أخبار عاجلة

لماذا لا يمكن لـ«أنت» أن تتكلم

ما أعنيه بالضبط: إلى أي مدى يرتبط الحكي بضمير المخاطب مع نمطي الحكي الأكثر شيوعًا، والمدروسين كثيرًا: الحكي بضمير المتكلم، والحكي بضمير الغائب؟ مصطلح ضمير المخاطب نفسه يوحي بفصيلة سردية مختلفة تمامًا عن ضمير المتكلم وضمير الغائب. بل إنه حتى التحليلات المتعجلة للحكي بضمير المخاطب، تكشف عن علاقة مختلفة تمامًا بينه وبين صيغتي السرد التقليديتين؛ فنحن هنا نواجه تداخلاً حتميًّا لضمير المخاطب، سواء مع ضمير المتكلم أو مع ضمير الغائب، لأن ضمير المخاطب هو على الدوام ضمير للمتكلم وضمير للغائب أيضًا.
التداخل يحدث لأن هذه الصيغ يجري تعريفها على محاور متباينة؛ فبينما يجري تعريف الحكي بضمير المتكلم وبضمير الغائب على محور الراوي، فإن تعريف الحكي بضمير المخاطب يتم على محور المروي له، أو فلنقل بدقة أكثر، إن تعريفه يحدث من خلال المروي له والبطل في وقت واحد.
غير أن الحكي بضمير المخاطب يستحق مكانه الخاص في تصنيفات السرد بسبب تأثيراته البلاغية الخاصة.
ومشكلة التصنيف هذه، هي في الحقيقة مشكلة مع نماذج السرد الحاكمة، وهي نماذج لا تقوم إلا على وضعية الصوت(1). فالسرد بضمير المخاطب، الذي لا يتحدد من خلال من الذي يتكلم، بل من خلال من الذي يستمع (المروي له)، لا يتلاءم مع نموذج للسرد يتمركز حول الصوت أو الراوي. وأنا أستخدم في مقالتي هذه تحليلاً للسرد بضمير المخاطب، لأكشف عن عدم ملاءمة نماذج السرد القائمة على الصوت. وبعدها سأقترح نموذجًا جديدًا يوظف تنويعات متعددة من النقل السردي، أعني تلك العلاقات التي تشكلها ثلاثية الراوي، والبطل، والمروي له. وهذا النموذج الجديد لا يفسر السرد بضمير المخاطب فحسب، وإنما يفعِّل فهمنا للنصوص التي يجري تعريفها حاليًّا بأنها نصوص بضمير المتكلم وبضمير الغائب.
وقبل الدخول في تفاصيل المشكلة، أود أن أشير لماذا نشأت المشكلة أصلاً. فبرغم مزاعم بوث في بلاغة السرد بأن تأثيرات استخدام ضمير المخاطب لم تكن مفيدة أبدًا، وأن من المدهش أن اختيار هذا الضمير لا يؤدي إلى اختلاف يذكر(2) – برغم ذلك، فإن السرد بضمير المخاطب ينتج تأثيرات بلاغية بالغة الوضوح. ويحدد تحليل بروس موريسيت Bruce Morrissette لضمير المخاطب، حتى في إطار مقالته المحدودة «سرد «الأنت» في الأدب المعاصر»، تلك الإمكانات المحتملة للسرد بضمير المخاطب، واختلافها عن الإمكانات التي يتيحها السرد بضمير المتكلم وضمير الغائب:
فسرد «الـ أنت»، فضلاً عن أنه يشكِّل «خدعة» تقنية»، وبرغم تطوره في زمن متأخر نسبيًّا، يبدو وكأنه صيغة ذات أصداء سيكولوجية متنوعة، وقادرة إذا وجدت الاستخدام المناسب، على إنتاج تأثيرات في المجال القصصي، لا يمكن الحصول عليها من خلال صيغ السرد الأخرى.
إن رواية جاي مكلنيرني Jay McInerney «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» Bright Lights, Big City على سبيل المثال، تستخدم السرد بضمير المخاطب لتركز النظر على اهتمامات تيمية معينة، فقصة مكلنيرني عن رجل أنهكته الوظيفة، والزيجة الفاشلة، والحياة في عمومها، وهو يستخدم خطاب الأنت الموجه إلى بطل الرواية للتركيز على وجود يمليه الخارج. إنها صيغة سردية ملائمة وفعالة، فيما يتعلق بنقد الرواية لثقافة الاستهلاك في الثمانينيات. وعند نقطة معينة، يدرك الراوي (من حيث الصوت) والبطل (من حيث التبئير) إلى أي مدي يصبح البطل ( وبشكل أعم، كل من يعيش في ذلك المجتمع) نتاجًا لثقافته: « أنت الأصل الذي تصنع منه صور المستهلك، الحلم الأمريكي، نموذج الطبقة الوسطى المتعلمة. وحين تكون مقيمًا في القصر مع زوجتك الجميلة، أليس شيئًا ذا معنى أن تطلب أفخم خمر يمكنك شراؤها قبل الذهاب إلى المسرح، الليموزين الخاصة بك؟». إن تجربة الثمانينيات بالنسبة لأبناء الطبقة الوسطى المتعلمة، تجربة مفروضة من الخارج، حضور مبهم لإعلام وثقافة تلبيان رغباتك وتوقعاتك، وتكشف الرواية أن الاختيار الحر في الثمانينيات كان وهمًا. والسرد بضمير المخاطب يجسِّد هذا المناخ؛ لأنه يعلن ومن خلال تقنية سردية، عن مقولة مفادها أن شحصًا ما أو شيئًا ما خارج ذاتك، يملي عليك أفكارك وأفعالك. والاقتباس السابق – لكي يؤكد هذا – يمزج الصوت السردي الذي نلقاه على مدار الرواية، بصوت آخر تجاري تشير إليه الكلمات المكتوبة بخط مائل. وكلا الصوتين يتجه إلى البطل بصفته «أنت»، رغم أن أنت الجملة الثانية ليست أنت مشخَّصة، بل أنت عامة تنطبق على كل مواطن في الثمانينيات، يجد في نفسة بدرجة أو بأخرى لمحة من هذا البطل الخاص. إن شمولية ضمير «الأنت» تضم القراء والبطل معًا، تمامًا كما كانت الثقافة الاستهلاكية في الثمانينيات، تعمل على جعل مجتمع بكامله وكأنه من جنس واحد.
نحن نرى في «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» ما ينطوي عليه استخدام السرد بضمير المخاطب من موضوعات. أما في قصة بيل مانهاير Bill Manhire «مخ كاترين مانسفيلد» ‹The Brain of Katherine Mansfield»، فنرى المضامين البلاغية لهذا الاستخدام. إن قصة مانهاير ( وقصصًا أخرى من نوع «اختر مغامرتك الخاصة») هي قصة مثيرة جدًّا؛ ذلك أنها تتجه بشكل مباشر إلى نوعين متمايزين من الجمهور (أحدهما داخل القصة والآخر خارجها)؛ ومن ثم فإن راويها يتحرك بنعومة بالغة، إلى الوراء وإلى الأمام، بين مكانين مختلقين، مكان داخلي بالنسبة للقصة ومكان خارجي، رغم أن هذا لا يحدث أبدًا في وقت واحد، فقصة مانهاير تبدأ على هذا النحو:
«إن أنت إلا نيوزيلاندي عادي. لديك القوة والذكاء والحظ، رغم أنك لا تجيد اللغات خصوصًا. عائلتك وأصدقاؤك مثلك، وهناك صديق واحد مخصوص، هو الذي يفكر حقًّا في أنك منتفخ، شخصيتك مصقولة جيدًا، حظك جيد في العادة، يقول عنك تقرير مدرستك بأنك «مُرضٍ»، ولكنك قلق بصورة ما. حياتك تفتقر إلى التحدي والإثارة، تريد لشيء ما أن يحدث، اذهب إذن إلى رقم 2».
يتوجه الاقتباس السابق في معظمه وبوضوح، إلى أنت من داخل السرد، إلى بطل القصة، لكن القصة، وبسبب بنيتها كواحدة من قصص اختر مغامرتك، تغير من تتوجه إليه بالخطاب في الجملة الأخيرة من الاقتباس، فمع جملة «اذهب إلى رقم 2» يصبح لدينا راو يروي من موقع مختلف عن الموقع الذي كان في الجمل السابقة؛ فالمخاطب في جملة «اذهب إلى رقم 2» يتحرك من داخل السرد إلى خارجه، ومن الواضح أنه يجري اتصالاً مع قارئ ضمني ( وقارئ من لحم ودم) مسؤوليته أن يقلب الصفحة. ونحن كقراء، وبطرق مركبة، نقوم بالتوفيق بين كوننا مشاركين في العالم القصصي وفي العالم الأدبي. إن العلاقات بين القارئ والمروي عليه والراوي– في قصة «مخ كاترين مانسفيلد» – لا تقدم إلا لمحة من التأثيرات البلاغية التي يفتحها السرد بضمير المخاطب. والشيء المهم الذي يجب أن نفهمه – في رواية «مدينة كبيرة، أضواء ساطعة» وقصة «مخ كاترين مانسفيلد» – هو أن العملين سيفقدان تأثيراتهما البلاغية الأساسية لو كتبا بضمير المتكلم أو الغائب. وهكذا، ندرك الحاجة إلى التمييز بين السرد بضمير المخاطب، والسرد بضمير المتكلم أو الغائب. ولكي نفهم هذا الاحتياج، لابد من إلقاء نظرة على الدراسات النقدية حول ضمير المخاطب.
وكما تقول مونيكا فلوديرنيك Monika Fludernik في تقديمها للعدد الخاص من مجلة Style المخصص للسرد بضمير المخاطب(3)، فإن «أحد أكبر العوائق التي تحول دون معالجة ملائمة للسرد بضمير المخاطب، هي غياب التعريف االمتفق عليه لما هو بالضبط النص الذي يمكن أن نطلق عليه نص بضمير المخاطب». ونقص الاتفاق هذا، لا يؤدي فقط إلى إفشال تحليلات ضمير المخاطب، بل يفسد كذلك فهمنا لصورة العلاقة بين الصيغ السردية بعضها والبعض الآخر (كما سنرى فيما بعد). إن تعريفات معجم بيدفورد Bedford للمصطلحات النقدية والأدبية، وجيرالد برنس Gerald Prince ، وبرايان ريتشاردسون Brian Richardson ، فضلاً عن تعريف فلوديرنيك نفسها، تكشف عن الطرق التي تم بها تعريف السرد بضمير المخاطب:
إن الراوي في قصة محكية من وجهة نظر ضمير المخاطب، يوجه خطابه إلى «أنت». وهكذا، حين نقرأ: « إذا كنت تود حقًّا أن تعرف نيو أورليانز، فأنت تحتاج إلى المشي في شارع بوربون عند منتصف الليل» سيكون هذا نموذجًا للسرد بضمير المخاطب (بيدفورد 292)
السرد بضمير المخاطب هو سرد يكون المروي عليه فيه هو نفسه البطل في القصة التي تُحكَي إليه أو إليها (برنس 84)
يمكن تعريف السرد بضمير المخاطب بأنه أي سرد يوجه الخطاب إلى بطله بضمير المخاطب. وعادة ما يكون البطل مركز التبئير الوحيد، كما أنه يكون كذلك هو المروي عليه (ريتشاردسون 311)
سأقترح تعريفًا مبدئيًّا للسرد بضمير المخاطب بأنه القصة التي يشار إلى بطلها الرئيسي باستخدام ضمير المخاطب (في الغالب «أنت»)، وسأضيف أن نصوص ضمير المخاطب، كثيرًا ما يتوفر لها أيضًا، مستوى اتصالي يحكي فيه راو (متكلم) قصة «الأنت»، ويوجهها أحيانًا إلى الذات الأعقل لـ«أنت» البطل الحاضرة، حيًّا كان أو ميتًا هذا البطل ( فلوديرنيك 288)
تعريف بيدفورد أقل هذه التعريفات انضباطًا، لأنه يجعل معياره الأساسي مجرد حضور الأنت. وهذا النوع من التعريفات يضم نوعيتين مختلفتين تمامًا من النصوص، حيث تكون فيهما الأنت إما مرويًّا عليه يلعب فقط دور الجمهور(كما في افتتاحية رواية لانسيلوت لووكر بيرسي، أو رواية جي. دي سالنجر The Catcher in the Rye (، أو مشاركًا وبطلاً داخل عالم القصة((كما في رواية إيتالو كالفينو»إذا في ليلة شتاء مسافر»، أو رواية جي مكلينرني «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»). وهذه النوعية من التعريفات ليست ملائمة، وذلك لنفس السبب الذي انتقد جينيت من أجله معيار حضور الضمير بالنسبة للسرد بضميري المتكلم والغائب، وأعاد النظر تمامًا في هذا المعيار؛ فكما يمكن لأي راو أن يقول «أنا»، فإن أي راو يمكنه التوجه إلى جمهوره بضمير المخاطب. وبعبارة أخرى، فإن هذا النمط من التعريفات لا يمكنه أن يفسِّر الاختلافات البلاغية بين أعمال من قبيل Lancelot، وأعمال أخرى تعد نصوص ضمير مخاطب «حقيقية»(فلوديرنيك: المقدمة، ص 284) مثل رواية «أضواء ساطعة ، مدينة كبيرة» .
والتعريفات الثلاثة الأخرى تختلف اختلافًا واضحًا عن تعريف بيدفورد، وتتحاشى ذلك النوع من عدم الانضباط، وذلك بتحديد نطاق التعريف، بحيث لا يتضمن سوى النصوص التي يكون الأنت المروي عليه فيها بطلاً داخل عالم القصة. إن تعريفاتهم تستبعد أعمالاً من قبيل Lancelot أو The Catcher in the Rye ، ومع ذلك فإنها لا تتفق في كل شيء؛ فرغم أن التعريفات الثلاثة تشترك في وجوب أن تكون الأنت بطلاً، فإنها تركز بدرجات مختلفة على جوانب أخرى من الرواية السردية. إن تعريف ريتشاردسون – كما تشير فلوديرنيك – يختلف عن تعريف برنس؛ ذلك أن برنس يجعل من كون البطل مرويًّا عليه المعيار الأساسي للقص بضمير المخاطب، أما ريتشاردسون فيرى في الإشارة إلى البطل معيارًا أساسيًّا، بينما يجعل من فكرة المروي عليه معيارًا ثانويًّا ( فلوديرنيك 286). وتعريف فلوديرنيك يبنى على تعريف ريتشاردسون وتعريف برنس، ويجمع – وإن بشكل ثانوي – بين الرواي وما يقوم به من دور.
ورغم أن فلوديرنيك وآخرين قد دققوا تعريف السرد بضمير المخاطب، وجعلوه شكلاً أكثر إفادة، فإنه لا يزال في حاجة إلى تعديل، خصوصًا فيما يتصل بالعلاقة بين الراوي، والمروي عليه، وعالم القصة. إن تعريفات برنس وريتشاردسون وفلوديرنيك فشلت جميعها في تقديم تبرير ملائم للسرد المفترض أو المشروط بضمير المخاطب(4)، والظهور الشعبي لهذا السرد في أعمال من قبيل قصة لوري موري Lorrie Moore «كيف»، وكتاب جانوت دياز Junot Diaz «كيف تضرب موعدًا غراميًّا مع بنت سوداء، أو بنت ملونة، أو بنت بيضاء، أو بنت مخلّطة». في كلا هذين المثالين لا نلتقي ببطل (أو قصة) بالمعنى التقليدي، لأن هذه القصص تتجه إلى ممثلين مفترضين في سيناريوهات مفترضة( وأحيانًا متغيرة). ومع ذلك، فإن تعريفات برنس وريتشاردسون وفلوديرنيك تشير إلى بطل- مروي عليه مفرد ومحدد.. وهكذا فإننا نحتاج إلى تعديل في تعريف فلوديرنيك، بحيث يفسر هذه القصص التي لا تزال تحافظ على المعيار المبدئي للسرد بضمير المخاطب، أي وجود المروي عليه والبطل في مستوى واحد. وأقترح التعريف التالي، وهو تعريف أكثر شمولاً: السرد بضمير المخاطب صيغة سردية، يحكي فيها الراوي قصة لمروي عليه (يكون أحيانًا غير محدد، ومتبدلا، وافتراضيًّا)، وهو مروي عليه يشار إليه بأنت، الذي هو أيضًا الممثل المبدئي (غير المحدد أحيانًا، والمتبدل، والافتراضي) في تلك القصة. ومن المهم أن نلاحظ أن انتقاد جينيت لمعيار حضور الضمير في السرد بضميري المتكلم والغائب، لا ينطبق على ضمير المخاطب؛ لأن الأنت في السرد بضمير المخاطب ( وعلى خلاف حضور «الأنا» السردية أو غيابها) تحمل بالنسبة للقارئ بصمات من خارج السرد.
وإذا تحركنا بعيدًا عن قضية التعريف، يمكننا أن نرى مشكلات أخرى في تاريخ التعليق على هذا التكنيك؛ فأول نقد عن ضمير المخاطب اعتبر هذا التكنيك السردي بديلاً لوجهة النظر، موازيًا لضمير المتكلم وضمير الغائب، وحيث إن موريس بوريسيت كان يعمل على عدد محدود من قصص ضمير المخاطب (أكثرها تأثيرًا كانت رواية ميشيل بوتور «التعديل»)، فإنه – في مقالته عام 1965 «سرد الأنت في الأدب المعاصر» – نسَبَ الأنت في السرد بضمير المخاطب إلى الراوي، وجعل هذا التكنيك السردي موازيًا للسرد بضمير المتكلم؛ فالفارق الوحيد الموجود بينهما أن الأنا تستبدل بالأنت. وحين يتكلم موريسيت صراحة عن دوس باسوس Dos Passos ، وضمنًا عن ضمير المخاطب عمومًا، يزعم أن أشكال الأنت تدعو القارئ إلى أن يتصور نفسه مكانَ الراوي. وأن أوصاف الأنت هي أعمال محددة قام بها المتكلم في الماضي (ص 10). وتحليل موريسيت محدود لأنه لا يفسر القصص التي تكون فيها أنت المروي عليه مختلفة عن أنت الراوي ( تجليات ضمير المخاطب، التي يتمايز فيها الراوي عن المروي عليه، أصبحت أكثر شيوعًا منذ مقالة موريسيت الرائدة). ولأن موريسيت لا يشير إلا إلى نصوص تتوجه فيها الأنت إلى نفسها، فإنه يصنف ضمير المخاطب بالخطأ على أنه وجهة نظر. ولكن السرد بضمير المخاطب بطبيعته، و كما سنرى في التفاصيل اللاحقة، هو وجهة تلقّي، وليس وجهة نظر أو وجهة كلام.
لقد كان تأثير موريسيت جوهريًّا على نقد ضمير المخاطب الذي جاء بعده؛ فماري فرانسوا هوبكنز Mary Frances Hopkins ، وليون بيركينز Leon Perkins ، في مقالتهما «وجهة النظر بضمير المخاطب»، ضمن كتاب مسح نقدي للقصص القصير (1981)، يأخذان على عاتقهما «توسيع» تحليلات موريسيت، ويستمران في الإشارة إلى ضمير المخاطب بصفته وجهة نظر، برغم أنهما يعرفان ويحللان عددًا من القصص تتمايز فيها الأنت عن الراوي، وعن منظوره(5). لا بل إنهما يضمنان عملهما تحليلاً لرواية «شاطئ أحمر»، وهي رواية يموت فيها البطل المروي عليه، لكن الراوي يستمر في توجيه الخطاب إليه، لافتًا إلى وجود مسافة واضحة بين وجهة نظر الراوي ووجهة تلقّي الأنت/ البطل/ المروي عليه. وبالمثل، فإن برايان ريتشاردسون يقيم «حدودًا» منيعة بين قصص ضمير المخاطب وقصص ضمير المتكلم والغائب، معتمدًا الجدول التالي، ومشيرًا إلى أن ضمير المخاطب يتمايز ويتوازى مع ضمير المتكلم وضمير الغائب.
ومهما يكن من أمر، فإنه يمكننا بسهولة أن نرى أن هؤلاء النقاد يضعون قصص ضمير المخاطب في علاقة مع قصص ضميري المتكلم والغائب، بمجرد أن ندرك أن سرد ضمير المخاطب، هو أيضًا وعلى الدوام، كان بالفعل سردًا بضمير المتكلم أو بضمير الغائب. وكثير من الخلط المتصل بتعريف السرد بضمير المخاطب ووضعيته، ناتج عن مصطلحاتنا التي لا تلائم الموضوع. وكما قد يتضح من هذه المناقشة، فإن مصطلح ضمير المخاطب مصطلح مضلل لسببين اثنين: 1- أنه يشجع على إدراك يعتمد في الأساس على حضور ضمير المخاطب أنت، 2- أنه يوحي بفصيلة من السرد متمايزة وبعيدة عن السرد بضمير المتكلم والسرد بضمير الغائب. والمشكلة الثانية تتجاوز حدود المصطلح غير الملائم، إذ تتعلق بالطريقة التي نصنف بها القصص، ونرى علاقاتها إحداها بالأخرى. وللتوضيح إليك الأمثلة الأربعة التالية من السرد بضمير المخاطب:
«وأنت ميت مرعوب من الزمن، من تلك الفجوات في الأبدية حين نتحدث أحدنا للآخر، ألست كذلك؟ ربما تكون جالسًا الآن في غرفة أنيقة ونظيفة، تستمع إلى بعض مقطوعات باخ، وتحاول الاستماع بصعوبة بالغة، ألست كذلك؟ فقط في هذه الأيام لا يمكنك الاستماع إليها، وليس حتى إلى واحدة منها، على طول الطريق، ما لم يبدأ عقلك في التساؤل، وتحاول العثور عليَّ
وحينئذ تصبح خائفًا أكثر، ولكن مرتعب من الفجوة الواسعة في الأبدية، التي قد تنفتح للتو، وتتركك مستوحدًا إلى أبعد حد، ومعي أنا فقط … لكن لا تبتئس، لأنني سأكون معك في كل وقت، وأنا أنتظرك كي تمر من تلك الفجوة لتلتحق بي، هل حدث قط أن تركتها تنفتح».
(بوتلين: غرفة المبارزة، ص 61-62)
(Butlin, «The Tilting Room» 61-62)
كثير من الأشياء يبدأ – وربما ينتهي – في صورة لعبة، وأنا أفترض أنه يمتعك أن تجد الاسكتش إلى جوار اسكتشاتك، وأن تعزو ذلك إلى صدفة نزوة، وأدركت في المرة الثانية فقط أنني كنت أقصد ذلك،حينئذ نظرت إلى الاسكتش على مهل، أنت حتى عدت فيما بعد لتنظر إليه مرة أخرى، متخذًا احتياطاتك المعتادة»
( كورتاثار: جرافيتي ، ص 33)
(Cortazar, «Graffiti» 33)
عندما يقول «جلود أم بطانيات؟» ستستغرق لحظة لكي تدرك أنه يسأل تحت أيهما تريد أن تنام. وخلال ترددك سيقرر هو أن يرى جلدك ملتحفًا بموسهايد أسود كبير»
(هاوستون: كيف تتحدث إلى صياد»، ص 98)
(Houston, «How to Talk to a Hunter» 98)
إذن يا دورين، من يأتِ في أوقات ما بعد الظهيرة للمساعدة، يحضر معه زائرًا، صوتًا ووقع خطى؛ كان على الأم أن تستيقظ لكنكِ دليتِ رأسك وأخذتِ في الحياكة. أصوات صرير وحفيف وتنهيدة، جلست الزائرة. هي الآن تهمس للأم: «ما اسمها؟»
(جودين : أنت في حاجة إلى الصعود إلى الطابق العلوي)
(Godden, «You Need to Go Upstairs» 144)
لاحظ أن حضور الأنا يجعل «غرفة المبارزة» و«جرافيتي» نماذج ليس لمجرد ضمير المخاطب، بل أيضًا للسرد بضمير المتكلم، وأن غياب الأنا يجعل «كيف تتحدث إلى صياد» و«أنت في حاجة إلى الصعود إلى الطابق العلوي» نماذج أيضًا للسرد بضمير الغائب.
وسنلتقي بنماذج مشابهة من التداخل لو انتقلنا إلى تصنيف جينيت Genette ، الذي يرفض التقسيمات النحوية لضمير متكلم وضمير غائب، ويتبني مقولات السرد الأحادي homodiegesis والسرد التعددي heterodiegesis ؛ ذلك أن مقولات جينيت هي الأخرى يحددها الصوتُ/ الراوي. ورغم أن جينيت يعلق على السرد بضمير المخاطب باعتبار أنه «حالة نادرة، ولكنها بالغة البساطة»، فإنه يدرك بشكل جيد أنه يندرج تحت نمط من السرد، وينسبه إلى السرد التعددي (الخطاب السردي، رؤية جديدة: 133). غير أن مزاعم جينيت كما تقول فلوديرنيك Fludernik «تتجاهل العدد المتزايد من نصوص ضمير المخاطب، التي يسهم فيها الراوي فضلاً عن المروي عليه، في الأفعال المحكية على مستوى القصة»(«ضمير المخاطب»: 446). ويمكن للمرء في الحقيقة أن يؤكد أن كل السرد بضمير المخاطب هو فعلاً من داخل السرد homodiegesis ، معتبرًا أن الراوي يجب أن يكون في المستوى السردي نفسه الذي للمروي عليه – البطل.( وهكذا، يجب عليه أن يكون في مستوى عالم القصة) وذلك لكي يتواصل مباشرة مع ذلك المروي عليه – البطل. ولكن حتى هذه القاعدة لها استثناءاتها في قصص من نوع «اختر مغامرتك الخاصة»، مثل قصة مانهاير Manhire «مخ كاترين مانسفيلد»»The Brain of Katherine Mansfield، حيث يتراوح خطاب الراوي بين مروي عليه من داخل السرد intradiegetic ، وقارئ ضمني من خارج السرد extradiegetic.
وكما نرى مع هذا الخلط في المقولات، فإن نماذج السرد الحالية، القائمة حصريًّا على فكرة الصوت/ الراوي، لا يمكنها أن تستوعب جيدًا صيغ السرد التي لا يكون فيها الصوت سمة مائزة (مثل السرد بضمير المخاطب). ولكي نفسر بشكل أوضح، تنوعَ النماذج السردية، فإننا في حاجة إلى عرض نموذج للسرد، يحلل (دون امتياز مسبق) العلاقات بين المتغيرات المتعددة في عملية السرد. وأنا أقترح نموذجًا يقوم على ثلاثية الراوي، والبطل، والمروي عليه (هذه العناصر الثلاثة تطابق عناصر النموذج البلاغي التقليدي: المتكلم، والنص، والجمهور)(6). وهذا النموذج يفسر على نحو أفضل، الفروقَ البلاغية بين نماذج السرد، مميزًا داخلها وبينها، ما يعد الآن سردًا بضمير المتكلم، والمخاطب، والغائب، وذلك بطريقة يؤديها نموذجٌ يقوم على عنصر الصوت وحده (أو أي متغير آخر وحيد). وقبل أن نطبق هذا النموذج على نصوص فعلية، ربما يكون مفيدًا أن نرسم تخطيطًا للتجليات المختلفة لهذه الثلاثية. ولدينا هنا خمسة تخطيطات أساسية(7):
الشكل الأول يصف سردًا تكون فيه وظائف الراوي، والمروي عليه، والبطل منفصلة تمامًا، وأنا أسمي هذا النمط سردًا غير متطابق، وأضمنه نماذج من السرد من داخل العالم القصصي فضلاً عن نماذج من السرد من خارج العالم القصصي؛ ذلك أنه على الرغم من أن الراوي والبطل في السرد غير المتطابق قد يكونان في نفس المستوى(مثل رواية «لوليتا») فإن الراوي والبطل موجودان في مستويين سرديين مختلفين، ومن ثم فإن لهما وظائف محددة.
وعلى الجانب الآخر من التخطيط يوجد السرد الذي يمثله الشكل الثاني، وهو نموذج يصف سردًا يقوم على مخاطبة الذات؛ فالراوي، والبطل، والمروي عليه هم نفس الشخص، يوجدون في المستوى السردي نفسه، وأنا أسمي هذا الشكل السرد المتطابق تمامًا.
وتمثل الأشكال الثلاثة الأخرى أنماطًا مختلفة من السرد المتطابق جزئيًّا؛ فالشكل الثالث يصف تطابق وظائف الراوي والبطل، مع اختلاف وظيفة المروي عليه؛ ففي هذه القصص، وهو سرد غالبًا ما يكون في الزمن المضارع ، يتكلم الراوي عن نفسه إلى شخص آخر. والشكل الرابع يصف قصصًا يكون الراوي والمروي عليه فيها هما نفس الشخص، لكنهما متمايزان عن البطل، إذ يحكي الراوي لنفسه قصة شخص آخر. أما الشكل الخامس فيصف قصصًا نجد فيها تطابقًا بين المروي عليه والبطل، بينما يكون الراوي مخالفًا، فالراوي يتكلم إلى مروي عليه من الخارج، ويكون أيضًا هو الشخصية الرئيسية.
يختلف هذا النموذج عن تصنيف جينيت المؤثر القائم على سرد من داخل العالم القصصي وسرد من خارجه؛ ذلك أن نموذجي يبرز الوظائف السردية ومستويات الحكي، أكثر مما يبرز العوالم الأنطولوجية. والعلاقة بين عالم الخطاب وعالم القصة (الأنطولوجي)، أي ما إذا كان الراوي موجودًا – أو غير موجود – في نفس مستوى العالم الأنطولوجي الذي توجد فيه شخصياته، لأن هذا يحدد مقولات جينيت. أما مقولاتي فتنظر في العلاقة بين هذه العوالم. ففي حالة التطابق الكامل مثلاً ،توجد المتغيرات الثلاثة على نفس المستوى الوجودي؛ إذ إن قصة الحكي (الراوي)، وقصة الاستماع (المروي عليه) ليستا مختلفتين عن قصة القيام بالفعل (البطل)(8). إن التركيز على الوظائف ومستويات الحكي بدلاً من العوالم الأنطولوجية، يفسر التشابهات البلاغية بين نصوص معينة من داخل العالم القصصي ومن خارجه؛ فالمسافة الزمنية والأخلاقية مثلاً بين هومبرت Humbert الراوي وهومبرت البطل، والناتجة عن وجود هاتين الوظيفتين على مستويين سرديين مختلفين، تشبه السرد من خارج العالم القصصي أكثر بكثير مما تشبه السرد من داخل العالم القصصي، الذي يقع فيه الراوي والبطل على نفس المستوى السردي(كما في قصص الزمن الحاضر المتزامنة، مثل رواية جي .إم. كويتزي J. M. Coetzee «في انتظار البرابرة» Waiting for the Barbarians ، ورواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» Bright Lights, Big City) وذلك إلى حد كبير بسبب إمكانية الحكي والتقييم على نحو استعادي.
ولو عدنا إلى الأمثلة الأربعة من السرد بضمير المخاطب التي أشرت إليها من قبل لتوضيح مشكلات نماذج السرد الحالية، سنرى كيف أن هذا النموذج الثلاثي الجديد يسمح لنا أن نميز بين هذه الأمثلة الأربعة، وأن نفسر بالتالي تأثيراتها البلاغية المختلفة. وحيث إن الأمثلة الأربعة جميعًا تشترك في تطابق المروي عليه والبطل(هذا ما يجعلها قصصًا بضمير المخاطب، ويميزها عن القصص الأخرى التي يكون فيها المروي عليه والبطل مختلفين)، فإننا نحتاج إلى المقارنة فيها بين علاقات الراوي والمروي عليه-البطل، حتى نستوضح الصلة بين التكنيك والموضوع.
الموقف السردي في نص بوتلين «غرفة المبارزة» هو موقف يعكس وعي شخصية تتحدث إلى نفسها عن نفسها؛ ولهذا فهو ينتمي إلى فصيلة السرد المتطابق تمامًا (الشكل رقم 2). تصف قصة بوتلين وعي شخص يشكو إلى الشخص نفسه أنه يفقد هويته واستقلاله، ويتجاهل هو نفسه الآن أن له آخر له معناه في حياته(نحن لا نعلم أبدًا طبيعة العلاقة). بل إن هذه الشكوى تصبح أشد تأثيرًا خلال قصة داخلية(بضمير المخاطب أيضًا) يكشف فيها آخر البطلة لعدد من الغرباء أنها حامل. إن خطاب الأنت لنفسها يؤكد الانقسام بين جزء من وعي البطل يريد أن يظل مستقلاً(مقموع داخل الراوي) وجزء آخر منخرط في العلاقة(ممثل في البطل -المروي عليه). إننا نرى في الصفحة التالية توترًا بين إحساس بالانقسام وإحساس بالاتحاد:» تحدث إليَّ. لست منزعجًا في الحقيقة مما نتحدث عنه، ولكن أنت الشخص الوحيد الذي يمكن أن يتحدث إليَّ، كما أنني الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يتحدث إليك، إذن تحدث إليَّ»(60) وإذا أخذنا في الحسبان موضوع القصة، سيكون من الملائم أن يستخدم بوتلين السرد بضمير المخاطب؛ لأنه يخلق مسافة نحوية وبلاغية بين الراوي والمروي عليه توازي الإحساس المتزايد للبطل باستقلاليته المتراجعة (رغم وجود إحساس بأنه يحاول الإزاحة). وعلى خلاف الحال في الأمثلة الأخرى من السرد بضمير المخاطب التي تكون فيها الأنت خارجية بالنسبة للراوي، فإن الأنت التي تخاطب نفسها في قصة غرفة المبارزة تعزل نفسها تمامًا عن القارئ(9).
وفي قصة «جرافيتي» Graffiti لكورتاثر Cortazar ، نلتقي بعلاقة مختلفة تمامًا بين الراوي والبطل – المروي عليه؛ فنحن لا نرى إلا في الفقرات الأخيرة أن الراوية مختلفة فعليًّا عن بطلها المروي عليه(الشكل 5)، وهو تأجيل يؤكد الاتحاد العاطفي بالشخصية. تحكي القصة محاولات الراوية ومحاولات المروي عليه أن يتواصلا عبر فن الجرافيتي الممنوع. ونحن ندرك أن الراوية والمروي عليه لن يلتقيا أبدًا في الحقيقة، وهكذا لن يجري نقل هذه القصة، ولكن التواصل الحميم الذي يشترك فيه الفنانان عبر ما يرسمانه من جرافيتي، يجعل ذلك ممكنًا، ويمكّن الراوية من تخيل أن بإمكانها أن تتكلم إلى المروي عليه- الفنان الآخر. إن الراوية وهي تحكي له (بضمير المخاطب) ما يقوم به وما يفكر فيه، برغم أنها لم تلتق به قط ناهيك عن أنها لم تره، إنما تؤكد قدرتهما على التواصل من خلال فنهما ، وتحزن في الوقت نفسه لأنها لن يكون بمقدورها بعد ذلك أن «تتحدث» إليه، نظرًا لأن الحكومة القمعية التي يعيشان في ظلها قد منعت الجرافيتي. وكما كتبت كاكانديز عن القصة، فإن : « بنية التلفظ في مستوى السرد الرئيسي، هي إذن بنية متكلمة تتوجه بالخطاب إلى شخص ما لا يمكنها أن تتحدث إليه مباشرة، شخص ما ليس «غائبًا» فقط، بل من الواضح أنها لم تلتق به في الحقيقة قط. وهذا الموقف فيما يبدو لا يمنع إحساسًا بالحميمية بين الشخصيات؛ بل إن بإمكاني أن أذهب إلى القول بأنه يقوي ذلك الإحساس»(339-340). إن السرد بضمير المخاطب إيهام بالتواصل المباشر (إيهامٌ لأنها غير قادرة على الكلام معه بالمعنى الحرفي)، ووهو في الوقت نفسه تهيؤٌ للاتصال من خلال التعبير الفني الذي جرباه فعلاً. ونحن في قصة «جرافيتي»، كما في قصة «غرفة المبارزة» ،نفصل أنفسنا تمامًا عن المروي عليه- البطل، بمجرد أن نستجمع الموقف البلاغي الدقيق؛ ومع كل ذلك، وبينما يكون السرد بضمير المخاطب في قصة «غرفة المبارزة» من نوع الحديث إلى النفس، فإن السرد بضمير المخاطب في قصة «جرافيتي» هو من نوع الحديث إلى الخارج، إلى مروي عليه محدد10. نحن «نسمع بالصدفة» السرد، بالطريقة نفسها التي قد يشهد بها عضوٌ في عالم خيالي ذلك التواصلَ الفني بين الراوي والمروي عليه- البطل؛ فنحن نقف موقف جمهور السرد وليس موقف المروي عليه.
تتألف العلاقة بين الراوي والمروي عليه- البطل، في قصة بام هوستون Pam Houston «كيف تتحدث إلى صياد»، من علاقات موجودة في قصص أخرى من نوع «كيف- تــــ»11 : راوٍ يصف ويوجه الأحداث المحتملة التي قد تقع لفاعل مفترض في الزمن المستقبل (الشكل رقم 5). وهذا النمط من العلاقة بين الراوي والمروي عليه- البطل، مختلف عن تلك الأنماط التي نجدها في أمثلتنا الثلاثة الأخرى، بل إنه يخلق علاقة أكثر تعقيدًا بين القارئ والمروي عليه- البطل. ونحن – كما يلاحظ جيمس فيلان James Phelan – عندما نقرأ قصصًا من نوع «كيف- تــ» تتذبذب تداعياتنا بين المروي عليه (جمهور سرد المناسبات) والجمهور السردي، بناء على مستوى ونمط رسم شخصية المروي عليه(146) أي إلى أي مدى توصف شخصية المروي عليه، وإلى أي حد من التجسيد والقرب يشترك القارئ في سماته مع المروي عليه(هل التقت هي قط بصياد؟) بحيث قد ينجر القارئ أو لا ينجر إلى موقع المروي عليه، ويشعر أن الخطاب موجه إليه. وعلاوة على ذلك، فإن الطابع الافتراضي المتغير للمروي عليه- البطل يوحي بمعنى الأحداث الجبرية؛ فبغض النظر عمن يعيش بالضبط هذه الأحداث( أي يلعب دور المروي عليه مثلاً) فإن النتيجة ستكون هي نفسها. هذا النمط من العلاقة بين الراوي والمروي عليه- البطل، يؤثر أيضًا في كيفية تفسير مفهوم القصة، ومفهوم الشخصية، ومفهوم الزمن في القصص من نوع «كيف- تــ»( من الأمور المؤثرة جدًّا كيف نرتبط نحن بالقصة كقراء).
ليس في قصة «كيف تتحدث إلى صياد» مثلاً قصة بالمعنى التقليدي؛ فالحدث كله يتكون من خطاب، لأن الأحداث الموصوفة أحداث افتراضية/مشروطة. لا شيء يحدث في الحقيقة. والأمثلة التي نعثر فيها على خيارات متعددة للحدث، تؤكد ما يبدو من « انعدام للقصصية» في هذه القصص: « لو استطعت دعه ينام وحده لليلة واحدة على الأقل، وإن لم تستطع فادعُه لينتهي من تزيين شجرة الكريسماس عندك»(103). تشير هذه القطعة أيضًا إلى سيولة الشخصية وتشوشها؛ فالفاعلون المحتملون المختلفون قد يقومون بفعل أو بآخر. ثم إننا في النهاية نعيش الزمن بطرق مختلفة في هذه الأنماط من السرد، لأنه من دون قصة حقيقية لا يوجد زمن قصة حقيقي، لأن قصص «كيف – تــــ» – كما يلاحظ هوبكنز وبيركينز Hopkins and Perkins – «إن هي إلا تنبؤ، ليست تقريرًا عما حدث، وليست داخلة في إطار أي نوع من الزمن القصصي»(123).
في قصة «أنت في حاجة إلى الصعود إلى الطابق الأعلى» لرومر جودين، يكون الراوي خارجيًّا بالنسبة للمروي عليه- البطل، لكنه يحافظ لا يزال على بؤرة المروي عليه- البطل(الشكل رقم 5) وهكذا يُحكَى لنا ونعيش ما تقوم به الأنت دون حميمية التوجه إلى الذات؛ إذ إن من الأمور الحاسمة بالنسبة لتأثير القصة، ألا يفصلنا نحن كقراء عن أنت المروي عليه – البطل، أو عن الأحداث، ذلك الاحتواءُ الموجودُ في مخاطبة الذات (كما نجد في قصة «غرفة المبارزة»). وبالمثل، فإن من المهم ألا نُفصَل بالطريقة الموجودة في قصة «جرافيتي»؛ فما إن تعترف الراوية في قصة «جرافيتي» بأنه ليس في استطاعتها أن تصل إلى المروي عليه المقصود، وعلى فرض أننا سنكون قادرين على قراءة القصة، سنشعر أننا مفصولون عن الأنت. تحكي قصة جودين القصيرة عن شابة عمياء في مهمة يومية، تصعد فيها إلى الطابق الأعلى، لتستخدم المرحاض. وسرد القصة بضمير المخاطب في الزمن الحاضر، يدعو القارئ إلى تبني بؤرة البنت العمياء، لا لكي يسير البطل بمحاذاة البطل، بل لكي تفصل القارئ عن البطل، من خلال إجبارنا أن نفهم بالضبط أننا لسنا هو.
«لستِ خائفة على الإطلاق من الطابق الأعلى، لماذا؟ لأن الأم وضعت لكِ علامات هناك، تحت الدرابزين حيث لا يمكن لأحد أن يعثر عليها، وهم يقودونكِ على طول الطريق إلى الأعلى، قدماكِ الآن تصعدان على السلم في سرعة اليدين على البيانو تقريبًا. وعند القمة يوجد قلب خشبي من أجلك تتحسسينه بأصابعك؛ فعندما تصلين إليه، ستكون هذه بمثابة رسالة، وسيصبح قلبك هادئًا. لا يكون هادئًا تمامًا في الصعود على السلم.(147)
كل من يستطيع قراءة القصة (متوقعًا لها نسخة برايل محتملة) سيتخيل نفسه في صورة هذه البنت، ليظهر لنا ويا للمفارقة كيف أننا مختلفون عنها. وهذا مختلف تمامًا عن العمومية المضمنة في التجربة التي نصادفها في سرد «كيف- تـــ».
غير أن هذا التحليل وفقًا للنموذج الثلاثي، فضلاً عن أنه يمدنا بطريقة لتفسير السرد بضمير المخاطب، يؤثر أيضًا في كيفية إدراكنا واستيعابنا لأن طريقة فهمنا للنصوص الآن محددة باعتبار هذه النصوص سردًا بضمير المتكلم والغائب. هناك على سبيل المثال نصان يعرفان على أنهما بضمير المتكلم (أو من داخل العالم القصصي) وقد يقعان الآن في فصائل مختلفة، بسبب اختلاف العلاقة مع المروي عليه فيهما، وهما قصة «ورق الحائط الأصفر»، فالراوية في القصة هي أيضًا المروي عليها (الشكل 2) وقصة «الرجل الخفي»، والمروي عليه فيها منفصل عن الراوي (الشكل 1). إن اختلاف المروي عليه يؤثر على كيفية قراءة القصتين والعلاقة معهما: قارن عبارة «لن أقول هذا لروح حية بالطبع، أما هذه فورقة ميتة وراحة عظيمة لعقلي»(ص 41 من قصة «ورق الحائط الأصفر»)، بعبارة «من يعرف سوى أنني – على ترددات خفيضة – أتكلم من أجلك»(ص 439 من قصة «الرجل الخفي») . وبالمثل، ولأننا نتحرك إلى ما هو أبعد من الصوت، فمن الممكن أن نضم قصة بضمير المتكلم مع قصة بضمير الغائب؛ فالأشكال 1، 4، 5 كلها تنطوي على احتمالية الضميرين المتكلم والغائب. إن رواية My Antonia لويللا كاثر Willa Cather على سبيل المثال (نحويًّا بضمير المتكلم)، وقصة «Lost in the Funhouse» لجون بارث John Barth (نحويًّا بضمير الغائب)12، كل منهما تصور راويًا يروي لنفسه، بينما يحاول أن يفهم شخصية أخرى. وهكذا تنتمي كلتا القصتين إلى فصيلة السرد المتطابق جزئيًّا، على محور الراوي/المروي عليه (الشكل 4). والشيء الأكثر دلالة أن هذا النموذج يضع في الحسبان ليس فقط العلاقة بين الراوي والبطل في عالم القصة (وهو شيء أقامته النماذج السابقة على أرضية الصوت)، وإنما يضع في الحسبان أيضًا العلاقة بين الراوي والمروي عليه، وبين المروي عليه والبطل، ويلقي ضوءًا خاصًّا على الطرق التي تؤثر بها وضعية المروي عليه في كيفية علاقتنا وفهمنا للقصص بكل أشكالها .
من الواضح أن نطاق هذه الورقة يمنعنا من إتمام اختبار هذا النموذج الثلاثي الجديد من نماذج السرد.
(البقية بموقع المجلة على الانترنت)

وستستهدف دراسةٌ أوسع من بين قضايا أخرى التمييزاتِ الأطرف في إطار فصيلة سردية معينة، تحديدًا السرد غير المتطابق، وهو الأكثر شهرة. ورغم أنه قد لا تظهر على السطح خصوصيات معينة للنموذج، إلى أن تتم هذه الدراسة الأوسع، فإنني آمل أن تكون هذه الورقة قد كشفت عن احتياج ما إلى النظر في كيفية تعريف القصص وتصنيفها، خصوصًا مع ظهور تقنيات وابتكارات سردية جديدة.

1 – ليست هذه هي المرة الأولى التي يدور فيها نقاش حول مكانة الصوت في نظرية السرد. ففي مقالة له مؤخرًا بعنوان «نحو نظرية ما بعد حديثة للسرد»(1996) انتقد أندرو جيبسون Andrew Gibson إعلاء علم السرد لمكانة الصوت. غير أن مشروعي هنا مختلف تمامًا عن مشروع جيبسون في نقاط أساسية؛ فجيبسون بصفته ناقدًا تفكيكيًّا من أتباع ديريدا، يؤكد أن مركزية الصوت في نظرية السرد توحي بإحساس زائف بالانسجام النصي، ساخرًا من القول بأن «الصوت هو الأساس المتين الذي يؤكد تماسك هندسة السرد ذاتها» (145). وأنا بصفتي عالم سرد، أقف ضد هيمنة الصوت، لا على أي أرضية مسبقة، وإنما لأن هذه النماذج باتت مهجورة، ولا يمكنها أن تفسر النطاق الواسع من صيغ السرد القائمة. وعلاوة على ذلك، فإن البدائل التي نطرحها مختلفة؛ فجيبسون يؤكد التحليل الباختيني لتعددية الأصوات في النص، بينما أدافع أنا عن تحليل متعدد البدائل. إن مناقشتي على خلاف مناقشة جيبسون تعدل المبادئ الأساسية لتصنيف السرد.
2 – دفاعًا عن بوث Booth؛ فهو حين جعل من هذا التعليق التعريف المقبول للسرد بضمير المخاطب، كان ببساطة يتحدث عن تعريف يستخدم «أنت» المخاطب. وكما أوضح جينيت Genette في استجابته لقواعد ضمير المتكلم والغائب، ناظرًا فقط إلى أن قواعد المخاطبة السردية ستكشف عن «اختلاف طفيف» في التكنيك والأثر السرديين.
3 – انظر مجلة Style 28:3 (1994) لمراجعة عدد من التحليلات المفيدة للسرد بضمير المخاطب، تتعامل مع طائفة واسعة من نصوص ضمير المخاطب. وإحدى نتائج نموذجي الجديد في السرد، هي إدراك الأنماط المختلفة من نصوص ضمير المخاطب التي نوقشت في ذلك العدد من المجلة.
4 – رغم أن تعريفات ريتشاردسون Richardson وفلوديرنيك Fludernik لا تتفق مع ما أسميه «سرد كيف – تـــ»، فإن تحليلاتهم للسرد بضمير المخاطب تدرك هذا الشكل وتناقشه. غير أن تحليلاتهم ، تمامًا مثل تعريفاتهم، تبدو غير بعيدة عن «سرد كيف- تــــ»؛ فريتشاردسون يخصص أكثر من صفحة بقليل لما يسميه السرد «الشَّرْطي»((«Poetics and Politics» 319-20 بالمقارنة مع ما يزيد على ثماني صفحات لما يسميه سرد ضمير المخاطب «النموذجي». وبالمثل، فإن مونيكا فلوديرنيك في مقالتها «السرد بضمير المخاطب بصفته اختبارًا لعلم السرد: حدود الواقعية» تخصص فقرتين فقط لسرد «كيف _ تــــ» (457-58).
5 – قاموس إم. إتش. أبرامز الشهير، يعد هو أيضًا ضمير المخاطب في إطار «وجهة النظر»، بالتوازي مع وبالاختلاف عن ضميري المتكلم والغائب(234).
6 – رغم أن جيرالد برنس لا يفصح عن نموذج جديد محدد، فإنه يؤكد الحاجة إلى نموذج متعدد البدائل، خصوصًا المروي عليه في نموذج للسرد.؛ «فالمروي عليه، بغض النظر عن مضامينه التأويلية، خصيصة لازمة لأي نموذج سردي، فهو يسمح بتشخيص أكثر توازنًا ودقة لاحتمالات الخطاب السردي، وبنية النقل السردي ، كما يسمح بتحديد لفكرة «الموقع السردي» («عودة إلى المروي عليه» 299) .
7 – وتشبه تصوراتي الثلاثية تلك التصورات التي يستخدمها جينيت في مقالته «سرد خيالي، سرد حقيقي»»Fictional Narrative, Factual Narrative»، حين يحاول رسم العلاقة بين أنماط مختلفة من النصوص الخيالية والحقيقية(766). غير أن هذا الشبه الفيزيقي ربما يكون مضللاً، لأن مشروعاتنا تختلف عنه اختلافًا دالاًّ.؛ إذ من الملحوظ أن اهتمام جينيت يتضمن عنصرًا من خارج العالم القصصي extradiegetic agent وهو المؤلف، وكيف يرتبط هذا العنصر بالراوي والشخصية؛ فالمؤلف والراوي والشخصية يمثلون زوايا التنوع الثلاثة التي يرسمها نموذجه الثلاثي. أما أنا فأركز بشكل مطلق على تنويعات من داخل العالم القصصي المتخيل، ومفترضًا بالفعل تفرقة بين المؤلف والراوي. وعلاوة على ذلك، فإن اهتماماتي البلاغية من داخل العالم القصصي intradiegetic تشمل تأثير المروي عليه (جمهور من داخل العالم القصصي) على عملية النقل القصصي، وهذا الاهتمام ممثل في نموذجي. ولأسباب واضحة، لا يضم جينيت الجمهور (سواء المروي عليه أم القارئ)إلى نموذجه التحليلي.
8 – رغم أنه لا يدخل في مجال هذه الدراسة تبرير الطريقة التي أضع بها نصوصًا معينة في تصنيفات معينة، قد يكون من المهم أن أشرح لماذا أنسب رواية «التعديل» La Modification لبوتور Butor إلى السرد المتزامن تمامًا، خصوصًا في مناقشتي للمستويات السردية؛ فرواية بوتور تصف تجميعات لأحداث من الماضي، وهو ما يبدو موحيًا بتفرقة بين الراوي والبطل ومستويين سرديين مختلفين. غير أن الرواية تتقدم، لا بسبب أحداث من الماضي، وإنما بسبب أحداث في السرد الأن؛ فالبطل الرئيسي هو الشخص الذي يقوم بالأفعال بالتزامن مع الراوي ديلمونت Delmont (يجلس في القطار، يراقب المسافرين الآخرين، يفكر مع نفسه). وهذا ما يتأكد بمجرد أن ندرك أن «التغيرفي قلب» ديلمونت، لا ينتج عن أحداث من الماضي مباشرة، بل عن أحداث وأفكار في حاضر السرد.
9 – هناك أمثلة أخرى لقصص ضمير المخاطب التي تقوم على تطابق كامل( تخاطب الأنت فيها نفسها بشكل فعلي)، وتضم هذه الأمثلة رواية مكلنيرني «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» ، ورواية ميشيل بوتور «التعديل»، ورواية كارلوس فوينتيس «أورا» Aura.
10 – انظر قصة «أنت» You لجويس كارول أواتيس Joyce Carol Oates ، للبحث عن مثال آخر للسرد بضمير المخاطب، نقرأ فيه الأنت من البداية باعتبار أنها تخاطب نفسها ، ولكننا ندرك المخاطبة تمامًا باعتبار أنها مخاطبة للخارج.
11 – انظر مجموعة «ساعد نفسك» للوري موري Lorrie Moore ، فضلاً عن قصة «كيف تضرب موعدًا مع بنت بنية أو سمراء او بيضاء أو بين بين» لجانوت دياز Junot Diaz ، وقصة «كيف تحب أمريكا وتتركها في الوقت نفسه» لجون أبدايك John Updike
12 – من الأمور الخلافية كون أمبروسي Ambrose في عمره الكبير، هو كاتب وراوي قصة «ضائع في الملهى». والسطر التالي: «كلما كان المؤلف متطابقًا مع الراوي، حرفيًّا أو مجازيًّا، فإن من غير المستحسن استخدام منظور ضمير المتكلم»(74) هذا السطر قد يوحي بأن الكاتب هو بالفعل أمبروسي الذي ينظر في استخدامه بمنظور ضمير الغائب. ومهما يكن من امر، وسواء كان الكاتب في الحقيقة هو أمبروسي نفسه أم لا، فإن ذلك لن يؤثر على الفصيلة السردية للقصة، لأن كل طريقة من الطريقتين تختلف فيها وظيفة الشخصية والراوي..

———————–

مات ديلكونتي ترجمة: خيري دومة

شاهد أيضاً

ارتحالَات النَصّ من بارمينيدس إلى افلاطون ومنه إلى هيدغر

مصطفى الكيلاني* 1 – بَدْءًا: إمْكَان مُغَالَبَة دُوغما القِرَاءَة وَالفَهْم بِالمُقَارَبَة التَنَاصِّيَّة القَوْل بِواحديّة النصّ …