صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

لِي جِذْرٌ فِــــي حَلـــــَبٍ

لِي جِذْرٌ فِي حَلَبِ
أَرْوِيهِ بِمَاءِ الدَّمِ
كَيْ يَشْتَعِلَ ظِلاًّ لِلشُّهَدَاءِ
الشُّهَدَاءُ الَّذِينَ يُرَتِّبُونَ السَّمَاءَ بِكُورَالِ الْحَيَاةِ
وَيَدَعُونَ الْمَوْتَى الْأَحْيَاءَ يُعَانِقُونَ صَمْتَ الْعَشِيرَةِ
الْعَشِيرَةُ الَّتِي تَكْتُبُ مَوْتَهَا بِفَرَحٍ زَائِدٍ
تَطْرُدُ النَّهَارَ مِنْ سِيرَةِ اللَّيْلِ
وَتَعْشَقُ السَّأَم
لِي فِي تُرْبَةِ حَلَبٍ خُطُوَاتُ بَرَاءَةٍ تُغْتَصَبُ
وَرَجْفَةُ عَجُوزٍ فِي عُكَّازِهِ تَشْتَعِلُ
وَ تَبْتَسِمُ فِي وَجْهِ الْمَوْتِ
لي رَائِحَةُ الْغُنْبَازِ فِي يَدِ الْحَلَبِيَّاتِ الْمُضَوَّعَةٍ
بِمَاءِ الْمَحَبَّةِ
بِشُمُوسٍ فِي عُيُونِهِنَّ تُشْرِقُ
وَتُضِيءُ عَتْمَةَ هَذَا الْمَوْت
لِي فِي حَدَائِقِ حَلَبٍ هَدِيلُ يَلْبَسُهُ غُرَابٌ
وَصَوْمَعَةٌ يُعَانِقُهَا خَرَابٌ
وَكَنِيسَةٌ تَبِيعُ أَجْرَاسَهَا
وَتَغْتَرِبُ
لِي حَنِينٌ فِي حَلَبٍ
أُصَادِقُهُ حَزِيناً فِي حَوَارٍ يُرَاوِدُهَا الْأَلَمُ
يُجَاوِرُهَا نَشِيدٌ يَعْتَرِيهِ عَيُّ الْكَمَنْجَاتِ
غُرْبَةُ النَّايَّاتِ
إِيقَاعُ الْعَدَمِ
وَحَاضِرٌ يَقْضِمُ تُفَّاحَ الْخَطَايَا
وَيَنَامُ قَرِيرَ السَّأَمِ

لِي جِذْرٌ فِي حَلَبٍ
هَذِي الْجَثَامِينُ أَشْجَارُ نَخِيلٍ لَا تَمُوتُ
تَارِيخٌ يُعَلِّمُ الصَّحْرَاءَ سِيرَةَ الرَّبِيعِ
وَالْخَرَابُ أَرَضَةٌ تَلْتَهِمُ خَشَبَ الْكَرَاسِي
دَمٌ يَقُولُ لِلْحَلَبِيَّاتِ : بُشْرَى فِي الْأُفُقِ
شَمُوسٌ تَسْطَعُ
أَقْمَارُ الشُّهَدَاءِ عَنْ أَرْضِ الشَّامِ لَا تَغِيبُ
وَالْأَحْلَامُ فِي عُيُونِ الصِّبْيَةِ تَيْنَعُ
لِي جِذْرٌ فِي حَلَبٍ
الشُّرُفَاتُ مَازَالَتْ تَحْرِسُ رَيَاحِينَ الظِّلَالِ
تُوَدِّعُ قَوَافِلَ الرَّاحِلِينَ إِلَى اللَّهِ
تَبْتَهِلُ لِلْحُبِّ السَّاطِع مِنَ الصَّوامِعِ
الرَّاقِصِ عَلَى فَرَحِ الْكَنَائِسِ
تَبْكِي صِبْيَةً يُعَانِقُونَ دُمىً تَنَامُ حَزِينَةً
تَحْتَ الْخَرَابِ
لِي جِذْرٌ فِي حَلَبٍ
الطَّرِيقُ إِلَى دِمَشْقَ مَحْفُوفَةٌ بِاللَّيْلِ
رَاهِبَةٌ فِي دِيرِ الْخَوَاءِ
زَاهِدَةُ فِي صَمْتِ الْقُبُورِ
مُتْرَعَةٌ بِخُطُوَاتٍ إِخْوَةٍ لِي
حَمَلُوا ذِكْرَيَاتِهِمْ فِي حَقَائِبِ الْقَلْبِ
تَارِكِينَ الْحُزْنَ
الْخَرَابَ
النَّعِيقَ
النَّزِيفَ
يَتَسَيَّدُ
يَتَاَنَّقُ فِي الْكَفَنِ
لِي فِي سَمَاءِ حَلَبٍ
قَمَرٌ
وَبَعْضُ نُجُومٍ
وَبِضْعُ أُغْنِيَاتٍ تَشْهَقُ بِصَوْتِ فَيْرُوزَ الْمَبْحُوحَ
تَرَكْتُهُمْ لِلْغُرَباءِ غَيْرِ سَاجِدِينَ
تَرَكْتُهُمْ لِأَرْضِ الشَّامَ يَنْتَظِرُونَ الْعَائِدِينَ مِنَ الْأَقَاصِي
الْمُحَمَّلِينَ بِحَنِينِ الْحَيَاةِ
تَرَكْتُهُمْ
يَائِسِينَ مِنْ أَمَلِ الصُّبْحِ أَنْ يَسْتَفِيقَ

لِي فِي سَمَاءِ حَلَبٍ
غُيُومٌ تَحْرُسُ قَاسْيُونَ مِنْ عَطَشٍ قَادِمٍ
بَرَدَى مِنْ مَوْتٍ يَسْتَبِدُّ نِكَايَةً فِي الْمَاءِ
هَذِهِ الْغُيُومُ رِمَالٌ
صَحْرَاءٌ
تُغَنِّي ظَمَأَ الرَّاحِلِينَ إِلَى التِّيهِ
تَبْكِي قَوَافِلَ الْأَحْلَامِ الْمَهِيضَةِ
تُرَبِّي عَصَافِيرَ الْأَمَلِ فِي سَمَاءِ الْحَيَاةِ
تُخَبِّئُ خُضْرَةً فِي مُرُوجِ الْعَشِيرَةِ
وَتَرْقُصُ عَارِيَةً جَذِلَةً بِالصُّبْحِ
لِي جِذْرٌ فِي حَلَبٍ
أَسْقِيهِ بِمَاءِ دَمِي
وَأَرْعَاهُ فِي أَرْضِ دِمَشْقٍ
حَلِيفاً لِانْتِصَارَاتِي عَلَى الْمَوْتِ

شاهد أيضاً

بكائية لعام 2016م

دثّرِيني وشدِّي على كفني ودعي فتحةً فيه أرقب منها رفيف الفراشات أسمع صوتَ المياه التي …