أخبار عاجلة

لعنات محمد شكري

يعتني محمد شكري وباستراتيجية ابداعية بما يسمى: (السرد الملعون أو الهامشي) وقد أخلص له حقا وخصص له مشاريعه الابداعية والترسلية كلها.

لم يكن اختيارا ملفقا وإنما جاء في تساوق مع حياته الحقيقية الهامشية وحياته- بعد الشهرة- الرمزية. فهو خرج من الشارع وكتب عن الشارع بمعاناة وقسوة وما كان بحسبانه ان اعترافاته عن حياته الملعونة سيسمعها الناس في كل مكان من العالم. لقد أكسبه صدقه عن ذاته واصدقائه والراسخين أو العابرين في حياته تعاطفا من طرف البعض ولعنة من طرف البعض الآخر. لهذا يهاجمونه بأنه يعري ويفضح المستور ويلغي الرقابة الأخلاقية في حين أن محمد شكري لا ينطلق إلا من حق وشرط أساسي في كل عملية إبداعية وهو الحرية. فهو بذلك يجهر بما يود غيره البوح به غير أنهم يخشون ما لا تحمد عقباه. شكري بذلك يرفض المساحيق والمواربة والتواطؤ.

يعد (الخبز الحافي) أشهر كتاب كتبه محمد شكري وقد كان نعمة ونقمة على صاحبه اذ انه نشر اسمه في كل الأصقاع وخلق اهتماما به وبما كتبه بعده لكنه في نفس الوقت قيد حريته الابداعية لأن النموذج أو البست سيلير يهضم الكتابات الأخرى ويفترس قيمتها ويقود ادبية الكاتب لانتاج نماذج مشابهة. لهذا صرح محمد شكري انه يريد ان يتخلص من الخبز الحافي بل طالب باحراقه. وكل كتبه التالية تصب في اتجاه تكسير هذه القيود وبالتالي كتابة كتب مختلفة باستمرار. وفي هذا السياق يندرج كتابه الحديث: (وجوه) وهو الجزء الثالث من سيرته الذاتية والروائية.

يرسم محمد شكري وجوها ويتحدث عن علائق انسانية في غرابة مصيرها وتعقيدات تفاصيل حياته الكارثية. ولعل هذا ما يوحد هذه الوجوه المتعبة في الحياة بالصدف والمفاجآت والقسوة والعذاب. حيوات مليئة بالموت المنتظر والجنون المتكرر بشتى الأشكال والمردد على لسان السارد وألسنة الوجوه عشرات المرات.

(ربما الموت نفسه ما سيكون مصيرها) ص8.

(لم تخلص له الا بعد مماته: فقد صارت تذكره في كل مكان حتى جنت) ص9

(إنه الجنون الانساني الذي عجل موت فان جوخ واستحود انطونان ارطو واستريندبرج ونيجينسكي…!)

(لكنني لن استسلم حتى ولو جننت, حتى ولو انفجرت جمجمتي) ص22 و23

(لا ادري لماذا خطر لي ما قاله سيوران ونحن نستقل التاكسي ان شاعرا يفتقد الشعور بالموت ليس بشاعر كبير)ص44

(فكرت ان حكمة الحياة قد تقربنا من الموت العزيز علينا في أعماقنا, لكنني لا يغريني بساط الموت السحري; فأنا أحسني وارثا من شقاء الحياة الفانية أكثر مما أنا وارث من نعيم الموت الخالد). ص54

(ربما تحت سكر مكتوم. وفي لحظة عبوره السكة الحديدية خذلته مقاومته, كانت قاطرة توزيع عربات السلع تمر في صمت فدهسته صادمة رأسه الذي كان مائلا أكثر من جسده الى الامام فمات في المستشفى) ص82.

(أخبار الموت والموتى) ص118 وهو عنوان فصل من فصول الكتاب يتحدث فيه عن منصف مؤرخ الموت في طنجة.

(أبديت رغبتي المهووسة لزيارة المقابر الثلاثة: بير لاشيز ومونبارناس ومونمارتر انها رغبة ماسة ملحة لزيارة قرى ومدن الأموات في أي بلد ازوره حتى ولو لم يكن فيها من أعرفه من مملكة الأموات).ص113.

أمام هوس شكري بموضوعة الموت واشكاله تبدو لي هذه الأمثلة المختارة قليلة وفيها شيء من التعسف لأنها مستأصلة من جسد الفصول ونسيجه الدلالي, ولأنها أيضا مواقف وحالات مرتبطة بشخوص الرواية وتعقيدات حيواتهم. ان الموت يتجسد كوقائع لكنه أيضا استيهامات مزدوجة يشارك فيها الكاتب بهوسه بالموت والشخوص الواقعيين والرمزيين بانقيادهم نحو مصيرهم المحتوم ورغباتهم اللعينة في الاستنزاف والانمحاق.

وهي استراتيجية هذا الكتاب. ان شخوص هذه الحانات ذرائع pretexts لقول أشياء أخرى كبناء حكاية جديدة وتوظيف خطاب هامشي ولا شعور منتظم في بنية رمزية وفي لغة اخرى لا يؤسس ذاته ولا يتعرف عليها الا داخل مكان تنشط فيه الذاكرة وتخفت فيه الرقابة. ربما لهذا يتعاطى كثير من المبدعين الخمر أو المخدرات لإستدعاء الاعماق وكتابة المكبوت وهو ما فعله شكري نفسه.

ان وجوه محمد شكري صدى اصوات آتية من العوالم السفلية للحياة. ومهما رسم لها من صور أدبية فهي تبقى حاضرة تارة وغائبة تارة أخرى. وجوه يغيبها الحزن الجهنمي للسهر والادمان والاستنزاف ويوهجها بعدها الانساني الراغب في طمأنينة وحلم وسعادة وسكينة. حيوات معلقة في هذا السرد الهامشي في كينونتها الانسانية التي قد تتحول في لمح البصر الى كينونة لا انسانية بما تعانيه وتقاسيه وهي تتحول باستمرار من وهم الى رمز الى متخيل. ما بين شرنقة الأسوأ الذي تعيشه والأفضل الذي تطمح ان تعيشه ونتيجة ذلك عثرات تدوس الآمال وتدهسها. انها صورة عن الواقع المرير للهامش المغربي في طنجة بصفة خاصة وفي مدن أخرى بصفة عامة. بل الهامشي يوجد في كل مكان وهو نتيجة تضارب المصالح والتمايز الطبقي الصارخ والفشل في الحياة.

سلوى هذه الوجوه أنها وجدت من يتحدث عنها كما فعل هنري ميلر وجان جنيه وتينسي وليامز ومحمد زفزاف وغيرهم. لهذا فهي لا يمكن للقارئ أن ينساها, فحضورها الدائم في ذهنه يقلب الصورة المشوهة عن الهامشيين فشكري لا يقدمهم كأبطال من ورق بل كأشخاص من دم ولحم يروضون المآسي وتروضهم, يهزمونها وتهزمهم, تلفظهم ويلفظونها, تلعنهم ويتشبثون برحمها.

تغلب على حركية شخصيات (وجوه) دينامية تحول دائم ومفاجئ, فهي تسير في طفرات نحو العبث والعدم والنسيان. مصابة بلعنة دائمة تؤدي بها الى انقصاف ورغم ذلك فهي تنهض في جموح للاستلذاذ بآخر رغبة أو حلم او استسلام.

فهي مستلبة في عوالمها الهامشية. تعيش عصاباتها النفسية كما يعيش السوي حياته كل شخوص العالم السفلي تتوافق فيما بينها وبتواطؤ وجداني جميل على عادية كل سلوك مهما أفرط صاحبه في الذهان او الهيستيريا او الجنون. وهناك وجوه كثيرة عن هؤلاء ويمثل فريد أحد هذه الشخصيات الهلاسية المصابة بالهذيان الذهاني بالوساوس القهرية كالشك المرضي والشذوذ الجنسي.

تتعايش كائنات العالم السفلي في تناغم مع أناشيدها الغريبة والتطهيرية باستمرار فهي لا تنفك تدفق اعترافاتها تحت تأثير الخمر وتداعياتها السحرية تحت تأثير الاغتراب والنكوص والكبت. يطفو هذا المحجوب السري بدفء الضحك والبكاء داخل فضاء الحانة الأثير لدى شكري.

بورتريهات شكري لا تقدم كرسوم مسطحة بل تقدم كأفكار ثم أفعال. لهذا يركز شكري على بعدها السلوكي والنفسي والذهني, يقدم فلسفتها في الحياة في البدايات والنهايات وبين هذا البين تقف الشخوص الهامشية بين الحياة والموت بين الأمس واليوم بين الشباب والشيخوخة بين الفرح والحزن بين العافية والمرض بين الحب والكراهية بين الرغبة والكبت بين الصحو والسكر . شخصيات تخرج من تيه وحرمان الى الشارع وتعيش جحيم الشارع وتموت في الهامش.

كل الوجوه التي رسمها شكري نجدها في حانات طنجة. ففاطي حبه القاسي وموضوع رغبته غير المتحققة تعمل في حانة غرناطة وتمثل لمحمد الحب الافلاطوني تارة والحب الرومانسي تارة أخرى وفي حالات أخرى الحب الابداعي: (لم يعد بيني وبين فاطي أي تغزل حقيقي ما عدا الملاطفات والمداعبات التي تخلقها الظروف. لقد تآخينا, ربما على مضض لأنني أيضا أشتهيها كما يجن باشتهائها الملاعين مثلي. اريدها احيانا خارج عذرية حبها التي خلقتها معي..).

وفي حانة دينز- بار يقدم صورة لهذا المكان الشهير بتاريخه ولوحاته وصاحبه. يشحذ شكري في هذا المقام كل مهارته في الوصف والتوثيق بأسلوب ساخر وفكاهي في بعض الاحيان حول روادها من المشاهير الذين شربوا بها كأسا سواء زاروها فعليا او وهميا حول صاحبها الذي مات وشبع موتا ولازال يتهيأ لبعض زوارها انه يأتي بين الفينة والأخرى ليشرب وينصرف. وعن ذكريات جواسيسها وعاهراتها. يقول شكري حول هذا الالتباس الذي يحوم حول الاماكن الهامشية التي غالبا ما تؤسطر حكاياتها: (رغم هذا, فلا يهم إن كان أشخاص الصورة المعلقة قد زاروا طنجة ودينز- بار أم لا. انهم موجودون في ذاكرات متجولة في هذه الحانة والحانات الأخرى. قد يكون الحي منهم ميتا, والميت حيا, أو لا هو حي ولا هو ميت. إن حياته أو موته يتم الجزم في أحدهما حسب المزاج, وما تهوى ان تسمع أو ما لا تريد ان تسمع: فالمرء بينهم قد يكون اليوم حيا وغدا ميتا, وبعد غد قد يصبح ميتا وهو حي, أو هو لا وجود له اطلاقا, لأن أحدا من الحانة أو أية حانة أخرى ممسوخة لم يسمع به أو لا يريد أن يعترف به حتى وان سمع به ورآه, في هذه المدينة السعيدة, رغم شقائها…) ص30.

أما في حانة اخرى فينصت شكري الى حكاية علال الذي خوفا من ضياع الميراث يتواطأ مع والده الهادي العائد من الحرب الهند صينية مبتور الذراعين كي يشبع رغباته الجنسية كيلا يتزوج من امرأة تعكر عليه ميراثه.

إذا كان شكري يجد مآربه في الكتابة عن بعض الوجوه إلا أنه يجد صعوبة مضنية في الكتابة عن وجوه أخرى. ومنها صديقه ريكاردو الذي يقول عنه: (منذ فترة وأنا أريد أن أكتب شيئا عن ريكاردو, لكن الكتابة تمتنع بقساوة وتستعصي كلما عزمت على أن أكتب عن أشخاص أعرفهم جيدا ؛من تحبه قد تحبه أكثر أو أقل, إن شئت« جملة جاهزة. لابد من جملة فيها انجذاب أقوى من هذه. ما هكذا ينبغي لي أن ابدأ الكتابة عنه ص43).

ومع ذلك فهو لم يبخل علينا في تشريح شخصية ريكاردو الغريبة الأطوار التي ترفض الهامش ومعه مغادرة الحياة في طنجة ويعمل لأجل ذلك كل شيء.

هناك وجوه عديدة مثل بابادادي صاحب حانة ومطعم بوردو وزوجته وابنه وماجدلينا التي تهيج العالم بغنجها ومعه شكري الذي طالما تعامل معها كموضوع للرغبة الجامحة والمحبطة في نفس الوقت وغيرهم ممن يلتقط شكري حكاياتهم الهامشية من الحانات يستغل محمد شكري حكاياته عن الوجوه التي عرفها أو صادفها ليمرر خطابا موازيا لخطابه الهامشي عن الملعونين. هذا الخطاب يتحدث فيه عن طنجة كفضاء هامشي بامتياز, فهو لا يفلت فرصة تتاح حول حدث أو مكان أو شخص إلا ويورد تعليقات موازية عن مدينة طنجة. فمنذ بداية السرد يقدم صورة سلبية عنها ويصدر إحساسا اغترابيا بعدم الرضا عما آل اليه مصيرها. وهي تعد بذلك المحرك الدينامي والانفعالي لما سيسرد بعد ذلك من استرجاعات ونوستالجيا. ويمكننا ان نركب هذه الصورة المكسرة والمشوهة مما ورد هنا وهناك في متن الرواية.

(حتى ليل طنجة الذي كان في الأمس القريب يحتفظ ببعض شبابه وشيء من روح جماله أصبح اليوم هرما, مترهلا, قبيحا وملطخا بالبراز. صار وحشيا ولم يعد يوحي بأي راحة واطمئنان. أنا أعرف انه يتملص من التهم الموجهة اليه وكل ما هو مشبوه فيه. أعرف أنه أبو الجرائم وحليفها, ومع ذلك فلن أكون ضده مطلقا: لن أتنكر لعشرته القديمة; لأنني مدين له بالكثير) .ص5 و6.

( في هذه الرحلة الطنجية التي أكثرها ليل وأقلها نهار سأفني بعضا من نفسي في التخيلات والاستيهامات, الهلوسات والهذيان الاستمنائي)..ص01

(جلست في مقهى طنجيس وطلبت قهوة مكثفة, الخمار يولد في رأسي قططا تتخالب وتتماوأ. هذا السوق- الذي أحبه كل معلون مثلي- لم يعد يعني لي اليوم غير القرف والبؤس المزري.. أكاد أرى الجريمة ماثلة في عيني كل من أراه الآن جالسا أو واقفا يتربص. المكر أراه وأشمه. انه الرعب بعينه في وجه كل من يجوس الساحة العدوانية المجانية متحفزة في كل الوجوه الممسوخة) ص27

(المدينة أصيبت بنكبتها السياحية الأولى منذ حرب67. وجاءت حرب الخليج لتجهز على ما تبقى من أمل في اعادة تنشيطها الاقتصادي الملعون«.ص56

أحيانا تدشن قاعة الشاي الجديدة فتح بابا أو بابيها وتظل العمارة الجاهزة مقفلة شهورا أو سنوات وقد لا يسكنها أحد الى أجل غير مسمى لأنه ما بنيت إلا لتبييض أموال اصحابها كما يقال عنها: يريدون أن يجعلوا من المدينة باريس المغرب وهي تتخبط لتخرج من بلاعة بؤسها التي تنتنها وتغرقها).ص92

(غادرته وفكرت في أن طنجة اصبحت اليوم توحي بالانتجار لمن لا يستطيع مغادرتها. لقد ضاع فيها كل ما هو اسطوري جميل).ص102

هذه صور هامشية عن مكان أساسي وجوهري في جميع كتابات شكري. فهو فضاؤه الأسطوري ويشكل أيضا قسما ثابتا من أسطورته الشخصية لهذا فهو يحرص على منحه مبدأ الغرابة والادهاش وكل امكانيات الترميز.

تعد (وجوه) شكري من أغنى كتبه احتمالية للقراءة المفتوحة فهو زخم بطاقته الغريزية المكثفة في أقنعة ملتوية ومتشعبة, نفسية ولغوية.

فهناك مستوى أول يتعلق بالبنية الروائية المصرح بها على الغلاف. ويمكن بذلك قراءة النص كرواية بما يستدعي ذلك من أجهزة مفاهيمية وتأويل موسع.

ثم مستوى ثان يتعلق بالمعطى السيري التعددي للكاتب ووجوهه وفضاءاته وهو ما حاولنا القيام به في انتظار قراءة أخرى احتمالية مختلفة.
 
سعيد بوكرامي شاعر وكاتب من المغرب

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …