يعتبران البوح ضعفا والشكوى تقلل من قيمة الانسان .. والكتابة في تقديري هي نوع من البوح والشكوى.. أو ربما يعود الأمر أيضا الى إحساسي القوي بأن تلك الكتابات المبكرة تحتاج الى عنصر غامض وأساسي وكان السؤال لا ينفك يلح علي وينخر رأسي : أي شيء ينقص نصي حتى يتحدى سذاجته ويكون مقنعا لدي؟

وبرغم هذه العلاقة الحميمة مع الحرف فإن الكتابة لم تكن تعنيني بالدرجة الأولى ، كنت أعتقد أن الأدب هو الذي يختار أصحابه في نهاية الأمر، وأن هناك نفحة إلهية مقدسة خلقت في أناس دون غيرهم وهي التي تخول لهم ممارسة فعل التأثير الساحر للكلمة .

كانت الحياة هي هاجي الأول وهي المدى المجهول الذي تغريني مغامرة الكشف عن غموضه . كنت أشعر أنني ملك للحياة وأنني أنتمي اليها قبل انتقائي الى اي نظام أفر وكان بي دائمة شوق شديد يجرفني نحو الوجه الخلفي لها.

نذرت نفي لقيا والركض والبحث مدفوعة بحرارة دمائي الجبلية وصلابة روحي المسكونة بأنفاس أجداد هرأت الحروب والسجون والبطولات أجسادهم وكنت دوما أتحمس صخبهم وهم يتحركون في دمي ويمارسون عليا فغطا قويا وغريبا (يمكن القول أن مجموعتي القصصية الحياة عل حافة الدنيا تضمنت قصصا كان أهلي أبطالا لها وهي : الأصوات يعودون من الماضي – جنازة نسائية – الحياة عن حافة الدنيا – الزائر).

لم أكن أدري أن الابحار الى عمق الحياة سيصيبني بذلك الدوار العنيف وسير بك تصوراتي وأن جميع الأشكال ستنزف ألوانها في مخيلتي وتفتد الأشياء فجأة معانيها المعتادة وأن العاصفة سترمي بي في زاوية رهبة من العالم ، امرأة هشة مسكونة بالرجع والفجيعة وتحيا خارج الزمان والأحداث.

في سنوات الهزيمة تلك في أدركت أهمية فعل الكتابة وفطرها فهل تكون ضريبتها كل ذلك الكم الهائل من الخسارات ؟

أتكون التجربة هي الشرط الأساسي لنضر أفكارنا وامتلاكنا لرؤية معينة تمكننا من التعامل مع الحقائق الفجة بشيء من الوعي العالي ورباحة الجأش؟

أيكون الموقف الذهني من الحياة والاحساس بروح النص ونبضا الداخلي والوعي بعملية الكتابة ذاتها من أهم أسباب جودته ونجاحه ؟ وهل تكون كل هذه الأفكار أجوبة ممكنة لذلك السؤال المقلق الذي أتب رأي وأنا صبية ؟

وبرغم إحساس في تلك الفترة بأنني أقترب من عالم جديد تتحول فيه الحروف أحيانا الى مصابيح مضيئة يضعني نورها ني مناخ وجداني خاص ويمنحني إحساسا قويا وجميلا بأن زمني لم ينفد بعد وأن تك الحاجة القديمة لم تمت أبدا بداخلي وأن اللغة لم تتلاش قه من رامي وهي المفتاح الوحيد الذي سيجعلني أمسك بزمام زمني وأقول كلمتي فيه.. فإني لم أكن قادرة على افراج مموت المرأة الأخرى التي تقبع بحزنها في أعماقي .. كانت الكتابة عملية شاقة وموجعة وكأنها نوع أفر من الصراع المضني.

ذات شتاء عاصف انفجر بي الوضع فجأة وتشقق مموتي وأنا أحاول ترميمه ، أحسست بالغضب يخرج من بين أصابعي وكأن المرأة الأخرى قد فضت في أعماقي.. قررت فجأة أن اوقظ كل آلامي واسئلتي وخيباتي الماضية وتجاربي وأن أطلق العنان لقلمي وأفرغ غبار أفكاري عن الورق واتخذ مسألة الكتابة بجدية اكبر.

هربت للكتابة أتحسن بالحروف ، باحثة بينها عن السكينة وعن متعة أتواصل بها مع الحياة وعن مريقة أواجه بها الخسارة عوضا عن فنقها وردمها في اعماقي.

كانت لحظات الكتابة الأول عشوائية ومتوترة ولكنها ايضا متقدة ومشعة وممزوجة بشعور عذب .

كان عالمي مكتظا والفوضى تملا رأي وذاكرتي تفلي بوجوه معذبة قابلتها في زوايا معتمة من هذه الأرض . بعضها تراءى لي من خلال جدران مصانع الملابس التي كنت اعمل بها أثناء لحل الصيف المدرسية وأنا صبية لم تتجاوز بعد السابعة عشرة من عمرها وحيد كنت الى جاب عملي اكتب الرسائل لعاملات كادحات يلهثن من استغلال المشغل لجمودهن الى استلاب الفقر والمشاكل الاجتماعية لأجمل مني أعمارهن … والبعض الآخر بدا لي من خلال حرج كلية الحقوق وساحاتها حيث كان العنف هو سيد الموقف وكنت كغيري من الطلبة الكثيرين واقعة بين سندان الأحزاب السياسية

المتناحرة وهوارة البوليس الجامعي.. ووجوه أخرى تطاير الرصاص من حولها وهي تعدو فارة من الموت والاعتقال والحرائق والفوضى التي عمت البلاد في اواسط ثمانينات هذا القرن .. وافري مازالت ذاكرتي تحتفظ بملامحها الطيبة واكثرها لأطفال ريف بعيد افترت الروب اليه للعسل كمربية اطفال تاركة الجامعة والمدينة والأصدقاء القدامي. ربما للحفاظ على نغمي من التشوه او بحثا عن محاولة غادرتني فاثرت الركض الى الفلف محاولة العثور حتى على بعض منها.

الكتابة إذن ليست وحيا ينزل فجأة على بعض الناس فيصارعون بإعلانه إنما هي وليدة لحظات قاسية وتراكمات نفسية حادة وتجارب فجة (قد تر حتى الايمان بجدوى الكتابة ذاتها ) وتساؤلات قلقة قد يمتد زمنها ال فترة الطفولة. في تلك السن كان لدي احساس قوي بتناقض الأشياء وكنت أعاني من مخيلة فنتازية تحول ليلي الى سلسلة من الكوابيس المريعة (ربما يعود ذلك الى القصص المخيفة التي كنت أحد سماعها , أو قراءتها أثناء النهار) أشعر الآن ان لك الحالات هي الذرات الأول التي شكلت وعي بالحكاية واعتقد أنه لولا تلك الكوابيس وتلك المواجهات العنيفة مع الواقع لما تحولت الى كاتبة .

صحيح أنني بدأت بكتابة الشعر كأكثر الأدباء ولكنني أدركت سريعا أن القصيدة عندي غير قادرة على تبليغ النكرة بالأمانة المطلوبة والتفاصيل الكافية وانها تبقى منقوصة برغم محاولات تأثيثها … وقبل كل شيء كرهت أن أكون مجرد اسم يضاف الى أولئك الذين يرصفون كلاما سخيفا ينشرونه في زهو بين الناس أو نصوصا عقيمة تستند الى تجريد لغوي أكثر من

استنادها الى بيت القصيد في معناه الفكري العميق.

 
 
رشيدة الشارني (قاصة من تونس)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …