أخبار عاجلة

ماوراء المرئي في اعترافات المخرجين

يذكر المخرج السينمائى صلاح أبو سيف أنه تعلم شيئا من فن السينما فى بدايات حياته الفنية حينما عمل مع المخرج كمال سليم فى فيلم "العزيمة" – 1939 – ويؤكد بعض الدارسين ان التاريخ الفعلي للسينما المصرية يبدأ بهذا الفيلم لاكثر من سبب,فهو اول فيلم ينتمى الى الواقعية فى السينما المصرية، من جهة،وهو الفيلم الذى بدأت بعده السينما المصرية بفورة من الانتاج الغزير وصل الى ثمانين فيلما فى العام, واكتمل فى هذه الفترة نصاب الفنيين المصريين العاملين فى كل مرافق الانتاج السينمائى، واذا كانت الحرب العالمية الثانية قد اوقفت الانتاج فى كثير من البلدان الاجنبية، والاوروبية بشكل خاص, فانها كانت فترة ازدهار للسينما المصرية.

واذا كانت فترة عمل كمال سليم فى السينما محدودة إلا انه كان رائدا فى تاريخ السينما المصرية بأعمال قليلة، ولكنها مؤثرة فيما جاء بعدها من اعمال.

ولد كمال سليم عام 1913 فى القاهرة، وعمل فى الثلاثينات مع المخرج احمد بدرخان فى استوديو مصر، ثم عمل فى الاخراج فجأة فقدم فيلم "وراء الستار".

وقدم بعد ذلك فيلم "العزيمة" الذى اثار اهتماهم النقاد والمشاهدين, ولم تكن افلامه الاخرى: "شهداء الغرام " و"ليلة الجمعة" و"البؤساء"، عن رواية فيكتورهوجو التى ترجمها حافظ ابراهيم فى العشرينات و"حنان " فى مثل هذا المستوى الفنى، ولكن تجربة كمال سليم لم تستطع ان تتطور حيث توفى فجأة فى عام 1945 عن اثنين وثلاثيين عاما، عندما كان يعمل فى اخراج فيلم "ليلى بنت الفقراء".

فى فيلم شهداء الغرام قدم كمال سليم تراجيديا شكسبير "روميو وجولييت " فى فيلم غنائى من بطولة ليلى مراد وابراهيم حمودة، وفى فيلم "ليلة الجمعة" قدم حشدا كبيرا من نجوم الكوميديا والغناء والتمثيل فى مصر دفعة واحدة، وهم: تحية كاريوكا، ابراهيم حمودة، انور وجدى، اميرة امير، بشارة واكيم, عبد الفتاح القصرى، مارى منيب,. ثريا حلمى، اسماعيل يس, محمد عبد المطلب.

اما فى فيلم العزيمة "فقد فتح الباب امام المخرجين المصريين لتصوير الحارة الشعبية بكل ملامحها وشخصياتها ومجريات حياتها اليومية.

اهتم كمال سليم بالثقافة السينمائية وتجارب اعلام المخرجين ونظريات السينما وكان يطمح الى ترجمة بعض هذه الاعمال, وقد كتب عن المواقف الصعبة التى واجهته فى فيلم " العزيمة " يقول:

ان المنظر الذى اتعبنى اكثر من غيره هو منظر المعركة التى حدثت فى أخر فيلم "العزيمة" ذلك لان المنظر المذكور لم يكن بالامكان اخراجه بصورة تمثيلية، اذا ان الحمية اخذت "الكومبارس " وكلهم من اولاد البلد وليسوا من الممثلين,فانقلبت المعركة من تمثيل الى حقيقة.

ان كل ما ينشده المخرج هو الطبيعة، إلا ان الطبيعة كثيرا ما تفسد على المخرج الترتيب الذى رسمه, ذلك لصعوبة التوفيق بين طبيعة الضرب, وبين تكوين المنظر، واضطررت من اجل ذلك الى اعادة المنظر مرات عدة، وكنت اتحايل على ذلك بأن اصورهم اثناء البروفات ودون علمهم, حتى استطيع ان اخرج المنظر وفق رغبتى ومن الطريف ان "الفتوات " الذين ظهروا فى منظر "المولد" كانوا يتباهون بقوتهم  عضلاتهم المفتولة، وكان من الصعب ان اقنع بعضهم بوجوب الانهزام كما يتطلب المنظر واستغرق منظر الضرب ثلاثة ايام متتالية من الساعة السادسة مساء الى الساعة السابعة صباحا، وكان الوقت شتاء والبرد قاسيا، والمنظر خارجيا، ومما آلمنى حدوث الحريق فى معامل استوديو مصر، وكأن النار لم تشأ إلا ان تلتهم هذا الجزء بالذات من الفيلم, فاضطررت الى اعادة منظر المعركة من جديد.

يتمتع المخرج السينمائي الياباني اكيراكيروساوا بأطول عمر فني بين المخرجين الراحلين والاحياء معا، فقد بدأت تجربته في كتابة السيناريو والمساعدة في الاخراج عام 1931,قبل أن تبدأ تجربته كمخرج عام 1943، وفيما بعد قدم فيلمين عن اليابان المدمرة بعد الحرب, وفي عام 1951 لمع اسمه في عالم السينما بعد أن فاز فيلمه "راشومون " بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي, وحصل بعدها على جائزة الاوسكار كأفضل فيلم أجنبي, وتوالت بعد ذلك روائع أعماله, وانفرد بين رواد السينما اليابانية بفتح النوافذ التي تطل على العالم الخارجي, وهو مايزال في أوج نشاطه, وقد بلغ عامه الخامس والثمانين.

في أوائل الثمانينات صدرت مذكرات كيروساوا تحت عنوان "ما يشبه المذكرات, أو ضفدعة بين أربع مرايا" وترجمت إلى لغات متعددة، ولكنها لم تأخذ طريقها إلى العربية، وتأتي أهمية هذه المذكرات من أهمية تجربة كيروساوا في السينما العالمية.

برزت في السينما اليابانية اسماء لامعة مثل كنجي ميزوغوشي وباسجيرواوزو، وناغيسا أو شيما، ثم اكيراكيروساوا، وقد تركزت اهتمامات "أوزو على العلاقات العائلية، بينما انصبت جهود ميزوغوشي على موضوعات المرأة اليابانية, وانصرف كيروساوا إلى الموضوعات الإنسانية الأكثر اتساعا، ويتصف أسلوبه بالتركيز الشديد على الفعل والعنف والتدفق العاطفي الذي يصاحب التدفق الحركي, حيث يتصاعد كل مشهد في الفيلم قبل أن يبدأ المشهد التالي, وبرز اهتمام خاص لدى كيروساوا بتحريك الخيول والمتحاربين بإيقاعات مدروسة، اضافة إلى اهتمامه بالازياء وتوزيع الالوان في كل لقطة كما لو كانت لوحة فنية ويعرف عن كيروساوا أنه فنان تشكيلى يرسم اللقطات الهامة قبل تصويرها، وهو كاتب سيناريو يختار موضوعاته بدقة متناهية.

قدم كيروساوا على مدى أكثر من نصف قرن أفلاما من روائع السينما العالمية، أهما المبارزة الصامتة – راشومون – الابله – الساموراي ورايبعة – قلعة العناكب – اللحية الحمراء – تحت عجلات القطار – درسو أوزالا – كاغيموشا (ظل محارب ) – را ن – أحلام.

وحظى شكسبير باهتمام خاص لدى كيروساوا فقدم له عملين, ولكن على الطريقة اليابانية، وهما "عرشى الدم" عن مسرحية ماكبث, و "ران " عن مسرحية الملك لير، ويعترف كيروساوا بتأثره بالمخرج الأمريكي جون فورد في أفلام الكاوبوي, ولكن كيروساوا يصر دائما على اهمية الفكرة، فهو يقول: "إذا كنت مهتما بكيفية التوصيل دون أن يكون لديك ما تقوله فان الطريقة التي تقول بها لا يمكن أن تعطيك نتيجة،فالتقنية لا تصنع مخرجا انما تحدد ملامحه, وحينما تكون التقنية بدون أساس يدعمها فانها تقتل الفكرة الاساسية التي يجب ان تبرز".

كتب كيروساوا عن مذكراته فكرة طريفة على النحو التالي:

(في سنوات ما قبل الحرب كان الباعة الجوالون يعرضون للبيع على الارصفة مالديهم من أدوات منزلية، وانتشرت بين الناس حكايات عن بائع "متفوق " كان يعرض مرهما سحريا لعلاج الحروق والجروح, وعرفت من بعض الناس الطريقة التي كان هذا البائع يستخدمها في انتاج مرهمه (المتفوق ) ايضا،. إذ كان يصيد الضفادع, ويحشرها في صناديق صغيرة، في جوانبها الداخلية اربع مرايا، وكانت الضفادع الخائفة من انعكاس صورتها في هذه المرايا تفرز سائلا لزجا يشبه الدهون, وكان البائع الذكي يجمع هذه الافرازات ثم يغليها على نار هادئة، ويستخلص منها مرهمه السحري بعد أيام قليلة.

وأظن أن حالتي وأنا أكتب عن حياتي تشبه حالة من يجلس بين الجدران الأربعة المغطاة بالمرايا في الصندوق, وهو ينظر إلى المرايا بخوف, هكذا انظر الى نفسي, راغبا أو غاضبا.

من زوايا مختلفة، وأتساءل, كيف كنت وكيف اصبحت, ومع انني لست ضفدعا فانني اشعر بالافرازات التي تسيل مني,بمجرد تفكيري بأنني اكتب مذكراتي…".
 
بندر عبد الحميد (كاتب سوري)

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …