أخبار عاجلة

ما يكتبه الجيل الثالث من شباب المهجر العرب يكشف عن ارتباطهم بقضايا الوطن وعذابات الاغتراب والحنين

تُقدم مجلة مجموعة من الأعمال الأدبية لجيل جديد من الشباب العرب القاطنين في المهجر. معظم هؤلاء طلاب يُحضرون لرسائل الدكتوراه في الأدب المقارن. لا تجمعهم سوى قضايا أمتهم التي يحملونها معهم رغم الاغتراب. ومعظمهم لا يتقن اللغة العربية ويقومون بدراستها لشعورهم بحاجتهم إليها ولهفة منهم إلى التواصل من خلالها مع أبناء امتهم. تكشف قراءة هذا العدد البسيط من أعمالهم مدى ارتباطهم بقضايا الوطن ومدى انتمائهم له ومدى عذاباتهم رغم الهجرة. وهو نفس العذاب الذي يعيشه المواطن العربي في كل مكان. ويمكن أيضا أن نلاحظ أن أسلوبهم في الكتابة قد يختلف عما تعودنا عليه، فهو مزيج من حضارات مختلفة نمت بحكم الاغتراب والاحتكاك بالغرب من جهة، وما يعانيه كل من يبحث عن مكان جديد فلا يجد لنفسه سوى الوطن الذي غادره فيعاوده الحنين، ذلك الحنين المشوب بعذابات المعاناة اليومية التي تعيده من حيث بدأ وإلى هويته الأصيلة.
وثمة نية لدينا لأن نواصل ضمن محاولة تقديم هذه الأعمال تباعاً فور حصولنا عليها، وسنرفق في المرّات المقبلة دراسة نقدية تفي هذه الأعمال حقها بعد تحقيق التراكم الملائم لسبر أغوارها.
من نصوص/ دينا عمر
رسم خرائط الاختفاء
(تأملات حول مكان دفن موتانا)
1 – المغازلة وخمار نيتشة
أركب قطار مترو الشمال مرتين أو ثلاثا أسبوعياً من نيوهافن إلى نيويورك والعكس. أحاول أن أجلس حيث أستطيع أن أحدق خارج النافذة في مواجهة الناحية الشرقية، حيث أستطيع أن أتأمل نهراً قديماً عميقاً في مكان ما بالقرب من محطة نوروولك. تبرز أوتاد خشبية من الماء وكأنما كان هناك رصيف ممتد انهار على نفسه بعد صراع مع المياه القوية.
لقد عدت لتوي من مدينة نيويورك حيث نزلت أول أمس. خرجت من الطائرة، وفور أن رأيت النهر من القطار شعرت بالراحة.
أستقل القطار غداً صباحاً عائدة إلى نيويورك للالتحاق بصفي. أراقب حبيبي نائما وأنا مشوشة. أجلس في الزاوية على الأرضية الخشبية الصلبة أقرأ مقدمة الطبعة الثانية لكتاب نيتشة «علم السعادة». أكتب الآن هذا بغض النظر عن ماهيته وقيمته. فقراءته تذكرني بآخر مقطع من قصيدة لي يونغ لي «المساعدة الذاتية لأصدقائنا اللاجئين»:
وحيداً في مقعدك المفضل
مصطحباً كتاباً يمتعك…
شيء جيد.
لكن مطارحتك الغرام شيء أفضل
كان نيتشة يعاني من مرض رهيب. ومع ذلك فهو يذكرنا أن نصرف انتباهنا بعيداً عما يؤلمنا نحو الضحك. نحو «الأشياء التي يسميها الناس حباً» دون حجة التملك. يأمرني نيتشة أن ألتوي واختفي داخل الراحة التي أجدها في جسد آخر. يزدري نيتشة كل ما تمسكت به، وكبح رغبتي في ممارسة الحب. علي أن أنهي قراءتي ليوم غد، أن أنهي فرضاً من خمسمائة كلمة، وأن أقوم بالتحضير لاجتماع. يهمني رأي استاذي فيما أفعله. أنا مرتبطة بشعوري بالمسؤولية تجاه حضور الاجتماع. أريد أن أحصل على نمر جيدة. أريد أن أكون «ناجحة». أنتقد نفسي بشدة لأن هذه الأمور لا تكتب بسهولة. أنا أقيم الأشياء. أقيم الإدراك الحسي ومسؤوليتي تجاه الآخرين. يعتقد نيتشة أن كل هذا التقييم هو غباء في حقيقة الأمر.
يلكم نيتشة جسدي. قد لا تشكل الفلسفة تفسيراً للجسد فقط ولكن عدم فهم له. انه يؤلم، أعني جسدي. وهناك شيء بارد وجامد حول هذا النص. لكني أعتقد باستطاعتي أن أتحرك حولي وأرتاح عبر الكلمات. أسدل الستار حولي لأخفي ما لا أستطيع إظهاره – وألتف داخل نفسي. فلتذهب مطاحة الغرام إلى الجحيم فقد يكون ذراعاي كافيان ….
يصرخ الطلاب في المدارس الثانوية بصوت عال كما يفعل ضيوف برامج الراديو. يلبسون سترات واسعة ويضعون شارات ويعتمرون قبعات رمادية. ثياب متعددة الألوان وسترات بكسرات ذات بقع على أكمامها. سراويل كاكية اللون ونظارات واسعة جداً عتيقة المظهر (من أجل النظرات الساخرة)، وأكمام مرفوعة إلى أعلى عليها أزرار غير واضحة اللون. يفكر كل واحد منا بصوت مرتفع وكأننا أفراد جمهور يرفع عالياً ما يجول بخاطرهم. والمتكلم طبعاً هو نجم العرض. وكل من في المدرسة يطأطئون برؤوسهم موافقين ولا سيما عندما تذكر الكلمات الطنانة بصوت مرتفع. في هذا المضمون ستكون «العدمية» أو «مات الله» بوضوح «نحن قتلناه»، التحليل الداريدي المعاصر.(الخ الخ الخ). نتخرج من كلام الطلاب وكأنما أجسادنا هي أوعية تنقل عقولنا الضخمة اللامجدية.

2 – إعادة تقييم الذات
لم أر أعز صديق لي منذ سبعة اسابيع. المرة الأخيرة التي شاهدته كنت أقرأ نيتشة أيضاً. منذ ذلك الحين اُقتلعت من كل أجزاء هذه البلاد المخيفة باتساعها، هذه المشاعر الشديدة تجعلني أرغب في ابقاء الحجاب والسير بعيداً عنه لأجد حرية في هنا. الآن، النسبة الحاضرة لعدد السكان هي ما جال في عقل جون جوردان عندما كتبت الأبيات التالية في قصيدتها «قصيدة حول رأس السنة»:
انه هذا الوقت
ما يعني
انه هذا التاريخ
الذي يعنيني
ذلك الذي نصنعه معاً
مرتبك
ومتقلب
يقول نيتشة انه إذا أردنا أن نتحرك متجاوزين «ضبابية حجاب الوهم. أن نحطم العالم الذي يحسب أنه واقع»، إذاً علينا أن نخلق تاريخاً هادفاً شجاعاً لكل يوم. ومحاولتي الشجاعة لصياغة تاريخ جديد هي حتماً مربكة ومتقلبة كحتمية الجحيم. والله يعلم أني ممتنة لجون لسماحها لي بأن أحظى بمساحة تقترب من حافتها.
اذكر أن استاذي، الذي يعتبر شيئاً كبيراً، استوقفني على ناصية شارع 113 في طريقي إلى برودواي، وسألني إذا كنت على ما يرام. امسك كتفي بيده. تجاوز كونه استاذاً كبيراً، واصبح إنساناً. حمل مرآة خيالية لوجهي، فتسمرت تحت هذا الضغط ولم أقل شيئاً. تعثرت بكلماتي مرتبكة، وحولت الموضوع. سألته متى ستتوقف الثلوج….لأن ما أقوله لا يعني شيئاً. لا أستطيع ان أقول له: «انت أيها البروفيسور العظيم … انت رجل يقطر خراء الآن. وأنا حقاً حزينة جداً لأن جزءاً مني مات تواً. ولا أريد أن أنهض وأخرج من سريري بعد الآن. نعم… علي أن أحمل برنامج النوافذ من جديد إلى الكمبيوتر، أن أقرأ كتاب أوكتافيابتلر بدلاً من القراءة لصفك. أريد أن أنام إلى الأبد.»
هذا البروفيسور، قد يعتقد أنني أقل الناس اعتباراً على وجه البسيطة. وأنني لست سوى طالبة أمريكية متقوقعة حول ذاتها… في الحقيقة أنا كذلك، كلنا كذلك.
والخراء أصبح حقيقة …
عندما استنتج ان الأمريكيين البيض فقط يعتقدون أن ما يقولونه هو فقط ذا قيمة. يعلم الله أن البيض أخذوا حيزاً كبيراً جداً ووقتاً من حياتي يخبرونني عن أنفسهم وعن «مشاعرهم». ودائماً يتركونني أفكر، ما الذي في هذه المشاعر؟ لم اعتقد يوماً أن أي شخص عدا والدتي، يهتم لبكائي. لم أكن أبداً شجاعة لأفكر بأن ما كان علي ان أقوله يهم أي آخر عدا شخصي الملعون. ولذلك لا أفعل …
لا يهمني أن أقول أني ذبلت وتحطمت وأنا بعد غضة بفعل الريح، والملح القاسي، والتبريد المجهد. تحطمت واهترأت بفعل مئات الأيدي تنقر على جسدي – والأصوات الجهيرة بالموسيقى… التي لم اتعود على استساغتها. يكتب نيتشة أساساً من موقع المأساة، شعور عميق بالحزن يفتح حيزاً لضحك غير محترم على كل ما هو متعب ومأساوي.

3 – نيتشة وميلبيس يغنيان كيري هيلسون
من خلالي عند حاجز الحدود الاسرائيلي
أسحب حقاً ما قلته سابقاً عن الكلام. عادةً، أعتقد أن ما أقوله عديم الأهمية كلياً. فأنا غالباً غير مهمة…إلا أنه في هذه المرة جعلتني كلماتي أشعر وكأنني أهم انسانة على وجه البسيطة. ما هو السبب الكامن وراء شعوري الزائد بقيمة نفسي، الذي استمر لمدة ثماني ساعات كاملة؟؟؟ بوليس الحدود الإسرائيلي…عندما فتشت واستجوبت عند نقطة اللنبي. بعد خمس ساعات أو ست من الاستجواب وساعتين أو ثلاث من الانتظار، تتخللها تهديدات ومقولات بأن ليس هنالك ما يسمى فلسطين، ساد هدوء تام. كنت أجلس في غرفة مع مجندة اسرائيلية صغيرة السن تهز رأسها وتبحث في الأوراق دون أن تعنى بالنظر فيها. ولذلك، بدأت بشكل طبيعي أهز جسدي وأحرك رأسي وأتمتم لنفسي. سألتني الضابطة الاسرائيلية بقسوة: «ماهذا الذي تغنينه؟» أجبتها : «أوه، لا شيء» (توقفت) … «و لكن هل سمعت اغنية كيري هيلسون الجديدة؟» … في تلك اللحظة تجسدت صديقي علاء ميلبس وبدأت أغني عالياً ….
لا تكرهيني لأنني جميل
لا تكرهيني لأنني جميل
وتذكرت الضحك الكامن بداخلي. وجدت لدي القدرة لأضحك في غرفة الاستجواب هذه التي رأيتها مرة عبر خوفي، وكانت رائعة! ضحكت حتى بعد أن ختموا على جواز سفري «ممنوع من الدخول». ضحكت في القاعة الطويلة الضيقة المضاءة بالفلورسنت التي تعمي العيون حتى في الليل. أخذت أضحك في ذلك الممر الطويل وأنا أعلم أن دوائر متعددة من البشر تُدفع إلى الجنون بسب التفتيش العدواني والمصادرة … بسبب التحرش الذي ينزع، باسم الأمن والأمان، السترة التي نسدلها حول أجسادنا. أضحك الآن رغم الشعور الفظيع بأنني قد لا أستطيع دخول بلادي مرة أخرى.
ولكن ليس الآن. لا أستطيع تحديد موقع الضحك. الآن فقدت أهميتي بشكل لا يصدق. الآن تتدفق صور الأسابيع الفائتة عبر جفوني مثل فيلم سينمائي. صوت الفيلم يدوي في أذني، ولا أستطيع حتى سماع كلماتي. كلماتي ليس لها معنى. انها مجرد أصوات صماء لا تعني شيئاً لأي أحد، وعلى الأخص لي. في هذه اللحظة، لا أستطيع تحديد موقع الضحك.

4 – نقل الجثث
بعد أن علمت بنبأ وفاة شقيقي بوقت قصير، في الثالث من ديسمبر في تمام الساعة الثالثة واحدى عشرة دقيقة، سأل ابن عمي ماهر : « أين علينا أن ندفنه…» شقيقي، انفجر السؤال في صدري مثل فرار مذعور لأحصنة ملاحقة.
كان قد شعر بتحسن، لذلك عدت إلى المدرسة من أجل الامتحان النهائي… هرعنا جميعاً لنكون إلى جانبه متوقعين أنه سيكون بحال أفضل أو سيموت. ولكن من المهم أن نكون هناك لمثل هذه الأمور. لكنني لم أتوقع أنه بعد ثلاثة أيام من عودتي تحتم علي أن أطلب من والدتي أن تضع سماعة الهاتف بالقرب من أذنه ليسمع صوتي قبل أن يلفظ آخر أنفاسه. ماذا يقول الإنسان لشقيقه قبل وفاته؟ أنا مشغولة جداً بالكلمات. لا شيء أقوله يبدو مهماً في اللحظة التي يتوجب على أن أقول أهم شيء في حياتي. كل ما أستطيع التفكير به هو كم أكره أخذ الهاتف، وكيف أن الكلمات تبدو وكأنها لا تصل إلى مبتعاها.
عاش ثمانية أجيال من عائلتي وماتوا ودفنوا في رامون، قرية فلاحين صغيرة واقعة بعيداً في التلال التي تحيط بأريحا. والدي موجود هناك في تربة رامون في فلسطين. يرقد جوار والده، ووالدته على مقربة منه. شاهد قبرها يميل نحو شاهده. يرقدون جميعاً في المقبرة التي تقع على مسافة أقل من كيلومتر خلف المنزل الذي نشأ والدي به، والملاصق للبيت الذي نشأت فيه والدتي. هذا هو المكان الوحيد الذي امتلكناه في حياتنا. لم نكن قادرين أن نسكن كعائلة، لا في قريتنا ولا في أي مكان آخر لأكثر من سنتين. يقول نيرودا:
لا شيء يقربني منك، وكل شيء يأخذني بعيداً اكثر
أقمنا في أمريكا داخل شقق متواضعة، غرف مؤجرة ومنازل من ثمانية أجزاء. داخل وخارج أشغال ومجتمعات تفتح وتغلق ، أعمال صغيرة وذكريات قد تكون سهلة للتخلص منها – ما زلنا نذكرها.
كنت في نيو هافن عندما وصلني النبأ.
– شدي حيلك يا دينا.
– الله يرحمه ويدخله الجنة يا رب …
– الله يخلي ولاده ويعطيكن الصحة والسلامة…
أين سندفنه؟
كانت شقيقتي عائشة في دالاس – تكساس، وشقيقتي الأخرى ستيفاني ريني في توليدو – أوهايو. عمتي كوثر عادت إلى آن أربور–ميتشيجان. كنا معه نحن الأربعة قبل ذلك بثلاثة أيام في وحدة العناية المركزة بالطابق الخامس من مستشفى سكريبس التذكاري في سان دييجو – كاليفورنيا.
كنا هناك لحظتها. نمسك بيده ونتمتم الصلوات في أذنه. ننظر بغضب إلى ذلك الإبريق الزهري البلاستيكي الغبي الموجود في كل المستشفيات – الذي يسخر منك. يذكرك بالتجربة الروتينية التي تمر بها، وأن هناك تجارب جماعية مثل تجربتك، لدى كل منها ابريقها البلاستيكي الزهري.
كل هؤلاء كانوا مع إيهاب في وحدة العناية المركزة بالطابق الخامس من مستشفى سكريبس التذكاري في سان دييجو – كاليفورنيا : والدتي، زوجته دنيا، عمتي زينب، ابن عمي ماهر، صديقه توم، شقيقات والدتي. أنا وشقيقاتي كنا في مكان بعيد، عماتي كن في ميتشيجان، أبناء إيهاب كانوا مع أصدقاء في لاس فيجاس – نيفادا. والدي كان في فلسطين، وبشكل أكثر دقة في رامون، في التربة بالقرب من والده وعلى الطرف الآخر من والدته.
كل شيء مؤقت ودائم التغيير. عائلتي في لا مكان وفي كل مكان. يصر أقرباؤنا في ميتشيجان أن نضع إيهاب على متن طائرة داخلية وندفنه في ميتشيجان إذا ما فشلت خططنا في إعادته إلى رامون. ولكن يتعين علينا أن نتخذ قراراً بين الجمعة والسبت. يبدو أنني لا أستطيع التواصل مع أي أحد في الوطن. الجمعة عطلة المسلمين والسبت هو يوم السبت اليهودي ولا أحد سيلتقط الهاتف اللعين. بدأت أتجه إلى مطار كنيدي لا أدري إذا ما كنت سأستطيع اللحاق بالطائرة التالية إلى أي من تل أبيب، ميتشيجان أو كاليفورنيا. في المرة الأخيرة التي حاولت فيها الدخول منعت من ذلك، فكيف من المفروض أن أحضر أخي المتوفى إلى البلاد؟
أعتقد أنني تركت أكثر من عشرين رسالة على مختلف آلات التسجيل البريدية ما بين وزارة التخطيط الفلسطينية والشركة الدولية ووزارة الخارجية الاسرائيلية. كان الجميع ينظرون إلي أنني صاحبة القرار لسبب غريب. أنا الوحيدة التي تملك شبكة اتصالات، أو أنني «المتعلمة» بالنسبة لأهلي، انسانة تعرف كيف تنظم تفاصيل الاجتماعات … وتسأل والدتي : « ألا تنظمين المؤتمرات وبالذات اللاربحية منها؟» ولكن إلى الجحيم! فالجنازات ليست مؤتمرات. استطيع أن أؤكد لك …
توفي والدي في كاليفورنيا أيضاً، وكان في استطاعتنا دفنه في فلسطين. كنت عندئذ في الثانية عشرة من العمر، وكانت العملية أقل عدوانية. كان لدينا أعمام لهم وساطات. أخذ عماي عمران وتيسير الأشياء على عاتقيهما هناك لأنهما كاانا صديقي والدي. ولكن الأعمام متوفون الآن. ولم نستطع أن نخلق علاقات مع الباقين. كل الرجال في حياتنا ذهبوا بعيداً. ولذلك، يضطلع ابن عمي بــــ «مسؤوليات» الرجال.
كنت قد عدت إلى سان دياجو حيث توصلت أخيراً إلى السلطات الفلسطينية. وقد شرح لي الشخص على الناحية الأخرى من الهاتف أنه إذا كنا نريد دفن إيهاب في الوطن فقد تغيرت الطريقة بدرجة كبيرة منذ كنت في الثانية عشرة. إذا كنا نريد الآن نقل جثمان شخص ما إلى الوطن فعلينا أن نستأجر شركة اسرائيلية، ويتوجب عليها أن تتقدم بطلب إذن عبر وزارة الخارجية الاسرائيلية. وعند موافقتها علينا أن نجد طريقة لنقل الجثمان من مطار تل أبيب إلى رامون. أيضاً، فإن القوانين الاسرائيلية الأخيرة تتطلب حجز حمولة الشحن. وعندما تشحن بقايا إنسان، فقد يتطلب الأمر أن يتم فتح الجسد وتفتيش الأجزاء. وقد منحت قوات الحدود صلاحيات فتح الجثمان لدواعٍ أمنية.
وعندما أخرجت هذه المعلومات من زوجة أخي وتبادلنا النظرات، علمنا نحن الاثنتين اننا لا نستطيع فعل ذلك. فقط لا نستطيع.وقالت هي أننا لا يجوز أن ننتظر أكثر … إكرام الميت دفنه.
لقد ركبني عفريت عندما أنزلت جسد أخي إلى تراب كوفينا الغربية – كاليفورنيا. فمزرعة نوتس بيري تبعد شارعين، وهناك مخزن تارجت على بعد شارع من المقبرة.

5 –
تتكدس دزينات من فناجين البورسلين الصغيرة في يداي. أملأ مئات من هذه الفناجين بالقهوة العربية المرة المطيبة بالهال. جميع النساء الموجودات في العزاء أخذن يمدحن القهوة ويسألن مباشرة لماذا ما زلت غير متزوجة. يتوقعن مني أن أبكي وأولول بصوت عال. ينظرون الي والشفقة في عيونهن. أسألهن إذا كن يردن إعادة ملء الفناجين….

6 –
والآن عدت إلى نيوهافن–كونكتيكت الملعونة من جميع المدن، المغضوب عليها على وجه البسيطة من الله. كيف أصبحت هذه المدينة الأمريكية الغريبة مفترق طرق بالنسبة لي؟ مع كل هذه الأفكار التي تظللني عن خمار نيتشة والقبور؟ ترددت حول ما إذا كان علي أن أتجه نحو والجرين لأشتري معجون أسنان وخيوط تنظيف… هل ينزع الإنسان الخمار قبل أن تفعل ذلك شرطة الحدود الإسرائيلية؟ أو قبل أن يلاحظ الإنسان الذي تحبه كل أخطائك؟ أو قبل المسير إلى والجرين؟
أو هل يسدل الإنسان الستار حول جسده ليغطي كل شياطينه من الآخرين، وحتى من نفسه؟ إذا ما كان الخمار يغطي المجهول فسأقوم بتسميره إلى الأرض الملعونة، ولن أسمح له بالارتفاع إلى أعلى مرةً أخرى. لا اختلاس نظر، لا كشف. أريد عباءةً وخماراً. حرام أسود طويل يغطي كل شيء. هذا ما أريده. أن أجلس في الظلام مغطاة بالظلام.

اهدأ أيها الجسد. فكرة واحدة تلي الأخرى
أرتجف مشغولة الآن بفكرة أين أدفن هذه الشولة المنقوطة، هذه الفاصلة، مقابل هذه القاطعة الطويلة في كرّاسي. أخي هذا المصنوع من نفس المادة، نفس القواعد. الذي أخذني إلى ألعاب يادرس وشد شعري وعانق شقيقته الطفلة. أين سأدفنه: في هذا الكرّاس؟ في هذه الحياة؟ كيف سأشكل بداية ونهاية أخي كما أفعل بالجملة؟

والآن، أنا أطبع ما كتبت في كرّاستي، في هذه الوثيقة ببرنامج ميكروسوفت. شاشة الكمبيوتر اللامعة والأحرف على لوحة المفاتيح تتداخل بلا وضوح. أجد نفسي، مرة ثانية، في المدرسة الثانوية حيث أقاتل كالجحيم لئلا أتراجع عميقاً إلى أعظم ما عشت من صمت داخل نفسي.
وأعلم أنه لكي أتحرر من كل هذا، فإن نيتشة يقودني إلى شيء. يجب أن أحطم معنى الأشياء التي لا أملكها داخل نفسي. يجب أن أتناول مطرقة وأحطم تاريخ التهجير الوحشي الذي ورثته، وأقطع أي ألم شعرت به نتيجة الخسارة. إذا ما أردت أن أقول «نعم» للحياة في أغرب وأكثر الأحداث ألماً، يتوجب علي أن أخرج من جسدي فكرة أن هنالك وطنا حيث يجب أن تكون قبورنا. أن أتحرر من الخوف من الشفقة. أن أهرب من ذكريات تسكنني عن حياة محطمة. يجب أن أحطم النصب التذكارية المبنية في عقلي لأرض ندعوها وطناً. ونضحك كيف أنها منعت عني الدخول.
لأن الغباء الذي تتركه الأجيال التي مارست هذه التقاليد ثقيل جداً لنحمله في هذا العالم…
وهذا الذي يجعلني أنسى كل هذا وأفلسف فكرة الله….
وأطلب الرحمة من الله….
أفكر بآلاف السوريين الذين عاشوا كل حياتهم في دمشق، حمص، حماة، حلب… واتخيل أنهم لا ريب دفنوا أفراد عائلاتهم وأحبائهم في نفس المقبرة لأجيال. الروتين والإحساس بالمكان يعطي الإنسان راحة. كيف يستطيع الإنسان أن يتلاءم مع حقيقة أن أحد أحبائه يوجد بين مئات الجثث المكومة في (معارض الجثث) السورية المتدفقة؟
أطلب الرحمة من الله….
أفكر بقصة غسان كنفاني «رجال في الشمس»، عندما يكتشف السائق موت اللاجئين الثلاثة في خزان المياه، عليه أن يترك جثثهم على جانب الطريق ويقود مبتعداً بأسرع ما يكون حتى يتمكن من الوصول إلى الكويت بأمان.
رقة الإحساس أحياناً تشل الإنسان. وهي ما نفعله لنستمر في العيش.
أطلب الرحمة من الله….
أفكر بحقيقة أنني أخذت معظم صفوفي قبل التخرج في قاعة كروبر في جامعة بيركلي – المشيدة فوق مقبرة أوهلون المقدسة.
أطلب الرحمة من الله….
أفكر بمئات الأموات المسربلين بالشراشف البيضاء والمكومين حيث لا مكان لهم في غزة. ليس هناك مكان. لا مكان (ثلاجة الموتى). ولذلك فقد تحولت ثلاجات المطاعم للخضار والجيلاتي إلى شاحنات توضع بها الجثث.
أتساءل كيف دفن ابن شقيقة زوج أختي وإذا ما استطاع أحد أن يستعيد شريط حياته قبل أن يتحول إلى الميتين الجدد. مئات من الأجساد التي لا حياة فيها.
أطلب الرحمة من الله….
أفكر في كل الرجال الذين أحببتهم في حياتي، وبحقيقة أن أجسادهم اختفت. لم يعودوا مرئيين في حياتي. لقد ابتلعتهم التربة أو أخذتهم تلك البرتقالة العملاقة والطيور التوركواز في كوابيسي. أفكر في اختفائهم. هو صوت معيز قبل قطع رقبتها كضحية، كيف يكون صوت الصرخة؟ كيف يكون صوت الفم عندما يمضغ اللحم؟
أطلب الرحمة من الله….
هنالك طرق وأزقة … وقطارات نأخذها بعيداً عن المذبحة. لكنها لا تقود أبداً إلى مكان يمكن منه رؤية ما وراء الجبال من جثث الأموات. نسير عبر أبواب تقودنا إلى مبان رائعة الجمال بالرغم من المواقع المقدسة التي بنيت فوقها. طلبت من صديقتي الاسرائيلية أن تحضر لي معها قطعة من التربة عندما تعود إلى أمريكا من وطننا فلسطين. ضغطت تلك القطعة في التربة فوق كومة القاذورات فوق قبر أخي.
أطلب الرحمة من الله….
لأنني أريد أن أضحك, واعرف أن هذا مقبول.
أريد أن أسلم بلا أخطاء إلى شيء يفوق خيالي – أن أستسلم لإله لا على وجه التعيين.
وأريد أن أطلب من هذا الإله أن يحولني إلى قنطور يحمل سهماً حاداً.
يهدف جيداً.
له سيقان قوية.
وقلب رخامي.
أطلب الرحمة من الله….
أريد أن ألعب وأرقص الجاز حول المكان. وأرقص دبكة في الشوارع.
أطلب الرحمة من الله….
لا أريد أن ارى قبعة فقط، ولكن الأفعى البوا التي تبلع فيلاً، وضوء شارع على القمر.
أريد أن أضحك وأصرخ بأعلى ما في رئتي على سطح بناية عالية غير عابئة بمن يسمعني وما إذا كان أحد يسمع.
الرحمة.
أريد أن أتوه في إيقاع لحن الكنار
الرحمة.
أريد خماراً. أريد خماراً كبيراً أسود لخفي البنى التحتية المنهارة للقلب.
الرحمة.
أريد أن أمتنع عن إيجاد الأعذار لإخفاء نفسي.
الرحمة.
أريد أن أتجاوز ما أنا فيه.
الرحمة.
الطريق الوحيد لمتابعة العيش هو النسيان.
الرحمة.
تابعي الأمر يا مهلبة جاكسون.
الرحمة.
إنه فقط صعب، ويجرح….
لأنني أفتقده بشدة.

عين فاطمة –Fatima’s Eye
إذا ما كحلت عيني الطفلة بالكحل، فسيكبران. الرجال يحبون النساء ذوات العيون الكبيرة. الكحل يحمي من العمى والرجال لا يتزوجون نساء عميا. واسأل ابنة عمك نانسي البالغة من العمر الرابعة والثلاثين وما زالت لم تتزوج. ابقي دائماً عين فاطمة مشبوكة في ثياب الطفل. الليمون الجاف والكزبراء يطيبان اليخنة. كلما صغر حجم ورق العنب الذي تلفينه اعتبرك الناس أكثر لطفاً.
إذا ما بكيت وانت تقطعين البصل – فأنت تخافين من حماتك. إذا ما كان شايكغامقاً يعتبرك الناس كريمة، وإذا كان خفيفاً اعتبروك مقتصدة… الرجال يحبون النساء المقتصدات. يجب أن يكون للقهوة العربية قليل من الرغوة على سطحها، فإذا صنعت بإتقان فأنت قابلة للزواج. لا تكنسي أو تمسحي ليلاً، وإذا ما اضطررت لهذا عليك أن تبصقي على الأرض ثلاث مرات. لا يجوز أن يوجه حذاؤك إلى أسفل. إذا ما كان حذاؤك مقلوباً فسيكون الشيطان في أقدامك. لا تنامي وبطنك إلى أسفل مواجهاً المرتبة – فسينسل الشيطان إلى داخلك من صرتك. لا تمارسي الجنس بتاتاً قبل الزواج، فإذا فعلتي فأنتي ساقطة وستذهبين إلى جهنم. لا تظهري أكتافك العارية فهذا تصرف ساقط. فقط النساء اللبنانيات يلبسن هكذا. غطي كل شيء عندما تقرئين القرآن. يجب أن تبكي يوم زفافك، فسوف يظنك الناس خفيفة الدم. يجب أن تزيلي كل شعر جسمك عدا رأسك وحاجبيك. ماذا جرى لحاجبيك؟ لا يجوز أن يكونا بهذه الكثافة – إذا ما كانا كذلك فانزعي بعض شعرهما ولا تقولي أنك تفعلين ذلك. دعي الناس يظنون أن هذا طبيعي. زوجك سيبعدك إذا وجد شعراً في الأسفل. البسي الأبيض يوم زفافك، فأي شيء آخر سيوحي بأنك ساقطة. احرقي البخور عندما تنتقلين إلى شقتك الجديدة. احرقيه بعينيك. نأمل أن تكونا كبيرتين كفاية لتغويه. وإذا لم يحدث، فعيناك صغيرتان جداً. هل ازداد وزنك؟ أخيراً زاد وزنك، والآن يمكن لأوراكك أن تحمل طفلاً. تبدين رائعة، فقد ازداد وزنك كثيراً. اغسلي الأطباق بيديك. النساء اللواتي يستعملن غسالة الأطباق كسالى. تُغسل الأطباق أفضل باليدين. حافظي على نظافة منزلك، استيقظي باكراً ونظفي المنزل. ابدئي تحضير العشاء حوالي الثالثة بعد الظهر. ابقي النوافذ مفتوحة عندما تطبخين – لا تريدين أن تصبح رائحة المنزل كريهة. لا تزوري المرأة المقيمة في مقابلك إذا لم تفعل هي ذلك أولاً. هنالك دائماً بدائل لتحصلي على ما تريدين. مثلي أنك غير مهتمة بجذب انتباهه، فسوف يحضر لك أطقما جديدة لغرفة النوم إذا ما أبقيته مكتفياً جنسياً. إذا كان زوجك يصل إلى الذروة بسرعة، فهذا شيء جيد يطمئنك بأنه ليس له علاقة أخرى. حاولي أن تمنحيه صبياً. فالصبيان يحملون اسم العائلة، يكسبون المال، ويحبون الأم أكثر مما يحبك زوجك. إذا ما زوجنا أبناءنا لفتيات صغيرات فسيكون هذا أسهل للتعامل معهن. النساء بعد العشرين يصبحن أقوياء عنيدات. إذا كانت مريضة فانس الزواج بواحد غني أو من عائلة مهمة. المسهلات تفيد في تخفيف الوزن. عندما تكونين في الثانية عشرة تذكري أن ترقصي في الأفراح، فسيبدأ الناس في معاينتك والتفكير بك كزوجة. تذكري أن تغضي ببصرك عندما يسير بقربك رجال. لا تتباسطي كثيراً مع الرجال، فسيظنون أنك منحلة ويمكن مضاجعتك. انزعي الشعر بشكل دائم من على جسدك واستعملي الشمع أو السكر فهكذا أفضل، ولا تحلقي بتاتاً. لا تستخدمي ما في الصيدليات، فهكذا أرخص. الليمون المجفف والكورياندر يطيبان اليخنة، ولكن ابقي الشبابيك مفتوحة لأن رائحتهما قوية. غطي النوافذ فيما إذا نظر الناس إلى الداخل. إذا قال لك أحدهم أنه يحب شيئاً مما لديك فقدميه لهم. إن عين إنسان حاسد أسوأ من السم. قولي ما شاء الله عندما تمدحين أحداً، فانت لا تريدينهم أن يظنوا أنك غيرى.

من نصوص/ عمر زعزع
حبر
كم كنت غبياً أن اعتقدت في صباي أنني مهندس معماري يحاول ببساطة أن يحتجز مياه ذلك النهر الذي أصابه بلعنته فجعل قدره ركوب الصعاب. فليس هنالك من مبنى أشاده الإنسان أو الله يستطيع أن يخنق ذلك السيل الجارف الوفير من قدرة العقل على الخيال. وقد جاء اليوم الذي لم يعد باستطاعتي كبحه أكثر من ذلك. فالسد تهاوى أمام فيضان الخلق، وجرفني معه بتياره. يجلدني فيوقعني إلى الأسفل، الأسفل، الأسفل… ويجرفني إلى السواد. كفي الأبيض يقبض على الأوراق التي تحمل أحلامي التي تركتها تنجرف باتجاه البحر … مقابل كل نقطة حبر تلتقطها هذه الأوراق، يندفع مزيد من المحيطات متجاوزة اياها – كلمات لم يتفوه بها فم، تدور كالدوامة في اللامكان، وموجات تخرج ببطء نحو شاطئ من الغرباء في لحظة تعبير سريعة قبل أن تختفي بعيداً، قبل أن تفهم. أغتسل الآن ثانية على الشاطئ أيضاً، مثل الناجي الوحيد من حطام سفينة أصابه جنون نتيجة العوم على غير هدى لأيام لا تعد ولا تحصى، متخبطاً بذراعيه على الشاطئ يلهث باحثاً عن نسمة هواء.
وعندما أطفو على السطح، كن لطيفاً معي: مد يدك بسرعة وتناول الصفحات التي أقبض عليها، قبل أن تبتلعني التيارات الخفية. ولسوف أعود – كما أفعل دائماً – مع المد، مع المزيد من الصفحات الملطخة، أكبر سناً إن لم أكن أكثر حكمة… لكن إعلم أن العيون الذابلة التي تراها هي نفسها التي ستتعرف إلى ألقها الشاب، لو أن بقع الحبر تلك لم تُبهت نورها…

دعوة
يذوي
الضوء.
هنالك ممر
والباقي
الأرض.
تخطو عبره.
تستدير لتواجهك.
تومئ قائلةً
«تفضل».
«هل تريد
قليلاً من الشاي؟»
تستدير بعيداً
تتحرك أصابعها
عبر الهواء الخاوي
في إيماءات
مألوفة
وغير ثابتة في آن.
تستدير إلى الخلف
وتمد يدها اليمنى نحوك
مقلوبة الكف
والإبهام موازٍ
تنتظر منك
أن تأخذ
ما قدمته.
ثم:
«زوجي
سيكون في البيت قريباً.
سيسعده
أن يلقاك.
الإبن الأصغر
معه في الخارج الآن.
كم يشبه
والده».
تقبض نفس اليد،
وتدعك الخواء
كأنما هو
رأس فتاة صغيرة.
«ولكن صغيرتي….
لا تبتعد بتاتاً
عن جانب أمها.
أعذر
صمتها
فهي فقط
خجلة قليلاً…»
ومن ثم يصبح وجهها حالكاً
بظل
اليد الغريبة
تخاطبها شفاهةً:
«ولكن ماذا أفعل؟
فأنا لست إلا عجوزاً وقوية
كالأرض التي تحملني …..»

كلمات
ماتت الكلمات
دعنا لا نرثيها.
كل ما تبقى بضعة أرقام:
أرقام
ضحايا،
أرقام
متفجرات
ألقيت
على سجن بلا جدران،
سنين الاحتلال
الحجز
الحصار.
أرقام اللاجئين
منذ 1948
1967
2014.

ماتت الكلمات،
دعنا لا نرثيها.
كل ما يهم،
كم مرحلة تقتضي
لتبقي محتلاً
في حالة رضا.
ها أنا ذا أعد،
ثلاثة على الأقل:
رفض،
نفاق،
جنون الاضطهاد،
ودعنا لا ننسى
فقدان الذاكرة.
ماتت الكلمات،
لكنها تطاردني.
العزاء الذي لا يقال
لصديق
من غزة.
القصة
التي لم أسأل
جدتي
أبداً أن تخبرني عنها
قبل وفاتها،
قصة
الفرار
من حيفا.
نعم، ماتت الكلمات
وهكذا
حرف تلو حرف
جملة تلو جملة
الهيكل الذي
هو هذه القصيدة
يستجمع نفسه
ينظر إلي شذراً
وطوال الوقت
تنفض كلمة وحيدة،
فلسطين،
عنها التراب
متسلحة فقط بالحجارة
عاصية في انتفاضاتها.

من نصوص/صفوان إبراهيم
حارق المباني Arsonist
كم هو مريح
أن تقوم بإنزال الصور المعلقة على الجدران
وباب الثلاجة
مخلفاً وراءك
أطراً متربة
كإيحاءات صغيرة حيث كانت حيواتنا
يوما
متسقة معا.
كم هو مدعاة للتأمل
أن تكنس
الوعود المنكوثة
الملقاة بإهمال على الأرض
إلى ملقفة التراب
وتكومها مع صورنا
على السرير
الذي مارسنا فيه الحب …
لا
بل السرير الذي تضاجعنا فيه…
كم هو مثير للبهجة
أن تشعل عود ثقاب
وترقب اللهب يتراقص
لاعقاً الهواء
يتسلق ببطء أسفل العود
يزحف مقترباً
نحو جلدي
كم هو محرر
أن تقذف عود الثقاب
وترى سريرنا
وقد التهمته النيران كلية …
أن تشهد الرماد والحديد
ينصهران في بوتقة مذابة
تبرد وتقسو
مشكلةً إطاراً
لصخب الموت
في ذكرياتنا.

المسير إلى الوطن Walking Home
يسيل دمي
على تراب أرض غريبة….
ليس لي جذور
في هذا التراب
إنها تمتد بعمق في مكان آخر
كأشجار البرتقال
التي زرعها جدي الأكبر
في جمزو
فلسطين
هناك حيث تنمو جذوري
لكني هنا
أسير…
تضرب قدماي الاسمنت الذي شيد مدينة
ليست مدينتي
مدينة أنشئت
لتحيل ثقل معدن الجدود
إلى الذهب
الذي يرصف شوارع
تناقلتها الأساطير دوماً
ولم توجد أبداً….
سلبت لأصولي
في هذه الشوارع
وسرق تاريخي…
رجل فقير
ازداد فقرا
وبخلاف
مستعمريي اللصوص
فأنا لم استقر منذئذ
وبدلا من هذا،
فأنا أسير …
في فلسطين،
تجري جذوري
عميقة
كالآبار
التي شربت منها جدتي
كالأنهار التي
اغتسلت فيها أمها
كالصلوات التي كانوا يقيمونها
إلى الله في ظلال
أشجار الزيتون
في فلسطين
هناك حيث تجري جذوري
لكني هنا
أسير
في لعنة متنقلة
من محطة لأخرى
بانتظار
حافلة
لن تأتي أبداً
لتأخذني إلى الوطن
لأن الوطن
بالنسبة لي
هو فكرة
ليس مكاناً
فالوطن
بالنسبة لي
تم محوه
من الخرائط
الوطن
بالنسبة لي
رمز
المفتاح
العودة
حق العودة
المفتاح الحديدي الذي
يفتح قلبي لفلسطين

أنا لن أتوقف عن المسير
حتى أصل إلى الوطن…

مراجعة: الحكم علي دروزة – مها لطفي
ترجمة: كريم دروزة / كاتب من لبنان

شاهد أيضاً

ورش إبداعية تحت القصف

وجدي الأهدل * يولد الإنسان موهوباً بالفطرة، ولكن هذه الموهبة في حاجة إلى الصقل كالسيف …