أخبار عاجلة

محمد الأشعري رَدْم المسافة بين الذات والتاريخ في «القوس والفراشة»

شاعر وناقد من المغرب.

هنالك أطروحة محورية، هي مدار كتاب الناقد الفرنسي بيير ماشيري «فيمَ يُفكِّر الأدب؟»، مفادُها أنَّ نُسغَ النصوص الأدبية أفْكارٌ. إنها مسلَّمةٌ تَفتَرِض دائما وجودُ أفكار تصدر عن كلّ مبدع، وتستهدف متلقِّيا، وتقتضي تواصلا وتفاعلا بين الاثنين يتحقَّق عبر رسالةٍ، تتوسَّل بجنس من الأجناس الأدبية، لـ«أن كل ما نكتُبُه نقوم به لنقول شيئا ما لشخص ما»(1). وأعتقد أن رواية «القوس والفراشة» للروائي محمد الأشعري، كتابةٌ مسكونة بهذا الشاغل، لأن قارئها ينتهي- لا محالة- إلى أنها تُفكِّر في أشياءَ كثيرةٍ، وتقول أشياءَ كثيرةً أيضا.
ويستلزم التواصلُ عبر عمل فني، وهو هنا رواية «القوس والفراشة»، الإقرارَ بأنَّ مبدأ الألفة مع العمل من حيث التواصلُ معه، وفَهمُه لاحقا قد تحقق، بدليل كثرة المقالات والنقاشات التي كانت الرواية مدارَها، والتي تعني أن الفهم والحوار معها قد ارتقى إلى التفسير، الشيءُ الذي يسمح بالحديث عن نجاحها في تجاوز ما يُنعتُ- في الهيرمينوطيقا الغاداميرية- بالاغتراب الجمالي، وتوفُّقِها في رَدْمِ المسافةِ بين الذات والتاريخ وأن تخاطبَ القارئ في مباشرة تامة، ناهضةً بدور التوسُّطِ ضمن ما تَسمه الهرمينوطيقا «بالتاريخ الفعَّال أو التاريخ المتواصل التأثير».
تتحرَّكُ «القوس والفراشة»- باعتبارها عملا فنيًّا يحمل طيّه دائما شيئا مقدَّسا« يحتج ضد التدنيس.»(2) في حيّز زمنيّ معيَّن هو العَقْد الأول من القرن الواحد والعشرين، وداخل جغرافية محدَّدة هي المغرب، وتتطرَّق لقضايا وأحداثٍ تنتمي إلى هذا الزمان وهذه الجغرافية، فيُندِّد بطلُها التراجيديُّ يوسف الفرسيوي بأدْناسٍ ويُقاومُها، لأنها تمثِّل قِيَمًا مُنحطَّة يمكن أن نذكر منها:(تجاوزاتِ تهيئةِ حوض أبي رقراق، وأحداثَ 16 ماي الإرهابية بالدار البيضاء، والحربَ على العراق، وسنواتِ الرصاص، والمصالحة، والانتهازية، وانتحارَ مهندس مكناس، ومافيا العقار، وعبدةَ الشيطان، وزواجَ المثليين، وطاعونَ الظلاميين، وزَحفَ الأجانب على الدور العتيقة بمراكش، وتشوُّهَ المعمار، والانتهازية السياسية، إلخ…).
إذن، تدعو «القوس والفراشة» القراء صراحةً إلى التفكير في أحداث معاصرة ومواقف ووقائع وأفكارٍ وتساؤلات وأسئلة تمنح النص راهنيَّته. وتستعرض الرواية تخييليا كلَّ ذلك، فتكشف لنا عن صلتها بتاريخها، وبأنها تعيد كتابته، وتقدِّم شهادتها عليه، مؤكِّدة أنه« يلزم التاريخَ أن يُكتبَ مجدَّدا انطلاقا من كل حاضر»(3) -حسب غادامير- دون أن تكون روايةً تاريخية، لغياب النزوع إلى البحث في المرحلة وإلى إعادة خلق وبناء وقائع سالفة، ومع ذلك، فقد استغلَّت أحداثا من المرحلة ووظَّفتها كإحالات، ضِمن ما تصطلح عليه الهيرمينوطيقا باللعب، لتوهم بواقعية عالَمها المتخيَّل، وليتبيَّنَ للقارئ أنَّ المنجزَ السرديَّ في «القوس والفراشة» في أساسه تأويلٌ لواقع، مثلما أنَّ كلَّ تفسيرٍ لعمل فني ينتهي إلى أن يصير تأويلا.
إذن، تنهض رواية «القوس والفراشة» على «خبرةٍ فنِّية» تُعنى بقول أشياء تقودُنا إلى فهم ذاتنا والعالَم الذي يلفُّنا، وتستهدف تفسيرَ ما يحدث، لذلك وجدناها تَنْهَلُ من روافد متنوعَّة تُعيد خَلْقَ لحظتِها التاريخيَّةِ تخْيِيلِيًّا، وتتغيَّا إعادةَ بناءِ عوالمِها، متوسِّلةً بتناصات يتردد صداها، خصوصا تلك التي تُحيلُ على كُتُب أخرى، إذ الأصل في الكتب أن يُحيل لاحقُها على سابقها كما قال خ.ل. بورخيس، في نص قرأته له لا أتذكَّر أين، وأن تتحدَّث عنها، أو أنْ تستلهِمَها، بحكم أننا نسعى إلى الاستحواذ على الكُتُب التي تأسرُنا، ونحلم كَكُتَّاب دوْما بتملُّكها رمزيًّا على الأقل.
وأعتقدُ أن شيئا من هذا التناص أو الحوار المتواصل قد حدث ما بين «القوس والفراشة»، وبين أكثر من حكاية ورواية، لأنها فعلٌ سرديٌّ بامتياز، أيْ أنَّها كتابةٌ، ومن البديهي أن للقراءة أسبقيَّةً على الكتابة، مما يفيد بأنَّ نصوصا معيَّنة قد حضرت بصيغ متفاوتة في ذهن محمد الأشعري أثناء بنائه لعالمه الروائي، وهي فرضيَّة سأسعى إلى الاحتجاج لها.
بدءً، نلاحظ أن الرَّغبةَ في الحكي تتحرَّك- في شكل أوتوبيوغرافي، على لسان البطل يوسف الفرسيوي- بين لحظتيْن مؤطَّرتيْن بالموت، مؤكِّدةً «أن حقيقة الرغبة هي الموت، لكن الموت ليس حقيقة العمل الروائي»(4)، هكذا:
1- تكون اللحظة الأولى حين توصُّل يوسفَ الفرسيوي بِنَعْيِ ابنِه ياسينَ:» أَبشرْ أبا ياسين، لقد أكرمَك الله بشهادة ابنك»(5). إنه موتٌ فعليٌّ أعقبَهُ موتٌ مرحليٌّ تَمثَّل في فقدانه حاسَّة الشَّمّ:» وطَّنتُ النفس على قبول ما حصل لي كنوع من الموتِ الجزئيّ، لأني عندما أتذكَّر نفسي مستمتعا، شغوفا، متذوقا أو معجبا، فكأنما أتذكر شخصا آخر تُوفي قبلي».(6)
2- وتكون اللحظة الثانية حين اندفاع البطل يوسف الفرسيوي نحو عصام، ضامَّا إيَّاه للارتماء صحبتَه في صهريج المنارة «قبل أن تأخذنا غيمة بيضاء باردة في دويّها الهائل.»(7)، لتكون نهايتُه التراجيديةُ البليغة مستحقَّةً لما قاله الأبُ الفرسيوي في حقه«يجب أنْ أعترف: عذاب يوسف لا يشبهه عذاب أحد من العالمين، فبينَ انتحار أمه ومقتل ابنه تبدو حياته مثل صفعة ظالمة.»(8)
بين هاتين اللحظتيْن، أفلح الروائي محمد الأشعري في «القوس والفراشة» في أن يؤكّد على أن الرواية لا يمكن لها إلا أن تكون جنسا أدبيًّا هجينا، تضم تحت جناحيها تقنياتٍ تعبيريةً واختياراتٍ جماليةً مختلفة، ووسائلَ معرفيةً وثقافية متنوعة، أعادتْ خلق كثير من الوقائع، التي لا تَخْفَى صلتُها الوثيقة ببعض من سيرة الروائي نفسه، وبالأدب العالمي، «لأن ما ينتمي إلى الأدب العالمي له مكانته في وعي الجميع، فهو ينتمي إلى «العالَم».»(9)
وأعتقد أن هذا الحوار مع الأدب العالمي يتخذ في «القوس والفراشة» صيغا مختلفة، منها أن بداية رواية الأشعري تشبه الروايات البوليسية، وهذا لا ينتقص من شأنها، ولا من شأن هذا النوع من الكتابة، خصوصا إذا تذكَّرنا أن رواية بقيمة «اسم الوردة» تبنَّتْ هذه الاستراتيجية السردية، بل إنَّ تضمين حكاية المخطوط الشِّعري المدفون تحت أنقاض وليلي، والذي يعود لجدِّ «ديوتيما» يدفع بقوة في اتجاه افتراضِ تحاوُرٍ وتحويرٍ بين الروايتيْن. إن اللجوء إلى هذا الاختيار يؤكِّد مجدَّدا أن الكتب تتناسل من رحم كُتب أخرى، ويفتح القراءة على التخمين منذ السطور الأولى، ويصبغ تشويقا طريفا على مسار السرد، لاسيَّما وأنه اختار للقيام بهذه المهمة شخصية ولوعة بإجراء تحقيقات هو الصِّحافي يوسف الفرسيوي، الذي اجتهد في الوقوف على استقصاءات عديدة، لعل أهمها:
* التعرّفُ على الظروف التي اكتنفت التحوّل في حياة ياسين، والتي انتهتْ به إلى الموت، وما آلتْ إليه جثَّتُه.
* الانشغالُ باختفاء تمثال باخوس، أي ظروف موته(10).
* الكشف عن مآل عصام الذي اختفى فجأة، الاختفاء معادل للموت(11).
* الشك في انتحار «ديوتيما» أمه الألمانية الأصل.
وكما لا يخفى، فإن هذه الاستقصاءات ترتبط جميعها بالموت، وكأنَّ الأشعري يحاور بها ساراماغو في»الإنجيل حسب المسيح»، حين ذهب إلي أنه «ليس ممكنا أن يرى الإنسانُ الموتَ ويستمرَّ كما كان من قبل»(12)، وذاك ما كابدَه يوسف الفرسيوي، وسعى إلى أنْ يُعبِّر عنه روائيًّا، إذ لا يخفى أنه صاحبُ مشروع روائي، لأنه ورد على لسانه «فكَّرْتُ أنْ أضعَ خُطاطةً أولى لرواية عن إبراهيم»(13)، وأنَّ قُدرتَه الإبداعيَّة في الرواية لا تخفى على الآخرين، فهذه فاطمة تطلُبُ منه كتابة رواية في ص234، كما أن حضورَهُ صُحبَتَها في الفصل 4 من الباب I لاستجواب خوصي ساراماغو ومصاحبَتَه تَكْشِف- على الأقل- عن وَلَع بقراءة الرواية ونقدِها.(14)
يكتشف قارئ الرواية بيُسر أن محمد الأشعري يعقد حوارا بيِّنًا مع ساراماغو، هذا الروائي البرتغالي اليساري الممتع، إذ خصَّه بالفصل الرابع من الباب الأول (الورطة حسب الفرسيوي)، واستحضره في مسارات سردية كثيرة. لقد شكَّل ساراماغو بالنسبة إلى الأشعري تراثا مكتوبا وموضوعا للتأويل، فـ«حيثما يكون لدينا تراثٌ مكتوب لا نكون فقط مبلِّغين بشيء محدد، بل تصبح هناك سمة إنسانية معينة للماضي حاضرة بيننا في علاقتها بالعالم.»(15) ولقد ركَّز هذا الحوار على روايتيْن، هما: «بحث في العمى» و«الإنجيل حسب المسيح». واتسم الحوار معهما بتفاوت جليٍّ، هذه بعض تجلياته.
في رواية ساراماغو «بحث في العمى» يتخيَّل الروائي مدينة يجتاحها وباء العمى، فيصيب من أهلها دون تمييز، إنه عمى أبيض ناتجٌ عن تعطُّل هذه الحاسَّة: حدَث ذلك حين توقَّفَ سائق عند إشارة مرور ضوئيَّة، فغمر بَصَره بياض مُعْمٍ، فكان أن التحق بعيادة طبيب، وهنالك سيُعدي الزبناء المرضى والطبيبَ نفسَه، فأناسًا آخرينَ، لتلجأ السلطة سريعا إلى حشر المجموعة الأولى في مارستان لعزلهم، وبينما كانت العدوى تواصل زحفها في الخارج، كان نزلاءٌ بالمارستان يكافحون ضدَّ مجموعة متسلِّطة، استحوذتْ على الأكل وحاجيات أخرى. وأخيرا ينتصر الديمقراطيون، ووَقْتَها عادتْ حاسَّة البصر إلى الجميع تدريجيا بالترتيب نفسه الذي حلَّ به العمى.
إن غياب البصر وحلول العمى جعل الجميع يكتشفون ذاتَهم والآخرين عبر العلاقات الجديدة، التي طفتْ على سطح الحياة اليومية. العمى تعرية لواقع مثلما فَقْدُ حاسَّة الشمِّ عند يوسف الفرسيوي يسَّر له أن يكتشف في ذاته طاقة تخييلية وتذكُّرية مكَّنته من إعادة اكتشاف الواقع بأسلوب مغاير. يَحُلُّ العمى في رواية ساراماغو بالجماعة بشكل غير مُفسَّر، وكذلك كان انكشافُه في نهاية الرواية عن العُميان، في حين كان فَقْدُ حاسة الشم في بداية رواية الأشعري فرديًّا، لأنه مسَّ يوسف الفرسيوي وحده نتيجة لمبرِّر معقول هو توصُّلهُ بنعي ابنه ياسين، ثم إن استعادته حاسَّةَ الشمِّ خضعتْ لمنطق مغاير، فهي لم تأت تتويجا لمسار نضالي واستقصائي، بل في لحظة تراجيدية، تمثَّلتْ في الانفصال عن زوجته بهية، وشمِّه لقميص ياسين الذي كان يحتفظ به في دولاب، الشيء الذي يُذكِّرنا بالحكاية الدينية للنبي يعقوب الكفيف، الذي استعاد بصرَه لحظةَ شمِّه لقميص ابنه يوسف، وهي حكاية مهما قيل عن انتمائها للحقل الديني، فإن ما لا يخفى هو انتماؤها للأدب العالمي.
لكنْ إذا كان ساراماغو قد عرَّى الاستبداد وأعاد النظام إلى عالمه بعد استعادة شخصياتِه البصرَ، فإنَّ الاختلالات التي عليها مجتمع العالم الروائي «للقوس والفراشة» لن تتوقف بعد استعادة يوسف الفرسيوي لحاسَّةِ الشَّمّ، اللحظةِ التي دشَّنتْ لرحلةٍ أخرى ضمنَ الرواية، ليكون الفعل السردي هنا تحويلا وتأويلا جماليا، «فنحن لا يمكن أن نواجه العمل الفني دون أن نتحوَّل أثناء المواجهة(16)».
أما في رواية «الإنجيل حسب المسيح»- التي تُعتبَرُ بحقٍّ تحفةً روائية حظِيَتْ بكثير من التنويه- فإنَّ ساراماغو سعى إلى إعادة كتابة سيرة للسيد المسيح مَحكِيَّةٍ بضمير الغائب، ومُنْطَلِقَةٍ من لحظة حَمْلِ السيدة مريم به مرورا بلحظة ولادته، فنشأته، ولقائه بالشيطان الراعي، وبالإله في الصحراء، ثم بالاثنيْن معا الرَّبِّ والشيطان في البحر مجدَّدا، وقبوله بمصيره إلى حين صَلْبِه، بعد أن ذهب إلى حتفه بقدميه.
تُطالِعُنا قراءةُ الروايتيْن بأصداءٍ «للإنجيل حسب المسيح» في «القوس والفراشة»، يحدُثُ ذلك، بعد استيعابهما وإعادة ترتيب العلاقات وربط الأحداث والتقنيات فيما بينهما، حيث يتأكَّد أن ورودَ اسْمِ ساراماغو وروايتِه «الإنجيل حسب المسيح» طيَّ «القوس والفراشة» لم يكنِ اعتباطا، لأن دينامية الكتابة تقترن دوما بالتواصل مع كتابات أخرى عبر عمليات الفهم والتفسير والحوار والتأويل والتحوير. ويمكن الذهاب إلى أن «الإنجيل حسب المسيح» يمثل النواة الأصلية التي استلهمتها «القوس والفراشة»، ونقلتها من نص إلى نص، وتسمحُ عناصرُ مشتركة في كلا النَّصيْن بافتراض ذلك، منها:
1- المزاوجة بين لغة الشعر ذات السمة التكثيفية ولغة السرد ذات السمة المتنامية والتطورية.
2- يُحاور ساراماغو نصوصا لأناجيل مُختلَقة ليجعلها خلفية، وليبني منها نصَّ روايته «الإنجيل حسب المسيح»، ويحاور الأشعري رواية ساراماغو بحس إبداعي راقٍ لايُخفي علاقة الاشتهاء التي تسكنُ روايتَه.
3- تُحكى سيرةُ المسيح في إنجيل ساراماغو بضمير الغائب، فينوِّع الأشعري التقنية ويحكي سيرة يوسف بضمير المتكلِّم.
4- تسكنُ إنجيل ساراماغو الرغبة في إدانة الأب أو قتله، لأن يسوع لم يستسغ تصرُّف أبيه الذي هرع إلى الكهف لإنقاذ طفله متخلِّيًّا عن أطفالِ بيت لحم الذين قتلهم جنود هيرودوس، وتسكن الرغبةُ ذاتُها يوسف الفرسيوي الذي يتهم أباه باغتيالِ أمِّه «ديوتيما».
5- ينتهي يسوع البطل مصلوبا في واضحة النهار، وسينتهي يوسف الفرسيوي فراشةً منجذبةً إلى النار لتحترق في نهاية الرواية إثر الانفجار، بعد أن يكون قد فجَّرَ في ذهننا أسئلةً عميقة.
6- يحمل يسوع صليبا على كتفيه قاصدا نهايتَه، وينوء يوسف الفرسيوي بحمل جثَّة ياسين على ظهره، ففي حوار صريح مع ياسين يقول له«- أو على الأقل أن تعترف بأنك محظوظ نسبيا قياسا إلى الفرسيوي الذي يحمل حتى الآن جثة جدتي على ظهره! – كلُّنا يحمل جثَّة على ظهره! – أرجو ألا تكون بصدد التعريض بي!»(17)
7- يستعمل ساراماغو تقنية الاستباق، فيتجلَّى الرَّب ليسوع في لحظات ويُحاوره، ليُنبئه بأن مصيرَه الصَّلب، ويظهر ياسين ليوسف ليُحاوره هو الآخر، وليُنبِئه بأشياء منها على الخصوص قرب حدوث عمليَّة انتحارية بمراكش، العمليَّة التي ستنتهي بيوسف إلى الموت.
بوسعنا، في الواقع، أن نعثر على وشائج كثيرة تصل ما بين هاتيْن الروايتيْن بالخصوص، وبذلك يتأكَّد لنا أن تاريخَ الأدبِ في وجه من وجوهه تاريخُ حوارٍ وتأويل وتحوير، وأنه «فقط عن طريق الاقتراب من الماضي يمكن لنا الاقتراب من الحاضر»(18).
إنَّ هذا الاشتغال يؤكد ثانية أن الأصل في نجاح رواية هو الانسجام بين إجراءاتها النصية وعوالمها التخييلية التي تعيد إبداع الواقع، وهو أمر يستدعي جهدا قرائيًّا ووقتًا كافيًا لاختمار الأفكار، واتضاح الرؤية، وهو ما يبدو لي أنَّ الروائي محمد الأشعري يسلكه في كتاباته الروائية، التي لو تدبَّرنا الأمر قليلا لوجدناه يُمهِلُ الوقتَ، حتى يؤتي أكله، فبين« يوم صعب» و«جنوب الروح»، و«القوس والفراشة» زمنٌ كاف لإنضاج نصوص تستحق الخلود. لهذا أجدُ قولةَ أمبرتو إيكو في تقويم تجربته الذاتية، تصدُق على المبدع الأشعري أكثر من سواه، حين قال في حق رواياتِه إنها «في حاجة لسنوات لكي تُنْجَز. لا أستطيع فهم أولئك الذين يكتبون رواية كل سنة […] فما هو جميلٌ عندما نكتُب روايةً، ليس اللذة المباشرة، بل ما سيأتي بعد ذلك»(19).

الهوامش
1 – آليات الكتابة السردية (نصوص حول تجربة خاصة)، أمبرتو إيكو، ترجمة وتقديم: سعيد بنكراد، دار الحوار، سورية، ط 1، 2009، ص 122.
2- الحقيقة والمنهج (الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية) هانز جورج غادامير، ترجمة: د. حسن ناظم وعلي حاكم صالح، مراجعة: د. جورج كتوره، دار أويا للطباعة والنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، طرابلس ليبيا، الطبعة الأولى 2007، ص 233.
3- Texto e interpretaci?n, H.G.Gadamer; p19 Ao 1998, N?mero 3. Dedicado a: Dilogo y deconstruccin: los lmites del encuentro entre Gadamer y Derrida / coord. por Antonio Gmez Ramos
4 – الحقيقة الرومانسية والحقيقة الروائية: رينيه جيرار، ترجمة: د. رضوان ظاظا، مراجعة د. سعد المولى، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى 2008، بيروت، ص 345.
5 – القوس والفراشة، محمد الأشعري، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، ص 145.
6 – القوس والفراشة، ص 14.
7 – القوس والفراشة، ص 332.
88 – القوس والفراشة 184.
9 – الحقيقة والمنهج، ص 247.
10 – القوس والفراشة، ص 209.
11 – القوس والفراشة، ص 240.
12 – El Evangelio segn Jesucristo, José Saramago, Traducci?n Basilio Losada, Alfaguar, Santillana Ediciones Generales, 2003 Madrid, p. 198.
13 – القوس والفراشة، ص 217.
14 – القوس والفراشة، ص 37.
15 – الحقيقة والمنهج، ص 513.
16 – تجلِّي الجميل ومقالات أخرى: هانز جيورج جادامر. تحرير: روبرت برناسكوني. ترجمة ودراسة وشرح: د. سعيد توفيق. المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، 1997 القاهرة مصر، ص 47.
17 – القوس والفراشة، ص 121.
18 – تجلي الجميل، ص 54.
19 – آليات الكتابة السردية ص 122.
 

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …